وداع حقبة في تاريخ السينما بالهند

إسدال الستار على أول شاشة في دلهي

شخصان يلتقطان «سيلفي» أمام مدخل السينما - عشاق سينما «ريغال» يرجعون إلى ذكريات الماضي
شخصان يلتقطان «سيلفي» أمام مدخل السينما - عشاق سينما «ريغال» يرجعون إلى ذكريات الماضي
TT

وداع حقبة في تاريخ السينما بالهند

شخصان يلتقطان «سيلفي» أمام مدخل السينما - عشاق سينما «ريغال» يرجعون إلى ذكريات الماضي
شخصان يلتقطان «سيلفي» أمام مدخل السينما - عشاق سينما «ريغال» يرجعون إلى ذكريات الماضي

أغلق معلم بارز من معالم كونوت بليس في قلب دلهي، أبوابه، طاوياً حقبة حافلة في تاريخ السينما في العاصمة الهندية، بعد 85 سنة من افتتاحه. وأسدل الستار الأخير بعد عرضه في 31 مارس (آذار)، فيلمين لراج كابور، وهما «ميرا نام جوكر» و«سانغام»، اللذين كانا آخر عرضين مزدحمين يحملان الحنين إلى الماضي. لم يكن هذان الفيلمان الأحدث، بل كان الأمر مثل السفر عبر الزمن، ربما هذا ما دفع بالكثيرين لشراء البطاقات لمشاهدتهما.
زارت المراسلة دار السينما المميزة في آخر يوم لها، حيث شهدت ازدحاماً شديداً على شباك التذاكر، ولاحظت أن أكثر الحاضرين كانوا رجالاً غطى الشيب رؤوسهم أو ظهر الصلع على رؤوس آخرين. يملؤهم الحنين إلى ذلك الزمن، ويشعرون بالحزن، فقد كونت تلك الدار ذكرياتهم سواء كان ذلك أثناء سهرة عائلية، أو في علاقة عاطفية، أو استراحة في يوم عمل. لقد كانت الإثارة المحمومة واضحة.
مع ملصقات الأفلام، التقت زوجان في الخمسينات أو ربما الستينات من العمر، صوراً ذاتية ومقاطع مصورة، وكانا يصرخان حين أعلن شباك التذاكر نفاد كل التذاكر. فيما ارتسمت البسمات على وجوه طاقم العمل، من مديرين وعمال عرض وعاملين في الكافتيريا، يوزعونها على جميع من أمّ العرض الأخير في السينما، وهم يدركون أنّ هذا اليوم هو الأخير لهم في العمل.

جزء من تاريخ الهند
تمتعت دار سينما «ريغال» منذ افتتاحها، بأصالة وهوية خاصة بها، إذ إنها تمثل جزءاً من تاريخ الهند. وعندما شرّعت الدار أبوابها للمرة الأولى في ثلاثينات القرن الماضي، كانت البلاد لا تزال تحت الاحتلال البريطاني. واستضافت على مدى العقود المتعاقبة شخصيات كثيرة من لويس مونتباتن آخر حاكم بريطاني على الهند بين عامي (1947 م – 1948م)، إلى جواهر لال نهرو، أول رئيس وزراء هندي.
يتحدث عمار سينغ فيرما الذي قضى أكثر من نصف حياته محاسباً في «ريغال»، عن زوار السينما، ويسرد أسماء شخصيات سياسة مهمة مثل الرئيس الهندي راجندرا براساد، ودكتور ذاكر حسين، ويقول إن أنديرا غاندي، رئيسة وزراء الهند السابقة، كانت تأتي إلى السينما كثيراً مع زوجها فيروز غاندي، وأصبحت تأتي بعد ذلك مع أبنائها وأحفادها. وأشار إلى أن المشاهير كانوا دائماً ما يحضرون العروض الليلية المتأخرة.
إبّان فترة الاستعمار البريطاني، كانت هناك قصص تروي كيف كانت تلك الدار خاوية على عروشها خلال أشهر الصيف، في حقبة الأربعينات، عندما كان البريطانيون ينسحبون إلى مدينة شيملا. وكان عرض فيلم «ذهب مع الريح» عام 1939 ملحمياً؛ وكان الجنود يتوافدون إلى السينما أثناء الحرب العالمية الثانية لمشاهدة فيلم مثل «كبرياء وتحامل» (1940)، و«الديكتاتور الأعظم» (1940)، و«مدام كوري» (1943). وكان الجيش يستجوب عمال دار السينما في الصباح عن أي تنظيم أو إلقاء محاضرات سرية.
في قلب منطقة كونوت بليس الصاخبة، شُيّدت سينما ريغال عام 1932، وكانت المبنى الأول في المنطقة. بناها صبحا سينغ، من تصميم المعماريين البريطانيين والتر سايكس جورج وهيربرت بيكر، الذين كانا يعملان مع إدوين لوتينز على إنشاء ما آلت إليه دلهي لوتينز فيما بعد.
كان اسم السينما «نيو دلهي بريميير» قبل أن يُغيّر ليصبح «ريغال». عرضت في بداياتها، أفلاماً من «هوليوود»، وقدمت عروضاً لفرق الباليه الروسية، ولفرق مسرحية بريطانية. في الطابق العلوي من الدار، مطعم يسمى «دافيكوس» أو «ستاندرد» لاحقاً.
أول مالك لدار السينما كان راجيشوار دايال، كانت تربطه صداقات مع نجوم مثل كينيث مور ولورين باكال وكان يخرج معهم لدى زيارتهم دلهي. وفيما بعد أصبحت سينما «ريغال» مكاناً مميزاً لتنظيم واستضافة المهرجانات السينمائية الدولية. وإلى جانب الأفلام الإنجليزية، كان دايال يعرض أفلام روسية أيضاً.
كان تأثير الطراز المغولي داخل البناء المعماري واضحاً من خلال النماذج الجصية، وتقنية نصف القبة وغيرها من السمات الأخرى. ولا يزال سحر وعظمة الحقبة الماضية جلياً واضحاً في الممرات والأروقة داخل دار السينما، خصوصاً الدرج التوأم المؤدي إلى رواق طويل. وعلى طول الأروقة والممرات والدرج، تصطّف صور فوتوغرافية كبيرة بالأبيض والأسود لنجوم الزمن الماضي مثل ديف أناند ومينا كوماري ونرجس وراج كابور. يقول فيرما: «كان راج كابور ونرجس يجلسان في هذه الغرفة». ويضيف ضاحكاً بصوت خافت: «إذا تعدى أحدهم على خصوصيتهما كانا يوبخانه ويطردانه».
أصبح دار سينما «ريغال» اليوم قطعة من الماضي، وبسبب مشكلة في التكامل البنيوي، كان يجب إغلاق آخر دار عرض.

حنين إلى الماضي
«لم تكن السينما مجرد مكان لمشاهدة الأفلام، بل ثمة شيئاً ما يميزها، أذكر أنّها كانت أيضاً مركزاً للتغيرات الاجتماعية والثقافية»، حسب ما يقول فينا سهار، المؤرخ البالغ من العمر 76 سنة، ويضيف: «قليلون من يدركون أهمية هذا البناء من الجانب التاريخي. فدار (ريغال) تتمتع بتراث ثقافي ومعماري، ضاع بقدر كبير مع الزمن. قد يرى كثيرون من الشباب أنّها مجرد سينما بها مقاعد مكسورة، أو تفتقر إلى الإمكانيات الحديثة التي يجدونها في دور السينما ذات شاشات العرض المتعددة، لكن بالنسبة إلينا ممن شاهدوا (ريغال) حين كانت أفخم دور السينما، فالأمر مختلف كثيراً؛ شيء ما يميز هذه الدار، فلم يكن مجرد مكان لمشاهدة الأفلام، بل كنا نشعر بها وكأنّها جزء من وجودنا».
كانت هذه الدار مكاناً لالتقاء الشباب وأصحاب القلوب الشابة؛ وكانت تشغل مكانة رفيعة بين الطبقات الاجتماعية الراقية، أما في إعلانات الصحف فكانت سينما «ريغال» تتصدر عروض الأفلام؛ فهي صاحبة المقام الرفيع. فلم تكن تعرض فيلماً كباقي دور السينما بل كانت تقدّم لك تجربة حياة ومعايشة بكافة درجاتها.
يقول أك أهوجا (60 سنة)، الذي كان يصور مباني السينما: «كانت هذه السينما الدار المفضلة لي قبل ظهور جهاز الفيديو. بعد زواجي، عشت مع زوجتي في بهارغنج، واعتدنا أيام الآحاد المجيء من محطة قطار نيودلهي إلى هنا بعربة يجرها حصان. ويروي قائلاً: «لقد اعتدنا مشاهدة الأفلام مقابل 25 بيسة للتذكرة. كم كانت أياماً جميلة».
أمّا رجل الأعمال سامي ساتسانغي المقيم في لندن مع زوجته نيتي، فتشكّل الدار لهما مكاناً لإحياء ذكرى أيام حبهما الأولى. يقول سامي: «كنا نزور الهند، وعلمنا أن سينما (ريغال) المفضلة لدينا ستغلق أبوابها. عندما كنّا عاشقين كنا نأتي لنشاهد الكثير من الأفلام معاً، واليوم نحن جدّان وجئنا لنودع دار السينما».
يفضل كثيرون من شباب الهند اليوم، دور السينما المكيفة المريحة التي تحتوي على عدة شاشات عرض خارج المدينة، حيث تقدم خيارات أكثر من الأفلام مقارنة بدور السينما ذات شاشة العرض الواحدة. من بين هؤلاء الشباب أميتا راج، التي كانت تزور «ريغال» للمرة الأولى على الرغم من أنّها تقيم بالقرب منها. تقول أميتا وهي تقف في صف الانتظار أمام شباك التذاكر: «أردت أن أراها وأشاهد فيلماً هنا قبل أن تغلق خلال الأيام القليلة المقبلة». قد يبقى المبنى كدار سينما، حيث لا يمكن تغيير واجهته التاريخية؛ لكن أصحاب دار العرض يقولون إنّهم سيحاولون الحصول على تصريح لتحويلها إلى دار سينما ذات شاشات عرض متعددة. مع ذلك سوف يمثل إغلاق السينما نهاية الطريق بالنسبة إلى راميش كومار، الذي عمل عامل عرض لمدة 44 سنة، أمضى 23 سنة منها في «ريغال». إنه يشعر بالأسى لإغلاق السينما أبوابها، لأنّها على عكس دور العرض السينمائية الحديثة. كان سعر تذاكرها في متناول أيدي الجميع. كذلك كان الكثير من مشاهير بوليوود يأتون إلى دلهي من أجل مشاهدة الأفلام في «ريغال».
يقول المصرفي المتقاعد نارندرا غروفر، البالغ من العمر 80 سنة، وسيغادر إلى لندن بعد يوم: «لا أصدق أنّها ستقفل أبوابها؛ إنها تراث. ينبغي أن تدعمها الحكومة أو تشتريها. إنا لم يعد «تاج محل» يدرّ أرباحا غداً، فهل سيُغلق؟ إنّها مثل مأذنة قطب مينار أو الحصن الأحمر. كيف ستبدو دلهي من دون هذه السينما؟». وينهي نارندرا كلامه وهو من مرتادي السينما بانتظام أيام دراسته الجامعية بقوله: «في لندن يحتفظون بالواجهة الخارجية للمبنى. آمل أن يفعلوا ذلك هنا أيضاً».



«البحر الأحمر السينمائي» يشارك في إطلاق «صنّاع كان»

يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
TT

«البحر الأحمر السينمائي» يشارك في إطلاق «صنّاع كان»

يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما

في مسعى لتمكين جيل جديد من المحترفين، وإتاحة الفرصة لرسم مسارهم المهني ببراعة واحترافية؛ وعبر إحدى أكبر وأبرز أسواق ومنصات السينما في العالم، عقدت «معامل البحر الأحمر» التابعة لـ«مؤسسة مهرجان البحر الأحمر السينمائي» شراكة مع سوق الأفلام بـ«مهرجان كان»، للمشاركة في إطلاق الدورة الافتتاحية لبرنامج «صنّاع كان»، وتمكين عدد من المواهب السعودية في قطاع السينما، للاستفادة من فرصة ذهبية تتيحها المدينة الفرنسية ضمن مهرجانها الممتد من 16 إلى 27 مايو (أيار) الحالي.
في هذا السياق، اعتبر الرئيس التنفيذي لـ«مؤسسة مهرجان البحر الأحمر السينمائي» محمد التركي، أنّ الشراكة الثنائية تدخل في إطار «مواصلة دعم جيل من رواة القصص وتدريب المواهب السعودية في قطاع الفن السابع، ومدّ جسور للعلاقة المتينة بينهم وبين مجتمع الخبراء والكفاءات النوعية حول العالم»، معبّراً عن بهجته بتدشين هذه الشراكة مع سوق الأفلام بـ«مهرجان كان»؛ التي تعد من أكبر وأبرز أسواق السينما العالمية.
وأكّد التركي أنّ برنامج «صنّاع كان» يساهم في تحقيق أهداف «مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي» ودعم جيل جديد من المواهب السعودية والاحتفاء بقدراتها وتسويقها خارجياً، وتعزيز وجود القطاع السينمائي السعودي ومساعيه في تسريع وإنضاج عملية التطوّر التي يضطلع بها صنّاع الأفلام في المملكة، مضيفاً: «فخور بحضور ثلاثة من صنّاع الأفلام السعوديين ضمن قائمة الاختيار في هذا البرنامج الذي يمثّل فرصة مثالية لهم للنمو والتعاون مع صانعي الأفلام وخبراء الصناعة من أنحاء العالم».
وفي البرنامج الذي يقام طوال ثلاثة أيام ضمن «سوق الأفلام»، وقع اختيار «صنّاع كان» على ثمانية مشاركين من العالم من بين أكثر من 250 طلباً من 65 دولة، فيما حصل ثلاثة مشاركين من صنّاع الأفلام في السعودية على فرصة الانخراط بهذا التجمّع الدولي، وجرى اختيارهم من بين محترفين شباب في صناعة السينما؛ بالإضافة إلى طلاب أو متدرّبين تقلّ أعمارهم عن 30 عاماً.
ووقع اختيار «معامل البحر الأحمر»، بوصفها منصة تستهدف دعم صانعي الأفلام في تحقيق رؤاهم وإتمام مشروعاتهم من المراحل الأولية وصولاً للإنتاج.
علي رغد باجبع وشهد أبو نامي ومروان الشافعي، من المواهب السعودية والعربية المقيمة في المملكة، لتحقيق الهدف من الشراكة وتمكين جيل جديد من المحترفين الباحثين عن تدريب شخصي يساعد في تنظيم مسارهم المهني، بدءاً من مرحلة مبكرة، مع تعزيز فرصهم في التواصل وتطوير مهاراتهم المهنية والتركيز خصوصاً على مرحلة البيع الدولي.
ويتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما عبر تعزيز التعاون الدولي وربط المشاركين بخبراء الصناعة المخضرمين ودفعهم إلى تحقيق الازدهار في عالم الصناعة السينمائية. وسيُتاح للمشاركين التفاعل الحي مع أصحاب التخصصّات المختلفة، من بيع الأفلام وإطلاقها وتوزيعها، علما بأن ذلك يشمل كل مراحل صناعة الفيلم، من الكتابة والتطوير إلى الإنتاج فالعرض النهائي للجمهور. كما يتناول البرنامج مختلف القضايا المؤثرة في الصناعة، بينها التنوع وصناعة الرأي العام والدعاية والاستدامة.
وبالتزامن مع «مهرجان كان»، يلتئم جميع المشاركين ضمن جلسة ثانية من «صنّاع كان» كجزء من برنامج «معامل البحر الأحمر» عبر الدورة الثالثة من «مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي» في جدة، ضمن الفترة من 30 نوفمبر (تشرين الثاني) حتى 9 ديسمبر (كانون الأول) المقبلين في المدينة المذكورة، وستركز الدورة المنتظرة على مرحلة البيع الدولي، مع الاهتمام بشكل خاص بمنطقة الشرق الأوسط.


رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
TT

رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»

إنه «فضلو» في «بياع الخواتم»، و«أبو الأناشيد الوطنية» في مشواره الفني، وأحد عباقرة لبنان الموسيقيين، الذي رحل أول من أمس (الأربعاء) عن عمر ناهز 84 عاماً.
فبعد تعرضه لأزمة صحية نقل على إثرها إلى المستشفى، ودّع الموسيقي إيلي شويري الحياة. وفي حديث لـ«الشرق الأوسط» أكدت ابنته كارول أنها تفاجأت بانتشار الخبر عبر وسائل التواصل الاجتماعي قبل أن تعلم به عائلته. وتتابع: «كنت في المستشفى معه عندما وافاه الأجل. وتوجهت إلى منزلي في ساعة متأخرة لأبدأ بالتدابير اللازمة ومراسم وداعه. وكان الخبر قد ذاع قبل أن أصدر بياناً رسمياً أعلن فيه وفاته».
آخر تكريم رسمي حظي به شويري كان في عام 2017، حين قلده رئيس الجمهورية يومها ميشال عون وسام الأرز الوطني. وكانت له كلمة بالمناسبة أكد فيها أن حياته وعطاءاته ومواهبه الفنية بأجمعها هي كرمى لهذا الوطن.
ولد إيلي شويري عام 1939 في بيروت، وبالتحديد في أحد أحياء منطقة الأشرفية. والده نقولا كان يحضنه وهو يدندن أغنية لمحمد عبد الوهاب. ووالدته تلبسه ثياب المدرسة على صوت الفونوغراف الذي تنساب منه أغاني أم كلثوم مع بزوغ الفجر. أما أقرباؤه وأبناء الجيران والحي الذي يعيش فيه، فكانوا من متذوقي الفن الأصيل، ولذلك اكتمل المشوار، حتى قبل أن تطأ خطواته أول طريق الفن.
- عاشق لبنان
غرق إيلي شويري منذ نعومة أظافره في حبه لوطنه وترجم عشقه لأرضه بأناشيد وطنية نثرها على جبين لبنان، ونبتت في نفوس مواطنيه الذين رددوها في كل زمان ومكان، فصارت لسان حالهم في أيام الحرب والسلم. «بكتب اسمك يا بلادي»، و«صف العسكر» و«تعلا وتتعمر يا دار» و«يا أهل الأرض»... جميعها أغنيات شكلت علامة فارقة في مسيرة شويري الفنية، فميزته عن سواه من أبناء جيله، وذاع صيته في لبنان والعالم العربي وصار مرجعاً معتمداً في قاموس الأغاني الوطنية. اختاره ملك المغرب وأمير قطر ورئيس جمهورية تونس وغيرهم من مختلف أقطار العالم العربي ليضع لهم أجمل معاني الوطن في قالب ملحن لا مثيل له. فإيلي شويري الذي عُرف بـ«أبي الأناشيد الوطنية» كان الفن بالنسبة إليه منذ صغره هَوَساً يعيشه وإحساساً يتلمسه في شكل غير مباشر.
عمل شويري مع الرحابنة لفترة من الزمن حصد منها صداقة وطيدة مع الراحل منصور الرحباني. فكان يسميه «أستاذي» ويستشيره في أي عمل يرغب في القيام به كي يدله على الصح من الخطأ.
حبه للوطن استحوذ على مجمل كتاباته الشعرية حتى لو تناول فيها العشق، «حتى لو رغبت في الكتابة عن أعز الناس عندي، أنطلق من وطني لبنان»، هكذا كان يقول. وإلى هذا الحد كان إيلي شويري عاشقاً للبنان، وهو الذي اعتبر حسه الوطني «قدري وجبلة التراب التي امتزج بها دمي منذ ولادتي».
تعاون مع إيلي شويري أهم نجوم الفن في لبنان، بدءاً بفيروز وسميرة توفيق والراحلين وديع الصافي وصباح، وصولاً إلى ماجدة الرومي. فكان يعدّها من الفنانين اللبنانيين القلائل الملتزمين بالفن الحقيقي. فكتب ولحن لها 9 أغنيات، من بينها «مين إلنا غيرك» و«قوم تحدى» و«كل يغني على ليلاه» و«سقط القناع» و«أنت وأنا» وغيرها. كما غنى له كل من نجوى كرم وراغب علامة وداليدا رحمة.
مشواره مع الأخوين الرحباني بدأ في عام 1962 في مهرجانات بعلبك. وكانت أول أدواره معهم صامتة بحيث يجلس على الدرج ولا ينطق إلا بكلمة واحدة. بعدها انتسب إلى كورس «إذاعة الشرق الأدنى» و«الإذاعة اللبنانية» وتعرّف إلى إلياس الرحباني الذي كان يعمل في الإذاعة، فعرّفه على أخوَيه عاصي ومنصور.

مع أفراد عائلته عند تقلده وسام الأرز الوطني عام 2017

ويروي عن هذه المرحلة: «الدخول على عاصي ومنصور الرحباني يختلف عن كلّ الاختبارات التي يمكن أن تعيشها في حياتك. أذكر أن منصور جلس خلف البيانو وسألني ماذا تحفظ. فغنيت موالاً بيزنطياً. قال لي عاصي حينها؛ من اليوم ممنوع عليك الخروج من هنا. وهكذا كان».
أسندا إليه دور «فضلو» في مسرحية «بياع الخواتم» عام 1964. وفي الشريط السينمائي الذي وقّعه يوسف شاهين في العام التالي. وكرّت السبحة، فعمل في كلّ المسرحيات التي وقعها الرحابنة، من «دواليب الهوا» إلى «أيام فخر الدين»، و«هالة والملك»، و«الشخص»، وصولاً إلى «ميس الريم».
أغنية «بكتب اسمك يا بلادي» التي ألفها ولحنها تعد أنشودة الأناشيد الوطنية. ويقول شويري إنه كتب هذه الأغنية عندما كان في رحلة سفر مع الراحل نصري شمس الدين. «كانت الساعة تقارب الخامسة والنصف بعد الظهر فلفتني منظر الشمس التي بقيت ساطعة في عز وقت الغروب. وعرفت أن الشمس لا تغيب في السماء ولكننا نعتقد ذلك نحن الذين نراها على الأرض. فولدت كلمات الأغنية (بكتب اسمك يا بلادي عالشمس الما بتغيب)».
- مع جوزيف عازار
غنى «بكتب اسمك يا بلادي» المطرب المخضرم جوزيف عازار. ويخبر «الشرق الأوسط» عنها: «ولدت هذه الأغنية في عام 1974 وعند انتهائنا من تسجيلها توجهت وإيلي إلى وزارة الدفاع، وسلمناها كأمانة لمكتب التوجيه والتعاون»، وتابع: «وفوراً اتصلوا بنا من قناة 11 في تلفزيون لبنان، وتولى هذا الاتصال الراحل رياض شرارة، وسلمناه شريط الأغنية فحضروا لها كليباً مصوراً عن الجيش ومعداته، وعرضت في مناسبة عيد الاستقلال من العام نفسه».
يؤكد عازار أنه لا يستطيع اختصار سيرة حياة إيلي شويري ومشواره الفني معه بكلمات قليلة. ويتابع لـ«الشرق الأوسط»: «لقد خسر لبنان برحيله مبدعاً من بلادي كان رفيق درب وعمر بالنسبة لي. أتذكره بشوشاً وطريفاً ومحباً للناس وشفافاً، صادقاً إلى أبعد حدود. آخر مرة التقيته كان في حفل تكريم عبد الحليم كركلا في الجامعة العربية، بعدها انقطعنا عن الاتصال، إذ تدهورت صحته، وأجرى عملية قلب مفتوح. كما فقد نعمة البصر في إحدى عينيه من جراء ضربة تلقاها بالغلط من أحد أحفاده. فضعف نظره وتراجعت صحته، وما عاد يمارس عمله بالشكل الديناميكي المعروف به».
ويتذكر عازار الشهرة الواسعة التي حققتها أغنية «بكتب اسمك يا بلادي»: «كنت أقفل معها أي حفل أنظّمه في لبنان وخارجه. ذاع صيت هذه الأغنية، في بقاع الأرض، وترجمها البرازيليون إلى البرتغالية تحت عنوان (أومينا تيرا)، وأحتفظ بنصّها هذا عندي في المنزل».
- مع غسان صليبا
مع الفنان غسان صليبا أبدع شويري مرة جديدة على الساحة الفنية العربية. وكانت «يا أهل الأرض» واحدة من الأغاني الوطنية التي لا تزال تردد حتى الساعة. ويروي صليبا لـ«الشرق الأوسط»: «كان يعد هذه الأغنية لتصبح شارة لمسلسل فأصررت عليه أن آخذها. وهكذا صار، وحققت نجاحاً منقطع النظير. تعاونت معه في أكثر من عمل. من بينها (كل شيء تغير) و(من يوم ما حبيتك)». ويختم صليبا: «العمالقة كإيلي شويري يغادرونا فقط بالجسد. ولكن بصمتهم الفنية تبقى أبداً ودائماً. لقد كانت تجتمع عنده مواهب مختلفة كملحن وكاتب ومغنٍ وممثل. نادراً ما نشاهدها تحضر عند شخص واحد. مع رحيله خسر لبنان واحداً من عمالقة الفن ومبدعيه. إننا نخسرهم على التوالي، ولكننا واثقون من وجودهم بيننا بأعمالهم الفذة».
لكل أغنية كتبها ولحنها إيلي شويري قصة، إذ كان يستمد موضوعاتها من مواقف ومشاهد حقيقية يعيشها كما كان يردد. لاقت أعماله الانتقادية التي برزت في مسرحية «قاووش الأفراح» و«سهرة شرعية» وغيرهما نجاحاً كبيراً. وفي المقابل، كان يعدها من الأعمال التي ينفذها بقلق. «كنت أخاف أن تخدش الذوق العام بشكل أو بآخر. فكنت ألجأ إلى أستاذي ومعلمي منصور الرحباني كي يرشدني إلى الصح والخطأ فيها».
أما حلم شويري فكان تمنيه أن تحمل له السنوات الباقية من عمره الفرح. فهو كما كان يقول أمضى القسم الأول منها مليئة بالأحزان والدموع. «وبالقليل الذي تبقى لي من سنوات عمري أتمنى أن تحمل لي الابتسامة».


ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية     -   ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية - ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
TT

ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية     -   ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية - ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)

ستيف بركات عازف بيانو كندي من أصل لبناني، ينتج ويغنّي ويلحّن. لفحه حنين للجذور جرّه إلى إصدار مقطوعة «أرض الأجداد» (Motherland) أخيراً. فهو اكتشف لبنان في وقت لاحق من حياته، وينسب حبّه له إلى «خيارات مدروسة وواعية» متجذرة في رحلته. من اكتسابه فهماً متيناً لهويته وتعبيره عن الامتنان لما منحه إياه الإرث من عمق يتردّد صداه كل يوم، تحاوره «الشرق الأوسط» في أصله الإنساني المنساب على النوتة، وما أضفاه إحساسه الدفين بالصلة مع أسلافه من فرادة فنية.
غرست عائلته في داخله مجموعة قيم غنية استقتها من جذورها، رغم أنه مولود في كندا: «شكلت هذه القيم جزءاً من حياتي منذ الطفولة، ولو لم أدركها بوعي في سنّ مبكرة. خلال زيارتي الأولى إلى لبنان في عام 2008. شعرتُ بلهفة الانتماء وبمدى ارتباطي بجذوري. عندها أدركتُ تماماً أنّ جوانب عدة من شخصيتي تأثرت بأصولي اللبنانية».
بين كوبنهاغن وسيول وبلغراد، وصولاً إلى قاعة «كارنيغي» الشهيرة في نيويورك التي قدّم فيها حفلاً للمرة الأولى، يخوض ستيف بركات جولة عالمية طوال العام الحالي، تشمل أيضاً إسبانيا والصين والبرتغال وكوريا الجنوبية واليابان... يتحدث عن «طبيعة الأداء الفردي (Solo) التي تتيح حرية التكيّف مع كل حفل موسيقي وتشكيله بخصوصية. فالجولات تفسح المجال للتواصل مع أشخاص من ثقافات متنوعة والغوص في حضارة البلدان المضيفة وتعلّم إدراك جوهرها، مما يؤثر في المقاربة الموسيقية والفلسفية لكل أمسية».
يتوقف عند ما يمثله العزف على آلات البيانو المختلفة في قاعات العالم من تحدٍ مثير: «أكرّس اهتماماً كبيراً لأن تلائم طريقة عزفي ضمانَ أفضل تجربة فنية ممكنة للجمهور. للقدرة على التكيّف والاستجابة ضمن البيئات المتنوّعة دور حيوي في إنشاء تجربة موسيقية خاصة لا تُنسى. إنني ممتنّ لخيار الجمهور حضور حفلاتي، وهذا امتياز حقيقي لكل فنان. فهم يمنحونني بعضاً من وقتهم الثمين رغم تعدّد ملاهي الحياة».
كيف يستعد ستيف بركات لحفلاته؟ هل يقسو عليه القلق ويصيبه التوتر بإرباك؟ يجيب: «أولويتي هي أن يشعر الحاضر باحتضان دافئ ضمن العالم الموسيقي الذي أقدّمه. أسعى إلى خلق جو تفاعلي بحيث لا يكون مجرد متفرج بل ضيف عزيز. بالإضافة إلى الجانب الموسيقي، أعمل بحرص على تنمية الشعور بالصداقة الحميمة بين الفنان والمتلقي. يستحق الناس أن يلمسوا إحساساً حقيقياً بالضيافة والاستقبال». ويعلّق أهمية على إدارة مستويات التوتّر لديه وضمان الحصول على قسط كافٍ من الراحة: «أراعي ضرورة أن أكون مستعداً تماماً ولائقاً بدنياً من أجل المسرح. في النهاية، الحفلات الموسيقية هي تجارب تتطلب مجهوداً جسدياً وعاطفياً لا تكتمل من دونه».
عزف أناشيد نالت مكانة، منها نشيد «اليونيسف» الذي أُطلق من محطة الفضاء الدولية عام 2009 ونال جائزة. ولأنه ملحّن، يتمسّك بالقوة الهائلة للموسيقى لغة عالمية تنقل الرسائل والقيم. لذا حظيت مسيرته بفرص إنشاء مشروعات موسيقية لعلامات تجارية ومؤسسات ومدن؛ ومعاينة تأثير الموسيقى في محاكاة الجمهور على مستوى عاطفي عميق. يصف تأليف نشيد «اليونيسف» بـ«النقطة البارزة في رحلتي»، ويتابع: «التجربة عزّزت رغبتي في التفاني والاستفادة من الموسيقى وسيلة للتواصل ومتابعة الطريق».
تبلغ شراكته مع «يونيفرسال ميوزيك مينا» أوجها بنجاحات وأرقام مشاهدة عالية. هل يؤمن بركات بأن النجاح وليد تربة صالحة مكوّنة من جميع عناصرها، وأنّ الفنان لا يحلّق وحده؟ برأيه: «يمتد جوهر الموسيقى إلى ما وراء الألحان والتناغم، ليكمن في القدرة على تكوين روابط. فالنغمات تمتلك طاقة مذهلة تقرّب الثقافات وتوحّد البشر». ويدرك أيضاً أنّ تنفيذ المشاريع والمشاركة فيها قد يكونان بمثابة وسيلة قوية لتعزيز الروابط السلمية بين الأفراد والدول: «فالثقة والاهتمام الحقيقي بمصالح الآخرين يشكلان أسس العلاقات الدائمة، كما يوفر الانخراط في مشاريع تعاونية خطوات نحو عالم أفضل يسود فيه الانسجام والتفاهم».
بحماسة أطفال عشية الأعياد، يكشف عن حضوره إلى المنطقة العربية خلال نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل: «يسعدني الوجود في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا كجزء من جولة (Néoréalité) العالمية. إنني في مرحلة وضع اللمسات الأخيرة على التفاصيل والتواريخ لنعلن عنها قريباً. تملؤني غبطة تقديم موسيقاي في هذا الحيّز النابض بالحياة والغني ثقافياً، وأتحرّق شوقاً لمشاركة شغفي وفني مع ناسه وإقامة روابط قوامها لغة الموسيقى العالمية».
منذ إطلاق ألبومه «أرض الأجداد»، وهو يراقب جمهوراً متنوعاً من الشرق الأوسط يتفاعل مع فنه. ومن ملاحظته تزايُد الاهتمام العربي بالبيانو وتعلّق المواهب به في رحلاتهم الموسيقية، يُراكم بركات إلهاماً يقوده نحو الامتنان لـ«إتاحة الفرصة لي للمساهمة في المشهد الموسيقي المزدهر في الشرق الأوسط وخارجه».
تشغله هالة الثقافات والتجارب، وهو يجلس أمام 88 مفتاحاً بالأبيض والأسود على المسارح: «إنها تولّد إحساساً بالعودة إلى الوطن، مما يوفر ألفة مريحة تسمح لي بتكثيف مشاعري والتواصل بعمق مع الموسيقى التي أهديها إلى العالم».