الصقعبي: كثير من الروايات بلا روح... فكيف يتواصل القارئ مع كائن ميت؟

الروائي السعودي الفائز بجائزة وزارة الثقافة والإعلام للكتاب

وزير الثقافة والإعلام د. عادل الطريفي يسلم الصقعبي جائزة الوزارة للكتاب
وزير الثقافة والإعلام د. عادل الطريفي يسلم الصقعبي جائزة الوزارة للكتاب
TT

الصقعبي: كثير من الروايات بلا روح... فكيف يتواصل القارئ مع كائن ميت؟

وزير الثقافة والإعلام د. عادل الطريفي يسلم الصقعبي جائزة الوزارة للكتاب
وزير الثقافة والإعلام د. عادل الطريفي يسلم الصقعبي جائزة الوزارة للكتاب

لا يزال الروائي السعودي عبد العزيز صالح الصقعبي، مشدوداً إلى عالم المسرح؛ كتابة ولغة وأسلوباً وفنّاً، حتى أعماله الروائية المبكرة كُتبت ضمن هاجسه القصصي والمسرحي، فجاءت الرواية كما في «حالة كذب»، و«رائحة الفحم»، تجمع بين نسقين، لكنها تتوارى خلف النسق الشعري للنص، دون أن يؤثر ذلك على النص ويجعله هلامياً. بدأ الصقعبي كتابة الرواية مبكراً، في وقت لم تأخذ فيه الرواية المحلية موقعها في المشهد الثقافي، ولذلك خسرت تلك الأعمال زخمها الذي تستحق، إضافة إلى شخصية الصقعبي العازفة عن الأضواء. مؤخراً حصل نصّه المسرحي «القرية تخلع عباءتها»، الصادر عن «نادي تبوك الأدبي» و«دار الانتشار العربي»، على «جائزة وزارة الثقافة والإعلام للكتاب» لهذا العام (مع آخرين)؛ وبهذه المناسبة، وبمناسبة معرض الرياض الدولي للكتاب، التقت «الشرق الأوسط» عبد العزيز الصقعبي، وأجرت معه الحوار التالي:

المسرح أولاً

> فوز نصّك المسرحي «القرية تخلع عباءتها»، بـ«جائزة وزارة الثقافة والإعلام للكتاب» هذا العام، يسلط الضوء على تجربتك في الكتابة المسرحية، وهي تجربة ثرية أنتجت عدداً من النصوص التي تحولت إلى أعمال مسرحية، حدثنا عن هذه التجربة؟
- تجربتي في كتابة المسرح لم تبدأ بشكل تقليدي، على الرغم من أني متابع ومحب للمسرح، بل من خلال عمل مختلف؛ لذا حققت الأسبقية في المملكة وربما في دول الخليج من خلال كتابة «مونودراما» مسرحية الشخص الواحد «صفعة في المرآة» التي قام بالدور الوحيد فيها الفنان راشد الشمراني وأخرجها عبد العزيز الرشيد عام 1983. هذه المسرحية نفذت بعد ذلك في الجزائر والمغرب من قبل الفنان الراحل بكر الشدي تمثيلاً، وعبد الرحمن الرقراق إخراجاً، والجميل أن هذه المسرحية قدمت من قبل فنانين جزائريين ومغاربة في السنوات الماضية.
تجربتي المسرحية يطول الحديث عنها؛ إذ كتبت عددا من النصوص ونفذت لي مجموعة مسرحيات، منها مسرحية «واحد صفر» التي قام بالدور الوحيد فيها ناصر القصبي وأخرجها عامر الحمود. لم يتوقف الأمر عند ذلك، بل قمتُ بإعداد وإخراج مسرحية «اللعبة» عن مسرحية سعد الله ونوس «المقهى الزجاجي»، وبالنسبة لـ«القرية تخلع عباءتها»، فتتكون من ثلاث مسرحيات ليست مونودراما، وإحداها من مشاهد عدة.
> بعد مشوار طويل من الإبداع، جاء التكريم أخيراً... هل يردّ لك هذا الفوز الاعتبار بعد تجاهل المؤسسات لك كل هذا الوقت؟
- هذا مؤلم ليس لي فقط، بل لكثير من المبدعين. كثير ممن يشرفون على الشأن الثقافي لا يعرفون أن التكريم والجوائز من المحفزات المهمة للإبداع. المشكلة أن من يرغب في الحصول على جائزة، «كمثال»، يجب أن يكون مسوقاً لإبداعه، ومثلي ممن لا يسوق نفسه، ولا يسعى لحفلات التوقيع، يبقون في الظل. المشكلة أن كثيراً من القراء يبحثون عن الأعمال الفائزة أو كتب النجوم، وبالذات نجوم الإعلام الجديد.
> لديك نصوص شاركت في فعاليات مسرحية؛ سعودياً وخليجياً وعربياً، وبعضها تحول إلى أعمال تلفزيونية... لكن في الفترة الأخيرة لم نشهد لك حضوراً... هل للأمر علاقة بتراجع المسرح السعودي، أم إن الرواية كانت لها جاذبيتها بالنسبة إليك؟
- لا أنكر مطلقاً جاذبية الرواية، ولكن ما زلت متواصلا مع المسرح؛ ففي العام الماضي نُفذ لي في مدينة عنيزة «مركز صالح بن صالح الثقافي» مونودراما «ولادة متعسرة» من تمثيل عادل الضويحي وإخراج علي السعيد. مشكلتي أن أغلب ما أكتبه من أعمال مسرحية فيه كثير من النخبوية، وأغلب المسرحيين يبحثون عما هو جماهيري، إضافة إلى أنني لا أعرض أعمالي على أحد لينفذها، فأغلب أعمالي المسرحية متاح للجميع من خلال كتاب «صفعة في المرآة» ومسرحيات أخرى صادرة عن وزارة الثقافة والإعلام، وهي أشبه بالأعمال الكاملة، إضافة إلى المسرحيات الثلاث في كتاب «القرية تخلع عباءتها».
> بصفتك كاتباً مسرحياً، ومتابعاً هموم المسرح، كيف ترى حال المسرح السعودي حالياً، هل ثمة أمل في إنعاشه من جديد؟
- لدينا عدد كبير من المسرحيين، وأغلبهم مبدعون، بل هنالك عروض مسرحية نالت جوائز على مستوى الوطن العربي، وأقرب مثال مسرحية «تشابك» وما نالته في الشارقة، وقبل ذلك مسرحية «بعيداً عن السيطرة»؛ فالمتابع للمشهد المسرحي يشاهد عدداً كبيراً من كتاب المسرح من جميع مناطق المملكة، إضافة إلى المخرجين والممثلين... قائمة كبيرة وطويلة من المسرحيين، إضافة إلى عدد من الفرق المسرحية، ولكن كل هذا الكم الكبير من دون مسارح لتنفيذ الأعمال، من دون معهد لصقل المواهب، من دون جهاز ينظم ويشرف ويدعم الفعل المسرحي. المسرح؛ أبو الفنون، يحتاج إلى أن تقف معه مؤسسات الدولة المعنية بالشأن الثقافي والفني، من ضمنها وزارة الثقافة والإعلام، وهيئة السياحة، وهيئة الترفيه، لماذا لا تكون هناك هيئة عامة للمسرح؟ صدقوني العرض المسرحي، إضافة إلى ما يقدمه من ترفيه ومتعة، هو أيضاً وسيلة للتوعية، وممثل مهم للوطن في الخارج.
> هل أعطاك المسرح مثلما أعطيته... هل تشعر بأنه خذلك؟
- لأكن صادقاً... لم أخلص للمسرح. أنا أكتب، والكتابة قدري، ولكن غير متفرغ للمسرح. هنالك مهرجانات وعروض كثيرة لا أستطيع حضورها بسبب الظروف الحياتية، والعمل. ليست لدي القدرة على التواصل مع كثير من المسرحيين لتنفيذ أعمال كتبتها. أذكر أنه عندما أعددت وأخرجت مسرحية «اللعبة» التي نفذت في جمعية الطائف للثقافة والفنون، أجمع كل من حضر العرض على ولادة مخرج، وفعلا طلب مني بعد ذلك إخراج بعض المسرحيات؛ اعتذرت، وتوجهت للرواية، وانشغلت بعد ذلك بعالم المكتبات والمعلومات.
> تتجاذب هذا النص «القرية تخلع عباءتها»، مشاعر التردد بين الإقدام والإحجام، لكنه لا يمنح بطله فرصة للتفكير، حيث «فوهة البئر اتسعت كثيراً... لو تحركتُ من هنا سأسقطُ حتماً... أمرٌ مُرعِبٌ... بئرٌ ليس لها قرار... ها هُو الموت أراهُ بعيني»، عمّ يُعبّر هذا التردد في رأيك؟
- هُم ثلاثة؛ كل واحد حدد موقعه، لم يتفقوا، كل واحد أراد أن يكون وحيداً، فكان الموت مصيره، تعددت الأسباب والموت واحد، سقوط في البئر، أو تحت صخرة، أو تبتلعه الرمال، جميعهم يسعى نحو وهم، قد يكون فيه بعض من الحقيقة، ولكن كل واحد منهم لن يصل إلى الحقيقة وحيداً بالتردد أو الجرأة أو الخوف، سيبقى الزمن شاهداً على كل خطوة، والمكان «القرية» لها حكاياتها الخاصة.
> بالمناسبة، لديك تجربة تجمع بين نسقي القصة والمسرحية، كما في رواية «رائحة الفحم»، كأنك مسكون بهاجس الميلودراما حين تكتب؟
- أغلب من تحدث عن رواية «رائحة الفحم» قال إن المسرح مؤثر في النص، وأنا أقول: أنا أعيش عالم السرد. كتبت القصة والرواية والمسرحية والسيناريو، بينها تشابه كثير، لأنها من أسرة واحدة، ولكن تبقى حرفية الكاتب، الذي يشعرك بأن في الرواية طيف مسرح، وأن في المسرحية طيف رواية، دون أن يؤثر ذلك على النص ويجعله هلامياً، أنا لا أحرص على تداخل الأجناس، ولكن، أحرص على النص بأن يكون منتمياً فعلياً بصورة كاملة إلى جنسه.
> حين نعود إلى روايتك ذائعة الصيت «اليوم الأخير لبائع الحمام»، بوصفها نصّاً يرتكز على سيرة المدينة، ويكشف أسرارها ويفك ألغازها، هل يمكن لهذه التجربة أن تتكرر بنحو أوسع... لنص أوسع؟
- صدرت لي منذ ثلاث سنوات رواية «مقامات النساء». نفدت طبعتها الأولى وصدرت بطبعة ثانية في معرض الكتاب العام الماضي، وهي رواية مختلفة، عن دار «جداول»، وهي مختلفة تماماً عن رواياتي السابقة الأربع «رائحة الفحم» و«حالة كذب» و«طائف الأنس»، إضافة إلى «اليوم الأخير لبائع الحمام». الجميل أن هذه الروايات الخمس درسها بشكل موسع الدكتور ساري الزهراني في بحثه الذي حصل بموجبه على شهادة الدكتوراه، وأنا أحرص ألا أكرر التجربة، بل أبحث عما هو متجاوز ومختلف، ولدي أكثر من مشروع روائي.
> ما تأثير النقد على تجربتك الإبداعية، وعلى عموم المشهد الإبداعي في السعودية، هل يستفيد الكاتب الروائي من الأعمال النقدية؟
- للأسف، لا توجد دراسات نقدية تناولت المنجز الروائي. الغريب بالنسبة لي أن هنالك من النقاد والمبدعين العرب من تناول بعض أعمالي القصصية والروائية، ونشر أغلبها في دوريات عربية كمجلة «الرواية» المصرية، إضافة إلى العدد قبل الأخير من مجلة «الفيصل» وغيرهما. أنا لا أحب أن أطرق أبواب النقاد، وعيبي أنني لا أسوّق أو أرسل كتبي إلى الآخرين؛ لذا قد أكون غائباً عن أجندة النقاد.
وبالنسبة للفائدة من الأعمال النقدية، المشهد الثقافي في المملكة يحتاج إلى مجموعة من الدارسين والنقاد لغربلة النتاج الإبداعي، وأتوقع أنه لن يصمد إلا القليل الذي يستحق أن يقرأ.
> رغم تعلقك بفرضية أن النقد سينصفك، فإنه خذلك؛ بل ظل مشغولاً بأعمال أقل من تجربتك... ماذا عن علاقتك بالنقاد؟
- علاقتي مع الجميع جيدة، ولكن أرى أنه من المهم لكل من طرح نفسه بصفته ناقدا، أن يكون متابعاً جيداً، ومتواصلا مع من أخلص للكتابة، الأمر ليس صعباً، فمن المهم أن تكون للناقد القدرة على فرز الجيد من الرديء، وبتصفح سريع يتضح ذلك؛ لأني لدي قناعة بأن العمل الإبداعي له روح خاصة، وللأسف كثير من الروايات المحلية والعربية والعالمية المترجمة بلا روح، وهذا لا يشعر به إلا مَن علاقته بالرواية «كقارئ» جيدة، وإلا كيف يتواصل أحد منا مع كائن ميت؟!
> هناك من يرى أن عزوفك عن الأضواء وهدوءك، أضرّا بتجربتك الروائية؛ إذ جعلاك بعيداً عن الانتشار، كأنك أيضاً رضيت بأن تبقى على هامش المشهد الثقافي؟
- منذ أواخر الثمانينات تفرغت للعمل بمكتبة الملك فهد الوطنية، وانسقت وراء عالم المكتبات والمعلومات، عملاً ودراسة، وهذا للأسف أبعدني عن المشهد الثقافي، وجئتُ متأخراً، لكن بهدوء، وأنا فعلا لا أحب المنابر، وتزعجني الأضواء، أتوارى خلف ما أقدمه من أعمال، وأتشبثُ بعمود أسبوعي في جريدة «الرياض»، ربما لا أحد يصدق أن أغلب أعمالي نفدت من الأسواق مثل «رائحة الفحم» و«اليوم الأخير لبائع الحمام» وقبل ذلك جميع أعمالي القصصية، وبالذات الأولى، مثل «لا ليلك ليلي ولا أنت أنا» و«الحكواتي يفقد صوته»، ولم أبحث عن ناشر أو أسعى لطباعتها مرة ثانية إلا بمبادرة من الناشر، كما في «مقامات النساء».

من أعماله

أصدر الصقعبي كثيرا من النصوص المسرحية، وبعضها تحول إلى أعمال تم عرضها محلياً وعربياً، وله كذلك كثير من المجموعات القصصية. من نتاجاته: «لا ليلك ليلي ولا أنت أنا»، و«صفعة في المرآة»، و«الحكواتي يفقد صوته»، و«يوقد الليل أصواتهم ويملأ أسفارهم بالتعب»، و«إنت النار وأنا الفراشة»، و«أحاديث مسائية»، و«البهو»، و«صفعة في المرآة»، و«واحد صفر»، ومسرحية «اللعبة» عن مسرحية سعد الله ونوس «المقهى الزجاجي»، و«واحد اثنان ثلاثة»، و«البديل»، كما أصدر عدداً من الروايات: «رائحة الفحم»، و«حالة كذب»، و«اليوم الأخير لبائع الحمام»، و«مقامات النساء».



إيفا إيلوز تعلن نهاية الحب وتنعى فن الغزل

إيفا إيلوز
إيفا إيلوز
TT

إيفا إيلوز تعلن نهاية الحب وتنعى فن الغزل

إيفا إيلوز
إيفا إيلوز

لم يكف المفكرون وعلماء النفس والاجتماع الغربيون منذ بدايات القرن الفائت عن تناول الأسباب العميقة التي أدت إلى تدهور العلاقات العاطفية بين البشر، في ظل الاستشراء المتعاظم لنظام القيم الرأسمالي، الذي يقع الجشع والمنفعة وجباية الملذات في رأس أولوياته. وإذا كان الباحث البولندي زيغمونت باومان قد تحدث في كتابه «الحب السائل»، الذي تم تناوله في مقالة سابقة، عن لزوجة الروابط الإنسانية الحديثة، فإن الباحثة الفرنسية إيفا إيلوز ذهبت في كتابها «نهاية الحب» إلى أبعد من ذلك، فتحدثت عن ضمور الحب وسقوطه المريع تحت الضربات الهائلة والمتصاعدة للمطرقة الرأسمالية.

لعل أكثر ما تؤكد عليه إيلوز في كتابها القيّم والمستفيض هو أن التحول الذي حدث في العلاقات الإنسانية هو أخطر من أن يترك في عهدة علماء النفس بمفردهم، لأن لدى علم الاجتماع الكثير مما يقوله في هذا الشأن، حيث إن «اللايقين العاطفي الذي يسود في مجالات الحب والرومانسية والجنس هو النتيجة السوسيولوجية المباشرة للطرق التي أدمج بها سوق الاستهلاك والصناعة العلاجية وشبكة الإنترنت، من خلال الاختيار الفردي الذي بات الإطار الرئيسي للحرية الشخصية».

إميل دوركهايم

وترى إيلوز في كتابها أن الحب الذي كان موجهاً للآلهة ومسنوداً بقيم دينية وسماوية انتقل في العقود الأخيرة إلى نوع من الفردانية التملكية والجنسية، التي تسوغ للمرء اتصالاً جسدياً مع من يختاره بنفسه. وقد بدأت لبنات هذه «الحداثة العاطفية» بالظهور في القرن الثامن عشر. على أنها لم تتحقق بشكل كامل إلا بعد ستينيات القرن العشرين، سواء تجلى ذلك عبر الإقرار الثقافي بحرية الاختيار العاطفي، أو عبر إعلاء مبدأ اللذة والمتع الافتراضية التي وفرتها الشبكة العنكبوتية.

وقد كان عالم الاجتماع المعروف إميل دوركهايم من أوائل الذين أدركوا مغزى انهيار النظام العاطفي والمعياري والمؤسساتي للعلاقات الإنسانية. فهو ركز في بحوثه على البشر المصابين بالأنوميا، أو الشراهة المفرطة، الذين يجدون متعتهم في العلاقات الحرة وغير المقيدة بأي شيء سوى المتعة نفسها. وبما أن الإنسان الشره يتعلق بكل من ينال إعجابه، ولا شيء يرضيه على الإطلاق، فسوف تدركه لعنة اللانهائي، التي لا ينتج عنها سوى البلبلة والاضطراب النفسي، وصولاً إلى الانتحار.

وفي سياق الضمور التدريجي للحب الرومانسي وسيادة اللاحب، تتيح الحياة المعاصرة للبشر الباحثين عن كسر العزلة الفرصة الملائمة لنسج علاقات عاطفية أكثر يسراً من السابق، إلا أنها تقدم الشيء ونقيضه في آن. فهي إذ تساعدهم من ناحية على تعريف أنفسهم عن طريق الاختيار الحر وتحقيق الرغبات، يتخذ تعريف الذات أشكالاً سلبيةً تتمثل بالإعراض والتردد والحيرة والصد المتكرر ونبذ العلاقات، بما أكسب الاختيار طابع اللااختيار، وحوّل فائض الحرية إلى نعمة ونقمة في آن.

زيغمونت باومان

والواضح أن الحداثة، التي عملت في البداية على تحرير الحب والصداقة والعلاقات الإنسانية من الأغلال، ما لبثت بتأثير واضح من نمط العلاقات الرأسمالية، التي يشكل نظام العقود بين الشركات عنوانها الأبرز، أن حوّلت الحب إلى علاقة استثمارية تعاقدية بين طرفين، يحرص كل منهما على تحصيل أقصى ما يستطيعه من الأرباح. لكن الأمور لم تتوقف عند هذا الحد، بل إن القدرات التواصلية الفائقة للحداثة أفضت في وقت لاحق إلى خلخلة العلاقات الاجتماعية التقليدية، أو نقلها إلى خانة سلبية بحتة. والبراهين على ذلك كثيرة ومتنوعة، من بينها المواعدات العرضية، والاكتفاء بالعشيق المؤقت أو رفيق المتعة، والنأي عن أي وعد ملزم، وإخلاء العلاقات من أي شبهة شاعرية.

وتستعيد المؤلفة في هذا السياق، وبالكثير من النوستالجيا، الوجوه والمفاهيم السابقة للحب، سواء تعلق الأمر باليوتوبيا الصوفية، أو بالتقشف المسيحي، ممثلاً بأوغسطين وتوما الأكويني، الذي يكاد يحصر العلاقة الجسدية في نطاق الإنجاب والتكاثر، أو بالحب الفروسي الذي ساد في العصور الوسطى، وأنتج قصائد رائعة في التوله العشقي. وهي تضع في السياق نفسه رؤية إيمانويل كانط الأخلاقية إلى العلاقات العاطفية، التي لا ينبغي حسب قوله «أن تجعل من الشخص الآخر موضوعاً للشهوة، ثم تطرحه بعد إطفائها كما يُطرح الليمون بعد عصره».

وهي إذ تفعل ذلك فلتبين بوضوح كيف أن النظام الرأسمالي، بخاصة في ظل التطورات المتسارعة لوسائل الاتصال، لا يقرأ إلا في كتاب الاستثمار وتحصيل المكاسب، بدليل أنه فصل الجسد الإنساني عن أي مرجعية أخلاقية واجتماعية، وحوّله إلى مرجع قائم بنفسه وذاتي الإحالة، ومفصول عن الأجساد الأخرى وباقي الأشخاص. وإذا كانت الجنسانية غريزة طبيعية، فيمكن للجسد الجنسي أن يصير فيزيولوجيا خالصة محكومة بالهرمونات والنهايات العصبية.

وإذا كانت التحولات الدراماتيكية التي أدخلها نظام المنفعة الرأسمالي على سلم القيم المألوف أصابت الحب في صميمه، فهي قد أصابت بالطريقة ذاتها فن الغزل، سواء ما تعلق منه بالشعر، أو بقواعد المغازلة القديمة على اختلاف مستوياتها وأغراضها. صحيح أن المغازلة لم تكن تتم على الدوام في سياق التمهيد الصادق للارتباط النهائي بالآخر، بل كان بعضها يقع في خانة الإغواء الشهواني للطرف المعشوق واستدراجه إلى علاقة جسدية عابرة، لكنها ترتكز في جميع الحالات على مجموعة واضحة من القواعد الاجتماعية التي تنظم المشاعر والعواطف والتفاعلات في مسارات ثقافية محددة المعالم والغايات.

ولعل أهم ما تمنحه أشكال المغازلة التقليدية للمتغزلين، هي أنها تخرجهم من حالة التذرر واللايقين التي تحكم في العادة شخصية البشر المتوحدين، أو المهووسين بإرضاء نزواتهم، وتدرجهم في سياق بنية سردية وسوسيولوجية، محددة المقدمات والنتائج. فالمغازلات الغرامية ما قبل الحديثة كانت، وفق دوركهايم، مرتبطة بمجالات للطاقة شديدة التكثيف، وقادرة عبر ديناميتها الفاعلة وظهيرها العاطفي، على إكساب العلاقة بين الطرفين ما يلزمها من الفاعلية والجدوى، وما يخفف بالتالي من وطأة الغموض واللايقين.

لم يكن اختفاء المغازلة الغرامية بهذا المعنى سوى المحصلة الطبيعية للحرية الجنسية، التي لم يلبث أن أمسك بزمامها جهاز مؤسَّسي لا يقيم للمشاعر الإنسانية القلبية أي وزن يذكر. فإذا كانت الحرية قد شكلت الشعار الآيديولوجي للحركات الاجتماعية والسياسية، فإنها باتت بالمقابل الذريعة التي يتوسلها طالبو المتع الحسية المجردة لتحقيق غاياتهم، وإخلاء حياتهم من أي معنى يتجاوز هذه المتع. وقد عززت الرأسمالية «المرئية» هذا الشكل من الاستغلال المكثف والواسع للجسد الجنسي، من خلال صناعة الصور والسرديات التي لم تكف التكنولوجيا المتطورة عن توفيرها لهواة النوع. وهو ما جعل العلاقات القائمة بين البشر تأخذ شكل المقايضات المتبادلة التي تتم بين غرباء، يقوم كل منهما بإسداء خدمة مُرْضية للآخر.

لكن المفارقة اللافتة في هذا النوع من العلاقات التي تعززها الرأسمالية النيوليبرالية هي أن التمحور الغرائزي حول الذات الظامئة أبداً إلى التحقق، يقابله تهديد عميق للهوية الفردية والاجتماعية على حد سواء، بحيث إنني «لا أستطيع أن أقول من أنا وماذا أريد». وفي ظل هذا النوع من العلاقات المعولمة، تسود بنية جديدة للشعور تتأرجح بين المجالين الاقتصادي والجنسي، وتجد تعبيراتها في المرونة الزائدة، والانتقال من شريك إلى آخر، وعدم الولاء. وهو ما جعل انعدام الإحساس بالأمان يسير جنباً إلى جنب مع التنافسية المطلقة وغياب الثقة.

لعل أخطر ما تسبب به الانهيار التراجيدي لعلاقات الحب الوثيقة هو أن اختفاء الروح من المشهد الغرامي قد ترك الجسد يخوض وحيداً وبلا ظهير معركة إثبات الفحولة والتنافس القاسي على الخواء. وهو ما جعل أضراره تتعدى الإحساس بالفراغ الروحي والميتافيزيقي، لتصل ببعض الخاسرين في سباق الفحولة إلى الانتحار، كما حدث لبطل ميشيل ويلبيك في روايته «توسيع دائرة الصراع».

وإذ تلح إيفا إيلوز في خاتمة كتابها على أنها ليست معنيةً بتقديم المواعظ الأخلاقية، ولا الدعوة إلى تضييق هامش الحرية، أو الحث على العودة إلى بيت الطاعة الأسري، تؤكد بالمقابل على كونها معنيةً بأن يجد سعار الشهوات المحمومة، وفوضى الغرائز المنفلتة من أي وازع، طريقهما إلى التراجع. وإذا كانت الحرية الفردية هي المبدأ الحقوقي الذي يتذرع به الكثيرون لتبرير انفلاتهم الغرائزي، وتهالكهم على الملذات، فلماذا لا تكون الحرية بالمقابل بمثابة الذريعة الملائمة لرفع الستار عن كنوز الروح وجمال الحب وفتنة اللامرئي.


لوحة «ملوك العالم» في قصير عمرة

ملوك الأرض في لوحة من جداريات قصير عمرة، مع رسم توثيقي لها
ملوك الأرض في لوحة من جداريات قصير عمرة، مع رسم توثيقي لها
TT

لوحة «ملوك العالم» في قصير عمرة

ملوك الأرض في لوحة من جداريات قصير عمرة، مع رسم توثيقي لها
ملوك الأرض في لوحة من جداريات قصير عمرة، مع رسم توثيقي لها

يقع قصير عمرة في بادية الأردن، جنوب غرب محمية وادي الأزرق، ويُعرف بجدارياته التي تشكّل متحفاً للفن التصويري الأموي. تحوي هذه الجداريات مجموعةً من اللوحات الكبيرة، حظي عدد منها بشهرة واسعة، منذ أن كشف العالم التشيكي ألوييس موزيل عنها في مطلع القرن الماضي. تبرز في هذا الميدان لوحةٌ تُعرف باسم «ملوك العالم»، تُمثّل ستة أشخاص تعلو قاماتهم كتابات تسمّي أربعة منهم.

يجمع قصير عمرة بين حمّام كبير، ومجلس مكوّن من ثلاثة إيوانات معقودة، ويحضر «ملوك العالم» في الإيوان الغربي، على طرف الجدار الغربي، ضمن تأليف يجمع بين ثلاث لوحات متلاصقة. تناوب عدد من كبار العلماء على تحليل هذه اللوحة، واستندوا في أبحاثهم على رسم توثيقي نشره ألوييس موزيل عام 1907 ضمن دراسة خصّ به هذا الموقع الأموي. لم تصل هذه اللوحة بشكلها الكامل عند اكتشافها، إذ فقدت بعضاً من تفاصيلها حين حاولت البعثة التي قادها موزيل نزعها لنقلها، وتبيّن أن هذه البعثة نقلت عينة صغيرة منها، دخلت «متحف الفن الإسلامي» ببرلين.

تمّ تنظيف هذه اللوحة في النصف الأوّل من سبعينات القرن الماضي، يوم قامت بعثة إسبانية بتدعيم بناء قصير عمرة. ورُمّمت منذ بضع سنوات، حيث باشر فريق إيطالي من «المعهد العالي للحفظ والترميم» العملَ في الموقع في 2010. شمل هذا العمل المتأنّي لوحة «ملوك العالم»، وأدّى إلى الكشف عن تفاصيل بقيت مخفية من قبل. ظهر وجهان من وجوه هؤلاء الملوك بشكل جلّي، وشهد هذا الظهور لمتانة الأسلوب المتبع في التصوير والتلوين.

تُمثّل هذه اللوحة ثلاث قامات تحضر في المقدمة في وضعية المواجهة، رافعةً أيديها في اتجاه اليمين، في حركة ثابتة. وتظهر من خلف هذه القامات ثلاثة وجوه تنتصب في وضعيّة مماثلة. تشكّل هذه القامات الست جوقة واحدة، وتبدو أحجامها متساوية، ممّا يوحي بأنها تنتمي إلى مصاف واحد. تظهر القامات التي تحتل المقدّمة بشكل كامل، وتتميّز بلباسها المترف. في المقابل، تطلّ القامات التي تقف من الخلف بشكل جزئي، ولا يظهر من لباسها إلا بعض تفاصيل.

في قراءة تتّجه من اليسار إلى اليمين، يظهر في طرف الصورة ملك ضاع رأسه، غير أن الرسم التوثيقي حفظ صورة قمة تاجه، كما حافظ على الكتابة المزدوجة التي تسمّيه. يحلّ الاسم باليونانية في عبارة بقي منها ثلاثة أحرف، ويحل بالعربية في عبارة بقي منها حرفان. قراءة العبارتين جلّية رغم هذه الثغرات، وتسمّي «قيصر»، أي إمبراطور الروم. من خلفه، ينتصب ملك فقد كذلك رأسه، ويكشف الرسم التوثيقي عن قمة الخوذة التي تعلو هذا الرأس، كما يكشف عن كتابة مزدوجة تبدو مبهمة، وهذه الكتابة محفوظة في العينة التي دخلت «متحف الفن الإسلامي» ببرلين، وتحوي حرفاً واحداً يظهر بشكل جلي، وهو حرف «ق». تُظهر الدراسات بأن المَعني هو رودريغو، آخر الملوك القوط، حاكم هسبانيا ما بين عام 710 وعام 712، وقد اختلف الرواة العرب في اسمه، «فقيل رذريق، بالراء أوله، وقيل باللام، لذريق، وهو الأشهر» على ما كتب المقري التلمساني في «نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب». عن يمين قيصر، يقف ملك يعتمر تاجاً يتميّز برأس مسنون يعلوه هلال، يرتفع وسط قرنين متواجهين. تعلو هذا التاج كتابة مزدوجة سلم جزء كبير من أحرفها، وتشير إلى «كسرا»، وهو اللقب الذي عُرف به ملوك الساسانيين الفرس. من خلفه، يقف ملك تهشّم وجهه، تعلو رأسه كتابة مزدوجة ضاع بعض أحرفها، وما بقي منها يشير بالتأكيد إلى النجاشي، ملك الحبشة. إلى جانب النجاشي يحضر أخيراً ملكان ظهر وجهاهما بشكل واضح، غير أنّ هويّتيهما ظلّتا موضع بحث بسبب غياب أي كتابة مرافقة لهما.

يرتدي قيصر جلباباً أصفر يعلوه قباء أزرق تزيّنه شبكة من الزخارف الدائرية. ويحضر كسرى برداء أزرق ومعطف أصفر فاتح، يعلوه قباء أحمر ينسدل طرفه الأيمن على الساقين. ويقف النجاشي بجلباب أبيض، تزيّنه بطانة طويلة حمراء، تمتدّ على الكتفين، وتنسدل في الوسط. يطل الملك الخامس بشارب طويل يعلو فمه، ويظهر برداء فاتح، يعلوه قباء أزرق تزينه شبكة من الزخارف الوردية. تنتصب هامة الملك السادس من خلفه، وتكشف عن وجه ملتح بقي الجزء الأسفل منه. يرفع الملوك الذين يتقدّمون هذا الجمع أيديهم نحو الجهة اليمنى، وتأتي هذه الحركة في اتجاه لوحة كبيرة تحتلّ جدار الإيوان الأوسط، تُمثّل الأمير الوليد بن يزيد وسط ديوانه، كما تؤكّد الكتابة التي تعلو هذه اللوحة.

قدّم العالم أوليغ غرابار في عام 1954 قراءةً معمّقةً ترى هذه اللوحة تعبيراً مجازياً عن روحية الحكم الأموي، واستعاد فيها قولاً مأثوراً عُرف به الخليفة يزيد بن الوليد بن عبد الملك: «أنا ابن كسرى وأبي مروان/ وقيصر جدي وجدي خاقان»، ورأى في هذا القول تعبيراً عن «أمميّة» أموية تعبّر عنها تشكيلياً جدارية قصير عمرة. من جهة ثانية، اعتبر الباحث أن تصوير «الملوك الستة» يحاكي تقليداً فارسياً، واستشهد بحديث في «معجم البلدان»، يذكر فيه ياقوت الحموي ركناً في قرميسين، أي کرمانشاه، يحوي صورة فنية تجمع «ملوك الأرض، منهم فغفور ملك الصين، وخاقان ملك الترك، وداهر ملك الهند، وقيصر ملك الروم، عند كسرى أبرويز.

اتبع مصوّر جدارية الملوك الستة، كما يبدو، هذا التقليد، غير أنَّ لوحته حملت طابعاً محلياً تمثّل في تدوين الأسماء، فاللافت هنا ان اسم ملك الروم لم يتغيّر في صياغته اليونانية، ولم يُستبدل به اسم «باسيليوس» الذي تبناه البيزنطيون، بل حضر باسم «قيصر» الذي عُرف به في الميراث الإسلامي. تحضر أسماء كسرى وقيصر والنجاشي من دون تحديد هوية أصحابها، ويحضر اسم لذريق بشكل فردي، مختزلاً سلالة ملوك القوط التي لم يتعرّف إليها علماء المسلمين بشكل عميق. وظهر إلى جانب هؤلاء الملوك الأربعة، ملكان أحدهما على الأرجح ملك الترك، والآخر ملك الصين أو ملك الهند.

هزم الحكم الإسلامي الأول ملوك الروم والفرس والقوط، إلا أنه لم يمح أثرهم، بل كان وارثهم. تعكس لوحة حلقة الملوك المنعقدة أمام ولي العهد الأموي هذا التحوّل، إذ يظهر فيها المهزومون منتصبين بوقار في وقفة جامعة، لا راكعين أمام غالبهم، كما هي العادة في التقاليد الفنية الرومانية والساسانية والبيزنطية. تشهد هذه اللوحة لأمميّة المجتمع الإسلامي في زمن خلافة بني أمية، ويتجلى هذا الطابع في لوحات أخرى من جداريات قصير عمرة، تحمل تفاصيلها مزيجاً خلّاقاً من التقاليد والأساليب التي تبنّتها هذه الخلافة وطوّرتها.


«قراءات نقدية» لـ«توشيج العلاقة بين القارئ والكاتب»

«قراءات نقدية» لـ«توشيج العلاقة بين القارئ والكاتب»
TT

«قراءات نقدية» لـ«توشيج العلاقة بين القارئ والكاتب»

«قراءات نقدية» لـ«توشيج العلاقة بين القارئ والكاتب»

صدر حديثاً عن مؤسسة «ميسلون للثقافة والترجمة والنشر» كتاب «قراءات نقدية» لمؤلفه محمود أبو حامد. والكتاب، كما يقول أبو حامد، هو «محاولة لتوشيج العلاقة بين القارئ والكاتب، وتقريبه من الأدوات النقدية السائدة، والعتبات المحددة لأبوابها، ومشاركته في تناول نماذج إبداعية متنوعة ومختلفة في أجناسها وأشكالها، لكنها متقاطعة في أبنيتها ومساراتها السردية وصياغة شخصياتها، ومرجعياتها ودوافعها وتداعياتها... وهو محاولة أيضاً لكسر الحواجز بين الأجناس، وإضافة قواسم مشتركة بينها، وتسليط الضوء على الكتابات البكر والجديدة... وتندرج هذه النماذج تحت عناوين متنوعة تحدد تقاطعاتها».

في فصل «المادة المعرفية»، أي اعتماد أو اتكاء العمل الإبداعي على مادة أو مواد معرفيةٍ ما، تناول المؤلف رواية الكاتب والناقد السوري نبيل سليمان «تحولات الإنسان الذهبي»، ورواية الكاتب العراقي شاكر نوري «الرواية العمياء»، وديوان «عابرُ الدهشة» للشاعرة اللبنانية ندى الحاج، وديوان «وجهك صار وشماً غجرياً» للشاعرة السورية ماجدة حسّان، ومجموعة «زوجة تنين أخضر» للقاصّة السورية روعة سنبل.

وتحت عنوان «فنتازيا البناء والسرد»، نطلع على قراءات في رواية «قمل العانة» للكاتب السوري الراحل غسان الجباعي، ورواية «لستُ حيواناً» للكاتب الفلسطيني وليد عبد الرحيم، ومجموعة القاصّ الفلسطيني راكان حسين «بوابة المطر»، وديوان «تمرين على النباح» للشاعرة الفلسطينية منى العاصي، ورواية «الغابة السوداء» للكاتب السوري مازن عرفة.

وتحت عنوان «تجليات الأمكنة»، كتب أبو حامد عن تجارب عدد من الشعراء: السوري أسامة إسبر، والشاعر الأردني عمر شبانة، والشاعرة المغربية فدوى الزيّاني، والشاعر السوري حسين الضّاهر. ومن الفصول الأخرى، وتحت عنوان «الحرب وتداعياتها»، نقرأ مقالة للكاتب بعنوان «الحرب في سوريا وحيادية المواقف بين البناء والسرد»، تتضمن تناولاً لآراء بعض الكتاب السوريين عن الحرب/ الثورة، مثل: نبيل سليمان، وفواز حداد، وخالد خليفة، وغسان الجباعي، ونهاد سيريس، وشادية الأتاسي، ورباب هلال، وبشير البكر، وأسماء الكريدي. وفي «بين ثقافتين»، كتب المؤلف عن الروائيين السوريين: مازن عرفة في روايته «الغابة السوداء»، ونهاد سيريس في روايته «أوراق برلين»، وإبراهيم اليوسف في روايته «جمهورية الكلب».

وبين «الثقافة العربية والإنجليزية»، تناول أبو حامد من لندن تجربة القاصّ العراقي عبد جعفر في مجموعته «طاقية الوهم»، التي تبرز فيها «مقارنات دقيقة بين اللغات والإيحاءات من الشوارع والمارة، من المتاحف والأسواق، من برودة الطقس ودفء الأمان... ويختار فيها نماذجه بعناية ويحركها في أمكنة ضمن مشهدية تمنح للسرد تشويقاً إضافياً». ومن فرنسا، اختار المؤلف الشاعرة السورية سلام أبو شالة في كتابها «بالخط الأحمر» الذي تسرد فيه «زمن الخروج إلى النجاة»، وتصف رحلاتها، والمدن التي أقامت فيها لاجئة، وتبحث في ثقافاتها من فنون وموسيقى ومتاحف... و«لكن دائماً ثمة هاجس خفي يعيدها إلى بلادها».