ليلى مراد حاضرة في قلوب محبيها بذكرى ميلادها الـ99

«ملكة الأفلام الغنائية» رحلت منذ 22 عامًا... ولم يقم لها متحف إلى الآن

مشهد مع أنور وجدي ونجيب الريحاني من فيلم «غزل البنات»
مشهد مع أنور وجدي ونجيب الريحاني من فيلم «غزل البنات»
TT

ليلى مراد حاضرة في قلوب محبيها بذكرى ميلادها الـ99

مشهد مع أنور وجدي ونجيب الريحاني من فيلم «غزل البنات»
مشهد مع أنور وجدي ونجيب الريحاني من فيلم «غزل البنات»

حلت أمس (الجمعة) الذكرى الـ99 لميلاد قيثارة الغناء العربي ليلى مراد التي عرفت بحنجرتها الذهبية وأغانيها الخالدة. اقتحمت ليلى عالم الغناء في ثلاثينات القرن العشرين وتركت نحو 1200 أغنية، و28 فليما غنائيا، لكن للأسف تمر ذكراها دون احتفاء رسمي في مصر، فلم تقم دار الأوبرا المصرية حفلا لها، لكن احتفل جمهورها من الكبار والشباب على صفحات مواقع التواصل الاجتماعي بمشاركة أشهر أغانيها وصورها، ولقطات ومشاهد من أفلامها.
ولدت ليلى مراد في 17 فبراير (شباط) عام 1918 في الإسكندرية، وتحديدا في حي محرم بك، وكانت مصر آنذاك مجتمعا متعدد الجنسيات والديانات. نشأت في أسرة يهودية، والدها من أصول مغربية وهو زكي مراد مردخاي، الذي كان يعشق الموسيقى والطرب، وكان أحد الموسيقيين المعروفين في زمن سيد درويش وداود حسني، فقد كان من أصحاب الطريقة الكلاسيكية في الغناء العربي، فلم يستطع أن يكمل الطريق عقب بزوغ نجم الموسيقار محمد عبد الوهاب. لكن كانت له علاقات طيبة بالكثير من الفنانين والملحنين، مثل: السنباطي وزكريا أحمد والقصبجي، والشعراء وعلى رأسهم أمير الشعراء أحمد شوقي، الذين كانوا يترددون على منزله إلى أن قرر زكي مراد أن يسمعهم صوت ابنته «ليليان» فتغنت بأغان لأم كلثوم وأدوار شرقية قديمة فأبهرت الحاضرين. يذكر المؤرخ الفني الراحل كمال النجمي في كتابه «تراث الغناء العربي»: «علية القوم لم يتعرفوا على ليلى مراد إلا بعد أن أقام لها والدها حفلا غنائيا على أحد مسارح القاهرة، وكان ذلك في بداية عام 1932.. وكان والدها صديقا لأمير الشعراء أحمد شوقي، فأعانه ماديا وأدبيا على إقامة الحفل، وحضره بنفسه وبصحبته صديقه الصغير المطرب محمد عبد الوهاب، ودعا إلى حضوره أصدقاءه من الباشوات والبكوات، فكان حفلا ناجحا، خرجت منه ليلى مراد مطربة يعرفها كبار (السميعة) في القاهرة. فضلا عن أنها صارت موضع التفات الموسيقار عبد الوهاب، مطرب الملوك والأمراء في تلك الأيام».
ويشير: «ظهرت ليلى مراد في عصر الأصوات الجميلة البالغة القوة، العظيمة الدربة، قبل عصر الميكروفون» فكانت تحيي حفلاتها بصوتها الرائع دون ميكروفون.
وتألقت ليلى مراد إذاعيا بعد افتتاح الإذاعة المصرية الرسمية عام 1934، حيث ساعدها الفنان مدحت عاصم المشرف على الموسيقى بالإذاعة آنذاك، ومنحها فرصة للغناء مرة كل أسبوع، فحققت جماهيرية ممتازة وهي بعمر ستة عشر عاما.
ومع ازدهار السينما المصرية وبداية انتشار الفيلم الغنائي، طلبت منها بهيجة حافظ الاستعانة بصوتها لتغني أغنية «يوم الصفا» لفيلم «الضحايا» وعرض الفيلم في عام 1935 بنسخته الناطقة بعد عرضه الصامت من قبل. بعد ذلك رشحها محمد عبد الوهاب للوقوف أمامه بطلة في ثالث أفلامه «يحيا الحب» عام 1938 للمخرج محمد كريم. قال عنها موسيقار الأجيال محمد عبد الوهاب: «أحسن ما في ليلى أنها لم تقلد أحدا، وأن لها شخصية مستقلة متميزة، كما أنها ورثت عن والدها زكي مراد الرسوخ في الغناء إلى جانب امتلاكها براءة الصوت العربي».
انطلقت بعدها مسيرة ليلى مراد بطلة للأفلام الغنائية، واشتهرت بتمثيلها البارع إلى جانب صوتها الطربي المميز، فأخرج لها توجو مزراحي اليهودي السكندري أيضا فيلم «ليلة ممطرة»، وبعدها قدمت معه سلسلة أفلام متتالية: «ليلى بنت الريف»: «ليلى بنت مدارس»، و«ليلى»، و«ليلى في الظلام». ويقول الكاتب الصحافي أشرف غريب، في كتابه «الوثائق الخاصة لليلى مراد»: إذا كان توجو مزراحي قد أرسى دعائم نجاح ليلى مراد، فإنها كانت على موعد جديد مع نجاح من نوع آخر.. لقد كان نجاحها مع أنور وجدي بداية من فليم (ليلى بنت الفقراء) الذي عرض بسينما ستوديو مصرفي الخامس من نوفمبر (تشرين الثاني) 1945 أبقى أثرا من كل الأفلام التي سبقته... نجاحا جعل من ليلى مراد نجمة أول نجمة شباك في تاريخ السينما المصرية».
خرجت ليلى من عباءة «الغناء الكلثومي»، فقد فتحت كوكب الشرق أم كلثوم مجال الغناء أمام أجيال من المطربات تدربن على أغانيها ذات الطابع الشرقي الحداثي، إلا أن ليلى استطاعت أن تطوع خامة صوتها الفريدة فقدمت الأغنية العربية في قالب غربي تارة وقالب شرقي بحت، كما أنها نجحت في أن تترك بصمة في عالم الفيلم الغنائي، فأطلق عليها «ملكة الأفلام الغنائية»، الذي اقتحمته بقوة وحققت مع زوجها أنور وجدي نجاحا كبيرا وأفلاما رائعة، إلا أن خلف هذا النجاح والنجومية كانت النجمة تعيش حياة تعيسة.
وقد كشفت ليلى مراد عن ذلك في حواراتها الفنية والمقالات التي كتبتها بنفسها لمجلة «الكواكب» العريقة. كانت المجلات الفنية في مصر لها تقليد مميز، وهو أن يكتب الفنان بقلمه مقالات، أو يتحدث عن مواقف وذكريات وتنشر بتوقيعه، وكانت ليلى مراد قد كتبت مقالات عدة في مجلة «الكواكب»، عكست حياتها التعيسة وحزنها الدفين الذي لم تكن تخفيه عيناها على الشاشة الفضية. كتبت في مقال نشر عام 1954 بمجلة «الكواكب»: «أنا ابنه (الحظين) الحظ الباسم والحظ العاثر.. الحظ الضاحك والحظ العابس دارت بي عجلة الحياة في غير الدورة التي كنت أمني النفس بها، دارت بي متخذة وجهة غير التي كنت أريدها». تستكمل: «قال الناس عني: (مطربة ذات صوت شجي آخاذ)، وقال الناس عني: (محظوظة ذات طالع سعد نادر) وأقول عن نفسي: (أنا ليلى مراد التي تعذبت في حياتها الماضية، وتتعذب في حياتها الحالية، وسوف يطاردها العذاب في حياتها الآتية)».
وتكشف ليلى في هذا المقال كم كانت التعاسة مصاحبة لها منذ طفولتها، حيث نشأت في أسرة يهودية فقيرة دخلت الفن بدافع مساندة والدها في النفقات، ولم تتمكن من تحقيق حلمها في أن تكون مدرسة أو زوجة سعيدة. تزوجت ليلى من أنور وجدي ورغم نجاحها الفني معه، فإنه كان يسيء معاملتها وانفصلت عنه ثلاث مرات، ثم تزوجت من وجيه أباظة، أحد الضباط الأحرار، وأنجبت منه ابنها أشرف، ثم تزوجت المخرج فطين عبد الوهاب الذي اشتهر بإخراج أشهر الأفلام الكوميدية المصرية، وأنجبت منه ابنها زكي، وهو امتهن التمثيل أيضا، وخصوصا الدراما التلفزيونية.
كرست ليلى مراد حياتها للسينما، ويبدو أنها كانت ذات بعد نظر؛ لأن جهودها لم تذهب هباء، بل خلدت أعمالها وحفرت اسمها في قلوب عشرات الأجيال ولا تزال، فلم تقم الحفلات الغنائية الساهرة وتجوب مسارح مصر، بل كانت تصدح عبر الشاشة الفضية والإذاعة والتلفزيون فيما بعد.
عانت ليلى مراد في حياتها وبعد وفاتها من الشائعات التي لعبت على وتر يهوديتها والتشكيك في إسلامها، الذي أعلنته في ديسمبر (كانون الأول) عام 1947 وقيل عنها أنها تبرعت لإسرائيل، لكنها كانت تقاوم وتنفي بكل الطرق. ففي تصريح لها نشر في نوفمبر 1952 تقول ليلى مراد في مجلة «الفن» الأسبوعية: «إنني مظلومة وبريئة من جميع ما نسب إلي. إنني مصرية عربية مسلمة، ومتزوجة من مصري مسلم، وأحب العرب والإسلام. وأن الله لن يظلم مخلوقا بريئا. إن براءتي ستظهر للجميع وسيزداد حب الناس لي في جميع البلاد العربية. وعلى الرغم من شعوري بأن ليس لي أعداء. إلا أنه يوجد من يغيرون من شهرتي. فنكاية بي أشاعوا عني هذه الأكاذيب التي ليس لها ذرة من الصحة والحقيقة، والتي ليس لها أي دليل؛ لأنني قد وهبت نفسي وحياتي للفن والعرب والإسلام، وهذه حقيقة يعلمها الجميع، بل ويعلمها الذين أشاعوا هذه الفرية الكاذبة. لقد ظلموني وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون».
اعتزلت ليلى مراد العمل السينمائي وهي في أوجها الفني وكان عمرها 37 عاما فقط، وكان ذلك عام 1955، وكان آخر أجر تقاضته 12 ألف جنيها. عاشت حياتها فيما بعد بالقاهرة متنقلة ما بين أحيائها الراقية الزمالك وجاردن سيتي، وكانت وصيتها الأخيرة أن تشيع جنازتها دون إعلان مسبق، وأن تكون الصلاة عليها في مسجد السيدة نفيسة في القلعة، وألا يحضر أحد من الغرباء تشييع جنازتها إلى مثواها الأخير. توفيت ليلى مراد إثر أزمة صحية ألمت بها حيث كانت تعاني اعتلالا في القلب، وقالت الفنانة مديحة يسري إنها أصيب باكتئاب شديد إثر وحدتها ونسيان زملائها لها، وتوفيت في نوفمبر عام 1995 في مستشفى مصر الدولي بالدقي. دفنت ليلى مراد في مقابر الأسرة «مقابر البساتين» وهي مقابر اليهود؛ مما أثار أيضا الكثير من اللغط حول ديانتها. ورغم أنها تركت 28 فيلما غنائيا وعشرات الأغاني الرائعة، فإنها لم تأخذ حظها من التكريم والتقدير لفنها، ويكفي أن نعلم أن فنانة بقدرها لم يقم متحف باسمها حتى الآن.



«البحر الأحمر السينمائي» يشارك في إطلاق «صنّاع كان»

يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
TT

«البحر الأحمر السينمائي» يشارك في إطلاق «صنّاع كان»

يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما

في مسعى لتمكين جيل جديد من المحترفين، وإتاحة الفرصة لرسم مسارهم المهني ببراعة واحترافية؛ وعبر إحدى أكبر وأبرز أسواق ومنصات السينما في العالم، عقدت «معامل البحر الأحمر» التابعة لـ«مؤسسة مهرجان البحر الأحمر السينمائي» شراكة مع سوق الأفلام بـ«مهرجان كان»، للمشاركة في إطلاق الدورة الافتتاحية لبرنامج «صنّاع كان»، وتمكين عدد من المواهب السعودية في قطاع السينما، للاستفادة من فرصة ذهبية تتيحها المدينة الفرنسية ضمن مهرجانها الممتد من 16 إلى 27 مايو (أيار) الحالي.
في هذا السياق، اعتبر الرئيس التنفيذي لـ«مؤسسة مهرجان البحر الأحمر السينمائي» محمد التركي، أنّ الشراكة الثنائية تدخل في إطار «مواصلة دعم جيل من رواة القصص وتدريب المواهب السعودية في قطاع الفن السابع، ومدّ جسور للعلاقة المتينة بينهم وبين مجتمع الخبراء والكفاءات النوعية حول العالم»، معبّراً عن بهجته بتدشين هذه الشراكة مع سوق الأفلام بـ«مهرجان كان»؛ التي تعد من أكبر وأبرز أسواق السينما العالمية.
وأكّد التركي أنّ برنامج «صنّاع كان» يساهم في تحقيق أهداف «مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي» ودعم جيل جديد من المواهب السعودية والاحتفاء بقدراتها وتسويقها خارجياً، وتعزيز وجود القطاع السينمائي السعودي ومساعيه في تسريع وإنضاج عملية التطوّر التي يضطلع بها صنّاع الأفلام في المملكة، مضيفاً: «فخور بحضور ثلاثة من صنّاع الأفلام السعوديين ضمن قائمة الاختيار في هذا البرنامج الذي يمثّل فرصة مثالية لهم للنمو والتعاون مع صانعي الأفلام وخبراء الصناعة من أنحاء العالم».
وفي البرنامج الذي يقام طوال ثلاثة أيام ضمن «سوق الأفلام»، وقع اختيار «صنّاع كان» على ثمانية مشاركين من العالم من بين أكثر من 250 طلباً من 65 دولة، فيما حصل ثلاثة مشاركين من صنّاع الأفلام في السعودية على فرصة الانخراط بهذا التجمّع الدولي، وجرى اختيارهم من بين محترفين شباب في صناعة السينما؛ بالإضافة إلى طلاب أو متدرّبين تقلّ أعمارهم عن 30 عاماً.
ووقع اختيار «معامل البحر الأحمر»، بوصفها منصة تستهدف دعم صانعي الأفلام في تحقيق رؤاهم وإتمام مشروعاتهم من المراحل الأولية وصولاً للإنتاج.
علي رغد باجبع وشهد أبو نامي ومروان الشافعي، من المواهب السعودية والعربية المقيمة في المملكة، لتحقيق الهدف من الشراكة وتمكين جيل جديد من المحترفين الباحثين عن تدريب شخصي يساعد في تنظيم مسارهم المهني، بدءاً من مرحلة مبكرة، مع تعزيز فرصهم في التواصل وتطوير مهاراتهم المهنية والتركيز خصوصاً على مرحلة البيع الدولي.
ويتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما عبر تعزيز التعاون الدولي وربط المشاركين بخبراء الصناعة المخضرمين ودفعهم إلى تحقيق الازدهار في عالم الصناعة السينمائية. وسيُتاح للمشاركين التفاعل الحي مع أصحاب التخصصّات المختلفة، من بيع الأفلام وإطلاقها وتوزيعها، علما بأن ذلك يشمل كل مراحل صناعة الفيلم، من الكتابة والتطوير إلى الإنتاج فالعرض النهائي للجمهور. كما يتناول البرنامج مختلف القضايا المؤثرة في الصناعة، بينها التنوع وصناعة الرأي العام والدعاية والاستدامة.
وبالتزامن مع «مهرجان كان»، يلتئم جميع المشاركين ضمن جلسة ثانية من «صنّاع كان» كجزء من برنامج «معامل البحر الأحمر» عبر الدورة الثالثة من «مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي» في جدة، ضمن الفترة من 30 نوفمبر (تشرين الثاني) حتى 9 ديسمبر (كانون الأول) المقبلين في المدينة المذكورة، وستركز الدورة المنتظرة على مرحلة البيع الدولي، مع الاهتمام بشكل خاص بمنطقة الشرق الأوسط.


رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
TT

رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»

إنه «فضلو» في «بياع الخواتم»، و«أبو الأناشيد الوطنية» في مشواره الفني، وأحد عباقرة لبنان الموسيقيين، الذي رحل أول من أمس (الأربعاء) عن عمر ناهز 84 عاماً.
فبعد تعرضه لأزمة صحية نقل على إثرها إلى المستشفى، ودّع الموسيقي إيلي شويري الحياة. وفي حديث لـ«الشرق الأوسط» أكدت ابنته كارول أنها تفاجأت بانتشار الخبر عبر وسائل التواصل الاجتماعي قبل أن تعلم به عائلته. وتتابع: «كنت في المستشفى معه عندما وافاه الأجل. وتوجهت إلى منزلي في ساعة متأخرة لأبدأ بالتدابير اللازمة ومراسم وداعه. وكان الخبر قد ذاع قبل أن أصدر بياناً رسمياً أعلن فيه وفاته».
آخر تكريم رسمي حظي به شويري كان في عام 2017، حين قلده رئيس الجمهورية يومها ميشال عون وسام الأرز الوطني. وكانت له كلمة بالمناسبة أكد فيها أن حياته وعطاءاته ومواهبه الفنية بأجمعها هي كرمى لهذا الوطن.
ولد إيلي شويري عام 1939 في بيروت، وبالتحديد في أحد أحياء منطقة الأشرفية. والده نقولا كان يحضنه وهو يدندن أغنية لمحمد عبد الوهاب. ووالدته تلبسه ثياب المدرسة على صوت الفونوغراف الذي تنساب منه أغاني أم كلثوم مع بزوغ الفجر. أما أقرباؤه وأبناء الجيران والحي الذي يعيش فيه، فكانوا من متذوقي الفن الأصيل، ولذلك اكتمل المشوار، حتى قبل أن تطأ خطواته أول طريق الفن.
- عاشق لبنان
غرق إيلي شويري منذ نعومة أظافره في حبه لوطنه وترجم عشقه لأرضه بأناشيد وطنية نثرها على جبين لبنان، ونبتت في نفوس مواطنيه الذين رددوها في كل زمان ومكان، فصارت لسان حالهم في أيام الحرب والسلم. «بكتب اسمك يا بلادي»، و«صف العسكر» و«تعلا وتتعمر يا دار» و«يا أهل الأرض»... جميعها أغنيات شكلت علامة فارقة في مسيرة شويري الفنية، فميزته عن سواه من أبناء جيله، وذاع صيته في لبنان والعالم العربي وصار مرجعاً معتمداً في قاموس الأغاني الوطنية. اختاره ملك المغرب وأمير قطر ورئيس جمهورية تونس وغيرهم من مختلف أقطار العالم العربي ليضع لهم أجمل معاني الوطن في قالب ملحن لا مثيل له. فإيلي شويري الذي عُرف بـ«أبي الأناشيد الوطنية» كان الفن بالنسبة إليه منذ صغره هَوَساً يعيشه وإحساساً يتلمسه في شكل غير مباشر.
عمل شويري مع الرحابنة لفترة من الزمن حصد منها صداقة وطيدة مع الراحل منصور الرحباني. فكان يسميه «أستاذي» ويستشيره في أي عمل يرغب في القيام به كي يدله على الصح من الخطأ.
حبه للوطن استحوذ على مجمل كتاباته الشعرية حتى لو تناول فيها العشق، «حتى لو رغبت في الكتابة عن أعز الناس عندي، أنطلق من وطني لبنان»، هكذا كان يقول. وإلى هذا الحد كان إيلي شويري عاشقاً للبنان، وهو الذي اعتبر حسه الوطني «قدري وجبلة التراب التي امتزج بها دمي منذ ولادتي».
تعاون مع إيلي شويري أهم نجوم الفن في لبنان، بدءاً بفيروز وسميرة توفيق والراحلين وديع الصافي وصباح، وصولاً إلى ماجدة الرومي. فكان يعدّها من الفنانين اللبنانيين القلائل الملتزمين بالفن الحقيقي. فكتب ولحن لها 9 أغنيات، من بينها «مين إلنا غيرك» و«قوم تحدى» و«كل يغني على ليلاه» و«سقط القناع» و«أنت وأنا» وغيرها. كما غنى له كل من نجوى كرم وراغب علامة وداليدا رحمة.
مشواره مع الأخوين الرحباني بدأ في عام 1962 في مهرجانات بعلبك. وكانت أول أدواره معهم صامتة بحيث يجلس على الدرج ولا ينطق إلا بكلمة واحدة. بعدها انتسب إلى كورس «إذاعة الشرق الأدنى» و«الإذاعة اللبنانية» وتعرّف إلى إلياس الرحباني الذي كان يعمل في الإذاعة، فعرّفه على أخوَيه عاصي ومنصور.

مع أفراد عائلته عند تقلده وسام الأرز الوطني عام 2017

ويروي عن هذه المرحلة: «الدخول على عاصي ومنصور الرحباني يختلف عن كلّ الاختبارات التي يمكن أن تعيشها في حياتك. أذكر أن منصور جلس خلف البيانو وسألني ماذا تحفظ. فغنيت موالاً بيزنطياً. قال لي عاصي حينها؛ من اليوم ممنوع عليك الخروج من هنا. وهكذا كان».
أسندا إليه دور «فضلو» في مسرحية «بياع الخواتم» عام 1964. وفي الشريط السينمائي الذي وقّعه يوسف شاهين في العام التالي. وكرّت السبحة، فعمل في كلّ المسرحيات التي وقعها الرحابنة، من «دواليب الهوا» إلى «أيام فخر الدين»، و«هالة والملك»، و«الشخص»، وصولاً إلى «ميس الريم».
أغنية «بكتب اسمك يا بلادي» التي ألفها ولحنها تعد أنشودة الأناشيد الوطنية. ويقول شويري إنه كتب هذه الأغنية عندما كان في رحلة سفر مع الراحل نصري شمس الدين. «كانت الساعة تقارب الخامسة والنصف بعد الظهر فلفتني منظر الشمس التي بقيت ساطعة في عز وقت الغروب. وعرفت أن الشمس لا تغيب في السماء ولكننا نعتقد ذلك نحن الذين نراها على الأرض. فولدت كلمات الأغنية (بكتب اسمك يا بلادي عالشمس الما بتغيب)».
- مع جوزيف عازار
غنى «بكتب اسمك يا بلادي» المطرب المخضرم جوزيف عازار. ويخبر «الشرق الأوسط» عنها: «ولدت هذه الأغنية في عام 1974 وعند انتهائنا من تسجيلها توجهت وإيلي إلى وزارة الدفاع، وسلمناها كأمانة لمكتب التوجيه والتعاون»، وتابع: «وفوراً اتصلوا بنا من قناة 11 في تلفزيون لبنان، وتولى هذا الاتصال الراحل رياض شرارة، وسلمناه شريط الأغنية فحضروا لها كليباً مصوراً عن الجيش ومعداته، وعرضت في مناسبة عيد الاستقلال من العام نفسه».
يؤكد عازار أنه لا يستطيع اختصار سيرة حياة إيلي شويري ومشواره الفني معه بكلمات قليلة. ويتابع لـ«الشرق الأوسط»: «لقد خسر لبنان برحيله مبدعاً من بلادي كان رفيق درب وعمر بالنسبة لي. أتذكره بشوشاً وطريفاً ومحباً للناس وشفافاً، صادقاً إلى أبعد حدود. آخر مرة التقيته كان في حفل تكريم عبد الحليم كركلا في الجامعة العربية، بعدها انقطعنا عن الاتصال، إذ تدهورت صحته، وأجرى عملية قلب مفتوح. كما فقد نعمة البصر في إحدى عينيه من جراء ضربة تلقاها بالغلط من أحد أحفاده. فضعف نظره وتراجعت صحته، وما عاد يمارس عمله بالشكل الديناميكي المعروف به».
ويتذكر عازار الشهرة الواسعة التي حققتها أغنية «بكتب اسمك يا بلادي»: «كنت أقفل معها أي حفل أنظّمه في لبنان وخارجه. ذاع صيت هذه الأغنية، في بقاع الأرض، وترجمها البرازيليون إلى البرتغالية تحت عنوان (أومينا تيرا)، وأحتفظ بنصّها هذا عندي في المنزل».
- مع غسان صليبا
مع الفنان غسان صليبا أبدع شويري مرة جديدة على الساحة الفنية العربية. وكانت «يا أهل الأرض» واحدة من الأغاني الوطنية التي لا تزال تردد حتى الساعة. ويروي صليبا لـ«الشرق الأوسط»: «كان يعد هذه الأغنية لتصبح شارة لمسلسل فأصررت عليه أن آخذها. وهكذا صار، وحققت نجاحاً منقطع النظير. تعاونت معه في أكثر من عمل. من بينها (كل شيء تغير) و(من يوم ما حبيتك)». ويختم صليبا: «العمالقة كإيلي شويري يغادرونا فقط بالجسد. ولكن بصمتهم الفنية تبقى أبداً ودائماً. لقد كانت تجتمع عنده مواهب مختلفة كملحن وكاتب ومغنٍ وممثل. نادراً ما نشاهدها تحضر عند شخص واحد. مع رحيله خسر لبنان واحداً من عمالقة الفن ومبدعيه. إننا نخسرهم على التوالي، ولكننا واثقون من وجودهم بيننا بأعمالهم الفذة».
لكل أغنية كتبها ولحنها إيلي شويري قصة، إذ كان يستمد موضوعاتها من مواقف ومشاهد حقيقية يعيشها كما كان يردد. لاقت أعماله الانتقادية التي برزت في مسرحية «قاووش الأفراح» و«سهرة شرعية» وغيرهما نجاحاً كبيراً. وفي المقابل، كان يعدها من الأعمال التي ينفذها بقلق. «كنت أخاف أن تخدش الذوق العام بشكل أو بآخر. فكنت ألجأ إلى أستاذي ومعلمي منصور الرحباني كي يرشدني إلى الصح والخطأ فيها».
أما حلم شويري فكان تمنيه أن تحمل له السنوات الباقية من عمره الفرح. فهو كما كان يقول أمضى القسم الأول منها مليئة بالأحزان والدموع. «وبالقليل الذي تبقى لي من سنوات عمري أتمنى أن تحمل لي الابتسامة».


ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية     -   ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية - ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
TT

ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية     -   ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية - ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)

ستيف بركات عازف بيانو كندي من أصل لبناني، ينتج ويغنّي ويلحّن. لفحه حنين للجذور جرّه إلى إصدار مقطوعة «أرض الأجداد» (Motherland) أخيراً. فهو اكتشف لبنان في وقت لاحق من حياته، وينسب حبّه له إلى «خيارات مدروسة وواعية» متجذرة في رحلته. من اكتسابه فهماً متيناً لهويته وتعبيره عن الامتنان لما منحه إياه الإرث من عمق يتردّد صداه كل يوم، تحاوره «الشرق الأوسط» في أصله الإنساني المنساب على النوتة، وما أضفاه إحساسه الدفين بالصلة مع أسلافه من فرادة فنية.
غرست عائلته في داخله مجموعة قيم غنية استقتها من جذورها، رغم أنه مولود في كندا: «شكلت هذه القيم جزءاً من حياتي منذ الطفولة، ولو لم أدركها بوعي في سنّ مبكرة. خلال زيارتي الأولى إلى لبنان في عام 2008. شعرتُ بلهفة الانتماء وبمدى ارتباطي بجذوري. عندها أدركتُ تماماً أنّ جوانب عدة من شخصيتي تأثرت بأصولي اللبنانية».
بين كوبنهاغن وسيول وبلغراد، وصولاً إلى قاعة «كارنيغي» الشهيرة في نيويورك التي قدّم فيها حفلاً للمرة الأولى، يخوض ستيف بركات جولة عالمية طوال العام الحالي، تشمل أيضاً إسبانيا والصين والبرتغال وكوريا الجنوبية واليابان... يتحدث عن «طبيعة الأداء الفردي (Solo) التي تتيح حرية التكيّف مع كل حفل موسيقي وتشكيله بخصوصية. فالجولات تفسح المجال للتواصل مع أشخاص من ثقافات متنوعة والغوص في حضارة البلدان المضيفة وتعلّم إدراك جوهرها، مما يؤثر في المقاربة الموسيقية والفلسفية لكل أمسية».
يتوقف عند ما يمثله العزف على آلات البيانو المختلفة في قاعات العالم من تحدٍ مثير: «أكرّس اهتماماً كبيراً لأن تلائم طريقة عزفي ضمانَ أفضل تجربة فنية ممكنة للجمهور. للقدرة على التكيّف والاستجابة ضمن البيئات المتنوّعة دور حيوي في إنشاء تجربة موسيقية خاصة لا تُنسى. إنني ممتنّ لخيار الجمهور حضور حفلاتي، وهذا امتياز حقيقي لكل فنان. فهم يمنحونني بعضاً من وقتهم الثمين رغم تعدّد ملاهي الحياة».
كيف يستعد ستيف بركات لحفلاته؟ هل يقسو عليه القلق ويصيبه التوتر بإرباك؟ يجيب: «أولويتي هي أن يشعر الحاضر باحتضان دافئ ضمن العالم الموسيقي الذي أقدّمه. أسعى إلى خلق جو تفاعلي بحيث لا يكون مجرد متفرج بل ضيف عزيز. بالإضافة إلى الجانب الموسيقي، أعمل بحرص على تنمية الشعور بالصداقة الحميمة بين الفنان والمتلقي. يستحق الناس أن يلمسوا إحساساً حقيقياً بالضيافة والاستقبال». ويعلّق أهمية على إدارة مستويات التوتّر لديه وضمان الحصول على قسط كافٍ من الراحة: «أراعي ضرورة أن أكون مستعداً تماماً ولائقاً بدنياً من أجل المسرح. في النهاية، الحفلات الموسيقية هي تجارب تتطلب مجهوداً جسدياً وعاطفياً لا تكتمل من دونه».
عزف أناشيد نالت مكانة، منها نشيد «اليونيسف» الذي أُطلق من محطة الفضاء الدولية عام 2009 ونال جائزة. ولأنه ملحّن، يتمسّك بالقوة الهائلة للموسيقى لغة عالمية تنقل الرسائل والقيم. لذا حظيت مسيرته بفرص إنشاء مشروعات موسيقية لعلامات تجارية ومؤسسات ومدن؛ ومعاينة تأثير الموسيقى في محاكاة الجمهور على مستوى عاطفي عميق. يصف تأليف نشيد «اليونيسف» بـ«النقطة البارزة في رحلتي»، ويتابع: «التجربة عزّزت رغبتي في التفاني والاستفادة من الموسيقى وسيلة للتواصل ومتابعة الطريق».
تبلغ شراكته مع «يونيفرسال ميوزيك مينا» أوجها بنجاحات وأرقام مشاهدة عالية. هل يؤمن بركات بأن النجاح وليد تربة صالحة مكوّنة من جميع عناصرها، وأنّ الفنان لا يحلّق وحده؟ برأيه: «يمتد جوهر الموسيقى إلى ما وراء الألحان والتناغم، ليكمن في القدرة على تكوين روابط. فالنغمات تمتلك طاقة مذهلة تقرّب الثقافات وتوحّد البشر». ويدرك أيضاً أنّ تنفيذ المشاريع والمشاركة فيها قد يكونان بمثابة وسيلة قوية لتعزيز الروابط السلمية بين الأفراد والدول: «فالثقة والاهتمام الحقيقي بمصالح الآخرين يشكلان أسس العلاقات الدائمة، كما يوفر الانخراط في مشاريع تعاونية خطوات نحو عالم أفضل يسود فيه الانسجام والتفاهم».
بحماسة أطفال عشية الأعياد، يكشف عن حضوره إلى المنطقة العربية خلال نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل: «يسعدني الوجود في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا كجزء من جولة (Néoréalité) العالمية. إنني في مرحلة وضع اللمسات الأخيرة على التفاصيل والتواريخ لنعلن عنها قريباً. تملؤني غبطة تقديم موسيقاي في هذا الحيّز النابض بالحياة والغني ثقافياً، وأتحرّق شوقاً لمشاركة شغفي وفني مع ناسه وإقامة روابط قوامها لغة الموسيقى العالمية».
منذ إطلاق ألبومه «أرض الأجداد»، وهو يراقب جمهوراً متنوعاً من الشرق الأوسط يتفاعل مع فنه. ومن ملاحظته تزايُد الاهتمام العربي بالبيانو وتعلّق المواهب به في رحلاتهم الموسيقية، يُراكم بركات إلهاماً يقوده نحو الامتنان لـ«إتاحة الفرصة لي للمساهمة في المشهد الموسيقي المزدهر في الشرق الأوسط وخارجه».
تشغله هالة الثقافات والتجارب، وهو يجلس أمام 88 مفتاحاً بالأبيض والأسود على المسارح: «إنها تولّد إحساساً بالعودة إلى الوطن، مما يوفر ألفة مريحة تسمح لي بتكثيف مشاعري والتواصل بعمق مع الموسيقى التي أهديها إلى العالم».