خطة أميركية جديدة لهجوم الرقة

من شأنها اغلاق الباب أمام مطالب تركيا بحرمان الأكراد من المشاركة في المعركة

عائلة نازحة من مدينة الباب بريف حلب التي تم تحريرها أخيراً من «داعش» عبر «درع الفرات» عادت أمس إلى مسكنها فوق دراجة نارية... الوسيلة الأكثر استخداماً في المنطقة (غيتي)
عائلة نازحة من مدينة الباب بريف حلب التي تم تحريرها أخيراً من «داعش» عبر «درع الفرات» عادت أمس إلى مسكنها فوق دراجة نارية... الوسيلة الأكثر استخداماً في المنطقة (غيتي)
TT

خطة أميركية جديدة لهجوم الرقة

عائلة نازحة من مدينة الباب بريف حلب التي تم تحريرها أخيراً من «داعش» عبر «درع الفرات» عادت أمس إلى مسكنها فوق دراجة نارية... الوسيلة الأكثر استخداماً في المنطقة (غيتي)
عائلة نازحة من مدينة الباب بريف حلب التي تم تحريرها أخيراً من «داعش» عبر «درع الفرات» عادت أمس إلى مسكنها فوق دراجة نارية... الوسيلة الأكثر استخداماً في المنطقة (غيتي)

دعت خطة جديدة وضعها البنتاغون بخصوص الهجوم الوشيك على مدينة الرقة عاصمة تنظيم داعش في سوريا، إلى مشاركة أميركية أكبر، بما في ذلك زيادة أعداد قوات العمليات الخاصة والمروحيات الهجومية والمدفعية، إضافة إلى تعزيز إمدادات الأسلحة إلى القوة الكردية والعربية السورية الرئيسة المقاتلة على الأرض، تبعاً لما أفاد به مسؤولون أميركيون.
وتمثل هذه الخطة الخيار المفضل لدى المؤسسة العسكرية من بين مجموعة متنوعة من الخيارات، مطروحة حالياً على البيت الأبيض. ومن شأن خطة البنتاغون المقترحة تخفيف شدة القيود المفروضة على النشاطات الأميركية التي فرضت في عهد إدارة أوباما.
وكان مسؤولون مشاركون في التخطيط اقترحوا إلغاء الحد الأقصى المفروض على عدد القوات الأميركية المشاركة في سوريا، والتي يقدر عددها حالياً بنحو 500 مدرب ومستشار من قوة العمليات الخاصة يعملون مع القوات الديمقراطية السورية. وبينما لن يشارك الأميركيون بصورة مباشرة في القتال الدائر على الأرض، يسمح المقترح لهم بالعمل بصورة وثيقة على نحو أكبر مع الخط الأمامي، بجانب نقل مزيد من سلطة إصدار القرارات للقوة الأميركية في سوريا.
كان الرئيس ترمب، الذي تعهد أثناء حملته الانتخابية بتوسيع نطاق جهود القتال ضد المسلحين في سوريا والعراق وما وراءهما، قد تلقى الخطة، الاثنين الماضي، بعدما منح البنتاغون مهلة 30 يوماً لإعدادها.
ومن شأن الموافقة على خطة الرقة، فعلياً، إغلاق الباب أمام مطالب تركيا بحرمان الأكراد السوريين (حزب الاتحاد الديمقراطي)، الذين تعتبرهم أنقرة إرهابيين، من المعدات الأميركية وإقصائهم عن الهجوم الوشيك على المدينة. من ناحيته، أعلن الرئيس التركي رجب طيب إردوغان أن تسليح وحدات الحماية الشعبية الكردية (التابعة للحزب) وإشراكها في الهجوم أمر غير مقبول، وتعهد بتحريك قواته والقوات السورية المسلحة المتحالفة مع تركيا نحو الرقة.
ويعتقد بعض المسؤولين الأميركيين، الذين اشترطوا عدم كشف هوياتهم نظراً لأن عملية التخطيط لا تزال سرية، أن تصريحات إردوغان الصارمة نابعة بصورة أساسية من اعتبارات سياسية محلية، خاصة رغبته في تعزيز إمكاناته فيما يتعلق باستفتاء عام سيجرى على مستوى تركيا في 16 أبريل (نيسان) حول تغيير نظام الحكم في تركيا على نحو يمنح الرئيس مزيدا من السلطات.
وحتى هذه اللحظة، لا تزال المحادثات جارية بين الولايات المتحدة وتركيا، حليفتها في إطار «الناتو» وعضو التحالف الدولي ضد «داعش» في سوريا، إلا أن الأحداث خلال الأيام الأخيرة داخل وحول مدينة منبج خلقت عنصراً جديداً في الصراع، بإمكانه إما معاونة الأميركيين على تجنب الدخول في صدام مباشر مع أنقرة، أو تمهيد الساحة أمام مواجهة جديدة بين القوات الكثيرة المتمركزة حول المدينة.
وفي تغريدات نشرها عبر «تويتر»، قال المتحدث الرسمي باسم التحالف كولونيل جون إل دوريان، إن التحالف «اتخذ هذا الإجراء المتعمد لطمأنة أعضاء التحالف والقوات المتعاونة، وردع أي عدوان وإبقاء الأنظار متركزة على هزيمة (داعش)».
كانت الولايات المتحدة وروسيا قد نجحتا في تجنب الدخول في مواجهة في إطار الحرب الأهلية في سوريا، حيث تقفان على جانبين متعارضين. وكان ترمب قد أعلن مراراً أنه ينبغي للقوتين التعاون في مواجهة «داعش»، ولمح إلى أن مستقبل الأسد المدعوم من روسيا لا يشغل باله كثيراً.
في المقابل، يرفض البنتاغون فكرة التعاون المحتمل بين الولايات المتحدة وروسيا، وإن كان المسؤولون الأميركيون غير رافضين للمنطقة العازلة التي يبدو أن روسيا وسوريا تقيمانها الآن بين تركيا والأكراد، أو إمكانية دخول قوات الحكومة السورية إلى منبج. وأشار مسؤولون إلى أنه حال الخروج بنتيجة إيجابية، فإن ذلك لن يحول فحسب دون دخول القوات التركية وحلفائها السوريين - الكثير منهم متشددون - المدينة، وإنما أيضاً قد يدفع بأي قوات متبقية من قوات الحماية الشعبية (الكردية)، إلى الضفة الشرقية من الفرات.
وفي الوقت الذي دعمت فيه تركيا المسلحين الذين يقاتلون الأسد، فإنها لم تدخل في صراع مباشر قط مع الجيش السوري. وثمة آمال منعقدة على نجاح موسكو، التي عملت على تحسين علاقاتها مع تركيا، في المعاونة في إقناع إردوغان بالتراجع.
أما الأمر الذي يبدو واضحاً أن الأميركيين لا يرغبون في حدوثه، فهو ظهور جبهة عسكرية جديدة واندلاع مواجهة حول منبج، الأمر الذي سوف يستنزف الاهتمام والموارد بعيداً عن الخطط المعنية بالرقة.
ومن المعتقد أن المدينة تشكل قلب خطط تنظيم داعش لشن هجمات خارجية، ويجري النظر إلى الهجوم عليها كأمر عاجل، خاصة أنه جرى بالفعل إرجاء خطط أصلية بهذا الشأن كانت ترمي لشن الهجوم في فبراير (شباط).
من ناحية أخرى، كان الرئيس السابق باراك أوباما قد وافق خلال أيامه الأخيرة في البيت الأبيض على خطط لإرسال طائرتين أو ثلاث، طراز «أباتشي» هجوميتين، إلى ميدان القتال السوري، لكن أرجأ الموافقة على تسليح الأكراد كجزء من قوات سوريا الديمقراطية. وبدلاً من الشروع على الفور في تنفيذ الخطة القائمة، أمر ترمب في نهاية يناير (كانون الثاني) البنتاغون بصياغة خيارات جديدة بحلول نهاية فبراير الماضي.
ونظراً لأن البديل الوحيد الواقعي استخدام قوات برية أميركية في مواجهة الرقة، تمسك وزير الدفاع جيمس ماتيس بالخطوط الرئيسية للخطة التي جرى وضعها في عهد أوباما، حسبما ذكر مسؤولون. كانت قوة عربية - كردية سورية مشتركة، يزيد قوامها حالياً على 50000 قد تحركت بثبات نحو مسافة تقل عن 6 أميال من أطراف الرقة في مهمة عزل للمدينة، من المتوقع إنجازها في غضون الأسابيع المقبلة.
وحتى إذا وجهت تركيا قواتها جنوباً باتجاه الرقة، فإن الأمل يبقى في أن تحول التضاريس الوعرة التي سيتعين على القوات اجتيازها، دون وصولها هناك، حتى ما بعد وقوع الهجوم.
وبدلاً من إجراء مراجعة كاملة، يدعو المقترح الجديد لتعزيز المشاركة الأميركية، عبر توفير مزيد من الأفراد والمعدات وإقرار قواعد أقل تقييداً. ومثلما الحال في دعمها للقوات العراقية في الموصل، تعمل الطائرات مثبتة الجناح والمروحية الهجومية على توفير دعم نشط لقوات برية. كما ستنتقل مدفعية أميركية إلى داخل سوريا لدك معاقل المسلحين عن بعد، بينما تتحرك قوات عمليات خاصة إلى مواقع أقرب إلى الخط الأمامي، الأمر الذي يستلزم أصولا عسكرية أميركية لحمايتها.
وسيجري إمداد قوات سوريا الديمقراطية (من أكراد وعرب) بأسلحة ومركبات ومعدات للتنقل ونزع الألغام من مساحات من المعتقد أنها ستكون واسعة، والعبوات الناسفة البدائية الأخرى على طول الطريق.
كما وجه الأمر التنفيذي الصادر من ترمب، البنتاغون لاقتراح تغييرات على القيود التي فرضتها إدارة أوباما على القواعد العسكرية للاشتباك، والتي تتجاوز ما يفرضه القانون الدولي. وعلى رأس هذه القيود أمر تنفيذي أصدره أوباما الصيف الماضي يفرض قيوداً صارمة لتجنب سقوط ضحايا مدنيين. ومن غير المعروف بعد ما إذا كان المقترح العسكري الجديد يلغي هذه القيود.

* خدمة «واشنطن بوست»
- (خاص بـ«الشرق الأوسط»)



حكومة الزنداني تؤدي اليمين وفي انتظارها ملفات مثقلة بالتحديات

وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
TT

حكومة الزنداني تؤدي اليمين وفي انتظارها ملفات مثقلة بالتحديات

وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)

في مراسم بروتوكولية رسمية احتضنها مقر السفارة اليمنية في العاصمة السعودية الرياض، أدت الحكومة اليمنية الجديدة، برئاسة الدكتور شائع محسن الزنداني، الاثنين، اليمين الدستورية أمام رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي، إيذاناً ببدء مهامها المثقلة بالتحديات المتشابكة أمنياً واقتصادياً وخدمياً.

وجاءت مراسم أداء اليمين تتويجاً لمسار مشاورات سياسية معقدة استغرقت نحو 3 أسابيع، عقب تكليف العليمي الزندانيَّ تشكيل الحكومة، وسط تجاذبات بين القوى السياسية والمكونات المنضوية في إطار مجلس القيادة الرئاسي.

واعتمد التشكيل الحكومي الجديد على معادلة «التوازنات الدقيقة»، التي فرضتها تعقيدات الواقع اليمني، حيث ضمت الحكومة 35 وزيراً، توزعوا وفق حسابات المحاصصة المناطقية والتمثيل السياسي. وسجلت المحافظات الجنوبية حضوراً لافتاً بـ20 حقيبة وزارية، مقابل 15 حقيبة للمحافظات الشمالية، في توزيع يعكس التحولات السياسية والواقع الميداني القائم.

رئيس الحكومة اليمنية شائع الزنداني يؤدي اليمين الدستورية (سبأ)

وبرزت محافظة حضرموت بوصفها ثقلاً اقتصادياً وجغرافياً مؤثراً في التشكيل، بحصولها على 6 حقائب وزارية؛ مما يعكس الرهان على دورها المحوري في دعم الاستقرار الاقتصادي والمالي خلال المرحلة المقبلة.

وعلى الصعيد السياسي، حافظت الحكومة على إشراك مختلف القوى الممثلة في مجلس القيادة الرئاسي، بمن فيهم محسوبون على المجلس الانتقالي الجنوبي المنحل، في مسعى لتعزيز وحدة القرار وتخفيف حدة الاستقطاب داخل معسكر الشرعية.

وفي حين ضم التشكيل 8 وزراء دولة، فإنه سجل حضوراً نسوياً بتكليف 3 نساء حقائب؛ هي: الشؤون القانونية، والتخطيط والتعاون الدولي، وشؤون المرأة، في خطوة لاقت ترحيباً محلياً ودولياً، بوصفها مؤشراً على التزام الحكومة تعزيز الحكم الشامل.

تحديات الداخل

وضمن مشهد التعقيدات والتوازنات التي واجهت التشكيل الحكومي، احتفظ رئيس الوزراء شائع الزنداني بحقيبة الخارجية وشؤون المغتربين، في محاولة لضمان استمرارية التحرك الدبلوماسي اليمني والحفاظ على زخم التواصل مع المجتمع الدولي والشركاء الإقليميين.

وفي حين غاب عن مراسم أداء اليمين وزير التعليم العالي والبحث العلمي، وهو محسوب على «التنظيم الوحدوي الشعبي الناصري»؛ لأسباب غير معلنة، يرى مراقبون أن التحدي الأول أمام الحكومة يتمثل في ضرورة مباشرة مهامها من الداخل، في ظل مطالب شعبية متصاعدة بعودة مؤسسات الدولة إلى عدن وتفعيل حضورها على الأرض.

الحكومة اليمنية الجديدة ضمت 3 حقائب للنساء بعد سنوات من التهميش (سبأ)

وتواجه حكومة الزنداني تركة ثقيلة من الأزمات المتراكمة، يتصدرها الملف الاقتصادي، في ظل تدهور سعر الصرف، وتوقف تصدير النفط، وتراجع الإيرادات العامة، إضافة إلى أزمات الخدمات الأساسية، وعلى رأسها الكهرباء والمياه، التي باتت تمس الحياة اليومية للمواطنين.

ولا يقل الملف الأمني أهمية؛ إذ تتطلع الأوساط السياسية إلى توحيد الأجهزة العسكرية والأمنية تحت مظلتَيْ وزارتَيْ الدفاع والداخلية، بما يعزز الاستقرار ويحد من مظاهر الانفلات والتعددية الأمنية.

وتُوصف حكومة الزنداني بأنها «حكومة الفرصة الأخيرة» لوقف التدهور المعيشي، في ظل آمال معلقة على انتقالها من سياسة إدارة الأزمات إلى معالجتها جذرياً، وهو ما يتطلب انسجاماً سياسياً داخلياً ودعماً إقليمياً ودولياً مستداماً.

ترحيب دولي

وفي هذا السياق، رحب المبعوث الخاص للأمم المتحدة إلى اليمن، هانس غروندبرغ، بتشكيل الحكومة اليمنية الجديدة برئاسة رئيس الوزراء شائع الزنداني، مشيراً إلى أن هذا التطور يأتي في وقت تشتد فيه الحاجة إلى بذل جهود متجددة للنهوض بعملية سياسية شاملة بقيادة اليمنيين، ولمعالجة التحديات السياسية والاقتصادية والأمنية التي تواجه اليمن، والاستجابة لأولويات الشعب اليمني.

كما رحب المبعوث الخاص غروندبرغ أيضاً بعودة النساء إلى مجلس الوزراء اليمني، بوصفها خطوة مهمة نحو تعزيز الحكم الشامل ودعم عملية صنع القرار.

وقال المبعوث الأممي في بيان: «من المهم أن يُسمح للحكومة المشكّلة حديثاً بأداء عملها في بيئة بنّاءة لتحقيق الاستقرار، وتخفيف معاناة الشعب اليمني، والمساعدة في تهيئة الظروف المواتية لسلام دائم».

وأفاد غروندبرغ بأنه سيواصل انخراطه مع الأطراف اليمنية والإقليمية لدعم الجهود الرامية إلى تعزيز الحوار وخفض التصعيد.

من جهتها، هنأت السفارة الأميركية لدى اليمن بتشكيل الحكومة الجديدة، وقالت في بيان إن «هذا التحول يعدّ فرصةً سانحة لتعزيز الاستقرار وتثبيت دعائم الحوكمة الفاعلة».

وأكد البيان تطلع واشنطن للتعاون مع حكومة ذات كفاءة وشاملة للتنوع الجغرافي، تُشرك النساء والشباب بفاعلية، بوصفهم عنصراً أساسياً في بناء الدولة وتلبية احتياجات المجتمع.

وأضاف: «أصبح الفرق بين نهج الدولة الذي تمثله الحكومة وبين جماعة الحوثي الإرهابية واضحاً تماماً اليوم. نجدد تأكيدنا على الوقوف بجانب الشعب اليمني في سعيه نحو غد أكثر أمناً وازدهاراً».

من جانبه، رحب «الاتحاد الأوروبي» بإعلان تشكيل الحكومة اليمنية الجديدة في خطوة نحو العمل على استقرار الوضع وتحسين تقديم الخدمات والمضي في الإصلاحات المطلوبة، وقال في تغريدة على منصة «إكس»: «يُعدّ (إشمال) المرأة وشخصيات شابة عنصراً أساسياً يظهر الالتزام الواضح بالشمول والتنوع».

في السياق نفسه، أكدت السفيرة البريطانية لدى اليمن، عبدَة شريف، التزام لندن الراسخ العمل مع الحكومة اليمنية لتعزيز الأمن والاستقرار والازدهار للشعب اليمني. كما رحبت بـ«شدة» بتقلد كفاءات نسائية مناصب وزارية رفيعة؛ وقالت إن «الحكومة الشاملة هي الركيزة الأساسية لسلام واستقرار مستدام».

Cannot check text—confirm privacy policy first


الحوثيون حوّلوا رمضان المبارك ضيفاً ثقيلاً على اليمنيين

مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
TT

الحوثيون حوّلوا رمضان المبارك ضيفاً ثقيلاً على اليمنيين

مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)

في واقعٍ مثقل بالفقر والعوز، يستقبل ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية شهر رمضان هذا العام وهم عاجزون عن توفير أبسط متطلبات هذه المناسبة الدينية، التي لطالما تميزت بطقوسها الخاصة ومأكولاتها المتنوعة.

وحوّل الحوثيون رمضانَ ضيفاً ثقيلاً على غالبية الأسر، في ظل انعدام الأمن الغذائي، وتوقف المرتبات، وغياب المساعدات الإنسانية التي كانت تمثل شريان حياة لملايين السكان.

وتفاقمت هذه المعاناة مع مغادرة عدد من منظمات الأمم المتحدة المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين، وتوقف برامجها الإغاثية، عقب مداهمة الجماعة مكاتبها واعتقال العشرات من العاملين فيها. ووفق تقديرات منظمات إغاثية، فإن نحو 13 مليون شخص في تلك المناطق يعيشون اليوم على حافة الجوع، في واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية التي يشهدها اليمن منذ سنوات.

الحوثيون متهمون برعاية الانفلات الأمني في إب لمنع أي انتفاضة شعبية (إعلام محلي)

عبد الرحمن، وهو موظف في شركة محلية بمحافظة إب (193 كيلومتراً جنوب صنعاء)، يصف لـ«الشرق الأوسط» الأوضاع؛ قبل أيام من دخول شهر رمضان المبارك، بأنها «مأساوية بكل المقاييس». ويؤكد أن الغالبية المطلقة من سكان المحافظة باتت عاجزة عن توفير الاحتياجات الغذائية الأساسية، واضطرت إلى تقليص عدد الوجبات اليومية إلى الحد الأدنى.

ويعزو عبد الرحمن هذا الوضع إلى «قطع الحوثيين مرتبات عشرات آلاف الموظفين منذ 8 أعوام، إضافة إلى توقف الأنشطة الاقتصادية وشلل سوق العمل، إلى جانب انقطاع المساعدات الإنسانية التي كانت تقدمها الأمم المتحدة خلال السنوات الماضية». ويقول إن «البؤس يعلو وجوه المتسوقين في أسواق عاصمة المحافظة، في مشهد يناقض تماماً أجواء الفرح التي اعتادها اليمنيون مع قدوم رمضان».

أسواق خالية

ولا تختلف الحال كثيراً في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء، حيث أعلنت الجماعة الحوثية قبل أيام صرف نصف راتب عن نهاية العام الماضي لبعض الموظفين العموميين، وبواقع نحو 50 دولاراً فقط، بمناسبة حلول الشهر الفضيل. إلا إن هذا المبلغ، وفق شكاوى الموظفين، لا يغطي حتى جزءاً يسيراً من متطلبات المعيشة.

وتبدو أسواق صنعاء خالية من الزحام المعتاد الذي كانت تشهده في مثل هذه الأيام من كل عام؛ إذ انعكست حالة الفقر والعوز على القدرة الشرائية للسكان، ودفع ذلك بهم إلى الاكتفاء بشراء الضرورات القصوى، في ظل ارتفاع الأسعار وتراجع الدخل إلى مستويات غير مسبوقة.

منصور، وهو معلم يقيم في صنعاء، يقول إنه تسلم نصف راتب، لكنه لا يكفي حتى لتسديد إيجار المنزل. ويضيف في حديثه لـ«الشرق الأوسط»: «الحديث عن شراء احتياجات رمضان أصبح نوعاً من الترف لا يعرفه إلا القليل من الميسورين. نحن وغالبية الناس نبحث فقط عما يسد جوعنا وجوع أطفالنا».

ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الحوثيين يعانون انعدام الأمن الغذائي (إعلام محلي)

ويشير منصور إلى أن «المساعدات الغذائية التي كانت تقدمها الأمم المتحدة والمنظمات الدولية خلال الأعوام الماضية، كانت توفر الحد الأدنى من الأمن الغذائي لكثير من الأسر، وتمنحها فرصة شراء بعض متطلبات رمضان، بما فيها الحلويات التقليدية».

ازدياد الفقراء

ومع انقطاع هذه المساعدات الأممية بشكل كامل، انضم آلاف الأسر إلى قوائم الفقراء الباحثين عمّا يسد رمقهم، فيما باتت أسر أخرى تعيش على الخبز والشاي، أو اضطرت إلى التسول في الشوارع وأمام المطاعم ومحال البقالة.

وفي سياق متصل، شكا الصحافي حسن الوريث، الذي كان في السابق من مؤيدي الحوثيين، من تعرضه لمضايقات وضغوط متواصلة بسبب مواقفه المنتقدة للفساد. واتهم جهات نافذة بالسعي إلى إسكاته ومنعه من أداء دوره المهني، مشيراً إلى أن تلك الضغوط تنوعت بين التهديد المباشر، والإقصاء، ومحاربته في مصدر رزقه.

وأكد الوريث عزمه على الاستمرار في الكشف عن الفساد، محذراً من انهيار شامل في حال عدم التصدي لما وصفها بـ«منظومة الفساد ومراكز النفوذ»، داعياً إلى «حماية الصحافيين والإعلاميين في مناطق سيطرة الحوثيين الذين يؤدون واجبهم المهني بصدق، رغم المخاطر».

Cannot check text—confirm privacy policy first


إهمال حوثي يهدد حياة السكان في صنعاء

شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
TT

إهمال حوثي يهدد حياة السكان في صنعاء

شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)

تعيش العاصمة اليمنية المختطَفة صنعاء، ومدن أخرى خاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، على وقع تدهور خِدمي متسارع يُهدد حياة السكان بشكل مباشر، مع تفاقم أخطار أعمدة الكهرباء المُتهالكة، واستمرار طفح مياه الصرف الصحي في الأحياء السكنية، في مشهد يعكس حجم الإهمال المزمن وتقاعس الجهات المعنية عن القيام بأبسط واجباتها تجاه السلامة العامة، خصوصاً مع اقتراب شهر رمضان.

مصادر محلية مُطلعة كشفت، لـ«الشرق الأوسط»، عن وجود مئات من أعمدة الكهرباء الخشبية المتهالكة في صنعاء وضواحيها، يعود تركيب بعضها إلى عقود مضت، وهي، اليوم، مائلة أو متشققة القواعد، وتتدلى منها أسلاك مكشوفة، ما يُشكل تهديداً مباشراً للمارّة، ولا سيما الأطفال وطلبة المدارس، في ظل غياب أي أعمال صيانة أو استبدال حقيقية.

وأوضحت المصادر أن معظم هذه الأعمدة تُستخدم حالياً في شبكات توزيع الكهرباء التجارية، في ظل الانقطاع شبه الكامل للكهرباء الحكومية منذ سنوات، ما أدى إلى زيادة الأحمال الكهربائية بصورة تفوق قدرتها على التحمل، وسط تمديدات عشوائية وأسلاك مُتشابكة تُنذر بكوارث وشيكة.

عمود كهرباء سقط في حي بصنعاء وسارع السكان إلى إعادة إصلاحه (الشرق الأوسط)

ورغم البلاغات المتكررة التي تقدَّم بها مواطنون للسلطات الحوثية، فإن الجماعة، وفق المصادر، تُواصل تجاهلها المتعمد لهذه الشكاوى، مكتفية بطلب تبرعات من السكان لإجراء إصلاحات محدودة، دون أي تحرك رسمي لمعالجة الخطر أو وضع حلول إسعافية تقلل حجم المخاطر.

يقول أحمد الهمداني، وهو صاحب محل تجاري في حي التحرير، إن سقوط أي عمود كهرباء بات «مسألة وقت لا أكثر»، مؤكداً أن الأعمدة لم تخضع، منذ سنوات، لأي صيانة، وأن انهيار أحدها قد يؤدي إلى كارثة إنسانية، خاصة في الأحياء ذات الكثافة السكانية العالية.

المياه الآسنة

بالتوازي مع هذا الخطر، يعيش سكان صنعاء في ظل أوضاع بيئية وصحية متدهورة، مع تصاعد ظاهرة طفح مياه الصرف الصحي في عدد من المديريات، وتجمعات المياه الآسنة، ما حوّل شوارع وأزقّة كاملة إلى بؤر للتلوث، وسط روائح كريهة وانتشار للحشرات، وتهديد مباشر للصحة العامة.

صورة تُظهر تردي شبكة الصرف الصحي في صنعاء (الشرق الأوسط)

سياسة ممنهجة

ويرى مراقبون أن هذا التدهور يعكس سياسة حوثية ممنهجة لإهمال البنية التحتية، مقابل توجيه الموارد والإيرادات العامة نحو المجهود الحربي والمصالح الخاصة، في ظل غياب الرقابة والمحاسبة، وافتقار المؤسسات الخاضعة لسيطرة الحوثيين لأدنى معايير السلامة والمسؤولية.

ويُحذر مختصون في السلامة العامة من أن استمرار تهالك أعمدة الكهرباء قد يؤدي إلى حوادث صعق أو انهيارات مُميتة، بينما يؤكد أطباء ومختصون صحيون أن طفح مياه الصرف الصحي يُشكل بيئة خصبة لانتشار الأوبئة، مثل الكوليرا والإسهالات المائية الحادة وأمراض الجلد والجهاز التنفسي.

عنصر حوثي أثناء تفقُّده عداداً كهربائياً في صنعاء (إعلام حوثي)

وتشير تقديرات محلية إلى أن أكثر من 68 في المائة من أعمدة الكهرباء في صنعاء، خصوصاً في الأحياء القديمة، باتت متهالكة، في حين سجلت صنعاء وضواحيها، خلال الفترة الأخيرة، أكثر من 23 حادثة سقوط أو انكسار أعمدة، تسببت بوقوع وفيات وإصابات.

ويُجمع خبراء بيئيون وإداريون على أن استمرار هذا الإهمال ينذر بمضاعفة الكلفة الإنسانية والصحية مستقبلاً، مؤكدين أن معالجة هذه الأزمات تتطلب تحركاً عاجلاً ومسؤولاً، يضع سلامة المواطنين وحقهم في بيئة صحية وحياة كريمة في صدارة الأولويات.