«المساهمات الدفاعية» و«مكافحة الإرهاب» تهيمنان على قمة الناتو

ترمب أشاد بحكمة الملك سلمان وبقمة الرياض «التاريخية»

حديث بين المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ورئيس الوزراء اليوناني ألكسيس تسيبراس على هامش قمة «الناتو» في بروكسل أمس (رويترز)
حديث بين المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ورئيس الوزراء اليوناني ألكسيس تسيبراس على هامش قمة «الناتو» في بروكسل أمس (رويترز)
TT

«المساهمات الدفاعية» و«مكافحة الإرهاب» تهيمنان على قمة الناتو

حديث بين المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ورئيس الوزراء اليوناني ألكسيس تسيبراس على هامش قمة «الناتو» في بروكسل أمس (رويترز)
حديث بين المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ورئيس الوزراء اليوناني ألكسيس تسيبراس على هامش قمة «الناتو» في بروكسل أمس (رويترز)

حث الرئيس الأميركي دونالد ترمب، أمس، شركاءه في حلف شمال الأطلسي على مشاركة أكبر في مكافحة الإرهاب و«تهديدات روسيا» وتسديد المبالغ المتوجبة عليهم، دون أن يبدد الغموض حول الالتزام الأميركي بالدفاع عن أوروبا.
وصرح ترمب في المقر الجديد للحلف في بروكسل: «يشرفني أن أكون هنا مع أعضاء تحالف شجع على السلام والأمن في مختلف أنحاء العالم». إلا أن كلمته القصيرة لم تتضمن دعما واضحا وصريحا للبند الخامس من معاهدة «الأطلسي»، الذي ينص على وجوب أن يساعد الحلفاء أي دولة عضو في حال تعرضها لاعتداء خارجي.
في المقابل، ومعلّقا على إغفال الرئيس الأميركي ذكر المادة الخامسة من معاهدة تأسيس حلف شمال الأطلسي، أكد مسؤول أميركي في البيت الأبيض أن ترمب يقف في صف حلفاء آخرين من أعضاء حلف الأطلسي في الدفاع عن جميع أعضاء الحلف. وقال المسؤول، وفقا لما نقلته وكالة «رويترز» بعد كلمة ألقاها ترمب أمام زعماء الدول الأعضاء بالحلف: «إنها جوهر الحلف».
وفي كلمته، قال الرئيس الأميركي إن «حلف المستقبل يجب أن يركز على الإرهاب والهجرة وعلى التهديدات من روسيا على الحدود الشرقية والجنوبية للحلف الأطلسي». وأضاف ترمب: «لهذه الأسباب كنت شديد الوضوح مع الأمين (العام للحلف الأطلسي ينس) ستولتنبورغ والدول الأعضاء في الحلف، عندما قلت لهم إن عليهم تسديد المتوجبات والوفاء بالتزاماتهم المالية»، معربا عن أسفه لكون «23 دولة من أصل 28 في الحلف لا تزال لا تسدد ما هو متوجب عليها». وتابع: «هذا ليس عدلا للمواطنين الذين يسددون الضرائب في الولايات المتحدة».
وأعرب ترمب عن الأمل في أن تحقّق دول الحلف المدينة بـ«مبالغ طائلة» الهدف المحدد في العام 2014، مع موازنة دفاعية تبلغ اثنين في المائة من إجمالي الناتج الداخلي بحلول 2024.
وشدد ترمب على أن «نسبة اثنين في المائة هي الحد الأدنى لمواجهة تهديدات حقيقية وشريرة فعلا اليوم»، مضيفا أن الولايات المتحدة أنفقت في السنوات الثماني الأخيرة «على موازنتها الدفاعية أكثر من كل دول الحلف مجتمعة».
وخصّص الرئيس الأميركي فقرة من كلمته أمام قادة دول الناتو للإشادة بالمملكة العربية السعودية وخادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز. ووصف ترمب في كلمته الملك سلمان بأنه «رجل حكيم، يريد أن يرى الأشياء تتطور بشكل أسرع وأفضل». كما أشاد بنتائج القمة التي استضافتها المملكة لقادة الدول العربية والإسلامية برعاية الملك سلمان، ووصفها بـ«التاريخية».
وفي حديثه مع قادة الاتحاد الأوروبي، أوضح ترمب أن رحلاته ولقاءاته الأخيرة تعطيه أملا جديدا بأن الدول من مختلف الأديان يمكن أن تتوحد لهزيمة الإرهاب الذي يهدد الإنسانية جمعاء، وأضاف أنه يعتقد أن البابا فرنسيس «رائع»، وأنه وجد الاستقبال الملكي في السعودية «مذهلا» و«أبعد من أي شيء رآه أحد»، كما نقلت وكالة «رويترز».
وأسهب ترمب في الحديث مع مسؤولي الاتحاد الأوروبي في بروكسل عن انطباعاته حتى الآن في جولته الخارجية الأولى بصفته رئيسا، التي تهدف في جانب منها إلى طمأنة حلفاء واشنطن بأن الولايات المتحدة ما زالت شريكا يعتمد عليه في عهده.
وسأله رئيس المفوضية الأوروبية جان كلود يونكر عندما شرعا في التحدث أمام الكاميرات، عما إذا كان متعبا، فرد ترمب (البالغ من العمر 70 عاما) أن رحلته «غطّت دولا كثيرة وزعماء كثيرين وزعماء عظماء».
وعلّق ترمب على وصف دونالد توسك، رئيس المجلس الأوروبي، لصور زيارة السعودية بأنها مذهلة، قائلا: «كانت مذهلة جدا. لا أعتقد أن شيئا مثل هذا حدث من قبل. أعتقد أن هذا كان أبعد من أي شيء رآه أحد».
على صعيد متصل، وافق الأوروبيون أمس رسميا على الانضمام إلى التحالف الدولي ضد تنظيم داعش والوعد ببذل مزيد من الجهد ضد الإرهاب. وكانت دول مثل فرنسا وألمانيا وإيطاليا أبدت ترددا حتى الآن، مبدية خشيتها من أن يؤثر ذلك سلبا على سمعة الحلف في العالم العربي، خصوصا بعد الاجتياح الأميركي لأفغانستان وحملة الضربات الغربية في ليبيا.
وأعلن الأمين العام للحلف الأطلسي، ينس ستولتنبورغ، قبل ساعات من انطلاق القمة، أن قرار انضمام الحلف إلى التحالف الدولي ضد تنظيم داعش الذي يأتي استجابة لطلب من الولايات المتحدة، «سيوجه رسالة سياسية قوية حول وحدة الصف في مكافحة الإرهاب». لكنه أضاف متحدثا أمام الصحافيين في بروكسل، أن «هذا لا يعني أن الحلف الأطلسي سيشارك في عمليات قتالية». ويتوقع أن يثير هذا الأمر خلافا كبيرا مع تركيا التي تستضيف قاعدة «إنجيرليك»، لأن قتال «داعش» يعني دعم «قوات سوريا الديمقراطية» وتضم «وحدات حماية الشعب» الكردية التي تعدها أنقرة تنظيما إرهابيا وتعارض دعمها لتحرير الرقة من «داعش».
ونظم حفل أمس لتدشين المقر الجديد للحلف في بروكسل، وأزيح الستار عن جزء من جدار برلين يرمز إلى نهاية الحرب الباردة في أوروبا، وعن جزء من حطام مركز التجارة العالمي إحياء لذكرى اعتداءات 11 سبتمبر (أيلول) 2001، وتعبيرا عن «المكافحة المشتركة للإرهاب».
ولم يتردد الرئيس الأميركي في المزاح، وقال: «لم أسأل مطلقا ماذا كانت التكلفة»، في إشارة إلى تكلفة المقر الجديد التي بلغت 1.1 مليار يورو، ما آثار ضحك الحضور، وتابع أن النتيجة «رائعة».
وبدأت زيارة ترمب الأولى إلى بروكسل صباح أمس بخلافات عدة في وجهات النظر، سواء حول روسيا أو الاحترار المناخي أو التبادل الحر. وقال رئيس المجلس الأوروبي دونالد توسك إنه كان من الصعب التوصل إلى «موقف مشترك».
من جهتها، أثارت رئيسة الوزراء البريطانية تيريزا ماي مع ترمب موضوع التسريبات إلى وسائل الإعلام الأميركية عن التحقيق حول اعتداء مانشستر. وقال متحدث إن ماي التي لم تخف امتعاضها من المسألة قبل مغادرتها لندن، «أثارت مسألة تسريب معلومات استخباراتية مع ترمب، بينما كانا ينتظران التقاط الصورة الجماعية» في مقر الحلف. وتابعت ماي أن «تقاسم المعلومات الذي قمنا به مع الولايات المتحدة في غاية الأهمية وثمين، لكن يجب أن يظل سريا».
وكان ترمب أعلن في وقت سابق أنه يريد ملاحقة المسؤولين عن التسريبات» أمام القانون. وقال: «ليست هناك علاقة نشيد بها أكثر من (العلاقة الخاصة) بين الولايات المتحدة وبريطانيا». كما حث نظراءه في الحلف على التزام «دقيقة صمت تكريما لضحايا اعتداء مانشستر الوحشي»، الذي أوقع 22 قتيلا وعشرات الجرحى مساء الاثنين الماضي في ختام حفل موسيقي.
وقال ترمب: «فتيات صغيرات بريئات وغيرهن قتلوا بشكل مروع وأصيبوا بجروح خطيرة»، منددا بـ«الهجوم الهمجي ضد حضارتنا». وقال إنه «على كل الذين يقدسون الحياة أن يتحدوا للقضاء على هؤلاء القتلة والمتطرفين؛ و(الفاشلين)».



شركة كندية تعلن العثور على عمالها المخطوفين في المكسيك قتلى

قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)
قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)
TT

شركة كندية تعلن العثور على عمالها المخطوفين في المكسيك قتلى

قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)
قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)

قالت شركة ​التعدين الكندية «فيجلا سيلفر»، اليوم الاثنين، إن عمالاً خُطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عُثر ‌عليهم قتلى.

ووفقاً لرويترز، في الشهر الماضي، قالت الشركة، ومقرها فانكوفر، إن عشرة ⁠من عمالها خُطفوا ‌من ‍مشروع ‍بانوكو التابع ‍لها في المكسيك. وذكرت شركة التعدين أنها تنتظر ​تأكيداً من السلطات المكسيكية وستقدم المزيد ⁠من الإفادات.

وهوى سهم «فيجلا سيلفر» 7.1 بالمائة في التعاملات الصباحية.


موسكو تتهم واشنطن باتخاذ «إجراءات خانقة» ضد كوبا

المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
TT

موسكو تتهم واشنطن باتخاذ «إجراءات خانقة» ضد كوبا

المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)

اتهم «الكرملين» الولايات المتحدة، اليوم (الاثنين)، بفرض «إجراءات خانقة» على كوبا، الحليف التقليدي لروسيا، عقب إعلان هافانا تعليق إمدادات الكيروسين لشهر بسبب أزمة الطاقة الناجمة عن توقف إمدادات النفط من فنزويلا بضغط من واشنطن.

وقال المتحدث باسم «الكرملين»، دميتري بيسكوف، إن «الوضع حرج للغاية في كوبا. الإجراءات الخانقة التي تفرضها الولايات المتحدة تُسبب صعوبات جمة للبلاد».

وأضاف: «نناقش حلولاً ممكنة مع أصدقائنا الكوبيين، على الأقل لتقديم أي مساعدة ممكنة».

تعاني كوبا من تداعيات وقف شحنات النفط من كاراكاس بأمر من الولايات المتحدة، بعد أن ألقت القوات الأميركية القبض على الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو الشهر الماضي.

وأعلنت الحكومة الكوبية، الجمعة، إجراءات طارئة لمعالجة أزمة الطاقة تشمل تطبيق نظام العمل لأربعة أيام في الأسبوع للشركات المملوكة للدولة، وتقنين بيع الوقود.

وقّع الرئيس الأميركي دونالد ترمب أمراً تنفيذياً يسمح لبلاده بفرض رسوم جمركية على الدول التي تُصدّر النفط إلى هافانا. ودعا ترمب المكسيك التي تُزوّد كوبا بالنفط منذ عام 2023، إلى التوقف عن ذلك تحت طائلة فرض رسوم جمركية أميركية.

يهدد نقص الوقود بإغراق كوبا في ظلام دامس، فيما تُكافح محطات توليد الكهرباء لتوفير الطاقة.

ووجَّهت روسيا في الأسابيع الماضية انتقادات لاذعة ضد سياسة الولايات المتحدة بشأن كوبا، ووصفتها بأنها «غير مقبولة»، محذرةً من أزمة إنسانية.

وأعلن مسؤول في شركة طيران أوروبية، أمس، أن كوبا أبلغت شركات الطيران بتعليق إمدادات وقود الطائرات لشهر.

وتسعى واشنطن منذ فترة طويلة إلى الإطاحة بالحكومة الكوبية الشيوعية أو إضعافها.

وتتهم هافانا ترمب بالسعي إلى «خنق» اقتصاد الجزيرة، وسط تفاقم أزمة الكهرباء ونقص الوقود، وهما مشكلتان مستفحلتان في الجزيرة منذ سنوات.

وقال الرئيس الكوبي ميغيل دياز كانيل، إن بلاده مستعدة لإجراء محادثات مع الولايات المتحدة، ولكن ليس تحت أي ضغط.


أميركا - ترمب... أحادية عالمية جديدة؟

مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
TT

أميركا - ترمب... أحادية عالمية جديدة؟

مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)

يقول المؤرّخ الإنجليزي، بول كيندي، إن الإمبراطوريات تسقط بسبب امتدادها الأقصى (Overstretched)، أي عندما تصبح وسائلها لا تتناسب مع الأهداف؛ كون الاستراتيجيّة تقوم وترتكز في جوهرها على ربط الأهداف وتوازنها مع الوسائل.

يعدّ الوقت بشكل عام العدو الأكبر لعمر الإمبراطوريات وديمومتها. كل هذا، بسبب تأثيرات ومفاعيل علم الإنتروبيا (Law of Entropy). يأخذنا هذا الأمر إلى مفارقة الفيلسوف الإغريقي أفلاطون حول الوقت وتقسيمه إلى 3 أفسام، هي: الماضي، الحاضر والمستقبل. فحسب الفيلسوف، الماضي لم يعد موجوداً. والمستقبل لم يأت بعد. أما الحاضر، فهو لحظة عابرة لا تتجزّأ. وإذا كان الحاضر لحظة عابرة، ونقطة بلا مدّة، تتحرّك باستمرار، فكيف يؤثّر قرار دولة عظمى في الحاضر - العابر على ديناميكيّة النظام العالمي؟

تؤثّر الإنتروبيا على كل الأبعاد في اللعبة الجيوسياسيّة. هي تغرف مع مرور الوقت وتبدّل الظروف الجيوسياسيّة من قدرات القوى العظمى. كما أنها تتظهّر في الحرب بسبب تعب المقاتلين والاستنزاف، خاصة في القدرات العسكريّة. وعندما نتحدث عن الاستنزاف، فهذا يعني عدم قدرة القوى العظمى على تعويض ما تم استهلاكه من عديد وعتاد - الذخيرة مثلاً. وبسبب تأثير الإنتروبيا، تذهب الدول عادة إلى الحلول السياسيّة بدلاً من الاستمرار في القتال.

ترمب يعرض لائحة الرسوم الجديدة في حديقة الورود بالبيت الأبيض 2 أبريل 2025 (أ.ب)

لا يمكن إسقاط أيّ تجربة لسقوط أو صعود قوّة عظمى معيّنة على صعود أو انهيار إمبراطوريّة أخرى. لكن لفهم هذه الظاهرة، يسعى المفكّرون إلى دراسة التاريخ بهدف استنباط الأنماط، علّها تُشكّل نبراساً يُساعد على الفهم حالة جيوسياسيّة معيّنة. وفي هذا الإطار، يُنظّر المفكّر الأميركي، ويس ميتشيل، في كتابه المهمّ «دبلوماسيّة القوى الكبرى» على الشكل التالي: عندما تصل القوّة العظمى إلى مرحلة الامتداد الأقصى، وعندما تصبح الوسائل المتوفّرة غير كافية لاستمرار مشروع الهيمنة، تّتبع بعض القوى العظمى «استراتيجيّة التدعيم والتمتين» (Consolidation).

فما المقصود بذلك؟ عمليّاً، تُفسّر هذه الاستراتيجيّة بأنها عمليّة تعزيز ما هو موجود بالفعل وتقويته، بدءاً من تحصين الداخل، وذلك بدلاً من التوسّع والسعيّ وراء أهداف جديدة؛ الأمر الذي يتطلّب تأمين وسائل إضافيّة جديدة غير متوفّرة وممكنة أصلاً.

العم سام واستراتيجيّة التدعيم الحاليّة

من يُحلّل فعلاً استراتيجية الأمن القومي الأخيرة، يستنتج حتماً ما يُشبه استراتيجيّة التدعيم مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب. لكن كيف؟

يسعى الرئيس ترمب إلى تحصين الداخل عبر ترحيل اللاجئين غير الشرعيّين، وعبر مكافحة كارتيلات المخدرات، وكما عبر ضبط الحدود البريّة والبحريّة. كذلك الأمر، يحاول رسم منطقة نفوذ حول الولايات المتحدة الأميركية، تبدأ من رغبته في جعل كندا الولاية الـ51؛ إلى استرداد قناة بنما؛ كما شراء أو الضم بالقوة لجزيرة غرينلاند؛ وأخيراً وليس آخراً، خطف الرئيس الفنزويلي من قصره، ومحاولة إدارة فنزويلا ككل، خاصة قطاع النفط، فيكون بذلك قد حرم الصين من مصدر أساسي للطاقة، وقلّم أظافر روسيا في دولة حليفة للكرملين. ولأن الرئيس ترمب يعتمد على عقد الصفقات؛ فهو يبحث جاهداً عن الثروات الطبيعيّة التي تحّرره من احتكار الصين، خاصة الثروات التي تنتج الثروة، وتخلق القوّة في القرن الحادي والعشرين - الأرض النادرة مثلاً.

وفي هذا الإطار، يقول المفكّر ميتشيل إن القدريّة الجغرافيّة تساعد الولايات المتّحدة على أن تكون متحرّرة من المخاطر على أمنها الوطني؛ كونها مُحاطة بمحيطين كعازل طبيعيّ، وذلك بعكس كل من الصين وروسيا. فهل يعني التركيز الأميركي الأخير على نصف الكرة الغربي الانسحاب من العالم ككلّ؟ وإذا كان الأمر كذلك، لماذا ذُكرت تايوان على أنها مهمّة في خط الجزر الأوّل (First Chain Island)؟ وعلى أنها مهمّة في صناعة أشباه الموصلات؟ ولماذا باعت أميركا لتايوان مؤخّراً أسلحة بقيمة 11 مليار دولار، تشمل أنظمة صاروخيّة متقدّمة، طائرات مسيّرة ومدافع ثقيلة؟

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يعرض مبادرته الموقَّعة بشأن الذكاء الاصطناعي في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض 11 ديسمبر 2025 (أ.ب)

في الختام، وبسبب سلوك الرئيس ترمب الزئبقيّ، وعدم معاندته إن كان في الداخل الأميركي، أو على المسرح العالميّ. فهل تعايش أميركا معه مرحلة جديدة من «الآحاديّة-2» (Unipolarity)، وذلك بعد أن عايشت الأحاديّة الأولى مع الرئيس بوش الأب مباشرة بعد سقوط الدبّ الروسيّ؟

وهل يتّبع الرئيس ترمب إلى جانب استراتيجيّة «التدعيم» كما يقول ويس ميتشيل، «استراتيجيّة المركز والأطراف»، بحيث يتدخّل، سياسيّاً أو عسكريّاً عندما يريد في العالم لإبقاء التماس، وذلك مع تدعيم المحيط المباشر لأميركا كونها «المركز»؟