الصقعبي: كثير من الروايات بلا روح... فكيف يتواصل القارئ مع كائن ميت؟

الروائي السعودي الفائز بجائزة وزارة الثقافة والإعلام للكتاب

وزير الثقافة والإعلام د. عادل الطريفي يسلم الصقعبي جائزة الوزارة للكتاب
وزير الثقافة والإعلام د. عادل الطريفي يسلم الصقعبي جائزة الوزارة للكتاب
TT

الصقعبي: كثير من الروايات بلا روح... فكيف يتواصل القارئ مع كائن ميت؟

وزير الثقافة والإعلام د. عادل الطريفي يسلم الصقعبي جائزة الوزارة للكتاب
وزير الثقافة والإعلام د. عادل الطريفي يسلم الصقعبي جائزة الوزارة للكتاب

لا يزال الروائي السعودي عبد العزيز صالح الصقعبي، مشدوداً إلى عالم المسرح؛ كتابة ولغة وأسلوباً وفنّاً، حتى أعماله الروائية المبكرة كُتبت ضمن هاجسه القصصي والمسرحي، فجاءت الرواية كما في «حالة كذب»، و«رائحة الفحم»، تجمع بين نسقين، لكنها تتوارى خلف النسق الشعري للنص، دون أن يؤثر ذلك على النص ويجعله هلامياً. بدأ الصقعبي كتابة الرواية مبكراً، في وقت لم تأخذ فيه الرواية المحلية موقعها في المشهد الثقافي، ولذلك خسرت تلك الأعمال زخمها الذي تستحق، إضافة إلى شخصية الصقعبي العازفة عن الأضواء. مؤخراً حصل نصّه المسرحي «القرية تخلع عباءتها»، الصادر عن «نادي تبوك الأدبي» و«دار الانتشار العربي»، على «جائزة وزارة الثقافة والإعلام للكتاب» لهذا العام (مع آخرين)؛ وبهذه المناسبة، وبمناسبة معرض الرياض الدولي للكتاب، التقت «الشرق الأوسط» عبد العزيز الصقعبي، وأجرت معه الحوار التالي:

المسرح أولاً

> فوز نصّك المسرحي «القرية تخلع عباءتها»، بـ«جائزة وزارة الثقافة والإعلام للكتاب» هذا العام، يسلط الضوء على تجربتك في الكتابة المسرحية، وهي تجربة ثرية أنتجت عدداً من النصوص التي تحولت إلى أعمال مسرحية، حدثنا عن هذه التجربة؟
- تجربتي في كتابة المسرح لم تبدأ بشكل تقليدي، على الرغم من أني متابع ومحب للمسرح، بل من خلال عمل مختلف؛ لذا حققت الأسبقية في المملكة وربما في دول الخليج من خلال كتابة «مونودراما» مسرحية الشخص الواحد «صفعة في المرآة» التي قام بالدور الوحيد فيها الفنان راشد الشمراني وأخرجها عبد العزيز الرشيد عام 1983. هذه المسرحية نفذت بعد ذلك في الجزائر والمغرب من قبل الفنان الراحل بكر الشدي تمثيلاً، وعبد الرحمن الرقراق إخراجاً، والجميل أن هذه المسرحية قدمت من قبل فنانين جزائريين ومغاربة في السنوات الماضية.
تجربتي المسرحية يطول الحديث عنها؛ إذ كتبت عددا من النصوص ونفذت لي مجموعة مسرحيات، منها مسرحية «واحد صفر» التي قام بالدور الوحيد فيها ناصر القصبي وأخرجها عامر الحمود. لم يتوقف الأمر عند ذلك، بل قمتُ بإعداد وإخراج مسرحية «اللعبة» عن مسرحية سعد الله ونوس «المقهى الزجاجي»، وبالنسبة لـ«القرية تخلع عباءتها»، فتتكون من ثلاث مسرحيات ليست مونودراما، وإحداها من مشاهد عدة.
> بعد مشوار طويل من الإبداع، جاء التكريم أخيراً... هل يردّ لك هذا الفوز الاعتبار بعد تجاهل المؤسسات لك كل هذا الوقت؟
- هذا مؤلم ليس لي فقط، بل لكثير من المبدعين. كثير ممن يشرفون على الشأن الثقافي لا يعرفون أن التكريم والجوائز من المحفزات المهمة للإبداع. المشكلة أن من يرغب في الحصول على جائزة، «كمثال»، يجب أن يكون مسوقاً لإبداعه، ومثلي ممن لا يسوق نفسه، ولا يسعى لحفلات التوقيع، يبقون في الظل. المشكلة أن كثيراً من القراء يبحثون عن الأعمال الفائزة أو كتب النجوم، وبالذات نجوم الإعلام الجديد.
> لديك نصوص شاركت في فعاليات مسرحية؛ سعودياً وخليجياً وعربياً، وبعضها تحول إلى أعمال تلفزيونية... لكن في الفترة الأخيرة لم نشهد لك حضوراً... هل للأمر علاقة بتراجع المسرح السعودي، أم إن الرواية كانت لها جاذبيتها بالنسبة إليك؟
- لا أنكر مطلقاً جاذبية الرواية، ولكن ما زلت متواصلا مع المسرح؛ ففي العام الماضي نُفذ لي في مدينة عنيزة «مركز صالح بن صالح الثقافي» مونودراما «ولادة متعسرة» من تمثيل عادل الضويحي وإخراج علي السعيد. مشكلتي أن أغلب ما أكتبه من أعمال مسرحية فيه كثير من النخبوية، وأغلب المسرحيين يبحثون عما هو جماهيري، إضافة إلى أنني لا أعرض أعمالي على أحد لينفذها، فأغلب أعمالي المسرحية متاح للجميع من خلال كتاب «صفعة في المرآة» ومسرحيات أخرى صادرة عن وزارة الثقافة والإعلام، وهي أشبه بالأعمال الكاملة، إضافة إلى المسرحيات الثلاث في كتاب «القرية تخلع عباءتها».
> بصفتك كاتباً مسرحياً، ومتابعاً هموم المسرح، كيف ترى حال المسرح السعودي حالياً، هل ثمة أمل في إنعاشه من جديد؟
- لدينا عدد كبير من المسرحيين، وأغلبهم مبدعون، بل هنالك عروض مسرحية نالت جوائز على مستوى الوطن العربي، وأقرب مثال مسرحية «تشابك» وما نالته في الشارقة، وقبل ذلك مسرحية «بعيداً عن السيطرة»؛ فالمتابع للمشهد المسرحي يشاهد عدداً كبيراً من كتاب المسرح من جميع مناطق المملكة، إضافة إلى المخرجين والممثلين... قائمة كبيرة وطويلة من المسرحيين، إضافة إلى عدد من الفرق المسرحية، ولكن كل هذا الكم الكبير من دون مسارح لتنفيذ الأعمال، من دون معهد لصقل المواهب، من دون جهاز ينظم ويشرف ويدعم الفعل المسرحي. المسرح؛ أبو الفنون، يحتاج إلى أن تقف معه مؤسسات الدولة المعنية بالشأن الثقافي والفني، من ضمنها وزارة الثقافة والإعلام، وهيئة السياحة، وهيئة الترفيه، لماذا لا تكون هناك هيئة عامة للمسرح؟ صدقوني العرض المسرحي، إضافة إلى ما يقدمه من ترفيه ومتعة، هو أيضاً وسيلة للتوعية، وممثل مهم للوطن في الخارج.
> هل أعطاك المسرح مثلما أعطيته... هل تشعر بأنه خذلك؟
- لأكن صادقاً... لم أخلص للمسرح. أنا أكتب، والكتابة قدري، ولكن غير متفرغ للمسرح. هنالك مهرجانات وعروض كثيرة لا أستطيع حضورها بسبب الظروف الحياتية، والعمل. ليست لدي القدرة على التواصل مع كثير من المسرحيين لتنفيذ أعمال كتبتها. أذكر أنه عندما أعددت وأخرجت مسرحية «اللعبة» التي نفذت في جمعية الطائف للثقافة والفنون، أجمع كل من حضر العرض على ولادة مخرج، وفعلا طلب مني بعد ذلك إخراج بعض المسرحيات؛ اعتذرت، وتوجهت للرواية، وانشغلت بعد ذلك بعالم المكتبات والمعلومات.
> تتجاذب هذا النص «القرية تخلع عباءتها»، مشاعر التردد بين الإقدام والإحجام، لكنه لا يمنح بطله فرصة للتفكير، حيث «فوهة البئر اتسعت كثيراً... لو تحركتُ من هنا سأسقطُ حتماً... أمرٌ مُرعِبٌ... بئرٌ ليس لها قرار... ها هُو الموت أراهُ بعيني»، عمّ يُعبّر هذا التردد في رأيك؟
- هُم ثلاثة؛ كل واحد حدد موقعه، لم يتفقوا، كل واحد أراد أن يكون وحيداً، فكان الموت مصيره، تعددت الأسباب والموت واحد، سقوط في البئر، أو تحت صخرة، أو تبتلعه الرمال، جميعهم يسعى نحو وهم، قد يكون فيه بعض من الحقيقة، ولكن كل واحد منهم لن يصل إلى الحقيقة وحيداً بالتردد أو الجرأة أو الخوف، سيبقى الزمن شاهداً على كل خطوة، والمكان «القرية» لها حكاياتها الخاصة.
> بالمناسبة، لديك تجربة تجمع بين نسقي القصة والمسرحية، كما في رواية «رائحة الفحم»، كأنك مسكون بهاجس الميلودراما حين تكتب؟
- أغلب من تحدث عن رواية «رائحة الفحم» قال إن المسرح مؤثر في النص، وأنا أقول: أنا أعيش عالم السرد. كتبت القصة والرواية والمسرحية والسيناريو، بينها تشابه كثير، لأنها من أسرة واحدة، ولكن تبقى حرفية الكاتب، الذي يشعرك بأن في الرواية طيف مسرح، وأن في المسرحية طيف رواية، دون أن يؤثر ذلك على النص ويجعله هلامياً، أنا لا أحرص على تداخل الأجناس، ولكن، أحرص على النص بأن يكون منتمياً فعلياً بصورة كاملة إلى جنسه.
> حين نعود إلى روايتك ذائعة الصيت «اليوم الأخير لبائع الحمام»، بوصفها نصّاً يرتكز على سيرة المدينة، ويكشف أسرارها ويفك ألغازها، هل يمكن لهذه التجربة أن تتكرر بنحو أوسع... لنص أوسع؟
- صدرت لي منذ ثلاث سنوات رواية «مقامات النساء». نفدت طبعتها الأولى وصدرت بطبعة ثانية في معرض الكتاب العام الماضي، وهي رواية مختلفة، عن دار «جداول»، وهي مختلفة تماماً عن رواياتي السابقة الأربع «رائحة الفحم» و«حالة كذب» و«طائف الأنس»، إضافة إلى «اليوم الأخير لبائع الحمام». الجميل أن هذه الروايات الخمس درسها بشكل موسع الدكتور ساري الزهراني في بحثه الذي حصل بموجبه على شهادة الدكتوراه، وأنا أحرص ألا أكرر التجربة، بل أبحث عما هو متجاوز ومختلف، ولدي أكثر من مشروع روائي.
> ما تأثير النقد على تجربتك الإبداعية، وعلى عموم المشهد الإبداعي في السعودية، هل يستفيد الكاتب الروائي من الأعمال النقدية؟
- للأسف، لا توجد دراسات نقدية تناولت المنجز الروائي. الغريب بالنسبة لي أن هنالك من النقاد والمبدعين العرب من تناول بعض أعمالي القصصية والروائية، ونشر أغلبها في دوريات عربية كمجلة «الرواية» المصرية، إضافة إلى العدد قبل الأخير من مجلة «الفيصل» وغيرهما. أنا لا أحب أن أطرق أبواب النقاد، وعيبي أنني لا أسوّق أو أرسل كتبي إلى الآخرين؛ لذا قد أكون غائباً عن أجندة النقاد.
وبالنسبة للفائدة من الأعمال النقدية، المشهد الثقافي في المملكة يحتاج إلى مجموعة من الدارسين والنقاد لغربلة النتاج الإبداعي، وأتوقع أنه لن يصمد إلا القليل الذي يستحق أن يقرأ.
> رغم تعلقك بفرضية أن النقد سينصفك، فإنه خذلك؛ بل ظل مشغولاً بأعمال أقل من تجربتك... ماذا عن علاقتك بالنقاد؟
- علاقتي مع الجميع جيدة، ولكن أرى أنه من المهم لكل من طرح نفسه بصفته ناقدا، أن يكون متابعاً جيداً، ومتواصلا مع من أخلص للكتابة، الأمر ليس صعباً، فمن المهم أن تكون للناقد القدرة على فرز الجيد من الرديء، وبتصفح سريع يتضح ذلك؛ لأني لدي قناعة بأن العمل الإبداعي له روح خاصة، وللأسف كثير من الروايات المحلية والعربية والعالمية المترجمة بلا روح، وهذا لا يشعر به إلا مَن علاقته بالرواية «كقارئ» جيدة، وإلا كيف يتواصل أحد منا مع كائن ميت؟!
> هناك من يرى أن عزوفك عن الأضواء وهدوءك، أضرّا بتجربتك الروائية؛ إذ جعلاك بعيداً عن الانتشار، كأنك أيضاً رضيت بأن تبقى على هامش المشهد الثقافي؟
- منذ أواخر الثمانينات تفرغت للعمل بمكتبة الملك فهد الوطنية، وانسقت وراء عالم المكتبات والمعلومات، عملاً ودراسة، وهذا للأسف أبعدني عن المشهد الثقافي، وجئتُ متأخراً، لكن بهدوء، وأنا فعلا لا أحب المنابر، وتزعجني الأضواء، أتوارى خلف ما أقدمه من أعمال، وأتشبثُ بعمود أسبوعي في جريدة «الرياض»، ربما لا أحد يصدق أن أغلب أعمالي نفدت من الأسواق مثل «رائحة الفحم» و«اليوم الأخير لبائع الحمام» وقبل ذلك جميع أعمالي القصصية، وبالذات الأولى، مثل «لا ليلك ليلي ولا أنت أنا» و«الحكواتي يفقد صوته»، ولم أبحث عن ناشر أو أسعى لطباعتها مرة ثانية إلا بمبادرة من الناشر، كما في «مقامات النساء».

من أعماله

أصدر الصقعبي كثيرا من النصوص المسرحية، وبعضها تحول إلى أعمال تم عرضها محلياً وعربياً، وله كذلك كثير من المجموعات القصصية. من نتاجاته: «لا ليلك ليلي ولا أنت أنا»، و«صفعة في المرآة»، و«الحكواتي يفقد صوته»، و«يوقد الليل أصواتهم ويملأ أسفارهم بالتعب»، و«إنت النار وأنا الفراشة»، و«أحاديث مسائية»، و«البهو»، و«صفعة في المرآة»، و«واحد صفر»، ومسرحية «اللعبة» عن مسرحية سعد الله ونوس «المقهى الزجاجي»، و«واحد اثنان ثلاثة»، و«البديل»، كما أصدر عدداً من الروايات: «رائحة الفحم»، و«حالة كذب»، و«اليوم الأخير لبائع الحمام»، و«مقامات النساء».



وثائق جمالية تستعيد ذاكرة الشرق

لوحة بريدجمان: " في قرية الأبيار، الجزائر".
لوحة بريدجمان: " في قرية الأبيار، الجزائر".
TT

وثائق جمالية تستعيد ذاكرة الشرق

لوحة بريدجمان: " في قرية الأبيار، الجزائر".
لوحة بريدجمان: " في قرية الأبيار، الجزائر".

بينما كانت أجراس فعاليات لندن الربيعية تعلن عن انطلاق أسبوع الفن في قلب مايفير، وفي ظل صخب شارع «نيو بوند ستريت» الذي لا يهدأ، هيأت دار «سوذبيز» العريقة ردهاتها لاستقبال نوع مختلف من الضوء؛ ضوء الشرق الذي أسَرَ مخيلة الرحالة الغربيين قبل قرنين من الزمان، ويعود اليوم ليأسر قلوب كبار المقتنين في مزاد «فن الاستشراق» لموسم ربيع 2026. لم يكن المعرض الذي افتتح أبوابه للجمهور قبل موعد المزاد مجرد عرض لمقتنيات فنية عابرة، بل كان أشبه باستعادة بصرية لذاكرة جغرافية وتاريخية تشكل وجدان المنطقة الممتدة من ضفاف النيل إلى أسوار القسطنطينية.

في هذه النسخة من المزاد، تبدو الأعمال المختارة، وكأنها تتجاوز الجدل التقليدي حول الاستشراق، بوصفه نظرة خارجية، لتتحول إلى وثائق جمالية بالغة الدقة. نحن أمام مشهد يتسم بنضج استثماري لافت؛ حيث لم يعد المقتني العربي أو العالمي يبحث عن الغرائبية فحسب، بل ينشد الأصالة والدقة التاريخية التي برع فيها فنانون من طراز جان ليون جيروم ولودفيك دويتشه. كما أن الأعمال المعروضة تؤكد أن فن الاستشراق لم يعد مجرد صنف منسيّ في تاريخ الفن، بل هو عملة ثقافية صعبة تزداد قيمتها كلما زاد الحنين إلى الجذور.

لوحة" المستعمون" لنصرالدين دينيه

عبقرية الظل والضوء

تتصدر مشهد المزاد لوحة الفنان الأميركي فريدريك آرثر بريدغمان (1847 - 1928) المعنونة بـ«في قرية الأبيار الجزائر» (In a Village at El Biar, Algiers)، والأبيار إحدى ضواحي الجزائر كانت ملاذاً للفنانين بسبب إطلالتها وهوائها العليل، وكان بريدغمان مفتوناً ببيوتها المترابطة. وهي عمل يجسد ذروة النضج في أسلوب بريدغمان الاستشراقي. في هذه اللوحة، لا يكتفي الفنان بنقل مشهد مكاني، بل يحبس أنفاس الزمن في لحظة جزائرية خالصة.

تتجلى عبقرية بريدغمان في تعامله مع «الضوء المتوسطي الساطع»؛ حيث تضرب أشعة الشمس الجدران البيضاء لقرية الأبيار، لتعكس وهجاً يكاد يشعر المشاهد بحرارته. لكن القيمة الحقيقية للعمل تكمن في التباين الدرامي بين هذا البياض الناصع وظلال الزقاق الضيق التي تمنح اللوحة عمقاً هندسياً مذهلاً.

بالنظر إلى التفاصيل الدقيقة، يبدو أن بريدغمان رسم الشخوص بلمسة إثنوغرافية غاية في الأمانة؛ من طيات الملابس التقليدية إلى حركة أيدي النساء وتموجات المياه في بركة الحوش، مما يمنح العمل قيمة توثيقية تتجاوز البعد الجمالي. إن اختيار «سوذبيز» لهذه القطعة تحديداً يعكس ذكاءً في تقدير ذائقة المقتني المعاصر، الذي يبحث عن أعمال بريدغمان ليس فقط لجماليتها، بل لقدرتها على نقل روح المكان وهدوء الحياة اليومية بعيداً عن التكلف أو المبالغة الدرامية. ومن المتوقع أن تشهد هذه اللوحة منافسة شرسة (القيمة التقديرية للوحة بين 150 - 200 ألف جنيه إسترليني)، نظراً لندرة أعمال بريدغمان التي تتميز بهذا المستوى من الحيوية في الألوان والتماسك في التكوين. هذا التقدير المرتفع لا يعكس فقط براعة بريدغمان التقنية، بل يشير إلى ندرة وجود أعمال بهذا الحجم والجودة في السوق حالياً. إن تجاوز حاجز الـ150 ألف باوند كقيمة افتتاحية يبعث برسالة واضحة للمقتنين: «نحن أمام قطعة ليست للعرض الجمالي فحسب، بل هي استثمار تاريخي رصين في أحد أكثر فصول الفن الاستشراقي صدقاً وعمقاً».

تبدو الأعمال المختارة وكأنها تتجاوز الجدل التقليدي حول الاستشراق بوصفه نظرة خارجية، لتتحول إلى وثائق جمالية بالغة الدقة

عمالقة الاستشراق والقيمة التجارية

لا يقتصر زخم مزاد «سوذبيز» لهذا الموسم على لوحة بعينها، بل يمتد ليشمل كوكبة من «أساطير الاستشراق» الذين جابوا الشرق بحثاً عن الضوء والحقيقة. يتصدر المشهد رواد المدرسة الفرنسية والنمساوية والأميركية، حيث تُعرض أعمال لأسماء لا تخطئها عين المقتني المحترف، مثل جان ليون جيروم ولودفيج دويتشه ورودولف إرنست ونصر الدين دينيه (اسمه الأصلي ألفونس). وتتراوح القيم التقديرية لهذه الأعمال في المزاد الحالي ما بين خمسين ألف جنيه إسترليني للتخطيطات والدراسات الزيتية الصغيرة، وصولاً إلى أرقام تتجاوز 300 ألف جنيه إسترليني للوحات الزيتية الكبيرة التي تتميز بتفاصيل معمارية معقدة. هذا التنوع في الأسعار والمستويات الفنية يعكس استراتيجية «سوذبيز» في استقطاب شريحتين من المقتنين: «المستثمر الجديد» الذي يبحث عن موطئ قدم في عالم الفن، و«المقتني النخبوي» الذي يطارد القطع المتحفية النادرة التي قلما تظهر في الأسواق، مما يجعل القيمة الإجمالية للمزاد تُقدر بملايين الجنيهات الإسترلينية.

استعادة الشرق بريشة الحداثة

يظل السؤال القائم في أروقة «سوذبيز» يتجاوز حدود الأرقام القياسية والمنافسات المالية؛ هل ما زال فن الاستشراق قادراً على محاورة إنسان القرن الحادي والعشرين؟ الإجابة تكمن في تلك التفاصيل التي خلدها فنانون مثل بريدغمان وإرنست؛ فهي ليست مجرد توثيق لزمن مضى، بل هي استعادة لجماليات كادت تمحوها الحداثة المتسارعة. إن الاهتمام المتزايد من قبل المقتنين والمؤسسات الثقافية في منطقة الخليج والعالم العربي بهذه الأعمال، يحولها من «نظرة غربية للشرق» إلى «إرث شرقي مستعاد» تُعاد قراءته اليوم بعيون أصحاب الأرض أنفسهم.

في نهاية المطاف، سيهدأ ضجيج المزايدات وتستقر لوحة «في قرية الأبيار» وغيرها في مجموعات خاصة أو متاحف عالمية، لكن القيمة الحقيقية لهذا المزاد تظل في قدرته على مد الجسور بين ضفتي المتوسط، وفي تذكيرنا بأن الفن هو اللغة الوحيدة التي لا تحتاج إلى ترجمة لتنقل سحر الضوء الجزائري أو روحانية جوامع القاهرة إلى قلب لندن. وبغض النظر عن أسعار المزاد، يبقى اليقين الوحيد هو أن الشرق بروعته وتفاصيله سيظل دائماً بوصلة الجمال التي لا تخطئ في سوق الفن العالمي.

 


نصب ملكي لهشام بن عبد الملك من قصر الحير الغربي

 نصب من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدره قصر الحير الغربي
نصب من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدره قصر الحير الغربي
TT

نصب ملكي لهشام بن عبد الملك من قصر الحير الغربي

 نصب من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدره قصر الحير الغربي
نصب من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدره قصر الحير الغربي

يشكل النقش التصويري ركناً أساسياً من مكوّنات الفن الأموي المدني، وتشهد لذلك مجموعات من اللقى الأثرية، عُثر عليها بين أطلال منشآت عمرانية تتوزّع على صحاري بلاد الشام، وتُعرف بـ«قصور البادية». تبرز في هذا الميدان مجموعة كبيرة تتميّز بثرائها وتنوّعها، خرجت من قصر يقع جنوب غرب تدمر، أطلق عليه علماء الآثار اسم «قصر الحير الغربي». تحوي هذه المجموعة قطعاً متعدّدة الأحجام، أكبرها قطعة على شكل نصب آدمي يحاكي ارتفاعه طول قامة الإنسان، تمثل صورة لصاحب القصر، الخليفة هشام بن عبد الملك.

وصلت هذه القامة المنحوتة مهشّمة ومجزّأة، وباتت ثلاث قطع منفصلة، منها قطعة تمثّل الرأس، وقطعة تمثّل الجزء الأعلى من الصدر، وقطعة تمثّل الساقين. تمّ وصل الرأس بأعلى الصدر من خلال عنق مضافة صُنعت من مادة مغايرة، وفقاً للطرق العلميّة المتبعة، وشكّل هذا الوصل تمثالاً نصفياً يمثّل الجزء الأعلى من هذه القامة. في المقابل، بقيت كتلة الساقين على حالها، نظراً لغياب القطعة التي تمثّل الجزء الأسفل من الصدر. هكذا يحضر هذا النصب في قطعتين متجاورتين عمودياً، ويُعرض ضمن جناح من المتحف الوطني في دمشق، خُصّص بأكمله لأهم القطع الأثرية التي خرجت من قصر الحير الغربي.

تبدو هذه القطعة المنحوتة للوهلة الأولى أشبه بتمثال ثلاثي الأبعاد، غير أن ظهرها أملس ومسطّح، ويخلو من أي نقش، ممّا يعني أنّها صُنعت لتُثبّت على جدار، وتعتمد طرازاً من طرز النقش الناتئ، يُقارب النحت بنتوئه الشديد. يعود موقع هذا المجسّم الضخم في الأصل إلى واجهة قصر الحير الغربي، حيث ثُبّت على سطح القوصرة المقوّسة التي تعلو باب مدخل القصر الكائن في وسط القسم الأسفل من هذه الواجهة، على ما افترض دانيال شلومبرجير، الخبير الذي قاد البعثة الفرنسية التي استكشفت هذا الموقع الأموي بين عام 1936 وعام 1938. حسب هذه القراءة، حظي هذا النصب بموقع رئيسي في الحلة الزخرفية التي كست هذه الواجهة، ويشير طرازه الملكي التقليدي إلى أنّه يمثّل صاحب البناء، وهو حسب نقش عُثر عليه في الموقع «عبد الله هشام أمير المؤمنين»، أي الخليفة هشام بن عبد الملك.

اعتُمدت هذه القراءة بشكل واسع في الأوساط العلميّة، غير أنّ تحديد هوّية صورتها فنياً بشكل جازم وقاطع ظلّ موضع بحث، وذلك بسبب انتهاجها أسلوباً يبتعد عن محاكاة المثال الشخصي الفردي، وتبنّيها مثالاً نموذجياً جامعاً. في الخلاصة، يشكّل هذا النصب صورة نموذجية مثالية للخليفة هشام بن عبد الملك، كما يشكّل صورة رمزية تختزل مقام هذه الخلافة فحسب. يحلّ رأس هذا المجسّم في كتلة بيضاوية سقط منها الجزء الأسفل للأسف، وما بقي منه يشير إلى لحية مستديرة تتّصل بشاربين طويلين. انمحت العين اليمنى، وسلمت العين اليسرى، وهي لوزية، ويعلوها حاجب مقوّس، وفي وسطها بؤبؤ طُلي باللون الأسود. الأنف عريض وناتئ. الأذن اليسرى ظاهرة، وتتميّز بحلق دائري يتدلّى من طرفها الأسفل. الشعر كثيف، وما بقي منه يشير إلى خصل تلتف حول الوجه، يعلوها تاج يحدّه إكليل مكوّن من شريطَين رفيعَين متلاصقَين. يكشف رداء الصدر عن ثوب فضفاض ذي ثنايا مقوّسة متجانسة، يفصل بينها في الوسط شريط عمودي عريض، زُيّن بسلسلة من الأقراص الدائرية الصغيرة.

تتّضح هوية هذا اللباس في الجزء الأسفل من المجسّم، وهو الجزء الخاص بالساقين. يظهر الملك في وضعيّة الجلوس، ويرتدي بزّة طويلة تلتف حول الركبتين المتباعدتين، تزيّنها كذلك ثنايا مقوّسة متجانسة، يفصل بينها في الوسط خيط عمودي، مستقيم وغائر. تحت هذه البزّة سروال فضفاض، يحدّ كلّ طرف من طرفيه شريط عمودي مزخرف، يماثل في زخرفته الشريط الذي يتوسط البزّة. تأخذ الساقان المتباعدتان والمتواجهتان شكل مثلث تدلّى منه طرف القدم اليسرى. يتبنّى هذا المجسّم الأموي في الواقع نموذجاً ملكياً تقليدياً خاصاً، عُرف به أكاسرة الفرس الساسانيون. دخل هذا النموذج العالم المتوسّطي بشكل واسع، وانتقل إلى العالم الأموي حيث تبنّته الخلافة التي ورثت مجد الأكاسرة، وفقاً لرؤية حضارية، اختزلها قول مأثور اشتهر به الخليفة يزيد بن الوليد بن عبد الملك: «أنا ابن كسرى وأبي مروان/ وقيصر جدي وجدي خاقان».

يظهر الخليفة الأموي في هذا المجسمّ الضخم مرتدياً حلّة كسرى الفرس، ويظهر كما يبدو مرتدياً حلّة قيصر الروم في قطعة أخرى من قطع قصر الحير الغربي، ضاع منها النصف الأعلى للأسف. دخلت هذه القطعة متحف دمشق الوطني، وتشكّل في الأصل جزءاً من زينة البهو الداخلي للقصر. تتبع هذه القطعة تقنية النقش الناتئ التقليدية، ويبلغ طول ما تبقّى منها نحو متر، ممّا يوحي بأنها كانت تحاكي في الأصل حجم الإنسان. يمثّل هذا النقش شخصاً يجلس على عرش ملكي، مرتدياً معطفاً يعلو رداءً طويلاً ينسدل حتى أسفل القدمين، كاشفاً عن قدمين تستقران فوق قاعدة فخمة تحدّها سلسلة من العواميد المرصوصة.

شاع هذا النموذج في العالم الروماني، وعُرف باسم «العرش الإمبراطوري»، وهو العرش الذي جعل منه الفن البيزنطي عرشاً للمسيح. ودخل هذا العرش قاموس الفن الأموي، كما يشهد هذا النقش بشكل جليّ. تقابل هذه الصورة المنحوتة لوحة من جداريات قصير عمرة في بادية الأردن، تحضر في الركن المعروف بـ«ركن العرش»، وفيها يظهر «ولي عهد المسلمين والمسلمات» متربّعاً على مقعده الوثير، كما تقول الكتابة المرافقة. وهذا الولي هو الوليد بن يزيد، كما تؤكد كتابة ترافق جدارية أخرى من جداريات هذا القصير.


العراق... تشوه اقتصاديات الثقافة

العراق... تشوه اقتصاديات الثقافة
TT

العراق... تشوه اقتصاديات الثقافة

العراق... تشوه اقتصاديات الثقافة

قد يبدو السؤال عن سرديات الاقتصاد مفارقاً، ومثيراً، وباعثاً على الجدل حول علاقته بتسويق فرضية تقويض الأنماط المهيمنة للاقتصاد، والسياسات الساندة لها، وبطبيعة تغيراتها في التعاطي مع مفاهيم السوق والاستهلاك والإعلان، فضلاً عن علاقتها بمظاهر القوة والسيطرة المصرفية والمعلوماتية، فما حدث بعد الصدمة الأميركية عام 2001 أفقد العالم كثيراً من مألوفيته واطمئنانه، وجعله مكشوفاً على صراعات معقدة، انهارت معها الاقتصادات التقليدية، وبرزت الشركات العابرة للقارات كتمثيل استحواذي لـ«الزمن الأميركي» وتداعياتها على مستوى اختلاط التاريخ بالآيديولوجيا، والسياسة بالأمن، على نحوٍ جعلهما مهيئين للدخول إلى صياغة «تاريخ جديد»، بدا وكأنه معادل ثقافي وآيديولوجي لتمثلات الليبرالية الجديدة.

هذا التمثيل كان أكثر وضوحاً من التعبير عن نشوء تشكلات ثقافية معقدة، وتناقضات جيوسياسية صادمة، أثارت أسئلة فارقة حول توصيف الثنائيات القديمة لـ«الغرب والشرق» أو «الشمال والجنوب»، إذ كشفت هذه المفارقات عن معطيات بدا بعضها مصنوعاً، وبعضها الآخر مُصمَّماً في مختبرات سرية، تتعامل مع الأفكار مثلما تتعامل مع الفئران، لكن غاياتها تكمن بالخروج بنتائج تتوخى تحويل القوة إلى أدوات قاهرة، مقبولة وخادعة، وإلى أسواق غاوية للاستهلاك، وإلى انقلابات أو حركات أو أدلجات يمكن استعمالها في تكريس مفهوم الهيمنة في السوق والجغرافيا والآيديولوجيا، فضلاً عن توظيفها على طريقة «فوكوياما» في الترويج لإشاعة «الإنسان الأخير» بوصفه تمثيلاً آيديولوجياً لفكرة هيمنة المشروع العالمي للمركزية الأميركية.

ما حدث في العراق بعد عام 2003 ليس بعيداً عن ذلك، فسرديات الدولة الكبرى قد تقوضت، واقتصاد «القطاع العام» فقد قاعدته الإنتاجية، مثلما تعرضت سرديات آيديولوجيا المعسكر والحزب والقائد الرمز إلى انهيار كبير، لتصعد عبرها «سرديات صغيرة» وأدلجات غائمة ومضللة للجماعة والطائفة والهوية، على نحوٍ أعطاها زخماً وعنفاً ضاغطين، لم تعد فيهما توصيفات اليسار واليمين، والاشتراكية والقومية فاعلة، وما برز فيها تبدى عبر صعود سريع وحادّ لقوى لا وضوح طبقي لها، ولا تاريخ لها مع السلطة، فانشغلت بنزعات شعبوية، استغرقها كثير من مظاهر العنف والامتلاك والاستحواذ، لتصعد معها رساميل صغيرة عشوائية، تغذت عبر واقع اقتصادي وسياسي طفيلي وملتبس، لم تصنع منه «الدولة الجديدة» قوة فاعلة، لها برامجها ومشاريعها، ونظرتها لمفاهيم الحرية والديمقراطية والعدل الاجتماعي. فرغم فشل تلك الرساميل في أن تتحول إلى رساميل كبرى، أو إلى شركات عابرة للقارات، فإن هامشيتها جعلت منها قوة عنيفة، تسلل كثير منها إلى منظومات السلطة الرسمية، لتدخل في نظامها الاقتصادي والأمني، وفي أدلجتها، ولتكوّن وجودها عبر فاعليات ضاغطة، أسهمت في تغيير كثير من سياسات الدولة، ومسارات اقتصادها الرخو. وهذا ما جعلها تلعب دوراً في صناعة الاقتصادات الطارئة، وفي تعطيل عجلة برامج التنمية البشرية والثقافية والمستدامة، وفي فشل نظامها المؤسسي، فضلاً عن تعرّض جهازها الإداري إلى التضخم والترهل والتشوه البنيوي.

استبدال السرديات القديمة بإعادة صياغة مفهومية لمركزيات الأمة والقومية والتاريخية أفرز أشكالاً هجينة لتلك السرديات الصغيرة، ولمظاهر عنفها واضطرابها في تمثيل المجال التداولي للمفاهيم المجاورة التي تخص الدولة والديمقراطية والحرية والعدالة والهوية والقانون، باتجاهٍ جعل من الاجتماع السياسي مخترقاً من خلال انتهاكات عميقة، فقد معه تمثيله «الوطني» مقابل تحول بعض الجماعات إلى قوى فاعلة وضاغطة، لا تجمعها سوى مصالح الاستملاك، ونزعات الاستهلاك الكبيرة، أي أن وجودها ظل رهيناً بنزعات تشييد مظاهر إدامة هذا الاستهلاك، من خلال تشييد مؤسسات أهلية عائمة، غير خاضعة إلى رقابة الدولة، ولا علاقة لها بالحاجات التنموية، بقدر ارتباطها بهيمنة الأنماط؛ مستشفيات أهلية، جامعات أهلية، مدارس أهلية، مولات، الشركات، نوادٍ، مقاولات، غيرها. وهذا ما أسهم في تمهيد الطريق إلى تضخم قوة هذه المؤسسات، وتحويل علاماتها التجارية إلى علامات رمزية في صناعة «المجتمع الظل» الذي يتغذى من خلال جماعات الفساد الكبير، والتمثلات الإيهامية للإشباع الرمزي، حتى من خلال التلويح بفرضية العنف الاقتصادي. تلك التي تكرست عبرها نزعات الانفلات عن النظام العام، وتغولت مظاهر التفرد بالاستهلاك، مقابل تعطيل فاعلية أدوات تشكيل الدول الناجحة، عبر ربطها بالسياسات الناجحة والإدارة المهنية الناجحة، وببرامج وخطط التنمية والأمن الاقتصاديين.

تضخم مظاهر الاستهلاك كشف عن كثير من مظاهر رثاثة التأسيس، وترسيم حدود التقدم والبناء الدولتي، فرغم أنها ارتبطت بنشوءات طارئة، وبتشوهات صنعها الاقتصاد الطفيلي، فإن تغولها ارتهن إلى ثقافات هشة، على نحو أسهم بجعل المجتمع العراقي أكثر استعداداً للانقسام الطبقي الداخلي، بين قوى نفعية تتمترس بمظاهر الاقتصاد الزائف، وحيازة رساميل غامضة، وعبر تشكلات طبقية غائمة، وسياسات مكرسة لحمايتها، حتى عبر أدلجات جعلت من العنف جزءاً من أنساقها الحاكمة، فبدت وكأنها طاردة ومتعالية على جماعات تعيش التهوين الطبقي والضآلة الاجتماعية، لكنها غارقة في صراعاتها وفي أوهامها النخبوية والشعبوية، ما أسهم في تحوير موضوع الاستهلاك ليبدو مضللاً، بعشوائية حيازة الثروة ونزعات الاستملاك.

سرديات الاستهلاك

تاريخ العراق مع الاقتصاد الريعي يرتبط بتاريخ التشوهات الآيديولوجية للدولة العراقية منذ قرار تأميم «الصناعة العراقية» عام 1964. فمع صعود الدولة القومية، وأنموذج حكمها الديكتاتوري، تحول هذا الاقتصاد إلى مظاهر للهيمنة، وإلى الخضوع لسياسات الدولة المركزية، وإدارتها المركزية، ليسهم في صناعة وتكريس دولة الاقتصاد، عبر تسميات زائفة، مثل «الاقتصاد الاشتراكي» أو «القطاع العام» فتعطلت معها أي ممارسات للاقتصاد الحر، ولفاعليات الاستثمار.

التلازم ما بين الدولة القومية المركزية وبين الاستحواذ المركزي على الإنتاج أسهم في تأطير أشكال معقدة للهيمنة، وصناعة نوع من رأسمالية الدولة، المحكومة بمركزية الأنموذج الآيديولوجي المتعالي للخطاب القومي، الذي يتغذى عبر شعار «الثروة ملك الشعب والأمة»، حيث القطاع العام أو «الاشتراكي» يكون هو المجال الناظم لمصالح القوى النافذة في الحكومة والحزب والمعسكر، بما فيها قطاعات التعليم والصحة والتجارة والثقافة.

مع تقويض هذه المركزية الديكتاتورية بعد الاحتلال الأميركي تقوض كثير من تلك المفاهيم، وكذلك تعثرت معها السياسات الناظمة، و«القوانين» التي فرضتها لتيسير أعمال القطاعات الاقتصادية والتجارية والتعليمية والصحية، ما أسهم في تحويل البيئة السياسية والاقتصادية العراقية إلى مجال للتشظي، وخلخلة موازين وسياقات العمل، إذ تحولت الدولة الى «مصرف» بعد أن انهارت القطاعات التقليدية الأهلية والعامة، ليبرز «الاقتصاد الاستيرادي» السهل، بوصفه مجالاً تعويضياً، لكنه كان من أكثر مظاهر الاقتصاد تشوهاً، على مستوى رثاثته، واغترابه عن استحقاقات التنمية والبناء، وعلى مستوى إدارته من قبل جماعات هامشية، لها علاقة بالجهاز السياسي، لا بالجهاز الاقتصادي، ولا بفكرة الدولة واستحقاقاتها.

كما أن صعود نوع من «الزبائنية» المتمردة على النظام، كرّس بنية الاقتصاد العراقي الهشّ، وأفقد الموازنات العامة قيمتها الإجرائية، فأكثر من ثلثي هذه الموازنة يذهب إلى «الموازنة التشغيلية»، أي يسهم في تغطية المعاشات، وتغذية الطفيلية العائمة في القطاع العام، فضلاً عن تعطيل واضح في «الموازنة الاستثمارية» التي تكرست عبرها مظاهر غير فاعلة في التنمية، وفي توسيع الإنتاج المحلي، ولا سيما مجال الاستثمارات التكنولوجية والبشرية والمعرفية، فكانت السياسة الاقتصادية مؤسَّسة على أساس برامج محدودة التأثير، في مجال القروض المصرفية، ودعم المشاريع الصغيرة، مع غياب أي دعم واضح لمشاريع الاستثمار الثقافي، ولا سيما مجالي السينما والمسرح، وفي دعم اقتصاديات المعرفة والبحث العلمي.

لقد كرست هذه المظاهر كثيراً من سرديات النمط الاستهلاكي للاقتصاد العراقي، فتتحول المخيلة الشعبية إلى أداة لتبرير وهم التقوّض الطبقي، ولإشباع غرائز الامتلاك، ليكون دافعاً عشوائياً لتوسيع الثروة، عبر العمل الطفيلي، وعبر الفساد غير المُراقب، وعبر صناعة الجماعة السياسية وتمثلاتها فيما سمّي بـ«المكاتب الاقتصادية». بالمقابل، فإن الاقتصاد الريعي تحول إلى مجال لتغذية ذلك الفساد والضآلة الاقتصادية، ما يعني تحجيم البحث عن أي تعظيم لموارد الدولة، لتنمية سياقات عمل الإدارة الناجحة، والسعي إلى توظيف التدفقات المالية في إطار بنية الاقتصاد العام، بما يجعل الطبقة السياسية أكثر انهماماً بتطوير فاعلية الدولة وخطابها من خلال النجاعة الاقتصادية، ليكون الاقتصاد هو الوجه التمثيلي للسياسة، والتقليل من المديونية، على نحوٍ تتقوض معه مركزية الاقتصاد الريعي المشوه.

التوصيف الثقافي للاقتصاد

ليس الاقتصاد الحرّ والسوق الحرة بدعتين، بعيدتين عن التخطيط وعلم الإدارة، وثقافات النظم الاجتماعية والتعليمية، فغياب الوعي بأهمية هذا التخطيط، وبجعل الاقتصادات خاضعة إلى سياسات الدولة، وإلى حرية الاستثمار، والجدية العلمية بتوظيف الثروات، وبمصادرها، وبقواها الفاعلة، تفقد الدولة كثيراً من مشروعيتها، ومن أهليتها في إدارة الشأن العام، وفي تطبيق العدالة الاجتماعية، وفي تنمية ذلك الاستثمار وتوسيع حلقاته، ليكون جزءاً من فاعليات التنمية المستدامة، ومن هوية الدولة الحديثة، فتوصيف الدولة الناجحة يكمن في قدرتها على التنمية، وفي صيانة مشاريعها الاستراتيجية، بما فيها المشروع الاقتصادي، وتطبيق السياسات التي من شأنها أن تمنح الاقتصاد قوة خلاقة، تربط تنمية الاقتصاد بمراكز متخصصة في الأكاديمية العراقية، وبمؤسسات الرقابة الوطنية، وبالجهازين المالي والمصرفي، لأن صياغة التوصيف الثقافي للاقتصاد يسهم في توطيد أركان بناء الدولة الحديثة، ويُعطي لاقتصاديات الثقافة أدواراً مهمة في تثبيت «القيم السيادية» للاستقرار والأمن والإشباع، ولمواجهة الأزمات والتحديات التي يواجهها العالم في ظل التحولات الكبرى، حتى الجاهزية إزاء التحديات الإقليمية ذات الأبعاد الجيوسياسية المعقدة.

لا تعني اقتصاديات الثقافة الاهتمام بصناعتها فقط، بقدر ما تعني الاهتمام العميق بعلاقة هذه الصناعة، وبفاعليتها الإجرائية، وبالأطر العملياتية والاستراتيجية التي تجعل من الثقافة عنصراً بارزاً وفاعلاً في الأمن الثقافي، وفي برامج التنمية، وفي مجال دعم برامج الموازنات العامة الخاصة بالمشاريع الثقافية، بوصفها مصدراً فاعلاً لإسناد مشروع الدولة الناجحة، وتوسع مساحات إنتاج مصادر المعرفة، وبالاتجاه الذي يجعلها تكتسب قوة الفعل من خلال إدامة فاعليات الاجتماع والثقافة والاقتصاد، عبر أطر تشريعية وقانونية تكفل التوصيف الثقافي وديمومته، من خلال ضمان الحقوق، بما فيها حقوق الملكية، وإنشاء الصناديق السيادية لدعم العمل الثقافي، وإدماج الثقافة بالنظام التعليمي والتنموي، على مستوى الموازنات العامة، أو على مستوى عمل الوزارات، وباتجاهات يعضدها القانون، بعيداً عن مزاج السلطة وفهمها للثقافة ومرجعياتها الآيديولوجية والفقهية.