هل يمكن أن تتحول الثقافة إلى منتج اقتصادي منافس؟

مؤتمر في عُمان يناقش الاستثمار في حقولها

الدرمكي خلال الاستعداد لإطلاق مؤتمر «الاستثمار في الثقافة»
الدرمكي خلال الاستعداد لإطلاق مؤتمر «الاستثمار في الثقافة»
TT

هل يمكن أن تتحول الثقافة إلى منتج اقتصادي منافس؟

الدرمكي خلال الاستعداد لإطلاق مؤتمر «الاستثمار في الثقافة»
الدرمكي خلال الاستعداد لإطلاق مؤتمر «الاستثمار في الثقافة»

تشهد العاصمة العُمانية مسقط، اليوم الثلاثاء، عقد مؤتمر بعنوان «الاستثمار في الثقافة» تشارك فيه 15 دولة عربية وأجنبية، ويسلط الضوء على سبل الاستفادة من الإرث الثقافي لخدمة المجتمع وتنميته.
ينظم المؤتمر النادي الثقافي في سلطنة عمان، بالتعاون مع وزارة التراث والثقافة، والجمعية الاقتصادية العمانية، ومؤسسة بيت الزبير ويستمر 3 أيام، ويشارك فيه باحثون وأكاديميون من السعودية والكويت وقطر والبحرين والسودان والمغرب ومصر واليمن وتونس والجزائر وإيران وفرنسا وألمانيا وباكستان، إضافة إلى سلطنة عمان. ويشمل المؤتمر 8 جلسات على مدى 3 أيام بالمتحف الوطني في مسقط والنادي الثقافي ومؤسسة بيت الزبير. ويهدف المؤتمر إلى «زيادة الإجابة عن مجموعة من التساؤلات من أهمها: كيف يتم تحويل المواد الثقافية إلى مواد اقتصادية إلى جانب نوع المشروعات الاقتصادية التي يمكنها الاستثمار في الثقافة، فضلاً عن كيفية استفادة المشروعات الصغيرة والمتوسطة من مواد الثقافة اقتصادياً، إضافة إلى عرض أهم التجارب الاستثمارية الاقتصادية العربية أو العالمية التي نجحت في استثمار الثقافة»، كما تقول عائشة بنت حمد الدرمكي رئيسة مجلس إدارة النادي الثقافي العُماني.
وتضيف رئيسة مجلس إدارة النادي الثقافي العُماني: «إذا كنا نعتقد أن (التهجين) و(التنوع الثقافي) هما الرهان لـ(الصمود) أمام تيار العولمة المتسارع الذي يسعى ليكون المجتمع العالمي شكلاً وفكراً (وحيداً)، فإن هذا (الصمود) لا يعني عدم الانفتاح وإنما يعني قدرة تلك المجتمعات على الحفاظ على (هُويتها)، في ظل المتغيرات المتسارعة والمتلاحقة التي (تستهدف) جوهر المجتمع (الثقافة)، ومن هنا تأتي أهمية التركيز على (الاستثمار في الثقافة)».
وهي ترى أن «الاستثمار لا يعني إهدار المكوِّن الثقافي الذي تُبنى عليه المجتمعات بقدر ما يعني قدرة تلك المجتمعات على المضي قدما في الحفاظ على هويتها وإنتاج أشكال جديدة من الثقافة تتماشى مع جوهرها من ناحية والتطور العلمي والتكنولوجي من ناحية أخرى». وإن الدول المتقدمة، كما تضيف: «أولت الثقافة عناية فائقة من حيث تعزيز قدراتها الاقتصادية والتخطيط الاستراتيجي القائم على تدعيم المنتجات الثقافية، وتحسين مناخات الاستثمار فيها، وزيادة الإنتاجية والقدرات التنافسية للأنشطة والمشروعات التي يؤسسها المثقفون بكل شرائحهم المجتمعية، وانطلقت تلك العناية من الكوادر البشرية المنتجة للمكوِن الثقافي، حتى أصبح الابتكار والإبداع الثقافي مجالين واسعين للاستثمار الاقتصادي».
وأوضحت الدرمكي أن فكرة هذا المؤتمر جاءت تماشياً مع تلك المتغيرات التنموية الثقافية والاقتصادية والاجتماعية التي تمر بها مجتمعاتنا اليوم، فهي متغيرات تتأسس على البعد الثقافي الذي يشمل قطاعات المجتمع كلها، فعلى الرغم من وجود مجموعة من المشروعات الاستثمارية في مجالات الثقافة، سواء أكانت في التراث أو الآداب أو الفنون أو المتحفية أو غيرها، فإن تلك المشروعات تطالعنا باستحياء غير قادرة على المضي قدماً نحو النماء الاقتصادي الذي يمكن أن يشكل سيرورة اقتصادية على المستوى المحلي، بل إن البعض منها يكتفي بأن يسمي نفسه تنمية «مجتمعية»!.
وحددت لجنة إعداد المؤتمر 4 عناوين رئيسية هي: محور «دور القطاع الخاص في دعم المشاريع الثقافية»، و«النهوض الاقتصادي بالقطاع الثقافي وإعداد الموارد البشرية»، و«الاستثمار الاقتصادي للمبدعين في المجال الثقافي»، و«نماذج دراسات جدوى اقتصادية في مجالات الثقافة». لكن، كما تشير رئيسة مجلس إدارة النادي الثقافي العُماني، لم يتقدم إلى هذه المحاور أي باحث بأي أطروحة يمكن أن تكون مدخلاً لدراستها، وهو أمر لافت لا بد من تأمله والرجوع إلى أسبابه؛ إذ كان التركيز على فكرة استثمار المنتج الثقافي من خلال المحاور المطروحة في البرنامج.
يشمل اليوم الأول للمؤتمر (اليوم) الذي يشهد حفل الافتتاح عقد جلستي عمل، الجلسة الأولى، بعنوان: «البعد الاقتصادي للثقافة: أهمية الثقافة كونها عاملاً من عوامل توليد الثروة والتنمية الاقتصادية (الأسس النظرية)»، يقدّم فيها الدكتور يوسف بن حمد البلوشي، ورقة عمل بعنوان: «تعزيز ونشر ثقافة الاستثمار في الثقافة»، والدكتور محمد بن حمد الندابي، ورقة بعنوان: «أثر الاستثمار في الفعاليات الثقافية في بناء رأس المال الاقتصادي».
أما الجلسة الثانية، فتحمل عنوان: «تمويل الثقافة والنهوض بالصناعات الثقافية: التنمية الثقافية وثقافة التنمية»، يقدّم فيها محمد رضا اللواتي، ورقة عمل بعنوان: «نحو البرنامج الوطني للتنمية الثقافية»، وحمود بن سليمان الجابري ورقة بعنوان: «صناعة المنتج الثقافي. الإمكانات والكوامن لتجذير الصناعات الثقافية»، والباحث الجزائري الدكتور رشيد بن مالك، ورقة عمل بعنوان: «تمويل الثقافة وإشكالية النهوض بالصناعات الثقافية»، والأكاديمي البحريني محمد السلمان، ورقة بعنوان: «النهوض الاقتصادي وإعداد الموارد البشرية في قطاع الثقافة»، والأكاديمي المصري عبد الحكيم خليل سيد، ورقة بعنوان: «الاستثمار في الثقافة الشعبية تنمية مستدامة».
أما اليوم الثاني للمؤتمر (غداً) فيشهد 6 جلسات عمل، الأولى بعنوان: «الاستثمار الثقافي ووضع السياسات الاستثمارية»، يقدم فيها الدكتور مسعود بن سعيد الحضرمي ورقة بعنوان: «انعكاس ثقافة المجتمع في التوجه نحو تحقيق التنمية الثقافية. الفرص والتحديات»، والدكتور سعيد بن سليمان العيسائي، ورقة بعنوان: «السياحة الثقافية في سلطنة عمان خطوة على طريق الاستثمار في الثقافة»، وأفراح بنت مصبح المقبالي، ورقة بعنوان: «الاستثمار الثقافي ووضع السياسات الاستثمارية»، كما تشارك جليلة راشد الغافري، وزيانة عبد الله أمبوسعيدي بورقة تحمل عنوان: «واقع الاستثمار الحكومي لرأس المال الثقافي في المجتمع العماني وآليات تفعيله من وجهة نظر الشباب العماني»، والباحث اليمني ياسر عماد الهياجي بورقة بعنوان: «الأُسس الاستراتيجية لاستثمار التراث الثقافي في التنمية السياحية وتعزيز النواحي الثقافية... منظور اقتصادي»، وعائشة بنت حارب البحرية، بورقة «مشروع الحكايات والأساطير المرتبطة بالأمكنة العمانية، من ذاكرة رواة إلى استثمار اقتصادي».
الجلسة الثانية، بعنوان: «بناء مؤشرات قياس البعد الاقتصادي للثقافة»، يقدم فيها الأكاديمي المغربي الدكتور عبد الفتاح الزين، ورقة بعنوان: «مكانة الشباب في البناء الوطني و(أوراش التنمية البشرية): المغرب نموذجاً»، والباحثة الباكستانية المقيمة في عمان، ورقة بعنوان: «البعد الاقتصادي للثقافة، وأهمية الثقافة كعنصر للتنمية الاقتصادية وتوليد الثروة». وورقة عمل مشتركة بين الباحثين المصريين أمير نبيه تادرس، وهويدة عيد السيد بعنوان: «الاقتصاديات الإبداعية في قارة أفريقيا الطموحات والتحديات».
أما الجلسة الثالثة فهي بعنوان: «الإبداع والمقاولة: المشروعات الثقافية الصغيرة والمتوسطة»، يتحدث فيها علي سليمان الرواحي بعنوان: «خصخصة الثقافة العمانية»، وخالد بن عبد الله الخروصي بعنوان: «المخطوطات العمانية في القرن 13 الهجري. التجربة والاستثمار»، وزوينة بنت سلطان الراشدية، بعنوان: «مشروع استثماري تطويري تسويقي للحرف التقليدية العمانية».
في الجلسة الرابعة، ستقدم عدة أوراق منها: «الموارد المحلية المتوفرة في الاستثمار في الثقافة»، تتحدث فيها وضحاء بنت شامس الكيومية بعنوان «آليات تفعيل الأبنية الثقافية ما بعد الأزمة الاقتصادية في المجتمع العماني»، والباحث المغربي الدكتور سعيد علوش بعنوان: «الاستثمار الاقتصادي للتراث اللامادي في الثقافة الوطنية من منظور النقد الثقافي»، وورقة عمل مشتركة بين الباحثين العمانيين الدكتورة شيخة عبد الله المنذري، والدكتور بدر سالم القطيطي بعنوان: «الاستثمار الاقتصادي المعرفي في تعليم اللغة العربية للناطقين بغيرها»، والباحثة المصرية نورهان محمود الجنجيهي الاستثمار الثقافي في تصميم المدن المستدامة، والباحثة التونسية هالة الهذيلي حمودة بعنوان: «الاستثمار الثقافي الفني وآليات الانغماس عبر الوسيط الافتراضي»، والناقد والسينمائي الإيراني الدكتور محمد علي حسين نجاد بعنوان: «الاستثمار في تجربة السينما الإيرانية».
الجلسة الخامسة تعقد مساء اليوم بعنوان: «نماذج دراسات جدوى اقتصادية في مجالات الثقافة»، يشارك فيها أحمد محمد الرحبي بعنوان: «تجربة بيت الغشام للنشر والترجمة في استثمار الثقافة في عمان»، والباحثة الكويتية بزة الباطني باستعراض تجربة «مشروع بيت الحزاوي»، وورقة عمل مشتركة بين خالد بن سعيد النبهاني ومحمد بن سالم الحارثي بعنوان: «التاريخ والإنتاج الفني: هوم سينما ومشروع عكاسة»، والباحث السعودي الدكتور سيف الدين علي مهدي، بعنوان «المكون الثقافي للشعوب وأثره على التنمية الاقتصادية. مع التركيز على حالات بعض الدول».
الجلسة الأخيرة بعنوان «تجارب محلية ودولية في الاستثمار في الثقافة»، تشارك فيها الباحثة القطرية سميرة عبيد بعنوان: «المشروع الثقافي والاستثمار الاقتصادي (كتارا) نموذجاً»، ولويزة ناظور بعنوان: «تجارب دولية في الاستثمار الاقتصادي في الثقافة (فرنسا) نموذجاً»، ونصر بن ناصر البوسعيدي بعنوان: «تجارب محلية في الاستثمار في الثقافة، (دار الأوبرا السلطانية وموقع البليد الأثري والمتحف الوطني) نموذجا».



هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط
TT

هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط

هناك سلوكٌ ثقافي نسقي يشير إلى أن عقول البشر تسكن، وتطمئن حين تجهل، وتتوتر حين تعرف. وأكرر هنا تعبير «ألاّ تعرف فأنت آمن»، وقد استخدمته من قبل في توريقةٍ سابقة مع نظرة مختلفة. وهذه حالٌ تتكشف مع ردود الفعل على ما يستجد من نظريات ومن مخترعات.

وفي سيرة المعرفة يقع أي جديد معرفي في ردود فعلٍ تدخله في مواجهات حية. ومن أهم وأقوى أسباب حياة النظرية هي في المواقف ضدها، بينما تموت أي نظرية إن هي مرت بسلامٍ وقبول، وبقدر ما يكون الرفض تكون النظرية أصلب، وهذا يعني أول ما يعني أنها جديدةٌ ومختلفةٌ. ومن شرط أي نظرية جديدة أن تعطي تفسيراً مختلفاً لظاهرة ما أو لنصوص ما، سواء كانت نظرية علمية أو فلسفية أو نقدية. وأبرز علامات الاختلاف عما استقرّ هو ظهور الخلاف على ما استجد. وكلما زادت درجات الخلاف تقوت درجات الاختلاف أكثر وأكثر. وعادة يتناسل الخلاف في تداعي أصحاب المهنة ضد المستجد وكأنهم يتآمرون عليه، والحقيقة المخفية هي أنهم يشعرون بأن الجديد هو المتآمر عليهم وعلى مقامهم. ذلك لأنهم يخافون من فقدان ما استقرت عليه معارفهم، وكل تغير معرفي هو تحول من الراحة إلى الشك، ولا يقف التغيّر عند تحول النظر والمفاهيم فحسب بل هو أيضاً تغيرٌ في السلوك الذهني وفي نظام الخطاب.

وهنا تتكشف حالات الاستجابة من صاحب النظرية، وكيف يتعامل مع ردود الفعل هذه. وهي لحظة ميلاد المعارك الكبرى في تواريخ الثقافات، وأولها وأقساها تاريخياً رد الفعل على مقولات سقراط الذي انتهى بالحكم عليه بالإعدام حين صدقت الجماهير تهم الخصوم وبلغت بهم حد السخط المطلق وانتهت بعقد محكمة خضعت لضغط الشارع. ثم توالت سير ردود الفعل ولم تسلم منه أي نظرية قوية في تحولها وطرحها، وفي ثقافتنا القريبة من ذاكرتنا حدثت المعارك الأدبية الكبرى، وهي التي اختصت بوصفها بالأدبية لأنها وقعت بين أدباء ولم يسلم أديب في عقود منتصف القرن العشرين من معارك وقعت ما بين هجومٍ ومنافحة، ونتج عن ذلك أدبيات كثيرة بمثل ما نتج عنها من عدوات واستقطابات، وتطورت هذه الظاهرة مع انفتاح وسائل التواصل، حيث أصبح التعارك ملمحاً ثقافياً بارزاً في كل أمر العلاقات الثقافية بكافة صيغها السياسية والشعبوية والشخصية، فتغريدة واحدة قد تفجر براكين الغضب الذي يخرج كل مخازن الذواكر في امتحان جماهيري بين أخلاقيات اللغة وأخلاقيات السلوك اللساني، وإذا سكنت الحروب دخلت في النسيان لتخلي الفضاء لمعارك تنتظر دورها للانبثاق ثم لتحفيز الذواكر للانفجار.

وكل هذا شرط معرفي بمثل ما هو من صفات السلوك الثقافي، وهي مزودة أصلاً برصيد وافر من العتاد اللفظي والصيغ الماكرة ومن الاستعداد البشري للصراع اللغوي كما الصراعات الحربية، ولن يكون الإنسان كائناً حياً ما لم يدخل في تصارع مع غيره كما هي صفة كل كائن حي حيواناً كان أو إنساناً.

على أن المعرفة والرأي والفتوى كلها صيغٌ لغوية، ودوماً ما يكون سبب المعارك نابعاً من حالات الأسلوب ذاته، والطريقة التي قيل فيها الرأي أو بنيت عليه المقولة، وهنا ندرك أن اللغة سلاحٌ ليس ذا وجهين فحسب، بل ذو وجوه لا تقف عند حصر. ولا تتكشف وجوه اللغة بكاملها إلا للمشاهد المحايد الذي يقرأ دون حس بالتوتر أو الشخصانية. وقد يجد المحايد أن الأمر لا يستحق ذلك الضجيج، لكن الحقيقة هي أن كل شأن لغوي هو حالة رد فعل ابتداءً واستمراراً. فالطفل الوليد يصرخ لحظة خروجه من الرحم الذي كان يحميه ويطعمه ويعتني به، وإذا خرج أحس أنه تعرض لعنفٍ خارجي أخرجه من مأمنه إلى عالم يجهله ويجهل شروط العيش فيه. ويظل عمره كله يتعلم كيف يعيش خارج رحمه الأول الذي فقده فيصرخ محتجاً على إخراجه منه لكنه لن يعود ولذا يظل في توجس مستمر لن يلين إلا حين يدخل في رحم ختامي ويغادر الحياة لحياة لن يعرفها إلا إذا دخل فيها. وهنا تحضر كلمة حمزة شحاتة «لا يعطي تفسيراً تاماً للحياة إلا الموت»، وأول أسرار الموت أن الثقافة علمتنا أن نتذكر محاسن موتانا، لأننا في حياتهم نمعن فقط في تذكر سيئاتهم، وهذا سر المعرفة التي تتأبى التحقق دون ولادات قيصرية وصرخات احتجاجية.

أخيراً فإن البشر يجمعون بين رغبتين متناقضتين، فالجهل راحةٌ واطمئنان، وأن تكشف غطاء المحجوب عنك شقاءٌ وصرخة ميلاد، ولكننا لسنا بخيارٍ بينهما. ونحن نتطلب الكشوفات المعرفية ولكن راحتنا في البقاء على ما عهدنا، غير أنها راحةٌ مشاغبة، إذ ما يلبث الفضول أن يتحرك لكشف المخفي ليظل على قلق كأن الريح تحته (حسب كلمة المتنبي).

* كاتب وناقد سعودي


«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة
TT

«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة

أعلنت الجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر العربية)، عن قائمتها القصيرة للدورة التاسعة عشرة، وتضم 6 روايات. وجاء الإعلان في مؤتمر صحافي عُقد بهيئة البحرين للثقافة والآثار، في المنامة.

وضمّت القائمة القصيرة ست روايات هي: «غيبة مَي» للبنانية نجوى بركات، و«أصل الأنواع» للمصري أحمد عبد اللطيف، و«منام القيلولة» للجزائري أمين الزاوي، و«فوق رأسي سحابة» للمصرية دعاء إبراهيم، و«أغالب مجرى النهر» للجزائري سعيد خطيبي، و«الرائي» للعراقي ضياء جبيلي.

ترأس لجنة تحكيم دورة هذا العام الناقد والباحث التونسي محمد القاضي، وضمّت في عضويتها الكاتب والمترجم العراقي شاكر نوري، والأكاديمية والناقدة البحرينية ضياء الكعبي، والكاتبة والمترجمة الفلسطينية مايا أبو الحيات، إضافة إلى ليلى هي وون بيك، وهي أكاديمية من كوريا الجنوبية.

وجاء في بيان اللجنة: «تتوفر القائمة القصيرة على نصوص روائية متنوّعة تجمع بين الحفر العميق في أعماق النفس البشرية، وسبر الواقع العربي الراهن بمختلف التيارات الفكرية التي تعصف به، والسفر عبر الزمن إلى العصور الماضية التي يُعاد استحضارها وقراءتها، لتكشف للقارئ عن جوانب خفية من هويتنا المتحوّلة».

وأضاف البيان: «تمثل هذه الروايات المستوى الرفيع الذي بلغته الرواية العربية، ومدى نزوعها إلى الانفتاح على قضايا العصر وإلى تنويع الأساليب التي تنأى بها عن المباشرة والتعليم، وتجعلها خطاباً يتوجه إلى ذائقة متحولة لقارئ يطمح إلى أن يكون شريكاً في عملية الإبداع لا مجرد مستهلك للنصوص».

من جانبه، قال ياسر سليمان، رئيس مجلس الأمناء: «تطوّرت الرواية العربية تطوّراً لافتاً خلال العقود القليلة الماضية، متقدّمة بخطى واثقة اعتماداً على ديناميتها الذاتية، من دون أن تغفل ارتباطها بالأدب العالمي من حيث الشكل والقضايا التي تنشغل بها. وتلتقط الروايات المرشّحة في هذه الدورة عالماً من التقاطعات المتعدّدة، فتربط أحياناً بين الحاضر والعالم القديم، أو بين المألوف ثقافياً وعوالم غير مألوفة، بما يكشف في الحالتين عن الاستمرارية أكثر مما يكشف عن القطيعة.

وتستدعي الأصوات الداخلية القارئ بوصفه شريكاً فاعلاً في إنتاج المعنى، من دون أن تُثقله بسرد كابح. كما أنّ تنوّع الموضوعات واتّساعها، واختلاف الرؤى السردية في هذه الروايات، من شأنه أن يلقى صدى لدى طيف واسع من القرّاء، سواء قُرئت الأعمال بلغتها العربية الأصلية أم في ترجماتها إلى لغات أخرى».


«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة
TT

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

في روايته «ربيع الصحارى الكبرى»، دار «بتانة» للنشر (القاهرة)، يمزج الروائي الليبي أحمد الفيتوري، المتخيل بالواقعي، والسرد الروائي بسرد السيرة الذاتية، ففي بنية النص تمتزج حكاية البطلة المروي عنها، وهي صحافية فرنسية تزور ليبيا أثناء الثورة على الزعيم الليبي السابق معمر القذافي، بحكاية الراوي والسارد، وهو المؤلف نفسه، إذ يحضر الفيتوري بتاريخه وسيرته ومحطات حياته منذ كان طفلاً. وفي الرواية أيضاً مراوحة واضحة بين الماضي البعيد في بدايات القرن العشرين، حيث الاحتلال الإيطالي والفرنسي، ومعاناة الليبيين مع الاستعمار والحروب العالمية، والماضي القريب في مطلع القرن الحالي، ومعاناتهم في الثورة من اللجان الثورية، والقتال الذي انتشر في طول البلاد وعرضها بين الثوار وأعوان النظام السابق، وصولاً إلى الضربات التي وجهتها قوى دولية لمعسكرات النظام، مستهدفة أسلحته لتقليم أظافره، ومنعه من العسف بشعبه.

يرسم الكاتب خريطة ليبيا، عبر رحلة الفتاة الفرنسية، التي قيل إنها اختطفت. يرتحل السرد معها، متجولاً في صحارى ليبيا ومدنها، من شرقها لغربها، من مخابئ الثوار إلى سجون النظام، وبين الطبيعة الغناء الفسيحة الغنية، وغرف الفنادق التي تتحول إلى سجن، تقبع فيه الفتاة قسرياً، بأوامر من رجال أمن النظام، بعد أن أطلقوا سراحها من سجن «بوسليم»، ليفرضوا عليها إقامة جبرية في غرفة الفندق، لتغرق في كوابيسها، من فرط رعبها كلما سمعت صوت انفجار القنابل، فتستدعي تحولات مسخ «كافكا»، وتخشى أن تتحول إلى «صرصار» كما حدث مع بطل رواية «المسخ». وطوال الوقت، وفي المقابل، تستدعي الفتاة حكايات جدها، الذي سبق ووقع في غرام ليبيا، وفتنته صحاريها، لتكون هذه الحكايات زاداً لها ودافعاً للبقاء واستكشاف هذه الصحارى، والوصول إلى مكمن السحر المختبئ تحت طبقات الكثبان الرملية.

تبدأ الرواية بخبر صحافي عن اختطاف فتاة فرنسية في ليبيا، وتتعدد الروايات حول ملابسات اختطافها أو اختفائها، واجتهادات الصحف والمواقع الإلكترونية والقنوات التلفزيونية في تفسير الخبر وما آل إليه مصير الفتاة، وتتبع خط سيرها، بما يمنح الرواية فاتحة شبه بوليسية، تجعل هذه الفتاة بؤرة مركزية للحدث. وبعيداً عن اجتهادات الصحافة، يروي السارد مسيرة الفتاة قبل هذا الاختفاء، وخلاله، وبعده، بدءاً من مرافقتها للثوار، ثم وقوعها في يد قوات أمن القذافي ولجانه الثورية، مروراً بسجنها، ورؤيتها لما يعانيه الليبيون من عذاب وعسف على يد رجال القذافي. فهذا المفتتح البوليسي يعطي السرد قدراً من التشويق في تتبع مصير الفتاة الغامض، الذي يظل غامضاً مع نهاية الرواية أيضاً، في حالة من اللا حسم، فسرديتها تنتهي بسرد الكوابيس التي تراها في منامها داخل غرفة الفندق.

في مقابل حكاية الفتاة وسرديتها، تبرز سردية الراوي، أو للدقة سردية المؤلف أحمد الفيتوري نفسه، الذي ينتقل من سرد حكاية الفتاة إلى سرد جوانب من سيرته، منذ أن كان طفلاً، لنرى الواقع والتاريخ والجغرافية الليبية بعيون محلية، عيون ابن المكان والمنتمي له، والمنغمس في تاريخه ووقائعه منذ مطلع السبعينات، حتى لا تكون الحكاية بعيون الفتاة وحدها؛ عيون السائحة المنبهرة أو المصدومة فقط. هكذا يضع الروائي سرديتها في ضفيرة مع سرديته لا لتنقضها أو تفككها، وإنما لتكملها، وتتضافر معها، لتكون السرديتان معاً بنهاية المطاف رؤيةً بانوراميةً تجمع بين العين الغربية والعين الليبية، وبين الخيالي والسيري، بين حكايات جدها الفرنسي وحكايات جدته التي «ولدت وعاشت في العهد الإيطالي، ثم واكبت مرحلة الإدارة الإنجليزية، فالعهد الملكي، فالانقلاب العسكري»، بما يجعل من هذه الجدة تجسيداً حياً للتاريخ الليبي في العصر الحديث.

يعمد الفيتوري في كثير من مواضع الرواية، سواء في الجزء المتخيل أو في الجزء الذي يمتح من السيرة الذاتية، إلى توثيق تواريخ وأحداث شتى، متكئاً على كثير من الاقتباسات، سواء من خطابات رسمية أو من كتب، فيقول مثلاً: «في يناير من سنة 1707م، كتب شارل لامار، القنصل الفرنسي، إلى وزيره، حول هذه المدينة الحجرية...»، ثم يورد جزءاً من نص الخطاب. كما يورد في مقطع آخر جانباً توثيقياً مختلفاً، يقول فيه: «قام القذافي خلال الخطاب الذي ألقاه في 23 سبتمبر (أيلول) 2009، في مقر الأمم المتحدة، بتمزيق ميثاق الأم المتحدة، ورماه وراء ظهره، متعللاً بعدم احترام المجتمع الدولي للميثاق، وعدم صلاحيته، لأن عهده ولى مع نهاية الحرب العالمية الثانية، على حد تعبيره». هذه الاقتباسات تجعل من النص الروائي، فضلاً عن طابعه الجمالي، مدخلاً للولوج إلى التاريخ بشكل موثق، أقرب إلى تيار الواقعية التوثيقية، وهو ما يتكرر كثيراً في ذكر تفاصيل صراع الثوار مع قوات النظام، بما يجعل أحد أهداف النص الروائي التوثيق لأحداث الثورة الليبية، جنباً إلى جنب مع توثيق السيرة الذاتية للفيتوري، لتندغم سيرة الوطن وثورته بسيرة الإنسان الفرد في لحمة واحدة، لا يمكن فيها فصل إحدى السيرتين عن الأخرى.

يقسم الكاتب الجزء السيري إلى مقاطع سردية، يحمل كل منها عنواناً دالاً على الأحداث التي سيحكيها فيها، ليكون العنوان هو مركز التبئر داخل المقطع، مثلما يعنون أحد هذه المقاطع بعنوان «أبي»، وآخر بعنوان «جدتي»، وثالث «مدرسة الصابري»، ورابع «الصحافة»، وخامس «السجن»، وهكذا... ليكون كل مقطع مخصصاً للحكي حول ما جاء في العنوان، دون أن يكون هذا حداً فاصلاً، فحكايات الأب مثلاً تنسرب في غيره من الفصول والمقاطع كثيراً، وكذا حكاية الجدة، أما حكاية الصحافة فتكاد تكون ممتدة على مدار الرواية كلها، وكذا حكايات السجون التي تفرض حضورها في كل صفحات الرواية، إذ تبدو ليبيا في عهد الاستبداد بمثابة سجن كبير للجميع، مواطنين وأجانب.

وفي أحد هذه المقاطع يروي علاقته بمصر، وهروبه إليها منذ كان مراهقاً، حين سافر دون علم والده.

كما يحكي كثيراً من كواليس العمل الصحافي في ليبيا، وكواليس سجنه طوال عشر سنوات، أثناء حقبة السبعينات، والحياة داخل سجن «بوسليم»، السجن نفسه الذي قبعت فيه الفتاة الفرنسية المروي عنها بعد ذلك، لنرى معاناة الراوي والمروي عنها في السجن نفسه، وعلى يد القذافي نفسه، الذي التقى الكاتب واستقبله مع مجموعة من المفكرين عقب الإفراج عنهم وقتها، فتقترب العدسة الروائية من هذا الشبح الذي سجن كل أبطال الرواية وعسف بهم، فتقدمه كشخصية آدمية من لحم ودم، وليس مجرد طيف مخيف، كاشفة عن جوانب من طبيعة شخصيته.

جانب آخر تعتمد عليه الرواية جمالياً، وهو تضمين السرد جوانب من فنون أخرى، خصوصاً الشعر، إذ يورد الكاتب قصائد كاملة لأبي نواس والمتنبي، كما نرى حضوراً لرواية فرانز كافكا «المسخ»، كما يقتبس مقاطع مطولة من «صلاة تشيرنوبل» للكاتبة الحاصلة على نوبل، سفيتلانا أليكساندروفنا أليكسيفيتش، لتكون الرواية خريطة لتاريخ من الجمال الأدبي، تماماً كما هي خريطة للحياة في ليبيا، ولصحاريها، وللتاريخ المضني الذي عاشه الليبيون، وخريطة لتاريخ الجنون والعسف والقتل، سواء على يد زعيم وطني، أو على يد الاستعمار.