تركيا والصين «شراكة ضرورة» تفرضها المصالح والخلافات مع الغرب

تعقيدات تجارية ومساع حثيثة للتقارب تعترضها الشروط الغربية

الرئيس الصيني لدى استقباله أمس نظيره التركي (أ.ب)
الرئيس الصيني لدى استقباله أمس نظيره التركي (أ.ب)
TT

تركيا والصين «شراكة ضرورة» تفرضها المصالح والخلافات مع الغرب

الرئيس الصيني لدى استقباله أمس نظيره التركي (أ.ب)
الرئيس الصيني لدى استقباله أمس نظيره التركي (أ.ب)

يحمل «منتدى الحزام والطريق للتعاون الدولي» أهمية كبيرة بالنسبة لتركيا والصين على الرغم من تعدد الأطراف المشاركة فيه لكون العلاقات بينهما باتت شراكة تحتمها ظروف تقلبات العلاقات مع الغرب بالنسبة لأنقرة وحالة التباعد التقليدي مع بكين.
يشارك الرئيس التركي رجب طيب إردوغان في المنتدى على رأس وفد سياسي واقتصادي كبير، حيث تولي أنقرة المنتدى أهمية كبيرة وتنظر إليه بوصفه فرصة كبيرة للتقارب مع بكين، كما أن بكين أيضا تنظر باهتمام إلى المبادرات التركية للتقارب على الرغم من تعقد ملفات التجارة بين البلدين. ودليلا على هذا الاهتمام المتبادل، قالت وكالة الأنباء الرسمية الصينية (شينخوا) إن المنتدى سيجمع «التنين والهلال» فالتنين يرمز للصين والهلال للدولة التركية، لافتة إلى أن إردوغان كان من بين الزعماء الأوائل الذين دعاهم الرئيس الصيني لحضور المنتدى.
وقبيل مغادرته إلى بكين، الجمعة، قال الرئيس التركي رجب طيب إردوغان إن المبادرة التي اقترحها الرئيس الصيني عام 2013 مهمة للغاية وتاريخية وتهدف إلى تأسيس شبكة للبنية الأساسية والنقل والاستثمار والطاقة والتجارة، لافتا إلى أن تلك الجهود سوف يكون لها تأثير إيجابي، ليس فقط على العلاقات التركية الصينية، وإنما أيضا على العالم بأسره.
وتهدف تركيا إلى تنفيذ مشروع «خط وسط قزوين» خلال أعمال المنتدى. وفي هذا الإطار، من المنتظر أن تنتهي أعمال بناء مشروع «ممر الوسط» الذي يعتبر أحد أهم أقسام مشروع باكو - تبليسي - قارص لسكك الحديد، خلال العام الحالي.
وكانت حكومتا تركيا والصين وقعتا على مذكرة تفاهم في إطار قمة العشرين التي أقيمت قبل عامين في مدينة أنطاليا التركية، حول مشروع طريق الحرير، وتعزيز العلاقات التجارية والملاحة البحرية للبلدين، إضافة إلى مذكرة تفاهم تتعلق بمبادرة «ممر الوسط» الذي يعد أحد أهم عناصر مشروع إحياء طريق الحرير التاريخي، إذ يصل بين تركيا والصين مروراً بجورجيا وأذربيجان وبحر قزوين بواسطة العبارات ومنها إلى تركمانستان وكازاخستان ثم أفغانستان وباكستان. ومن أبرز ميزات الممر، أنه منخفض التكاليف بالمقارنة مع «ممر الشمال»، فمسافته أقصر بألفي كلم من الثاني، ومن المتوقع أن يختصر زمن المرور 15 يوماً بالمقارنة مع ممر الشمال.
ويرافق إردوغان خلال زيارته للصين في جولته، كل من طغرل توركاش نائب رئيس الوزراء، وبكير بوزداغ وزير العدل، ومولود جاويش أوغلو وزير الخارجية، ووزير الاقتصاد نهاد زيبكجي، ووزير الطاقة والموارد الطبيعية برات البيرق، ووزير المواصلات والاتصالات والنقل البحري أحمد أرسلان. وأكد وزير الاقتصاد التركي نهاد زيبكجي أن محادثاتهم في الصين تتمحور حول العراقيل التي تفرضها سلطات بكين على دخول المنتجات التركية إلى أسواقها.
وأوضح أن حالة عدم التوازن في التبادل التجاري مع الصين، أمر لا يمكن قبوله، وأنه ناقش مع الرئيس إردوغان قبيل الزيارة كيفية علاج هذا الوضع.
وتابع: «نقوم ببيع منتج إلى الصين، لكننا نشتري مقابل ذلك 10 سلع استهلاكية، وهذا الأمر غير مقبول، فقيمة الصادرات الصينية إلى تركيا 25 مليار دولار، ووزارتنا تراقب المنتجات المستوردة من الصين عن قُرب».
واعتبر الخبير في شؤون العلاقات الدولية أركين أكرم أن تركيا يمكنها التعاون مع الصين خلال الفترة المقبلة في المجالات الاقتصادية والسياسية والأمنية، لا سيما في ظل تضارب مصالحها مؤخراً مع الغرب والولايات المتحدة، وأن تركيا بإمكانها جذب الاستثمارات الصينية ونقل تكنولوجيا هذا البلد من خلال إقامة تعاون وثيق مع سلطات بكين.
في السياق نفسه، تبدي تركيا اهتماما بالانضمام إلى منظمة شنغهاي للتعاون التي أشار إردوغان أكثر من مرة وسط التوتر مع الغرب وحلف الناتو إلى إمكانية أن تتوجه تركيا للانضمام إلى هذه المنظمة، وقال السفير الصيني في أنقرة يو هونغ يانغ إن بلاده رحبت بفكرة انضمام تركيا إلى منظمة شنغهاي وأبدت استعدادها للتعاون مع المسؤولين الأتراك في هذا الشأن. ولفت إلى التقارب بين أنقرة وبكين في الفترة الأخيرة، مشيرا إلى أن إردوغان سليتقي بينغ على هامش منتدى بكين، للمرة الرابعة خلال العامين الأخيرين للتباحث حول ملفات سياسية واقتصادية ومواضيع أخرى ذات اهتمام مشترك. وأضاف أن تركيا شاركت بشكل فعال خلال الأعوام الأخيرة في أعمال منظمة شنغهاي وباتت بمثابة شريك، ولا شك في أن الصين ترحب بفكرة انضمامها إلى المنظمة وهي مستعدة لبحث انضمامها بالتشاور مع الدول الأعضاء.
وبحسب السفير الصيني، فإن بلاده تجري أيضا مباحثات مكثفة مع الجانب التركي في إطار منظمة التعاون الفضائي لدول آسيا والمحيط الهادي (أبسكو)، وتسعى لتعميق هذا التعاون خلال الفترة المقبلة. وفيما يتعلق بمجال الطاقة النووية، قال هونغ يانغ إن بكين تولي أهمية للتعاون مع تركيا في هذا الموضوع خلال الأعوام الأخيرة، نظرًا لخبراتها وإمكاناتها الكبيرة في تكنولوجيا الطاقة النووية.
واعتبر خبراء في العلاقات الدولية أن التعديلات الدستورية الأخيرة في تركيا التي تخول إردوغان صلاحيات واسعة ستمكنه من تمرير كثير من المشروعات الضخمة التي تحتاج إلى رؤوس أموال ومتعهدين قادرين على توفير مليارات الدولارات، وسيكون قادرا على استخدام سلطاته الجديدة للاستفادة من علاقة وثيقة مع الصين وإتاحة المجال للشركات الصينية لتصدير رؤوس الأموال والتكنولوجيا إلى تركيا.
ويرى الخبراء والمحللون أن التحالف مع بكين سيعود بالفائدة على إردوغان أكثر من أي تحالف مع موسكو أو طهران وأن ثمة إمكانية في ترسيخ العلاقات بينهما في الوقت الذي تعمل فيه أنقرة على تلافي اعتمادها المفرط على واشنطن وتطلع بكين إلى تعزيز حضورها الاقتصادي والدبلوماسي والعسكري في منطقة تزداد أهمية لمصالحها.
ولم تشهد العلاقة بين تركيا والصين ازدهارا حتى سبعينات القرن العشرين نتيجة للتقارب بين أنقرة وواشنطن لكنها تعمقت في التسعينات عندما عمدت الولايات المتحدة وأوروبا إلى تقييد مبيعات الأسلحة إلى تركيا بسبب القضية الكردية، ما دفع بأنقرة إلى البحث عن جهات بديلة لتزويدها بالسلاح. واستمرت العلاقات في النمو منذ ذلك الحين. ففي أكتوبر (تشرين الأول) 2010، قام رئيس الوزراء الصيني السابق ون جيا باو بزيارة إلى تركيا ثم تبعه الرئيس شي جين بينغ بزيارة أخرى في عام 2012، بينما رد إردوغان الزيارة إلى الصين في العام التالي. وفي عام 2012 أصبحت تركيا أيضاً «شريكاً في الحوار» مع منظمة شنغهاي للتعاون، وهي مجموعة متعددة الأطراف تهيمن عليها روسيا والصين ويعتبرها الغرب أحياناً طامحة إلى منافسة المؤسسات التي ترأسها الولايات المتحدة أو الحلول محلها ومنها الناتو.
وأجرت القوات الجوية التركية والصينية مناورات مشتركة متعدّدة من بينها مناورة عسكرية أجريت في عام 2009 وقامت خلالها المقاتلات الصينية بالهبوط في إيران للتزود بالوقود في طريقها إلى تركيا.
لكن التقارب بين أنقرة وبكين يسير بحذر نظرا لتباين التوجهات في عدد من القضايا، منها الملف السوري، وخلافٌ بين الحكومتين بشأن أقلية الأويغور الصينية التي تربطها علاقات تاريخية وعرقية مع تركيا وخلافات تركيا مع دول في منطقة الشرق الأوسط تسعى الصين للتقارب معها مثل مصر.
وقد ظهرت عقبات على الصعيد العسكري أيضاً. ففي عام 2013، بدت العلاقات الاستراتيجية بين الصين وتركيا مؤهلة للمضي قدماً عندما أعلنت تركيا عن خطط لشراء نظام دفاع صاروخي من الصين من شركة خاضعة لعقوبات أميركية إلا أن الخطوة لم تفضِ في النهاية إلى شيء؛ ففي عام 2015، أُلغيت صفقة البيع بسبب الاحتجاجات الغربية ورفض حلف الناتو والمشكلات التعاقدية.



تقرير: العملات المشفرة تموّل شراء الطائرات المسيّرة في روسيا وإيران

عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)
عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)
TT

تقرير: العملات المشفرة تموّل شراء الطائرات المسيّرة في روسيا وإيران

عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)
عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)

ذكر تقرير جديد صادر عن شركة «تشيناليزيس» المتخصصة في تحليلات سلاسل الكتل (بلوكتشين) أن جماعات مرتبطة بروسيا وإيران تستخدم بشكل متزايد العملات المشفرة لتمويل شراء الطائرات المسيّرة والمكونات العسكرية منخفضة التكلفة، وفق وكالة «رويترز» للأنباء.

وصارت الطائرات المسيّرة المتاحة تجارياً عنصراً أساسياً في الصراعَين الدائرَين في أوكرانيا والشرق الأوسط، ولكن نظراً إلى توافر المسيّرات منخفضة التكلفة على نطاق واسع على منصات التجارة الإلكترونية العالمية، يواجه المسؤولون غالباً صعوبة في تتبع من يقف وراء عمليات الشراء وما قد تكون نواياه من وراء شراء هذه المنتجات.

وخلّصت «تشيناليزيس» إلى أنه في حين أن معظم مشتريات المسيّرات تتم باستخدام القنوات المالية التقليدية، فإن شبكات الشراء تتقاطع بشكل متزايد مع «بلوكتشين» العملات المشفرة، وهو السجل الرقمي العام الذي ترتكز عليه هذه العملات. ويتيح هذا السجل للمحققين تتبع مسار المعاملة من منشأها إلى وجهتها.

وتمكّن باحثون معنيون بـ«البلوكتشين» في شركة «تشيناليزيس» من تتبع تدفق العملات المشفرة من محافظ فردية مرتبطة بمطوري مسيّرات أو جماعات شبه عسكرية لشراء طائرات مسيّرة منخفضة التكلفة ومكوناتها من البائعين على مواقع التجارة الإلكترونية.

وذكر التقرير أنه منذ الغزو الروسي الشامل لأوكرانيا في عام 2022، حصلت جماعات موالية لروسيا على أكثر من 8.3 مليون دولار من التبرعات بالعملات المشفرة، وكانت الطائرات المسيّرة من بين المشتريات المحددة بالتفصيل التي تمت باستخدام تلك التبرعات.

قال رئيس قسم استخبارات الأمن القومي في «تشيناليزيس»، آندرو فيرمان: «توجد فرصة مذهلة على (البلوكتشين)، بمجرد تحديد البائع لرؤية نشاط الطرف المقابل وإجراء تقييمات تساعد في توضيح الاستخدام والنية الكامنة وراء الشراء».

كما وجد التقرير أن جماعات مرتبطة بإيران تستخدم العملات المشفرة لشراء قطع غيار الطائرات المسيّرة وبيع المعدات العسكرية. وسلّط الضوء بشكل خاص على محفظة عملات مشفرة لها صلات بـ«الحرس الثوري» الإيراني تشتري قطع غيار مسيرات من مورد مقره هونغ كونغ.

وبالتأكيد لا يزال الحجم الإجمالي لمشتريات المسيّرات بالعملات المشفرة صغيراً مقارنة بالإنفاق العسكري الإجمالي، لكن التقرير أشار إلى أن تقنية سلاسل الكتل (بلوكتشين) يمكن أن تساعد السلطات على تتبع المشتريات بشكل أفضل التي ربما كانت ستظل غامضة لولا ذلك.

وقال فيرمان: «يمكن أن توفر تقنية (البلوكتشين) الكثير من المعلومات التي لا تتوافر بالضرورة بالطرق التقليدية».


الجامعة الأميركية في أرمينيا تنتقل للتعليم عن بُعد عقب تهديدات إيرانية

الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)
الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)
TT

الجامعة الأميركية في أرمينيا تنتقل للتعليم عن بُعد عقب تهديدات إيرانية

الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)
الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)

أعلنت الجامعة الأميركية في أرمينيا، الاثنين، الانتقال إلى التعليم عن بُعد على خلفية التهديدات الإيرانية باستهداف الجامعات الأميركية في غرب آسيا.

وقالت الجامعة في بيان، إنه «نتيجة التهديد الإيراني باستهداف الجامعات الأميركية في غرب آسيا والشرق الأوسط، ستنتقل جميع صفوف الجامعة الأميركية في أرمينيا يوم الاثنين 30 مارس (آذار)، لتصبح عبر الإنترنت بالكامل»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وهددت إيران باستهداف الجامعات الأميركية في الشرق الأوسط، بعدما أفادت بأن ضربات أميركية - إسرائيلية دمّرت جامعتين إيرانيتين.

وقالت الجامعة الأميركية في أرمينيا إنها لم تتلقَّ أي تهديدات مباشرة، وشددت على أنه لا يوجد أي داعٍ للهلع، واصفة الخطوة بأنها «احترازية».

أشخاص يمرّون أمام البوابة الرئيسية لحرم «الجامعة الأميركية في بيروت» (AUB) في وسط بيروت - 13 يناير 2022 (أ.ف.ب)

وأصدر «الحرس الثوري الإيراني» بياناً أورده الإعلام الإيراني الأحد، جاء فيه أنه «إذا أرادت الحكومة الأميركية بألا تتعرض الجامعات الأميركية في المنطقة لردود انتقامية... فعليها إدانة قصف الجامعات» في بيان رسمي قبل ظهر الاثنين 30 مارس بتوقيت طهران.

ونصح «الحرس الثوري» موظفي وأساتذة وطلاب الجامعات الأميركية في المنطقة، «بالبقاء على بُعد كيلومتر واحد» على الأقل من الجامعات التي قد تُستهدف.

وأعلنت «الجامعة الأميركية في بيروت» في اليوم ذاته، العمل بنظام التعليم عن بُعد بشكل كامل يومي الاثنين والثلاثاء.

وفي الأردن، قالت الجامعة الأميركية في مادبا التي تبعد نحو 35 كيلومتراً من العاصمة عمّان، إن الصفوف الدراسية لطلابها البالغ عددهم 3 آلاف ستقام عبر الإنترنت حتى الخميس.


الحرب الإقليمية وأخطار الترابط والعولمة

ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
TT

الحرب الإقليمية وأخطار الترابط والعولمة

ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)

في عالمٍ مترابط إلى هذا الحد، لم تعد الحروب تُخاض على الجبهات فقط، بل داخل كل اقتصاد، وكل ميناء، وكل سلسلة إمداد...

لطالما سمعنا في «عصرنا الحديث» أن الترابط والعولمة هما محركان للسلام والازدهار، لكن الحقيقة أنهما يتحولان إلى مشكلتين كبيرتين في أوقات الحرب. فبدلاً من تعزيز الاستقرار، قد تحوّل مستويات التكامل العالية الاقتصادات إلى أسلحة فتّاكة أو تجعلها ضحايا، ويصبح الشركاء التجاريون خصوماً، وتحدث اضطرابات في كل أنحاء العالم.

بمعنى آخر، يؤدي الترابط والعولمة إلى انعكاس مباشر للأزمات الجيوسياسية على شبكات التجارة، والإنتاج، والتمويل التي بُنيت أساساً لتحقيق الكفاءة من دون أن تتمتع بالمرونة الكافية لامتصاص الصدمات. ومع تضرر سلاسل التوريد الحيوية بسبب الاضطرابات المختلفة من حروب، وجوائح، وكوارث طبيعية، قد تتحول الارتفاعات المؤقتة في الأسعار إلى ضغوط تضخمية مستدامة، مما يرفع منسوب خطر حصول الركود التضخمي.

قبل ست سنوات، كانت للكارثة الصحية التي سبّبها كائن مجهري صغير هو فيروس «كوفيد-19» تداعيات اقتصادية ضخمة: ضَمُر الطلب ليلامس الاضمحلال، اضطربت سلاسل التوريد، استفحلت الضائقة في كل مكان، وانكمشت الاقتصادات في طول الكرة الأرضية وعرضها، وتراجعت أسعار النفط بشكل مذهل في ظل توقف حركة الإنتاج، وملازمة مليارات البشر منازلهم.

مضيق هرمز (رويترز)

أخطار الصراع الإقليمي

في هذا السياق، تُبرز حرب إيران الآثار السلبية الخطيرة للترابط الاقتصادي والعولمة، إذ حوّلت سلاسل التوريد المشتركة إلى نقاط ضعف. وقد أدى الصراع إلى أزمة عالمية كبرى في مجالي الطاقة، والأمن الغذائي، مما يُظهر مدى سرعة تسبب عدم الاستقرار الإقليمي في أضرار اقتصادية عالمية.

ومع استمرار الحرب الإقليمية التي بدأت في 28 فبراير (شباط) الفائت، بدأت الأسواق المالية أخيراً تعي احتمال تحول الصراع سريعاً إلى أزمة عالمية للاقتصاد الكلي. فالعوامل الجيوسياسية المتفجّرة تؤثر عادةً على جوانب عديدة من الاقتصاد العالمي، ليس أقلها التضخم، وسلاسل التوريد. وستتأثر الصين والهند وأوروبا بشكل أكبر على المدى القريب بسبب حاجتها الكبيرة إلى مصادر توليد الطاقة.

وكلما طالت الأزمة، ازداد تأثيرها على العديد من الاقتصادات العالمية الكبرى. والسبب واضح، فالشرق الأوسط ليس مجرد مصدر غنيّ للطاقة، والفرص الاستثمارية الهائلة، بل يضم أيضاً بعضاً من أهم سلاسل التوريد، والمواني العالمية.

ومعلوم أن المواني والممرات البحرية تضطلع بدور حيوي في الحفاظ على سلاسل الإمداد العالمية، واستمرار عجلة الاقتصاد العالمي في الدوران. ومعلوم أيضاً أن مضيق هرمز هو من أهم الممرات في الشرق الأوسط، ويمر عبره نحو خمس نفط العالم، وغازه. لذا لا يؤثر الإغلاق أو حتى «تضييق» المرور في المضيق على المنطقة فحسب، بل يمتدّ التأثير ليشمل كل دول العالم.

وإذا أُغلق باب المندب مجدداً، تزامناً مع إغلاق مضيق هرمز، فسيحصل شلل شبه تام في حركة التجارة العالمية بين الشرق والغرب، الأمر الذي سيدفع حتماً بالاقتصاد العالمي نحو ركود تضخمي حاد، مع ارتفاع جنوني في أسعار الشحن، والتأمين، وتحويل مسار السفن إلى طريق رأس الرجاء الصالح (جنوب أفريقيا) الأطول.

في نظرة استعادية، سبق أن حدثت حالات نقص حاد في إمدادات النفط نتيجة أحداث جسام، أهمها حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973، والثورة الإيرانية عام 1979، واندلاع الحرب العراقية-الإيرانية عام 1980، وحرب الخليج عام 1990. ويكمن الاختلاف الرئيس بين إغلاق مضيق هرمز وهذه الحالات السابقة في حجمه الهائل. فعلى سبيل المثال، لم تتجاوز نسبة النفط المسحوب من السوق في 1973 و1990 إلا نحو 6 في المائة من إمدادات النفط العالمية، وفي 1979 و1980 لم تتجاوز 4 في المائة. أما اليوم، فيواجه العالم -حتى الآن- نقصاً يقارب 20 في المائة، مما يجعل هذا الحدث الجيوسياسي أكبر بثلاث إلى خمس مرات.

هذا الوضع الراهن حتماً هو الأخطر، فخنق الممرات المائية الضيقة يوسّع مسارات الأزمة بكل ارتداداتها العالمية، وبالتالي يُخرج الصراع عن حدوده الإقليمية ليتحوّل إلى مشكلة عالمية. ولعلّ باب المندب أهم من مضيق هرمز، لأنه يربط عبر قناة السويس بين أوروبا وآسيا وأفريقيا، لذا من الطبيعي أن يكون أحد أكثر الممرات الملاحية ازدحاماً في العالم، إذ تعبره ناقلات النفط، وسفن الشحن الآتية من المحيط الهندي للوصول إلى البحر الأحمر، ثم إلى قناة السويس، ومنها إلى البحر الأبيض المتوسط، وكذلك في الاتجاه المعاكس.

من أبرز مستفيد؟

وسط هذه الأزمة المتشعبة، يرجَّح أن تصير موسكو أبرز المستفيدين من إعادة صياغة تدفقات التجارة وروابطها. فالتحولات في أسواق الطاقة العالمية ذات أهمية بالغة لنظام فلاديمير بوتين الذي سيجني ثماراً قصيرة الأجل، مع احتمال أن تزداد المكاسب غير المتوقعة، وتصبح أكثر استدامة.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين (أ.ف.ب)

فمع ارتفاع أسعار النفط عموماً ستتدفق إيرادات إلى موازنة الدولة الروسية المتعثرة الخاضعة لعقوبات متنوعة بسبب حرب أوكرانيا. وتأمل موسكو أن تجد أوروبا نفسها أخيراً في أزمة نفط وغاز حادّة، الأمر الذي قد يُخفف حدّة موقفها تجاه المحروقات الروسية، ليس فقط بالسماح لروسيا بالتصدير إلى الاتحاد الأوروبي مجدداً، بل التوسل إليها عملياً للقيام بذلك. ويستند هذا الأمل أيضاً إلى كون الولايات المتحدة المورد الوحيد القادر على مساعدة أوروبا في مجال الغاز، وإلى تكهنات بأن أوروبا، في ظل تدهور العلاقات عبر الأطلسي، قد تُعيد النظر ملياً قبل الاعتماد المفرط على الإمدادات الأميركية المكلفة، ذلك أن سعر الغاز الأميركي المنقول إلى أوروبا أعلى أربع مرات عن سعر الغاز الروسي.

وبالتالي، إذا «عادت» أوروبا إلى الجار الروسي، فستتوتر العلاقة أكبر بين القارة القديمة وشريكتها الأطلسية التي صارت تعتبر أوروبا عبئاً أكثر من كونها حليفاً، وسنداً.

إلى أين سيذهب التدهور بالعالم؟

بعد فتح هذا «الهامش» للتحدث عن الجزئية الروسية، يبقى القول إن الوضع خطير، بل الأخطر منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. وثمة مؤشرات عديدة تنبئ بتدهور لا أحد يعرف مداه...

يقول فولكر تورك، المفوض السامي لحقوق الإنسان، إن «النزاع يثير مخاوف جدية بموجب القانون الدولي الذي يحظر الهجمات التي تستهدف المدنيين وبنيتهم ​​التحتية، والهجمات على الأهداف العسكرية حيث يكون الضرر الذي يلحق بالمدنيين غير متناسب».

يضيف المسؤول الأممي: «يتطلب عالمنا المترابط بشدة من جميع الدول إعادة الالتزام الكامل باحترام القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة. لا يمكننا العودة إلى الحرب كأداة للعلاقات الدولية».