هواجس الوجود ما بعد الحرب تقلق مسيحيي سوريا

يشعرون بالغبن ويتخوفون من «تفلت السلاح»... ومستاؤون من تجاهل مسودة الدستور الروسي للغتهم

مواطنون سوريون ينتظرون بينما اعتلى أحدهم دبابة في إحدى مناطق سيطرة المعارضة السورية في درعا أمس (أ.ف.ب)
مواطنون سوريون ينتظرون بينما اعتلى أحدهم دبابة في إحدى مناطق سيطرة المعارضة السورية في درعا أمس (أ.ف.ب)
TT

هواجس الوجود ما بعد الحرب تقلق مسيحيي سوريا

مواطنون سوريون ينتظرون بينما اعتلى أحدهم دبابة في إحدى مناطق سيطرة المعارضة السورية في درعا أمس (أ.ف.ب)
مواطنون سوريون ينتظرون بينما اعتلى أحدهم دبابة في إحدى مناطق سيطرة المعارضة السورية في درعا أمس (أ.ف.ب)

تضاعِف التطورات السياسية والعسكرية المواكبة للأزمة السورية، قلق بعض المسيحيين من وجودهم في البلاد ما بعد الحرب السورية، وذلك على ضوء استبعادهم بوصفهم «مكوّنا مسيحيا» من مفاوضات جنيف المرتقبة، واستبعاد مسودة الدستور المقترح الذي اقترحته موسكو في مؤتمر آستانة للغة السريانية أسوة باللغة الكردية التي يتضمنها الاقتراح. يضاف إلى ذلك، وجود ترسانة عسكرية كبيرة بيد ميليشيا «قوات سوريا الديمقراطية»، ذات الغالبية الكردية، يتخوفون من أن تُستخدم لإجبارهم على أن يكونوا جزءًا من النظام الفيدرالي المقبل في شمال البلاد.
يتراوح تعبير بعض المسيحيين السريان والآشوريين في سوريا عن واقع الأزمة بين وصفين، هما: «الشعور بالغبن» و«الإقصاء». ويقول من يستخدم المصطلح الأخير إن «المسيحيين في هذا الوقت مضطهدون من قبل (داعش) والمعارضة السورية» بالنظر إلى هجرتهم من المناطق التي يسيطر عليها الطرفان، بينما «تشظوا في مجموعات عسكرية تابعة لـ(قوات سوريا الديمقراطية) و(الدفاع الوطني) التابع للنظام» في شمال شرقي سوريا. وهذا، فضلاً عن أن الهجرة التي اختبرها المسيحيون إثر وصول نظام حزب البعث الحاكم إلى سوريا في عام 1963، تتصدر المشهد حتى فترة ما قبل اندلاع الأزمة السورية في عام 2011، مع أن النظام في هذا الوقت «يسعى لإظهار حرصه على وجود المسيحيين والمتاجرة بوجودهم في الأروقة الدولية».
مدير «الشبكة الآشورية لحقوق الإنسان» جميل دياربكرلي قال في تصريح لـ«الشرق الأوسط» إن «الأطراف المسلحة التي تمتلك القوة تفرض قضيتها في المحافل الدولية»، في إشارة إلى ميليشيا «وحدات حماية الشعب» الكردية. وأشار إلى أن الكتائب المسلحة السريانية الموجودة في شمال البلاد «لا تخدم قضيتنا بصفتنا وجودا مسيحيا في الشرق الأوسط؛ كونها تُدار من قبل الإدارات التي تمولها، سواء ميليشيا (قوات سوريا الديمقراطية) التي ستستفيد منها لخدمة مشروع الإدارة الذاتية، أو ميليشيا (قوات الدفاع الوطني) التي تطبق أجندات النظام السوري».
وتابع دياربكرلي «بعد انتهاء الحرب، سيكون لدينا مشكلة تتمثل في انفلات السلاح، وهي مشكلة سيعاني منها الجميع»، معربًا عن مخاوفه من أن تُستخدم القوة والسلاح فيما بعد لضم السريان والآشوريين إلى الإدارة الذاتية ومنطقة الحكم الذاتي (الكردية)؛ «كونه مشروعا تطرحه فئة واحدة، وليس مشروعًا ضمن إطار وطني جامع، علما بأننا لا نعارض الفيدرالية في حال لم تكن فئوية»، معتبرًا أن مشروعًا مشابهًا «يُطرح بشكل أحادي لن يمثل المسيحيين العرب».
مشكلة السلاح نفسها، يطرحها هؤلاء المسيحيون في شمال سوريا على شكل أسئلة. ويقول سليمان اليوسف، الباحث في قضية الآشوريين في سوريا، إن الأسئلة المقلقة الآن «تتمثل في السؤال عن مصير السلاح الذي تحمله قوات سوريا الديمقراطية بعد دحر (داعش)»، مشيرًا في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» إلى أن هذه الهواجس «تنطلق من أننا نتعاطى مع قوى سنعيش معها، وليست قوى عسكرية بعيدة عنا، وهو سؤال يتشاركه معظم المسيحيين في شمال البلاد». ومن ثم أعرب اليوسف عن قلقه أيضًا «من تفجر صراع عرقي عربي – كردي بعد نهاية الحرب في تلك المنطقة».
غير أن هذه المخاوف من السلاح الكردي اعتبرها إبراهيم إبراهيم، مدير المركز الإعلامي باسم «حزب الاتحاد الديمقراطي» الكردي في أوروبا «نتيجة ثقافة زرعها حزب البعث، فأفقد ثقة السوريين ببعضهم». وادعى أن الهواجس غير مبررة؛ كون «الزمن تغير والإدارة الذاتية ليست من المنظومات السياسية التي تهدد أو تلغي أي أحد» على حد قوله. وتابع: «إن الإدارة الذاتية تضمن حقوق الجميع، ولن تسمح لأي قوة أن تتعدى على حقوق السريان أو الآشوريين أو أي شخص آخر».
وقال إبراهيم لـ«الشرق الأوسط» في سياق دفاعه: إن ميليشيا «قوات سوريا الديمقراطية» تضم كتائب سريانية إلى جانب المكونات العربي والعشائري والكردي والتركماني، مشددًا على أن «النظام الديمقراطي الذي نسعى له في سوريا، سيبدد كل تلك الهواجس؛ لأن كل المكونات ستأخذ حقها، وستضمن حماية الجميع وبقاءهم».
واستطرد المتحدث الكردي، إن الإدارة الذاتية «يشارك فيها الأكراد والعرب، عبر الرئاسة المشتركة»، مدعيًا أن المسيحيين «جزء أساسي من مكونات شمال سوريا، ومشاركون فيه، ويحظون بالحماية، بدليل المعارك التي خاضتها (قوات سوريا الديمقراطية) وبينها الكتائب السريانية والعربية للدفاع عن منطقة حوض الخابور (بريف الحسكة) حين هاجمها (داعش)، وصولاً إلى تحريرها وبسط الأمان في المنطقة».
غير أن مسيحيي شمال شرقي سوريا لا يرون أن القوانين والممارسات الحالية في شمال سوريا تبعث على الطمأنينة، في إشارة إلى «فرض السيطرة على المدارس ووضع اليد على أملاك المهاجرين وسوق الشباب للخدمة الإلزامية، وهو مشروع غير شرعي؛ لأنه غير متفق عليه»، بحسب ما يقول دياربكرلي. وهو ما يرد عليه إبراهيم، بالقول: إنها قوانين «أجبر الجميع على اتخاذها في ظل أننا في مرحلة حرب، وتقتضي من كل المكونات الدفاع عن المنطقة، لكنها ستتغير القوانين فور تطبيق الأمان في المنطقة وطرد الإرهاب».
بيد أن المخاوف المسيحية في شمال شرقي سوريا، تتعدى قضية «تفلت السلاح» والهواجس من «فيدرالية شمال سوريا»؛ إذ عكست مسودة الدستور المقترح من قبل روسيا في آستانة يومي 23 و24 يناير (كانون الثاني) الماضي مشاعر التهميش. وأوضح دياربكرلي، أن التحفظ الآشوري عن مسودة الدستور «كوننا نرفض منطق الوصاية من الخارج، فضلاً عن أنه يركّز على العرب والأكراد ويستبعد السريان الذين يعتبرون مكونًا قوميًا آخر يشكل أساس اللغة السورية، ولم يتحدث عن الثقافة السريانية؛ ما يعني أن هناك تهميشًا للمكون»، ثم لفت إلى أن الآشوريين «هم مسمى قومي وليس كنسيًا طائفيًا»، مذكرًا بأن مسيحيي سوريا «اشتركوا في تأسيس الدولة بشكل فاعل، وتستحق لغتهم وتراثهم الحفاظ عليه». من ناحية أخرى، يسكن المسيحيون في هذا الوقت هاجس الهجرة. ويقول دياربكرلي «المسيحيون لم يهاجروا لأنهم فقدوا الأمان فحسب، بل مورست ضدهم سياسات عنصرية، وهي الممارسات من قبل المعارضة و(داعش) والنظام الأكراد»، مشددًا على أن المسيحيين «يعانون الاضطهاد، ولا يشكلون مركز اهتمام بالنسبة للدول الغربية التي تداعت لدعم الأكراد، من غير دعم المسيحيين بصفتهم مكوّنا، إذا ما قورن الواقع باستجابة الغرب للأكراد في عين العرب (كوباني) حين حاول (داعش) احتلالها»، مضيفا: «في مستقبل سوريا، لا أتوقع أن يكون للمسيحيين مكان؛ كونه لا وجود ضمانات للأقليات في سوريا».
هذه النقطة، لا يوافق عليها سليمان اليوسف؛ إذ يرى «ثمة نزيفا دائما، وساهم اهتزاز الاستقرار في تسريع وتيرة هجرة المسيحيين، لكن الهجرة الكلية أمر مبالغ فيه، بالنظر إلى أن هناك أشخاصًا يصرون على البقاء رغم الظروف، ليس لأسباب مسيحية، بل لأسباب وطنية». ويشير اليوسف إلى أن الآشوريين يهمهم «المشاركة في مباحثات جنيف بصفتهم مكوّنا، علما بأن هناك ممثلاً عنا ضمن وفد المعارضة السورية إلى محادثات السلام». ويلفت إلى أن المسيحيين «يستاءون من التفاهمات التي تحصل من غير لحظ خصوصية المسيحيين والآشوريين؛ وهو ما ولد شعورًا بالغبن»، مطالبًا باعتراف دستوري «يخطو خطوات باتجاه حماية اللغة والاهتمام بها كونها جزءا من التراث الوطني». واختتم قائلا: «نحن خائفون من ألا تكون لنا مشاركة حقيقية وفاعلة في سوريا المستقبل. نحن نرفض أن نكون ديكورًا في التشكيلات السياسية، ونطالب بمشاركة فاعلة على الأرض».



مصر وسوريا تعززان تقاربهما من بوابة إعادة الإعمار والتعاون الاقتصادي

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي مع نظيره السوري أسعد الشيباني خلال لقاء بنيويورك في سبتمبر الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي مع نظيره السوري أسعد الشيباني خلال لقاء بنيويورك في سبتمبر الماضي (الخارجية المصرية)
TT

مصر وسوريا تعززان تقاربهما من بوابة إعادة الإعمار والتعاون الاقتصادي

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي مع نظيره السوري أسعد الشيباني خلال لقاء بنيويورك في سبتمبر الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي مع نظيره السوري أسعد الشيباني خلال لقاء بنيويورك في سبتمبر الماضي (الخارجية المصرية)

تسعى مصر وسوريا إلى البناء على خطوات التقارب بينهما، وذلك بتعزيز التعاون الثنائي، وتوسيع الشراكات الاقتصادية والتجارية بينهما، وذلك بعد زيارات ولقاءات على مستويات مختلفة جرت خلال الأسابيع الماضية.

وأكد وزير الخارجية المصري، بدر عبد العاطي «حرص بلاده للمساهمة الفاعلة في دعم جهود إعادة الإعمار في سوريا»، وأشار خلال اتصال هاتفي مع نظيره السوري، أسعد الشيباني، إلى «أهمية البناء على نتائج الزيارة التي قام بها الوفد الاقتصادي المصري إلى دمشق قبل عدة أسابيع، ومتابعة تنفيذ مخرجاتها بما يحقق مصالح البلدين»، وفق بيان لـ«الخارجية» المصرية الخميس.

واستضافت دمشق في شهر يناير (كانون الثاني) الماضي، أول «ملتقى اقتصادي واستثماري» مصري - سوري، بمشاركة 26 من قيادت الغرف التجارية المصرية والمال والأعمال، بهدف بناء شراكات فاعلة بين الغرف التجارية للبلدين، واستكشاف آفاق التعاون في مجالات التجارة والصناعة والخدمات والبنية التحتية وإعادة الإعمار.

وقال اتحاد الغرف التجارية بمصر، وقتها، إن «الملتقى يهدف إلى خلق تحالفات سورية مصرية أوروبية، من خلال اتحاد غرف البحر الأبيض وتنمية الصادرات السورية إلى أفريقيا من خلال اتحاد الغرف الأفريقية».

وناقش وزير الخارجية المصري، مع نظيره السوري، «سبل دفع وتطوير العلاقات في مختلف المجالات، لا سيما على الصعيدين الاقتصادي والتجاري»، حسب الخارجية المصرية.

وبموازاة ذلك، بحث وزير الاقتصاد والصناعة نضال الشعار، مع القائم بأعمال السفير المصري في دمشق السفير أسامة خضر، الأربعاء، «سبل تطوير العلاقات والشراكات الاقتصادية»، وحسب وكالة الأنباء السورية، «تناول الطرفان فرص توسيع الشراكات الاقتصادية، وتعزيز التبادل التجاري»، إلى جانب «تطوير التعاون في مختلف القطاعات».

وأكد الشعار «أهمية تعزيز العلاقات الاقتصادية بين سوريا ومصر، والعمل على تفعيل مجالات التعاون بما يخدم المصالح المشتركة، ويدعم حركة الأسواق بين البلدين».

الملتقى الاقتصادي السوري - المصري بدمشق خلال شهر يناير الماضي (اتحاد الغرف التجارية بمصر)

ويرى مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير يوسف الشرقاوي، أن «التقارب المصري السوري تحكمه جوانب اقتصادية بالأساس خلال الفترة الحالية»، وأشار إلى أن «هناك اتفاقيات تجارية بين البلدين في حاجة إلى التفعيل من أجل تعزيز التعاون»، وأكد على أن «القاهرة لم تتوقف عن دعم دمشق سياسياً واقتصادياً».

وأضاف في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، أن «التعاون الاقتصادي يشكل نافذة لدعم التقارب بين مصر وسوريا، وتحسين التفاهم السياسي»، وقال إن «الأوضاع في المنطقة العربية تفرض التواصل والتنسيق المستمر مع جميع الأطراف»، مشيراً إلى أن «القاهرة حريصة على دعم استقرار وسيادة سوريا ودول الجوار لها، خصوصاً لبنان».

وحسب بيان «الخارجية» المصرية، تناول اتصال عبد العاطي والشيباني، الأوضاع بالغة الخطورة بسبب التصعيد العسكري الذي تشهده المنطقة، وأشار وزير الخارجية المصري، إلى «الجهود المصرية والإقليمية المبذولة لاحتواء التوتر وخفض التصعيد المتعلق بالتطورات الأخيرة المرتبطة بإيران».

وهناك تقدم في التعاون الاقتصادي والتجاري بين مصر وسوريا، وفق رئيس الغرف التجارية بالقاهرة، أيمن العشري، منوهاً بأن «الحكومة السورية تقدم تسهيلات كثيرة للمستثمرين المصريين».

وأشار العشري - كان ضمن الوفد التجاري الذي زار دمشق في يناير الماضي - في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن «الغرف التجارية السورية بدأت في استيراد منتجات مصرية، خصوصاً في مواد البناء»، وقال إن «هناك تعويلاً من الجانب السوري على الخبرات والشركات المصرية في جهود إعادة الإعمار». وأشار إلى أن «هناك طلباً على المنتجات الغذائية المصرية، وتعمل الغرف التجارية على تلبية احتياجات السوق السورية».

مصر وسوريا نحو البناء على خطوات التقارب عبر تعزيز التعاون الاقتصادي وتطوير العلاقات (اتحاد الغرف التجارية بمصر)

وكان الرئيس السوري أحمد الشرع التقى وفد رجال الأعمال المصريين خلال زيارتهم إلى دمشق في يناير الماضي، وتحدث بإيجابية عن العلاقات المصرية السورية، ووجه الشكر للقاهرة «على الاستقبال الحافل للاجئين السوريين خلال فترة الحرب»، وقال إن «هذا ليس غريباً على طباع إخوتنا المصريين».

وفي ذلك الحين، وجّه الشرع دعوة إلى مجتمع الأعمال والشركات المصرية للانخراط في مشاريع إعادة إعمار سوريا، وفي قطاعات اقتصادية أخرى مثل الزراعة والطاقة.

وأكد الرئيس السوري في ذلك الحين، أن الشركات المصرية هي «الأولى للمساهمة في إعادة إعمار سوريا»، عادّاً أن سوريا تحتاج «إلى الاستفادة من الخبرات الكبيرة والعظيمة الموجودة داخل مصر، حتى تعود إلى مواكبة التطور الذي حصل خلال السنوات الماضية، لأن سوريا كانت غائبة قليلاً عن مشهد التطور والنمو الاقتصادي بسبب الحرب».

وقدّر «البنك الدولي» تكلفة إعادة الإعمار في سوريا بنحو 216 مليار دولار، وتشمل التكلفة التقديرية 75 مليار دولار للمباني السكنية، و59 مليار دولار للمنشآت غير السكنية، و82 مليار دولار للبنية التحتية.


قلق يمني من صدمات اقتصادية بسبب الحرب الإقليمية

مخاوف يمنية من أن يؤدي استهداف منشآت الطاقة في الخليج إلى أزمات وقود ترفع تكلفة الاستيراد (رويترز)
مخاوف يمنية من أن يؤدي استهداف منشآت الطاقة في الخليج إلى أزمات وقود ترفع تكلفة الاستيراد (رويترز)
TT

قلق يمني من صدمات اقتصادية بسبب الحرب الإقليمية

مخاوف يمنية من أن يؤدي استهداف منشآت الطاقة في الخليج إلى أزمات وقود ترفع تكلفة الاستيراد (رويترز)
مخاوف يمنية من أن يؤدي استهداف منشآت الطاقة في الخليج إلى أزمات وقود ترفع تكلفة الاستيراد (رويترز)

على الرغم من استقرار أسعار كثير من السلع الأساسية، فإن اليمنيين يترقبون بقلق بالغ تأثيرات خطرة جراء التطوراتِ العسكرية في المنطقة، واستهدافِ مصادر الطاقة وخطوط نقلها، وانعكاس ذلك على اقتصاد بلدهم الذي يعاني الهشاشة، ويعدّ الأكبر اعتماداً على الواردات والأقل قدرة على امتصاص الصدمات.

ومثلما يهدد استهداف منشآت الطاقة وخطوط نقلها ضمن العمليات العسكرية المتبادلة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من الجهة الأخرى، الاقتصاد العالمي بمزيد من الأزمات، فإن اليمن يقع في مركز دائرة الخطر؛ حيث تسود مخاوف واسعة من تضخم فاتورة الاستيراد، وتوسع حجم الفجوة المالية التي تؤرق السلطات والسكان.

ويستورد اليمن نحو 90 في المائة من غذائه؛ مما يرجح احتمال تأثر القدرة الشرائية للسكان بسرعة بأي اضطراب في أسواق الطاقة أو طرق التجارة الدولية.

واشتكى أمين مهيم، وهو مهندس نظم معلومات، من ارتفاع أسعار كثير من السلع، التي تُستهلك بوصفها هدايا في المناسبات، خلال الأيام الماضية، رغم انقضاء إجازة العيد، وهو الذي توجه إلى الأسواق، أخيراً، مفترضاَ انخفاض أسعارها.

الجزء الأكبر من غذاء اليمنيين يأتي عبر الاستيراد مما يجعل البلد عرضة لتأثر النقل بالحرب (أ.ف.ب)

وبين مهيم لـ«الشرق الأوسط» أنه اضطر إلى السفر إلى قريته بمحافظة لحج بعد عيد الفطر؛ بسبب ارتباطاته المهنية خلال الإجازة، وحين عرج على الأسواق لشراء هدايا وأغذية غير أساسية، مثل الزبيب والمكسرات، ليحملها إلى أقاربه، فوجئ بفوارق سعرية كبيرة عمّا كانت عليه قبيل العيد، وسط تبريرات الباعة بأن الحرب فرضت تكاليف نقل كبيرة على الاستيراد.

وبينما يبدي عشرات التجار والمستوردين وسائقي النقل مخاوفهم من عدم القدرة على السيطرة على الأسعار خلال الأسابيع المقبلة، أكد مصدر مسؤول في وزارة النقل أن جميع المعنيين بنقل وتوريد السلع أُبلغوا بعدم زيادة الرسوم الخاصة بما تُسمى «مخاطر الحرب»؛ «لأن اليمن لم يتأثر، حتى الآن، بشكل مباشر بالعمليات العسكرية الدائرة في المنطقة».

بوادر غلاء

المصدر الحكومي، الذي فضل التحفظ على هويته؛ لعدم امتلاكه صلاحية الحديث لوسائل الإعلام، أوضح أن السلع الأساسية المتوجهة إلى اليمن «لم تتأثر إلا بشكل محدود بسبب عدم مرورها بطرق التجارة التي تقع ضمن دائرة الحرب، على عكس سلع أخرى توقفت في موانئ خليجية، مثل الملابس والأجهزة الإلكترونية».

متطلبات المعيشة في اليمن تتأثر بقوة جراء أي أزمة في الوقود (رويترز)

إلا إنه رفض التعليق بشأن إمكانية أن يَظهر تأثير كبير أو خطير في الفترة المقبلة، مطالباً بعدم إثارة فزع السكان.

ولم تشهد أسعار الوقود أي زيادة في اليمن، إلا إن الشركات التجارية وشركات النقل تتذرع بارتفاع تكلفة النقل الخارجي والتأمين البحري بفعل تهديدات الملاحة العالمية وارتفاع أسعار الوقود؛ بسبب استهداف منشآت الطاقة في دول الخليج وإغلاق إيران مضيق هرمز.

ويقول عاملون في قطاع النقل البحري إن شركات الشحن تفرض عادة رسوماً إضافية تُعرف بـ«رسوم مخاطر الحرب» عندما ترتفع التوترات في الممرات البحرية القريبة من مناطق الصراع.

ويرتبط الموقع الجغرافي لليمن مباشرة بالتوترات التي تطول الملاحة البحرية في المنطقة، بالنظر إلى الإطلالة على مضيق باب المندب؛ أحد أهم الممرات البحرية في العالم، الذي تمرّ نسبة مهمة من تجارة الطاقة العالمية عبره، حيث يؤثر سريعاً أيُّ تصاعد في المخاطر الأمنية بالبحر الأحمر على تكاليف الشحن والتأمين على السفن المتجهة إلى الموانئ اليمنية.

التطورات العسكرية الإقليمية تهدد الإصلاحات الحكومية اليمنية لدعم استقرار العملة المحلية (أ.ف.ب)

ويدعو يوسف سعيد أحمد، أستاذ الاقتصاد في جامعة عدن، إلى مواصلة دعم وتعضيد السياسات الاحترازية التي يتبعها «البنك المركزي»، والتي من شأنها الوقاية من الآثار المباشرة للحرب الدائرة في المنطقة على الاقتصاد اليمني.

وحذر في حديثه لـ«الشرق الأوسط» من انعكاس التطورات الاقتصادية للحرب الحالية على حجم الموارد الخارجية، وتأثر أسعار الصرف سلباً، «خصوصاً أن الحرب ما زالت مستمرة، واليمن مرتبط بالاقتصاد الخليجي، خصوصاً السعودي، سواء أكان من جهة الدعم أم تحويلات المغتربين، وهما متغيران من المحتمل أن يتركا آثارهما على البلاد».

اختلال الميزان التجاري

يبدي كثير من المسؤولين الحكوميين والسكان والتجار اليمنيين قلقاً من احتمالية ظهور سوق سوداء للوقود في حال تأخر وصول شحنات النفط إلى الموانئ اليمنية، أو تأثرت البلاد بارتفاع أسعاره عالمياً، هذا إلى جانب احتمال ارتفاع أسعاره محلياً في أي وقت.

الأسواق اليمنية شهدت ارتفاع أسعار بعض السلع بحجة ازدياد تكلفة النقل البحري (أ.ف.ب)

ويتوقع فارس النجار، المستشار الاقتصادي في مكتب الرئاسة اليمنية، أن تؤدي أي صدمة خارجية، مثل ارتفاع أسعار الطاقة أو اضطراب سلاسل الإمداد، إلى تأثيرات مضاعفة، «فزيادة بنسبة ما بين 10 و12 في المائة ستضيف في فاتورة الاستيراد ما بين 1.5 و1.8 مليار دولار سنوياً».

ويشير إلى أن قيمة الواردات اليمنية خلال العام ما قبل الماضي «بلغت نحو 15.5 مليار دولار، مقابل صادرات لم تتجاوز ملياراً؛ مما يعكس اختلالاً واضحاً في الميزان التجاري واعتماداً كبيراً على التحويلات والمنح لتغطية فجوة تمويلية ضخمة».

إلا إنه يتفاءل بالتجربة الأخيرة لإدارة السياسات الاقتصادية التي يمكن أن تحد من حدة الصدمات، «بعد أن أدت إجراءات (البنك المركزي)، وتنظيم الاستيراد، إلى استقرار سعر الصرف وتحسين الإيرادات غير النفطية للحكومة بنحو 50 في المائة، وإن كان تحسناً هشاً بسبب غياب الموارد السيادية».

اقتصاد اليمن يفتقر إلى أهم موارده وهو إيرادات النفط الذي استهدف الحوثيون منشآت تصديره (رويترز)

ومنذ سنوات أدى توقف صادرات النفط، بفعل اعتداءات الجماعة الحوثية، إلى حرمان الحكومة من أهم مصدر للإيرادات، وتتضاعف تكلفة هذا التوقف حالياً بسبب ارتفاع أسعار الوقود عالمياً.

ويقدر خبراء مطلعون على السجلات الرسمية أن نحو 70 في المائة من إيرادات الحكومة كانت تأتي من النفط، في وقت يعاني فيه نحو 22 مليون يمني من انعدام الأمن الغذائي، وفق تقديرات أممية؛ مما يجعل أي ارتفاع جديد في أسعار الوقود أو الغذاء عبئاً إضافياً على ملايين الأسر.


تصعيد حوثي في البيضاء واعتقالات عقب كمين قبلي

الحوثيون داهموا القرى في محافظة البيضاء واعتقلوا عشرات المدنيين (رويترز)
الحوثيون داهموا القرى في محافظة البيضاء واعتقلوا عشرات المدنيين (رويترز)
TT

تصعيد حوثي في البيضاء واعتقالات عقب كمين قبلي

الحوثيون داهموا القرى في محافظة البيضاء واعتقلوا عشرات المدنيين (رويترز)
الحوثيون داهموا القرى في محافظة البيضاء واعتقلوا عشرات المدنيين (رويترز)

شنّت الجماعة الحوثية حملة اعتقالات واسعة شملت عشرات المدنيين في محافظة البيضاء (جنوب شرقي صنعاء) عقب مقتل عشرة من عناصرها في كمين استهدف إحدى دورياتها، في تطور يعكس تصاعد المواجهة مع أبناء القبائل في مناطق سيطرتها.

جاء ذلك بالتوازي مع إعلان القوات اليمنية الحكومية إحباط تهريب شحنة أسلحة وطائرات مسيّرة في محافظة حضرموت كانت متجهة إلى مناطق سيطرة الجماعة الحوثية.

وأفادت مصادر محلية في البيضاء لـ«الشرق الأوسط» بأن أبناء القبائل في منطقتي المناسح وحمة صرار، التابعتين لمديرية «ولد ربيع»، نفذوا هجوماً استهدف دورية أمنية حوثية على الطريق الرئيسي، كانت تقل عشرة من عناصر الجماعة، بينهم مشرفون ميدانيون، ما أدى إلى مقتلهم جميعاً.

وحسب المصادر، جرى تنفيذ العملية باستخدام عبوات ناسفة، بعد رصد دقيق لتحركات الدورية، في سياق حالة احتقان متصاعدة تشهدها المديرية، نتيجة ما يصفه السكان بانتهاكات متكررة تشمل الاعتداء على الممتلكات والمزارع، والتضييق على الأنشطة الدينية، في إطار محاولات فرض توجهات فكرية ومذهبية.

كمية من الأسلحة صادرتها قوات درع الوطن في وادي حضرموت (إعلام عسكري)

وفي أعقاب الهجوم، دفعت الجماعة الحوثية بتعزيزات عسكرية كبيرة إلى مديرية ولد ربيع، ضمت عشرات العربات والمسلحين، ونفذت حملة مداهمات واسعة في قرى المناسح وحمة صرار وسيلة الجراح، أسفرت عن اعتقال عشرات المدنيين، بذريعة البحث عن المتورطين في الكمين.

وقال مدير مديرية رداع المعين من الحكومة الشرعية، منيف الذهب، إن المعتقلين جرى اقتيادهم إلى مركز قضاء رداع، حيث انضموا إلى محتجزين آخرين من أبناء المنطقة، كانوا قد اعتُقلوا في حملات سابقة على خلفية حوادث مشابهة، ما يعزز مخاوف السكان من تصاعد سياسة العقاب الجماعي.

إحباط تهريب أسلحة

بالتزامن مع هذه التطورات، أعلنت قوات الطوارئ اليمنية إحباط محاولة تهريب شحنة أسلحة وطائرات مسيّرة كانت في طريقها إلى الجماعة الحوثية، في عملية نوعية نُفذت بمحافظة حضرموت.

وذكر المركز الإعلامي للفرقة الأولى أن الشحنة ضُبطت داخل شاحنة نقل كبيرة كانت محمّلة بسلال من الخضراوات، حيث أخفيت الأسلحة والذخائر والطائرات المسيّرة بإحكام أسفل الحمولة، في محاولة للتمويه وتفادي نقاط التفتيش.

وأوضح أن العملية أسفرت عن ضبط السائق والتحفظ على المضبوطات، تمهيداً لإحالتهما إلى الجهات المختصة لاستكمال الإجراءات القانونية، مشيراً إلى أن هذه العملية تعكس مستوى متقدماً من الجاهزية الأمنية والقدرة على تفكيك شبكات التهريب.

وتأتي هذه الضبطية ضمن سلسلة إجراءات تهدف إلى قطع خطوط الإمداد العسكري للجماعة الحوثية، التي تعتمد، وفق تقديرات حكومية، على شبكات تهريب معقدة لإيصال الأسلحة النوعية، بما في ذلك الطائرات المسيّرة، إلى مناطق سيطرتها.

هيكلة الأمن في عدن

في سياق موازٍ، تكثف الحكومة اليمنية جهودها لإعادة تنظيم المنظومة الأمنية في المناطق المحررة، حيث عقدت اللجنة المكلفة بهيكلة ودمج التشكيلات الأمنية اجتماعاً مشتركاً مع قيادة أمن عدن، بحضور قيادات بارزة من وزارة الداخلية والمؤسسات العسكرية.

وناقش الاجتماع احتياجات شرطة عدن من الموارد البشرية والآليات، إلى جانب آليات دمج التشكيلات الأمنية التي لا تزال خارج إطار الوزارة، بما يسهم في توحيد القرار الأمني وتحديد الاختصاصات بشكل واضح.

لجنة دمج وهيكلة الوحدات الأمنية تلتقي قيادة أمن عدن (الإعلام الأمني)

وأكد المشاركون أن هذه الخطوة تمثل مساراً استراتيجياً لبناء جهاز أمني متكامل، قادر على مواجهة التحديات الأمنية وتعزيز الاستقرار، خصوصاً في ظل التهديدات المستمرة التي تواجهها البلاد.

كما شددوا على أهمية رفع مستوى التنسيق بين مختلف الوحدات، والعمل بروح الفريق الواحد، بما يعزز كفاءة الأداء الأمني، ويعيد ثقة المواطنين بمؤسسات الدولة.

ويرى مراقبون أن نجاح جهود الدمج والهيكلة يمثل عنصراً حاسماً في تثبيت الاستقرار في المدن المحررة، ومنع أي اختلالات أمنية قد تستغلها الجماعات المسلحة أو الشبكات الإجرامية.