الصقعبي: كثير من الروايات بلا روح... فكيف يتواصل القارئ مع كائن ميت؟

الروائي السعودي الفائز بجائزة وزارة الثقافة والإعلام للكتاب

وزير الثقافة والإعلام د. عادل الطريفي يسلم الصقعبي جائزة الوزارة للكتاب
وزير الثقافة والإعلام د. عادل الطريفي يسلم الصقعبي جائزة الوزارة للكتاب
TT

الصقعبي: كثير من الروايات بلا روح... فكيف يتواصل القارئ مع كائن ميت؟

وزير الثقافة والإعلام د. عادل الطريفي يسلم الصقعبي جائزة الوزارة للكتاب
وزير الثقافة والإعلام د. عادل الطريفي يسلم الصقعبي جائزة الوزارة للكتاب

لا يزال الروائي السعودي عبد العزيز صالح الصقعبي، مشدوداً إلى عالم المسرح؛ كتابة ولغة وأسلوباً وفنّاً، حتى أعماله الروائية المبكرة كُتبت ضمن هاجسه القصصي والمسرحي، فجاءت الرواية كما في «حالة كذب»، و«رائحة الفحم»، تجمع بين نسقين، لكنها تتوارى خلف النسق الشعري للنص، دون أن يؤثر ذلك على النص ويجعله هلامياً. بدأ الصقعبي كتابة الرواية مبكراً، في وقت لم تأخذ فيه الرواية المحلية موقعها في المشهد الثقافي، ولذلك خسرت تلك الأعمال زخمها الذي تستحق، إضافة إلى شخصية الصقعبي العازفة عن الأضواء. مؤخراً حصل نصّه المسرحي «القرية تخلع عباءتها»، الصادر عن «نادي تبوك الأدبي» و«دار الانتشار العربي»، على «جائزة وزارة الثقافة والإعلام للكتاب» لهذا العام (مع آخرين)؛ وبهذه المناسبة، وبمناسبة معرض الرياض الدولي للكتاب، التقت «الشرق الأوسط» عبد العزيز الصقعبي، وأجرت معه الحوار التالي:

المسرح أولاً

> فوز نصّك المسرحي «القرية تخلع عباءتها»، بـ«جائزة وزارة الثقافة والإعلام للكتاب» هذا العام، يسلط الضوء على تجربتك في الكتابة المسرحية، وهي تجربة ثرية أنتجت عدداً من النصوص التي تحولت إلى أعمال مسرحية، حدثنا عن هذه التجربة؟
- تجربتي في كتابة المسرح لم تبدأ بشكل تقليدي، على الرغم من أني متابع ومحب للمسرح، بل من خلال عمل مختلف؛ لذا حققت الأسبقية في المملكة وربما في دول الخليج من خلال كتابة «مونودراما» مسرحية الشخص الواحد «صفعة في المرآة» التي قام بالدور الوحيد فيها الفنان راشد الشمراني وأخرجها عبد العزيز الرشيد عام 1983. هذه المسرحية نفذت بعد ذلك في الجزائر والمغرب من قبل الفنان الراحل بكر الشدي تمثيلاً، وعبد الرحمن الرقراق إخراجاً، والجميل أن هذه المسرحية قدمت من قبل فنانين جزائريين ومغاربة في السنوات الماضية.
تجربتي المسرحية يطول الحديث عنها؛ إذ كتبت عددا من النصوص ونفذت لي مجموعة مسرحيات، منها مسرحية «واحد صفر» التي قام بالدور الوحيد فيها ناصر القصبي وأخرجها عامر الحمود. لم يتوقف الأمر عند ذلك، بل قمتُ بإعداد وإخراج مسرحية «اللعبة» عن مسرحية سعد الله ونوس «المقهى الزجاجي»، وبالنسبة لـ«القرية تخلع عباءتها»، فتتكون من ثلاث مسرحيات ليست مونودراما، وإحداها من مشاهد عدة.
> بعد مشوار طويل من الإبداع، جاء التكريم أخيراً... هل يردّ لك هذا الفوز الاعتبار بعد تجاهل المؤسسات لك كل هذا الوقت؟
- هذا مؤلم ليس لي فقط، بل لكثير من المبدعين. كثير ممن يشرفون على الشأن الثقافي لا يعرفون أن التكريم والجوائز من المحفزات المهمة للإبداع. المشكلة أن من يرغب في الحصول على جائزة، «كمثال»، يجب أن يكون مسوقاً لإبداعه، ومثلي ممن لا يسوق نفسه، ولا يسعى لحفلات التوقيع، يبقون في الظل. المشكلة أن كثيراً من القراء يبحثون عن الأعمال الفائزة أو كتب النجوم، وبالذات نجوم الإعلام الجديد.
> لديك نصوص شاركت في فعاليات مسرحية؛ سعودياً وخليجياً وعربياً، وبعضها تحول إلى أعمال تلفزيونية... لكن في الفترة الأخيرة لم نشهد لك حضوراً... هل للأمر علاقة بتراجع المسرح السعودي، أم إن الرواية كانت لها جاذبيتها بالنسبة إليك؟
- لا أنكر مطلقاً جاذبية الرواية، ولكن ما زلت متواصلا مع المسرح؛ ففي العام الماضي نُفذ لي في مدينة عنيزة «مركز صالح بن صالح الثقافي» مونودراما «ولادة متعسرة» من تمثيل عادل الضويحي وإخراج علي السعيد. مشكلتي أن أغلب ما أكتبه من أعمال مسرحية فيه كثير من النخبوية، وأغلب المسرحيين يبحثون عما هو جماهيري، إضافة إلى أنني لا أعرض أعمالي على أحد لينفذها، فأغلب أعمالي المسرحية متاح للجميع من خلال كتاب «صفعة في المرآة» ومسرحيات أخرى صادرة عن وزارة الثقافة والإعلام، وهي أشبه بالأعمال الكاملة، إضافة إلى المسرحيات الثلاث في كتاب «القرية تخلع عباءتها».
> بصفتك كاتباً مسرحياً، ومتابعاً هموم المسرح، كيف ترى حال المسرح السعودي حالياً، هل ثمة أمل في إنعاشه من جديد؟
- لدينا عدد كبير من المسرحيين، وأغلبهم مبدعون، بل هنالك عروض مسرحية نالت جوائز على مستوى الوطن العربي، وأقرب مثال مسرحية «تشابك» وما نالته في الشارقة، وقبل ذلك مسرحية «بعيداً عن السيطرة»؛ فالمتابع للمشهد المسرحي يشاهد عدداً كبيراً من كتاب المسرح من جميع مناطق المملكة، إضافة إلى المخرجين والممثلين... قائمة كبيرة وطويلة من المسرحيين، إضافة إلى عدد من الفرق المسرحية، ولكن كل هذا الكم الكبير من دون مسارح لتنفيذ الأعمال، من دون معهد لصقل المواهب، من دون جهاز ينظم ويشرف ويدعم الفعل المسرحي. المسرح؛ أبو الفنون، يحتاج إلى أن تقف معه مؤسسات الدولة المعنية بالشأن الثقافي والفني، من ضمنها وزارة الثقافة والإعلام، وهيئة السياحة، وهيئة الترفيه، لماذا لا تكون هناك هيئة عامة للمسرح؟ صدقوني العرض المسرحي، إضافة إلى ما يقدمه من ترفيه ومتعة، هو أيضاً وسيلة للتوعية، وممثل مهم للوطن في الخارج.
> هل أعطاك المسرح مثلما أعطيته... هل تشعر بأنه خذلك؟
- لأكن صادقاً... لم أخلص للمسرح. أنا أكتب، والكتابة قدري، ولكن غير متفرغ للمسرح. هنالك مهرجانات وعروض كثيرة لا أستطيع حضورها بسبب الظروف الحياتية، والعمل. ليست لدي القدرة على التواصل مع كثير من المسرحيين لتنفيذ أعمال كتبتها. أذكر أنه عندما أعددت وأخرجت مسرحية «اللعبة» التي نفذت في جمعية الطائف للثقافة والفنون، أجمع كل من حضر العرض على ولادة مخرج، وفعلا طلب مني بعد ذلك إخراج بعض المسرحيات؛ اعتذرت، وتوجهت للرواية، وانشغلت بعد ذلك بعالم المكتبات والمعلومات.
> تتجاذب هذا النص «القرية تخلع عباءتها»، مشاعر التردد بين الإقدام والإحجام، لكنه لا يمنح بطله فرصة للتفكير، حيث «فوهة البئر اتسعت كثيراً... لو تحركتُ من هنا سأسقطُ حتماً... أمرٌ مُرعِبٌ... بئرٌ ليس لها قرار... ها هُو الموت أراهُ بعيني»، عمّ يُعبّر هذا التردد في رأيك؟
- هُم ثلاثة؛ كل واحد حدد موقعه، لم يتفقوا، كل واحد أراد أن يكون وحيداً، فكان الموت مصيره، تعددت الأسباب والموت واحد، سقوط في البئر، أو تحت صخرة، أو تبتلعه الرمال، جميعهم يسعى نحو وهم، قد يكون فيه بعض من الحقيقة، ولكن كل واحد منهم لن يصل إلى الحقيقة وحيداً بالتردد أو الجرأة أو الخوف، سيبقى الزمن شاهداً على كل خطوة، والمكان «القرية» لها حكاياتها الخاصة.
> بالمناسبة، لديك تجربة تجمع بين نسقي القصة والمسرحية، كما في رواية «رائحة الفحم»، كأنك مسكون بهاجس الميلودراما حين تكتب؟
- أغلب من تحدث عن رواية «رائحة الفحم» قال إن المسرح مؤثر في النص، وأنا أقول: أنا أعيش عالم السرد. كتبت القصة والرواية والمسرحية والسيناريو، بينها تشابه كثير، لأنها من أسرة واحدة، ولكن تبقى حرفية الكاتب، الذي يشعرك بأن في الرواية طيف مسرح، وأن في المسرحية طيف رواية، دون أن يؤثر ذلك على النص ويجعله هلامياً، أنا لا أحرص على تداخل الأجناس، ولكن، أحرص على النص بأن يكون منتمياً فعلياً بصورة كاملة إلى جنسه.
> حين نعود إلى روايتك ذائعة الصيت «اليوم الأخير لبائع الحمام»، بوصفها نصّاً يرتكز على سيرة المدينة، ويكشف أسرارها ويفك ألغازها، هل يمكن لهذه التجربة أن تتكرر بنحو أوسع... لنص أوسع؟
- صدرت لي منذ ثلاث سنوات رواية «مقامات النساء». نفدت طبعتها الأولى وصدرت بطبعة ثانية في معرض الكتاب العام الماضي، وهي رواية مختلفة، عن دار «جداول»، وهي مختلفة تماماً عن رواياتي السابقة الأربع «رائحة الفحم» و«حالة كذب» و«طائف الأنس»، إضافة إلى «اليوم الأخير لبائع الحمام». الجميل أن هذه الروايات الخمس درسها بشكل موسع الدكتور ساري الزهراني في بحثه الذي حصل بموجبه على شهادة الدكتوراه، وأنا أحرص ألا أكرر التجربة، بل أبحث عما هو متجاوز ومختلف، ولدي أكثر من مشروع روائي.
> ما تأثير النقد على تجربتك الإبداعية، وعلى عموم المشهد الإبداعي في السعودية، هل يستفيد الكاتب الروائي من الأعمال النقدية؟
- للأسف، لا توجد دراسات نقدية تناولت المنجز الروائي. الغريب بالنسبة لي أن هنالك من النقاد والمبدعين العرب من تناول بعض أعمالي القصصية والروائية، ونشر أغلبها في دوريات عربية كمجلة «الرواية» المصرية، إضافة إلى العدد قبل الأخير من مجلة «الفيصل» وغيرهما. أنا لا أحب أن أطرق أبواب النقاد، وعيبي أنني لا أسوّق أو أرسل كتبي إلى الآخرين؛ لذا قد أكون غائباً عن أجندة النقاد.
وبالنسبة للفائدة من الأعمال النقدية، المشهد الثقافي في المملكة يحتاج إلى مجموعة من الدارسين والنقاد لغربلة النتاج الإبداعي، وأتوقع أنه لن يصمد إلا القليل الذي يستحق أن يقرأ.
> رغم تعلقك بفرضية أن النقد سينصفك، فإنه خذلك؛ بل ظل مشغولاً بأعمال أقل من تجربتك... ماذا عن علاقتك بالنقاد؟
- علاقتي مع الجميع جيدة، ولكن أرى أنه من المهم لكل من طرح نفسه بصفته ناقدا، أن يكون متابعاً جيداً، ومتواصلا مع من أخلص للكتابة، الأمر ليس صعباً، فمن المهم أن تكون للناقد القدرة على فرز الجيد من الرديء، وبتصفح سريع يتضح ذلك؛ لأني لدي قناعة بأن العمل الإبداعي له روح خاصة، وللأسف كثير من الروايات المحلية والعربية والعالمية المترجمة بلا روح، وهذا لا يشعر به إلا مَن علاقته بالرواية «كقارئ» جيدة، وإلا كيف يتواصل أحد منا مع كائن ميت؟!
> هناك من يرى أن عزوفك عن الأضواء وهدوءك، أضرّا بتجربتك الروائية؛ إذ جعلاك بعيداً عن الانتشار، كأنك أيضاً رضيت بأن تبقى على هامش المشهد الثقافي؟
- منذ أواخر الثمانينات تفرغت للعمل بمكتبة الملك فهد الوطنية، وانسقت وراء عالم المكتبات والمعلومات، عملاً ودراسة، وهذا للأسف أبعدني عن المشهد الثقافي، وجئتُ متأخراً، لكن بهدوء، وأنا فعلا لا أحب المنابر، وتزعجني الأضواء، أتوارى خلف ما أقدمه من أعمال، وأتشبثُ بعمود أسبوعي في جريدة «الرياض»، ربما لا أحد يصدق أن أغلب أعمالي نفدت من الأسواق مثل «رائحة الفحم» و«اليوم الأخير لبائع الحمام» وقبل ذلك جميع أعمالي القصصية، وبالذات الأولى، مثل «لا ليلك ليلي ولا أنت أنا» و«الحكواتي يفقد صوته»، ولم أبحث عن ناشر أو أسعى لطباعتها مرة ثانية إلا بمبادرة من الناشر، كما في «مقامات النساء».

من أعماله

أصدر الصقعبي كثيرا من النصوص المسرحية، وبعضها تحول إلى أعمال تم عرضها محلياً وعربياً، وله كذلك كثير من المجموعات القصصية. من نتاجاته: «لا ليلك ليلي ولا أنت أنا»، و«صفعة في المرآة»، و«الحكواتي يفقد صوته»، و«يوقد الليل أصواتهم ويملأ أسفارهم بالتعب»، و«إنت النار وأنا الفراشة»، و«أحاديث مسائية»، و«البهو»، و«صفعة في المرآة»، و«واحد صفر»، ومسرحية «اللعبة» عن مسرحية سعد الله ونوس «المقهى الزجاجي»، و«واحد اثنان ثلاثة»، و«البديل»، كما أصدر عدداً من الروايات: «رائحة الفحم»، و«حالة كذب»، و«اليوم الأخير لبائع الحمام»، و«مقامات النساء».



«ذلك الشيء الذي حدث» يتحوَّل إلى مذكرات صادمة

«ذلك الشيء الذي حدث» يتحوَّل إلى مذكرات صادمة
TT

«ذلك الشيء الذي حدث» يتحوَّل إلى مذكرات صادمة

«ذلك الشيء الذي حدث» يتحوَّل إلى مذكرات صادمة

في ليلة 22 ديسمبر (كانون الأول) 2009، اقتحم ستة رجال ملثمون شقة مستأجرة لقضاء العطلة في إحدى جزر الكاريبي، حيث كانت المؤلفة إيميلي لابارج، 25 عاماً آنذاك، تقيم برفقة والدتها ووالدها وأختها. وسرعان ما شعرت لابارج ببطانية تُسحب فوق رأسها، وبمسدس يضغط على قاعدة جمجمتها. هنا، همس المقتحمون: «لا نريد أن نؤذيك، لكننا سنفعل». وبعد ثماني ساعات مرعبة، غادر الرجال.

وصفت صديقة والدتها ما حدث بـ«قصة مذهلة»، ملمحة إلى أن لابارج يجب أن تكتب عنها. أما لابارج نفسها، فلم تستسغ الفكرة مطلقاً، وقالت: «أتذكر أنني قلت في نفسي إن هذا جنون. مستحيل أن أكتب هذه القصة أبداً».

وبالفعل، لم تكتب «هذه القصة» بعد ـ أو ليس نفس القصة بالضبط. بدلاً من ذلك، كتبت «أيام الكلاب». كتاب غريب ومذهل، يبدأ بالحدث الذي سيُعرف لاحقاً بالكثير من الأسماء - «الحادثة»، «ذلك الكريسماس»، «اقتحام المنزل»، «ذلك الشيء المروع الذي حدث».

من جهتها، تبدي لابارج، وهي كاتبة مقالات وناقدة فنية، إدراكاً كبيراً تجاه كذبة «القصة الجيدة»، ويقصد بها النسخة التي «لا تبث في أي شخص شعور بالغ بعدم الارتياح، أو بالسوء، أو بالتواطؤ». وتكمن أحد الأشكال الشائعة، بشكل خاص، على هذا الصعيد في حبكة الصدمة، التي تختزل الشخصيات إلى قصة خلفية مبسطة - حياة كاملة تفسرها حادثة مرعبة.

من جهتها، تبدو لابارج حذرة إزاء مثل هذه الاختصارات والاختزالات. وأعربت عن رأيها بأن تسمية ما حدث بـ«الصدمة» سيكون بمثابة تلطيف مخل لحقيقة ما حدث، «لأنه يوحي بحدث منفرد ومغلق، في حين أن الواقع عكس ذلك تماماً، مهما حاولت احتواءه».

ومع ذلك، تحاول كبح جماح مشاعرها. عبر الثلث الأول من الكتاب، تبرز محاولاتها المتقطعة والمجزأة لوصف وإعادة وصف وقائع ما حدث. فقد سمعت أحد المتسللين يضحك بصوت عالٍ في أثناء مشاهدته فيلم «السيدة داوتفاير»، الكوميديا الخفيفة، التي كانت عائلتها تشاهدها عندما اقتحم الرجال المنزل.

في وقت لاحق، سمعت موسيقى كورالية من ألبوم «أغنس داي»، أحد الألبومات التي كانت تحتفظ بها عائلتها، تُعاد مراراً وتكراراً. غير أنها تدرك أن هذه التفاصيل «غريبة، تكاد تكون كوميدية، ساخرة، وليست تلك التي تُهدد الحياة، ولا تلك التي تُثير الخوف العميق».

وعليه، تشرع لابارج في تجريب أشكال أخرى، من بينها الشعر («أحدهم يُحطم كأساً/ أحدهم يُحطم/ أحدهم يُحطم»)، ونصٌّ يكاد يكون هزلياً («يقول أبي مازحاً إنه بخير، لكنه يرفض مشاهدة أي أفلام عن قصص رهائن مرة أخرى. هاهاها، مزحة»). وفي محاولة أخرى، تلجأ إلى استخدام كلمات بديلة لمعظم الكلمات.

تسعى لابارج أن تضع حدوداً لشيء لا حدود له، ومن المتعذر تعريفه. وخلال الأسابيع والأشهر، التي أعقبت الحادثة، كان أقرب ما يعبر عن خوفها الدفين، حلم راودها عن وجودها داخل غرفة قذرة تشبه الزنزانة، بينما كان الناس يطرقون الباب، ويضغطون بوجوههم على النافذة. وكتبت عن ذلك: «أستلقي على الأرض، وظهري إلى الحائط، حتى لا تراني الوجوه، وأجعل نفسي صغيرة الحجم، وأبدأ في العد». وأضافت: «شيء ساخن ومروع يزحف نحو فمي، فابتلعه».

في البداية، تكون صورها وانطباعاتها محصورة ومقيدة بطبيعتها. من الواضح أن الصدمة النفسية تعزلها؛ فهي تقطع صلتها بالآخرين وتدفعها نحو الانكفاء على نفسها، فتدور في حلقة مفرغة حول نفس الهواجس. غير أنه سرعان ما يبدأ الكتاب في التحرك نحو الخارج. وهنا، كتبت لابارج: «أقرأ وأقرأ وأقرأ لنفسي قصصاً لأعيش»، معدلةً عبارة جوان ديديون عن سرد القصص.

وتتيح لها قراءة أعمال كاتبات مثل جوي ويليامز ولوري مور، اللتين تلعبان على خطوط التناقضات والعبثية، الشعور بالتواصل والارتباط. وأخيراً، لم يعد وجودها يبدو محصوراً وضيقاً إلى هذا الحد؛ فهو يتردد صداه مع «خيوط وحياة وروايات أخرى يتعذر استيعابها، حقيقية وغير حقيقية». ولا يقتصر الأمر على مجرد شخصيات هؤلاء الكتاب أو حبكاتهم؛ بل نبض لغتهم، وإيقاعات الصوت المفاجئة، وروح الدعابة الماكرة. في مجملها، تخلق قصصهم «احتمالات لم تخلق بعد».

من جهته، يتبنى كتاب «أيام الكلاب» هذا النهج الشامل، الذي يمزج السيرة الذاتية بالنقد، والتحليل النفسي بالشعر، والخيال وحتى فيزياء الكم. ويأتي هذا بمثابة شهادة على مواهب لابارج باعتبارها كاتبة قادرة على جعل حتى الأفكار الأشد تعقيداً ومجازية تبدو ملحّة ومفعمة بالحياة. وتبدو اهتماماتها وذوقها أكثر شراهة وجذباً: سواء عند التفكير في لوحة جوان ميتشيل، أو فيلم عيد الميلاد «إنها حياة رائعة»، أو الفانتازيا الكابوسية لفيلم ديفيد لينش «مولوهولاند درايف». وعبر صفحات الكتاب، تكتب لابارج بدقة وفضول وجدية.

ونلاحظ أن «الصدمة مشكلة سردية»، عبارة تتكرر في مواضع مختلفة من الكتاب. الصدمة «تتركز أولاً وقبل كل شيء في عدم اليقين»، حسبما كتبت لابارج. الصدمة تتحدى الرغبة في تحديد السببية، وتُشوّه إحساس المرء بالزمن، فتسرّعه وتبطئه. يمكن للأحلام أن تلتقط هذا الاضطراب؛ والحكايات الخرافية كذلك، فهي «عالم من الحلم أكثر من كونه ميداناً للفعل».

من منظور لابارج، توفِّر اللغة القيد ونافذة الإمكان معاً. في اقتباس تمهيدي، تدرج سطراً من الناقدة فيفيان غورنيك: «الخدعة، كما رأت، كانت أن تولي اهتماماً صارماً لتجربتك الفعلية، ثم تجد طريقة تجعل الكتابة تستوعبها». وفيما بعد، تقتبس لابارج مقولة صمويل بيكيت حول إن مهمة الفنان «إيجاد شكل يستوعب الفوضى».

ويتتبع «أيام الكلاب» اكتشاف لابارج للشكل الذي يمكن أن يتخذه هذا الاستيعاب. فهو يبدأ بعنف انتظار الموت وحيدة، وغطاء محبوك فوق رأسها، وينتهي بالتزام بالانخراط في العالم. وهنا، كتبت: «ما يحدث لك يحدث لي يحدث للجميع وكل شيء»؛ بمعنى أننا جميعاً نشارك حقيقة موتنا. وتروي لابارج كيف أن الشاعر والمؤدّي أنتونين أرتو ألقى محاضرته في السوربون عن «المسرح والطاعون»، وهو يتدحرج على الأرض، يصرخ ويلتفّ ويلتقط أنفاسه. وشرح لاحقاً أنه أراد لجمهوره أن يشعروا بالرعب ويفيقوا، لأنهم «لا يستوعبون أنهم موتى».

غير أن هذه التعاسة لم تكن مرادفاً لليأس؛ ففي مواجهة أرتو مع الفناء، تجد لابارج فسحة من الأمل: «قرأت هذه الرغبة في إظهار الجمهور كأنهم موتى، باعتباره دعوة ليحيوا».

* خدمة «نيويورك تايمز»

تروي المؤلفة في كتابها البارع «أيام الكلاب» مواجهة حقيقية مع الموت من دون اللجوء إلى أسلوب «حبكة الصدمة»

في ليلة 22 ديسمبر (كانون الأول) 2009، اقتحم ستة رجال ملثمون شقة مستأجرة لقضاء العطلة في إحدى جزر الكاريبي، حيث كانت المؤلفة إيميلي لابارج،


مجسّمات كلاسيكية أموية

خمس مجسمات من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدر قصر الحير الغربي البادية السورية
خمس مجسمات من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدر قصر الحير الغربي البادية السورية
TT

مجسّمات كلاسيكية أموية

خمس مجسمات من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدر قصر الحير الغربي البادية السورية
خمس مجسمات من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدر قصر الحير الغربي البادية السورية

دخلت الثقافة اليونانية إلى حواضر الشرق الأدنى من الباب الواسع خلال القرون التي تلت سيطرة الإسكندر الأكبر على هذه النواحي، وانعكس أثر هذا الدخول سريعاً على النتاج الفني بمكوّناته المتعدّدة. ازدهر النحت الكلاسيكي في هذا السياق ازدهاراً كبيراً، وشاع في هذه البقاع، وطبع جزءاً كبيراً من النتاج المحلّي بطرز جماليّته الخاصة. تواصلت هذه الحركة الفنية في الحقبة التي شهدت سيطرة روما على الشرق الأدنى، وتجلّت في ميادين متعدّدة خلال القرون الميلادية الأولى. فقد النحت الكلاسيكي توهّجه الكبير خلال الحقبة البيزنطية، غير أنه حافظ على حضوره في الشرق الأدنى، كما في سائر العالم المتوسطي. استمرّ هذا الحضور في زمن الدولة الأموية، إذ ارتبط بشكل وثيق بالحركة العمرانية المدنية، كما تشهد عديد من المجسمّات خرجت من القصور التي شيّدها أسياد هذه الدولة في صحاري بلاد الشام، منها مجموعة من المنحوتات الآدمية، دخلت متحف دمشق الوطني في منتصف القرن الماضي، ومصدرها قصر الحير الغربي في البادية السورية.

تتمثّل هذه المجموعة بقطع من الحجم الصغير، وصلت كلّها بشكل مجتزأ للأسف، والأكيد أنّها شكّلت في الأساس جزءاً من الحلل النحتية الخاصة بأروقة القصر الداخلية، غير أن تحديد موقعها الأصلي في هذه الأروقة بشكل دقيق يبدو اليوم أشبه بلغز يصعب حلّه، كما يُجمع أهل الاختصاص الذين انكبّوا على دراستها، منذ اكتشافها في السنوات الأخيرة من ثلاثينات القرن الماضي. يتجلّى الطابع الكلاسيكي بشكل لا لبس فيه في قطعة من هذه القطع، يبلغ طولها 26 سنتيمتراً، وعرضها 21 سنتيمتراً، وتمثّل النصف الأعلى من قامة رجل شاب، سقطت منها الذراع اليمنى، ويد الذراع اليسرى. حافظ الرأس على بنيته بشكل كامل، وملامحه الناتئة واضحة، وتحاكي المثال الواقعي الحسّي، وفقاً للناموس الفني الذي شكّل أساساً للجمالية الكلاسيكية. يظهر هذا النسق في تجسيم العينين والحاجبين اللذين يعلوانهما، كما في تجسيم بنية الأنف الهرمية، وتحديد المنخرين. الفم مطبق، مع شق يفضل بين الشفتين، والأذنان ظاهرتان، وهما من الحجم الكبير. الخدان مكتنزان، والذقن بيضاوية وعريضة، وفقاً للنموذج المثالي المكرّس.

يكلّل الرأس شعر طويل أملس، ينقسم إلى مساحتين متساويتين يفصل بينهما فرق وسطيّ. ينسدل هذا الشعر إلى الوراء من خلف الأذنين، ويأخذ شكل هالة نصفية تُبرز الوجه. تتّحد هذه الكتلة البيضاوية بكتلة العنق، وتستقر فوق كتفين عريضتين. اللباس روماني تقليدي، ويتكوّن من رداء تحدّه بطانة عريضة تنعقد حول أسفل العنق، يعلوه معطف عريض، يأخذ شكل عباءة تلتف ثناياها حول الصدر والذراعين، مع حزام في الوسط، بقي منه طرفه الأعلى. ترتفع الذراع اليسرى نحو الأحلى، وتوحي بحركة يصعب تحديدها، بسبب سقوط يدها وضياعها.

يحضر هذا النسق الفنّي في قطعة أخرى مشابهة، يبلغ طولها 25 سنتيمتراً، وعرضها 15 سنتيمتراً، وتمثّل رجلاً ملتحياً، يرفع ذراعيه في اتجاه أعلى الصدر، في حركة يصعب كذلك تحديد هويّتها. الشعر كثيف، وخصله هنا ناتئة ومتموّجة، تحيط بالوجه وتحجب الأذنين كلّياً. اللحية عريضة، وتتكوّن من خصل أفقية متوازية، يعلوها شانب عريض وطويل، يبلغ حدّاه طرفي الذقن. العينان مفتوحتان، وتتميّزان ببؤبؤ يرتسم في وسط كلّ منهما على شكل ثقب دائري غائر. يتكرّر اللباس الروماني التقليدي، وتوشّحه ثنايا تلتفّ حول الكتفين على شكل وشاح، وتنسكب على أعلى الذراعين، كما على مساحة الصدر.

تتجلّى الحركة الحية في قطعتين تتشابهان من حيث الوضعيّة، وتمثّلان شاباً أمرد تبدو ملامحه واحدة. يبلغ طول القطعة الكبرى 22 سنتيمتراً، وعرضها 21 سنتيمتراً، وفيها يظهر هذا الفتي رافعاً ذراعه اليسرى في اتجاه الصدر، قابضاً بيده على رزمة من القضبان المرصوصة كأعواد. تلتفّ ثنايا الرداء حول الكتف وأعلى الذراع، وتنسدل على الصدر، وتظهر في أعلاها بطانة عريضة تنعقد حول العنق. الوجه غض وممتلئ، وملامحه محددة برهافة. تنفتح العينان تحت حاجبيهما. ويكشف الثغر الصغير عن ابتسامة خفيّة ترتسم على شفتيه. تحضر الاذنان الواسعتان، ويظهر صيوان كلّ منهما بدقة. تعلو الرأس كتلة من الشعر، تأخذ هنا خصلاتها المتموّجة شكلاً لولبياً.

يبلغ طول القطعة المشابهة 16 سنتيمتراً، وعرضها 28 سنتيمتراً، وفيها يحني هذا الفتى رأسه في وضعيّة مماثلة، رافعاً ذراعه اليمنى نحو أعلى هامته، قابضاً بيده على كتلة دائرية يصعب تحديد هويّتها. تتغيّر حركة خصل الشعر التي تكلّل الرأس، وتأخذ شكل مساحات مستطيلة، مرصوصة ومتوازية. سقط الجزء الأسفل من هذا المجسّم، وما بقي من صدره يكشف عن رداء تعلوه ثنايا تلتفّ حول الكتفين، كاشفة عن حركة حيّة تخرج عن القوالب الساكنة، وفقاً للنسق الذي تميّزت به الجمالية الكلاسيكية اليونانية، ووارثتها الرومانية.

إلى جانب هذه القطع الأربع، تحضر قطعة خامسة، يبلغ طولها 23 سنتيمتراً، وعرضها 22 سنتيمتراً. يغلب على هذا المجسّم الطابع الأنثوي، ويمثّل قامة ترفع رأسها نحو الأعلى، وتحنيه نحو الخلف، وكأنّها تتمايل في حركة راقصة. الوجه مهشّم، وما بقي من ملامحه يكشف عن عينين منسدلتين في نشوة غامضة. الشعر طويل، وخصله ممدودة نحو الخلف، وفقاً لطراز مألوف، يعود إلى الحقبة اليونانية الكلاسيكية. الذراعان ممدودتان إلى الخلف في حركة حيّة منفلتة، ويعلوها رداء تلتف ثناياه من حولها وتتموّج في حركة موازية.


«أهلاً أميركا»... سيرة النجاح والقسوة

«أهلاً أميركا»... سيرة النجاح والقسوة
TT

«أهلاً أميركا»... سيرة النجاح والقسوة

«أهلاً أميركا»... سيرة النجاح والقسوة

تسرد رواية «أهلاً أميركا»، الصادرة عن دار «العربي» بالقاهرة للكاتب الإسباني مارتن جيرونيل، ترجمة محمد أحمد حسين، السيرة الروائية لرجل الأعمال الكاتالوني سيفرينو كاريون الذي غادر إسبانيا بعد الحرب الأهلية هناك بحثاً عن حياة جديدة ليكتسب شهرة واسعة في الولايات المتحدة الأميركية بعد استقراره بها، في تجربة هجرة مزجت بين إرادة النجاح وألم الاغتراب والوحدة وقسوة البدايات.

هرب «سيفرينو» من واقع الفقر والقمع ليخوض رحلة محفوفة بالمخاطر من برشلونة إلى أميركا، وهناك استطاع أن يصنع لنفسه مستقبلاً غير متوقع، حيث عمل في البداية في مهن متواضعة قبل أن يدخل عالم المطاعم الراقية ويصبح صديقاً لنجوم هوليوود مثل «جيمس دين» و«مارلين مونرو»، غير أنه لم يكتفِ بذلك، بل أسس مطعمه الخاص في منطقة «بيفرلي هيلز» الراقية والذي تحوَّل لأيقونة ثقافية يقصده المشاهير والسياسيون.

ورغم ذلك، لا يمكن اختزال العمل في كونه مجرد حكاية صعود فردي، بل شهادة على روح المغامرة والإصرار وكيف يمكن للحلم أن يتحدى قسوة الواقع من خلال أسلوب مشوِّق وسرد متصاعد لقصة حقيقية عن شجاعة رجل أعاد اختراع نفسه وترك بصمة لا تُنسى في عالم المطاعم.

وُلد مؤلف العمل مارتي جيرونيل عام 1971 بإقليم كاتالونيا الإسباني ويعد من أكثر الروائيين الكاتالونيين انتشاراً في العقدين الأخيرين، حيث اشتُهر بكتاباته التاريخية التي تمزج بين الدقة التوثيقية والسرد المشوق والتي يحيي من خلالها شخصيات وأحداث منسية ليقدمها في قالب روائي يلامس القارئ المعاصر.

عمل جيرونيل في بداياته صحافياً ومقدماً للتقارير التلفزيونية قبل أن يتفرغ تدريجياً للأدب، فحقَّق شهرة واسعة منذ صدور روايته الأولى «قنطرة الأب فسينت» التي لاقت رواجاً كبيراً، بينما حازت «أهلا أميركا» على جائزة «رامون لول» لعام 2018 وهي إحدى أرفع الجوائز الأدبية في كاتالونيا.

ومن أجواء الرواية نقرأ:

«في صباح ذلك اليوم من يوليو (تموز) عام 1949 شعر سيفرينو كاريون بالصدمة وهو يرى المدينة العملاقة تنبثق مباشرة من المياه، كان في ذلك المشهد المتعاظم الذي يخيل للناظر أنه لوحة سينمائية مزيج من سحر يأسر الألباب ووحشية جامحة فلم تكن السفينة هي التي تقترب بل نيويورك هي التي كانت تبتلعه.

لم يكن نور النهار قد انبلج بعد إلا والفتى قد ولج إلى أحشاء المدينة وقد تضاءلت نفسه أمام جبروتها وعظمتها، أغرقته أيضاً أمواج السيارات والبشر المتدافعة في ذلك الشارع الفسيح الذي كان آخر ما علق بذهنه من وصايا (جو) حتى لا يضل الطريق. سرت القشعريرة في أوصاله من مفرق رأسه حتى أخمص قدميه وغشاه عرق بارد كالثلج، ذاك العبور من مخبئه الخانق في جوف السفينة (ليبرتيه) إلى ترحيب تمثال الحرية الذي خلّف في روحه صقيعاً من غربة موحشة، صقيعاً عنيداً لم يُظهر أي عجلة في الرحيل ورغم كل شيء فقد ملأ الإيمان قلبه بأن طائر السعد سيعود ليحط على كتفه حالما يعثر على موقف الحافلة الأولى من أربع حافلات كان عليه أن يتنقل بينها ليصل إلى حي برونكس.

قبض على حقيبته الصغيرة وكأنها تميمة تحميه، يتأمل فاغر الفم تلك النواطح السحابية المعدنية بجدرانها اللامتناهية المرصعة بآلاف النوافذ الموصدة ومهما أمعن النظر لم يكن بوسعه أن يلمح سطحاً واحداً، الأمر الذي بث في نفسه شعوراً خانقاً أشبه برهاب الأماكن المغلقة. كل ما حوله كان زوايا قائمة وهياكل عملاقة بدت معها المدينة كغلام مراهق غير متناسق الأطراف لم يكتمل نموه بعد.

أما سيفرينو، الذي لم يجرؤ حتى على أن يأخذ نفساً عميقاً، فقد تشبث بالشيء الوحيد الذي يربطه بذاته، فلم يرفع عينيه عن قصاصة الورق التي تحمل عنوان عمه رامون ابن عم أبيه العنوان الذي كان يحفظه عن ظهر قلب: آرثر أفينيو رقم 2309».