أسبوع الموضة الرجالي في لندن خسر «بيربري» وكسب فيفيان ويستوود

مستقبله يتأرجح ما بين مخاوف «البريكست» والتفاؤل بإقبال الرجل على الموضة

من عرض دار «يو ماست كريايت»  -  من اقتراحات كريغ غرين
من عرض دار «يو ماست كريايت» - من اقتراحات كريغ غرين
TT

أسبوع الموضة الرجالي في لندن خسر «بيربري» وكسب فيفيان ويستوود

من عرض دار «يو ماست كريايت»  -  من اقتراحات كريغ غرين
من عرض دار «يو ماست كريايت» - من اقتراحات كريغ غرين

في يوم الجمعة الماضي، بدا عنوان «180 ذي ستراند» بلندن، مقر أسبوع الموضة البريطاني الجديد، كئيبا وباردا من الخارج. فالجو كان رماديا قاتما والطقس ليس في صالح من وصلوا المكان قبل العاشرة صباحًا، موعد افتتاح الأسبوع الرجالي لخريف وشتاء 2017. لحسن الحظ أن الإحساس تغير بعد دخول المبنى رغم معماره الوظيفي والصناعي، لأن وجود عمدة لندن، صادق خان فيه لافتتاحه أعطاه قوة كان في أمسّ الحاجة إليها بعد انسحاب أسماء كبيرة كانت تضخه بالبريق والأهمية، مثل «بيربري» وتوم فورد و«كوتش» الأميركية. فالأزمة الاقتصادية ثم تغير ثقافة الموضة، بدمج العروض النسائية والرجالية مع بعض، أصابت الأسبوع بوعكة ملموسة. ففي السنوات الأخيرة لاحظنا تفاؤلا متزايدا بمستقبل القطاع الرجالي تجسد في إطلاق عدد من مجلات الموضة الرجالية ومستحضرات تجميل خاصة بالجنس الخشن فضلا عن ولادة أسابيع موضة جديدة في عواصم عالمية على رأسها لندن ونيويورك. لكن اكتشف الجميع أخيرًا بأنهم اندفعوا في هذا التفاؤل، وبدأت الظروف الحالية تُحتم عليهم فرملة حماسهم.
الطريف أن عمدة لندن صادق خان لم يُعبر عن هذا الأمر لا من بعيد ولا من قريب، وكان خطابه حماسيا لم يبخل فيه بالمديح لا على قطاع الموضة ولا على منظمة الموضة البريطانية، إلى حد أنه بالغ بالقول إن الأسبوع اللندني سحب السجاد من كل من «ميلانو» و«باريس»، الأقدمين تاريخًا. ما كان محقًا فيه أن لندن لا تزال مهد الإبداع وتفريخ المواهب الصاعدة والواعدة بلا منازع، وهو ما أكدته العروض طوال الأسبوع. فهذا واقع لم تؤثر عليه لا الأزمة ولا خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي لحد الآن. والنتيجة أن قوة الموضة من الناحية الاقتصادية لم تضعف بعد، حسب قول صادق خان: «فهي لا تزال صناعة توظف 800 ألف شخص في بريطانيا، وهو أكبر رقم من بين كل المجالات الإبداعية، كما تصب ما لا يقل عن 28 مليار جنيه إسترليني في خزينة الاقتصاد البريطاني»، مُعربًا عن سعادته بدعمه المادي للمصممين الشباب.
بدوره أكد ديلان جونز، الرئيس التنفيذي للأسبوع الرجالي ورئيس تحرير مجلة «جي كيو» على أهمية لندن في مجال الموضة، لافتًا الانتباه إلى أن تناقضاتها، بين المتمرد والكلاسيكي، هي التي تعطيها نكهتها الخاصة وتميزها عن غيرها مشيرًا: «لهذا ليس غريبا أن تكتسب قوة أكبر كمركز للإبداع في الستة أشهر الأخيرة».
المتابع لأسابيع الموضة بلندن يعرف أنه على حق، فتفردها يتلخص فعلاً في تناقضاتها، أو بالأحرى احتضانها لكل الأساليب والمواهب على اختلاف جنسياتهم وثقافاتهم وأعمارهم. فإلى جانب عراقتها في التفصيل الرجالي، وهو ما يشهد عليه شارعها العريق «سافيل رو» الذي يتمركز فيه أهم خياطي العالم، هناك جنوح نحو الفني يخض التابوهات والتقاليد وتشجع عليه معاهدها الشهيرة.
صحيح أن هذا الجنوح بدأ يخضع لمتطلبات السوق والتسويق في السنوات الأخيرة، إلا أنه لم يصل إلى حد تكبيل خيالهم ولا الحد من غرفهم من ثقافة الشارع. ثقافة طبعها هذا الموسم الأسلوب «السبور» الذي كان عنوانا لكثير من العروض، وكان واضحًا أنه يتوجه لشرائح الشباب بكل لغات العالم. أما احترام التقاليد فلم يظهر في البدلات والمعاطف المفصلة فحسب، بل أيضًا في إعادة إحياء بيوت أزياء قديمة مثل «برايفت وايت في سي» من قبل رجل الأعمال نيك آشلي، ودار «إي توتز» من قبل باتريك غرانت، إضافة إلى استثمار كثير من المصممين الآخرين في معامل بريطانية على أمل الإبقاء على صناعة الموضة البريطانية منتعشة، ربما استباقا لخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي بعد تفعيل البند 50.
في خطابه الافتتاحي، لم يغفل صادق خان الإشارة إلى خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، وهو ما كانت له دلالاته، لأن معظم صناع الموضة، 90 في المائة من بين 290 منهم، كانوا مع البقاء، وأعربوا دون تحفظ عن رفضهم وخوفهم من تأثيرات «بريكست» السلبية على صناعة الموضة. صادق خان كان معهم طوال الحملة، لكنه، مثل الجميع، أذعن لنتيجة الاستفتاء قائلا لـ«رويترز»: «علينا أن نلتزم بالنتائج ونعمل على ضمان أن يصب خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي في مصلحة قطاع الموضة ومصلحة بلدنا أيضًا». لكن هذا لا يمنع أن التخوفات من المستقبل القريب لا تزال قائمة، فشهر العسل كان قصيرا بالنسبة للأسبوع الرجالي تحديدًا. فقد كان من المتوقع أن ينمو هذا القطاع بنحو 22.5 في المائة ما بين عامي 2015 و2020 ليصل إلى 17.3 مليار جنيه إسترليني حسب دراسة قامت بها شركة «مينتل» لأبحاث السوق في عام 2016. وحسب شركة «يورو مونيتور» كان من المتوقع أن تصل مبيعات المنتجات الرجالية إلى 480 مليار دولار، أي ما يعادل 325 مليار جنيه إسترليني، بحلول عام 2019 مقارنة بـ40 مليار دولار (ما يعادل 27 مليار جنيه إسترليني) في عام 2014. فهل يا ترى ستتغير هذه الأرقام بعد «بريكست»؟!
سؤال ستجيب عنه الأيام وإن كان المُطمئن في المشهد أن الرجل الشاب أدمن على الموضة بشكل لا رجعة فيه، وبالتالي فإن المبيعات لن تتأثر كثيرًا، وهو ما تشير إليه العروض بجرأة ألوانها وتصاميمها منذ يوم الجمعة إلى يوم الاثنين الماضيين. اليوم الأخير كان يوما حافلا بالمعاناة والمتعة. المعاناة بسبب إضراب سائقي القطارات بلندن الذي عرقل حركة السير وجعل التنقل من مكان إلى آخر وسط البلد أصعب وأطول من السفر إلى بلد أوروبي جوا. أما المتعة فندين بها للمشاركة الأولى للمخضرمة فيفيان ويستوود منذ عام 1982 التي أكدت فيها أن السنوات لم تنل من روحها الشابة والمتمردة شيئا.
افتتحت الأسبوع ماركة «توبمان ديزاين» بروح رياضية. فقد عادت بنا إلى حقبة التسعينات من خلال مجموعة من السترات الرياضية الواسعة التي تحمل شعارات حماسية طريفة، إضافة إلى تفاصيل تشمل أهدابا وشراشيب زينت حواشي سترات بألوان النيون، تم تنسيقها مع بنطلونات جينز واسعة. حقبة التسعينات ظهرت أيضًا في عرض بوبلي أبلي، وهو مصمم له قدرة عجيبة على مزج تصاميم حداثية عصرية بنقشات مرحة رسمها هذه المرة بألوان أكثر توهجا وجرأة. أما الأسلوب الـ«سبور» المستقى من ثقافة الشارع اللندني، الذي ظهر في عدة عروض، فأخذ بُعدًا مختلفًا في عرض كريستوفر شانون. سترات الجينز مثلاً اتسعت، كذلك البنطلونات، فيما وصفه المصمم بالموضة الديمقراطية التي تحاول احتضان الكل، مشيرًا إلى أنها «للكل لكن مع لمسة مشاكسة». ما يشفع لها مشاكستها أنها تتمتع أيضًا بجانب تجاري يناسب أرض الواقع ليس في بريطانيا وحدها بل في كل أنحاء أوروبا، حتى بعد «بريكست».
الحنين إلى أسلوب التسعينات وحياتها الليلية وموسيقاها، ظهر أيضًا في عروض أستريد أندرسون، كوتوايلر وغريغ غرين وغيرهم.
في المقابل، اختار المصمم الصيني الأصل زاندر زو التوجه إلى المستقبل عوض الماضي، وأرسل مجموعة مستوحاة من ملابس العسكر وكأنه يُحضرنا لدخول حرب في الخريف والشتاء المقبلين. أما الإيحاءات المستقبلية فكانت مستمدة من الخيال العلمي، وظهرت بوضوح في تصاميمه المفصلة كما في القطع التي تشبعت بالإيحاءات الآسيوية. فقد ظهرت حينا في الخطوط الواسعة والقصيرة وحينا آخر في الأكتاف الصارمة إضافة إلى أسلوب الطبقات المتعددة.
* أهم التوجهات
رغم الجنون الواضح في بعض التصاميم، وهو جنون قد يثير الرهبة في نفوس بعض المتحفظين، فإن تشريح الإطلالة وتفكيكها، أي التعامل مع كل قطعة على حدة يحل المشكلة، ويُبين أنها ليست بذلك الجنون الذي ظهرت به على منصات العرض، وأن جنونها ينحصر على التنسيق الذي تتطلبه العروض عموما. في أرض الواقع وعندما تصل هذه القطع إلى المحلات فإنها تكون مناسبة للاستعمال اليومي إلى حد كبير ما دمنا سنستعملها بأسلوب يناسب شخصياتنا وحياتنا. من التوجهات التي تابعناها خلال الأسبوع:
- ألوان النيون التي يستهدف منها كسر قتامة الألوان الداكنة المرتبطة بالخريف والشتاء عموما. صحيح أنها مرعبة عندما تكون من الرأس إلى أخمص القدمين، لكن عندما تكون في قطعة صوفية واحدة فإنها مقبولة.
- الجلد نافس الصوف بقوة، حيث ظهر في عروض كثيرة نذكر منها عروض ماثيو ميللر، آغي أند سام وسيمون لي وكريستوفر شانون وغيرهم.
- البنطلونات الواسعة أيضًا ستكون حاضرة بأشكال متنوعة. فإذا كانت باريس أعطت الرجل البنطلونات الضيقة التي ترقص على إيقاعات الروك أند رول، وميلانو البنطلونات الواسعة ذات الطيات والبليسيهات عند الخصر التي تستحضر نجوم هوليوود في الخمسينات من القرن الماضي، فإن لندن أعطته بنطلونات واسعة ومريحة بأطوال متباينة. وهو أسلوب يتباين بين الشبابي والكلاسيكي، إذ إنه عندما يأتي قصيرا فهو شبابي يضج بالراحة لكن لا يناسب الكل، وعندما يأتي طويلا فهو كلاسيكي يمكن التعامل معه حسب طريقة تنسيقه مع باقي القطع.
- أسلوب الطبقات المتعددة لا يزال منتعشا وجاريا به العمل، حيث ظهر في عدة عروض.
- أسلوب الـ«سبور» كان قويا ومستقويا بثقافة الهيب هوب وغيرها، لكنه خضع على يد المصممين إلى عملية تجميل جعلته يناسب عصره. المصممة أستريد أندرسون مثلا طعمته بأقمشة ناعمة مثل الدانتيل كما غزلت الصوف بألوان متوهجة منحته ديناميكية. فمصممو لندن أجمعوا على أنه بإمكان الرجل الناجح أن يتبنى الأسلوب الـ«سبور» من دون أن يتعارض مع نجاحه ومصداقيته.
* أسبوع لندن رجالي بأنامل نسائية
قد يكون الأسبوع موجهًا للرجل، لكن نسبة المصممات المشاركات فيه كانت لافتة، من من لو دالتون إلى فيفيان ويستوود مرورا بأستريد أندرسون وكايتي إيري ومارغريت هاول وغيرهن.
لو دالتون التي كانت وجهًا مألوفًا في الأسبوع منذ تخرجها قدمت عرضًا أكدت فيه نضجها وتطورها من خلال تشكيلة مستوحاة من الملابس العسكرية خففت الأقمشة التي تتفنن فيها المصممة من صرامتها، مثل الجينز المعالج والصوف المغلف بطبقة واقية من المطر وما شابه من التقنيات. المصممة أستريد أندرسون، في المقابل، قدمت تشكيلة تستوحي خطوطها وألوانها من عالم الرياضة ونوادي التسعينات الليلية، فيما أخذت المصممة كايتي إيري أيضًا عناصر من ثقافة الشارع صبت عليها جرعات قوية من الترف. من أهم الأحداث والعروض التي شهدها الأسبوع طبعا عودة فيفيان ويستوود إلى العاصمة البريطانية. وبدا واضحا يوم الاثنين الماضي أن السنين لم تنل من ملكة البانك شيئا ولا خففت من جموحها وجنوحها نحو التمرد والتحدي.
تزامن عرضها مع إضراب سائقي القطارات، ومع ذلك لم تمنع المعاناة ولا الصعوبات عشاقها عن الوجود في عين المكان قبل الوقت، خوفا أن تفوتهم هذه المناسبة التاريخية. فالسيدة ويستوود تعود إلى لندن بعد عدة عقود من العرض في كل من ميلانو وباريس. طبعا لا يمكن أن نتجاهل أنها شخصية عالمية مثيرة للجدل وتحب إحداث الجدل، وبالتالي فإن عروضها عادة بمثابة مسرحيات.
أول ما يلفت في مسرحيتها الأخيرة أنها لم تكن للرجل وحده بل لعبت فيها المرأة دورا مهما، حيث قدمت فيها المصممة مجموعة من الأزياء الرجالية والنسائية التفصيل القاسم المشترك بينهما. فإلى جانب فساتين السهرة المصنوعة من اللاميه حينا وأزياء النهار المصنوعة إما من الصوف أو التويد، كانت هناك الكثير من المعاطف والتايورات والبنطلونات المفصلة بأحجام مريحة تنسدل على الجسم بانسيابية. كانت هناك أيضًا لمسات من أسلوب البانك في قطع مصنوعة من صوف الموهير وأخرى مقطعة وممزقة في بعض أجزائها. لكن الأهم من كل هذا أنها كعادتها استعملت العرض لتسليط الضوء على قضية إنسانية أو بيئية لزيادة الوعي بها. كان واضحا من عنوان التشكيلة «إيكوتريسيتي» أنها تهتم بالبيئة، وهو ما أكدته الكلمات التي كُتبت على ورق وضعته على كراسي الضيوف وجاء فيها أن «ما يفيد كوكب الأرض يفيد الاقتصاد، وما يضر بالأرض يضر بالاقتصاد».
والطريف أن رسائلها، مثل تصاميمها، ليست مجنونة كما تبدو للوهلة الأولى أو مجرد عبارات حماسية لإحداث الصدمة، بل نابعة من شخصية بالفعل مسكونة بهذه القضايا، وسخرت نجاحها في بناء إمبراطورية تُقدر بمئات الملايين لخدمة هذه القضايا وإشباع ميولها الإنسانية والفنية على حد سواء. ربما هذا ما يحلم به أي مصمم شاب: تلك المرحلة التي يستطيع أن يقول فيها أي شيء وُيعبر عن نظرته الفنية من دون خوف من أي خسائر مادية، لأنه في هذه المرحلة يكون قد حقق المعادلة الصعبة مثلها، بين الفني والتجاري.
* تاريخ قصير... خبرات طويلة
* تجدر الإشارة إلى أن أسبوع لندن الرجالي ليس بقدم معرض «بيتي أومو» الفلورنسي ولا أسبوعي ميلانو والباريسي، إذ انطلق أول مرة في عام 2012 فقط، وكان يحمل حينها اسم «مجموعات لندن للرجال» (مينز كوليكشنز)، ويمتد ثلاثة أيام. في دورته العاشرة هذا العام تغير مكانه وكذلك اسمه إلى «أسبوع لندن لموضة الأزياء الرجالي » واستمر أربعة أيام شاركت فيه أسماء شابة وأخرى مخضرمة من «سافيل رو»، من دون أن ننسى عودة المتمردة فيفيان ويستوود التي كانت تعرض في ميلانو وباريس منذ عام 1982.



خلال عيد الحب... «ميسيكا» تكشف عن توأم روحها بالألماس في «لابيروز» الباريسي

قصة مرايا المطعم وكيف كانت النساء يستعملنها للتأكد من جودة الألماس حفّزت خيال المصممة (ميسيكا)
قصة مرايا المطعم وكيف كانت النساء يستعملنها للتأكد من جودة الألماس حفّزت خيال المصممة (ميسيكا)
TT

خلال عيد الحب... «ميسيكا» تكشف عن توأم روحها بالألماس في «لابيروز» الباريسي

قصة مرايا المطعم وكيف كانت النساء يستعملنها للتأكد من جودة الألماس حفّزت خيال المصممة (ميسيكا)
قصة مرايا المطعم وكيف كانت النساء يستعملنها للتأكد من جودة الألماس حفّزت خيال المصممة (ميسيكا)

بين بريق المجوهرات وقصة حب وراء إبداعها، وأروقة مطعم أيقوني يحمل بين جدرانه تاريخاً وقصصاً لا تُنسى، صُوّرت مجموعة «ميسيكا» و«لابيروز» الجديدة لتغذي كل الحواس وتوقظ الذاكرة بمناسبة «عيد الحب». ورغم أن «ميسيكا» علامة شابة وُلدت منذ نحو 21 عاماً، و«لابيروز» مطعم باريسي يعود عمره إلى 260 عاماً، فإنه حدث بينهما تناغم عجيب والتحام يجمع التاريخ والحداثة.

نسجت فاليري خيوطاً بين الماضي والحاضر عبر علاقة حب طويلة بالألماس (ميسيكا)

بمناسبة «عيد الحب»، اختارت «ميسيكا» أن تقدم نسختها الجديدة والحصرية من خاتم «ماي توين توي آند موي (My Twin Toi & Moi)»، في مطعم «لابيروز»؛ والسبب أن المطعم يتعدى أنه مكان فاخر لتناول أشهى الأطباق، إلى ما هو أكثر. فإلى جانب أنه رمز للفن الباريسي في العيش، فقد اشتهر عبر الأجيال بخصوصية أجوائه التي احتضنت قصص الحب وأسراره على مدى قرون.

بدأت قصة «لابيروز» عام 1766 عندما تأسس في عهد لويس الـ15، وسرعان ما ترسّخ في ذاكرة المجتمع الباريسي مكاناً فريداً من نوعه، وعنواناً للقاء الأحبة. وفي عام 1850، وتحت إدارة جول لابيروز، أصبح من أوسع وجهات «لوتو باريس» رواجاً، مستقطباً أسماء لامعة مثل موباسان، وزولا، وفيكتور هوغو، ورودان، وسارة برنار. وهذا العام انضمت فاليري ميسيكا إلى هذه الباقة من المبدعين. هي أيضاً تعشق الأساطير وقصص التاريخ وتتقن صياغتها بلغتها الخاصة.

فاليري تخدش المرآة بخاتم «كونكورد» المرصع بماسة سوليتير بوزن 6 قراريط (ميسيكا)

اكتشفت فاليري أن في صالونات هذا المطعم الخاصة تُروى أسطورة تعود إلى القرن الـ19 مفادها بأن النساء كن يتعمدن خدش المرايا بالأحجار الكريمة، وتحديداً الألماس؛ لاختبار أصالتها. هذه الخدوش لا تزال شاهدة على تلك اللحظات حتى اليوم، وكان من الطبيعي أن تُحفّز خيال المصممة.

يحمل خاتم «ماي توين» الجديد نقشاً خاصاً «Messika x Lapérouse» ليُخلّد هذه الشراكة الفريدة بالذهب والألماس (ميسيكا)

وهكذا وُلدت فكرة استحضار الرابط الأبدي الذي يجمع بين المرأة والألماس من خلال إصدار جديد من تصميم «ماي توين» الأيقوني. جاء هذه المرة مصنوعاً من الذهب الوردي ويجمع بين حجرين من الألماس يزن كلّ منهما 0.60 قيراط؛ أحدهما مقطوع على شكل الكمثرى، والآخر على شكل الزمرد، موضوعين وجهاً لوجه في تناغم عصري يعبّر عن مفهوم «تُوَا إيْ مُوَا (أنت وأنا)». يستمد الخاتم طابعه الرومانسي من امتزاج شكلين متناقضين يكمل كلاهما الآخر، وتحيط بكل حجر هالة من الياقوت الأحمر، في تباين لوني جريء يُجسّد قوة الحب والترابط. كما يعبّر التصميم عن فلسفة «ميسيكا» في الانسجام عبر التناقض بدل التماثل.

نغمات من الأحمر العميق وأطباق شهية شكلت خلفية للألماس (ميسيكا)

تقول فاليري عن هذه الخطوة: «(لابيروز) يلمس قلبي منذ زمن طويل، فهو يجسّد وجهاً من وجوه باريس؛ تلك المدينة التي يسطع فيها الضوء كأنّه صندوق مجوهرات. ما يزيد من أهميته بالنسبة إليّ كيف تُشكّل الألماسات جزءاً من روحه. هذا إضافة إلى أن تاريخه يحمل طابعاً من الحرية والجرأة المبطّنة، وهو ما يتناغم تماماً مع هوية دار (ميسيكا). أردت عبر هذا التصميم أن أنسج خيوطاً بين الماضي والحاضر، وأن أُحيي هذا الطقس الرمزي للحب والألماس الذي خلّف أثره على مرآة الحُب بإحساس بالغ بالرهافة».

الألماس والحب... علاقة أبدية لعبت عليها المصممة (ميسيكا)

لتجسيد هذه المشاعر تعاونت مع المصوّرة أوليفيا هودري لكي تتواصل هذه القصة عبر سلسلة من الصور مستوحاة من عالم «لابيروز» برومانسيته وغموضه، وهو ما يُفسِر الخلفية التي تغلب عليها نغمات الأحمر العميق والعناصر الحسيّة.


كيف تواصل المصممون الجدد مع إرث بيوت الأزياء العريقة؟

كانت تشكيلة آندرسون لـ«ديور» طبقاً دسماً من الأشكال المبتكرة (رويترز)
كانت تشكيلة آندرسون لـ«ديور» طبقاً دسماً من الأشكال المبتكرة (رويترز)
TT

كيف تواصل المصممون الجدد مع إرث بيوت الأزياء العريقة؟

كانت تشكيلة آندرسون لـ«ديور» طبقاً دسماً من الأشكال المبتكرة (رويترز)
كانت تشكيلة آندرسون لـ«ديور» طبقاً دسماً من الأشكال المبتكرة (رويترز)

عُشاق الموضة، كما في أغنية عبد الحليم حافظ، «حائرون... يفكرون... يتساءلون في جنون»: أي عرض كان أفضل من غيره في الأسبوع الماضي؟ ما بين عرض «سكياباريللي»، الذي بلغ فيه دانييل روزبيري أقصى درجات السريالية، وأول تشكيلة «هوت كوتور» لماثيو بلايزي في «شانيل» مطبوعة بالخفة والنعومة، وصولاً إلى «ديور» حيث اجتمع الإبداع بالوفاء.

مزيح مُتنوع بدا فيه «الأسبوع» كأنه سباق أفكار أكثر منه عروضاً لفساتين وإكسسوارات تستعرض أساليب جديدة تحترم جينات كل دار... بل كشف عن ثنائية واضحة هيمنت على «الأسبوع»: سريالية كما في «سكياباريللي« في مقابل رومانسية كما تجلّت في «ديور». وفي كل الحالات، يبدو هذا الموسم كأنه يبحث عن معنى الاستمرارية.

أحجام كبيرة لكن مدروسة وتفاصيل تحفز الحواس وتوقظها كانت أكثر ما ميز تشكيلة جوناثان آندرسون (ديور)

اختلاف الأساليب جعل «أسبوعاً» كان إلى عهد قريب يخاطب شريحة قليلة جداً من النساء وراهن البعض على نهايته منذ عقد من الزمن يغلي بالأفكار... وهذا ما جعله يصمد في وجه الأزمات الاقتصادية التي مرت عليه... تجعله أحياناً يخفت، لكن جذوته لا تنطفئ. الفضل يعود هنا إلى مصممين مسكونين برغبة جامحة في الابتكار وزبونة جديدة تتوق إلى فرض ثرائها بأي ثمن.

باقة قدمها غاليانو إلى آندرسون أطلقت شرارة الإبداع في الأشكال والألوان (أ.ف.ب)

في التسعينات من القرن الماضي كانت هذه الزبونة تتوق إلى التفرد أكثر مما تتوق إلى استعراض جاهها؛ مما فتح الأبواب أمام مصممين بريطانيين لدخول الساحة الباريسية، مثل جون غاليانو والراحل ألكسندر ماكوين، وفيبي فيلو... وغيرهم. الخَضّة الفنية التي حدثت في تلك الحقبة شبيهة بما يحدث في الموسم الحالي. فنحن هنا نتابع دخول مصممين شباب بيوت أزياء كبيرة كانت في أمسّ الحاجة إلى دمائهم الفائرة لِخَضّها وإعادة الحيوية إليها، من ماثيو بلايزي في دار «شانيل» إلى جوناثان أندرسون في دار «ديور»، من دون أن ننسى الأميركي دانييل روزبيري، الذي نجح منذ أكثر من 6 سنوات في وضع بصمته على دار «سكياباريللي». فكما فعل غاليانو وماكوين في التسعينات، يتعامل روزبيري مع «سكياباريللي»، وجوناثان آندرسون وماثيو بلايزي وغيرهما مع الـ«هوت كوتور» بوصفه منصة لتفجير المخيلة. ليس من الضروري أن تقدم أزياء تقوم على الجمال وحده؛ بل بإمكانها أن توقظ مشاعر مربكة تستفز الناظر وتجعله يُفكِر أيضاً.

عهد جوناثان آندرسون الجديد

متابعة لما اقُترح خلال «الأسبوع»، ستجعل ما عُرض لـ«ربيع وصيف 2026» باقياً محفوراً في الذاكرة بوصفه من أعلى المواسم دسماً من ناحية الإبداع، أو على الأقل هذا ما يقوله كثيرون بعد عرض أول تشكيلة من هذا الخط لجوناثان آندرسون، المدير الإبداعي لـ«ديور»... كانت أقرب إلى سيمفونية تغذي كل الحواس؛ لم يخرج فيها عن الإيقاع التاريخي للدار، وفي الوقت ذاته لم يتقيد به حرفياً.

لم يخرج المصمم عن الإيقاع التاريخي للدار وفي الوقت ذاته لم يتقيد به حرفياً (ديور)

يذكر أن الإعجاب به هنا لم يقتصر على الأزياء والإكسسوارات فقط، بل كسب القلوب وامتنان شريحة كبيرة من عشاق الموضة؛ لأنه أعاد الاعتبار إلى المصمم جون غاليانو... صرَح بأنه ملهمه وقدوته وأستاذه. أما سبب الامتنان؛ فيعود إلى أن الحنين إلى عهد غاليانو هو في جوهره حنين إلى الجرأة الإبداعية والخيال الجامح. بالنسبة إلى كثيرين، دخلت «ديور» بعد خروجه في عام 2011 مغضوباً عليه، حالة استقرار تجاري، لكنها فقدت تلك الصدمة البصرية التي تعيد تعريف الـ«هوت كوتور» بوصفه مساحة للسرد التاريخي والمغامرة.

في بودكاست أجراه جوناثان آندرسون مع عمران أميد، مؤسس موقع «بيزينس أوف فاشون (Business Of Fashion)»، قال إن جون غاليانو كان ولا يزال بالنسبة إليه نجماً ساطعاً، بدليل أن اسمه كان في مرحلة من المراحل مرادفاً لاسم الدار. أما على المستوى الشخصي، فعلّق بأن غاليانو علّمه، وهو لا يزال طالباً، أن «يحلم بالحجم الكبير». بعد التخرج استمات باحثاً عن رقم هاتفه على أمل أن يتدرّب لديه. في ذلك الوقت، كان غاليانو في ذروة مجده، فيما كان هو مجرد شاب في بداية الطريق، يراقب من بعيد ويختزن تلك التجربة في ذاكرته المهنية.

كانت تشكيلته لـ«ربيع وصيف 2026» أقرب إلى سيمفونية تغذي كل الحواس (ديور)

نجح التلميذ ولم ينس مُلهمه، لا سيما أنه بات يتنفس إرثه في كل مكان داخل «ديور». عندما انتهى من تصميم مجموعته الأولى من خط الأزياء الجاهزة في العام الماضي، دعاه للأتولييه، ليعرضها أمامه ويسمع رأيه فيها. لم يتأخر غاليانو. حضر وأحضر معه كيساً مليئاً بالحلويات والسكريات من محل «تيسكو» الشعبي، وباقة سيكلامين، أو زهور «بخور مريم» مشبوكة بشريط أسود. هذه الباقة تحوَلت إلى الشرارة التي أشعلت كل شيء في مجموعة الدار لـ«ربيع وصيف 2026».

الإبداع والوفاء

باقة قدمها غاليانو لآندرسون أطلقت شرارة الإبداع في الأشكال والألوان (ديور)

يشرح جوناثان، وفق ما جاء في البيان الصحافي الذي وزعته الدار، أن مجموعته لـ«ربيع وصيف 2026»، بألوانها والتواءاتها والتفافاتها حول الجسم، ليست حنيناً أو اقتباساً حرفياً من الماضي، بل هي «عدسة تفسيرية يعاد من خلالها تفكيك الحاضر وإعادة تجميع عناصره لفتح احتمالات جديدة لتخيله»، مشيراً إلى أنه لا يحاول أن يكون بديلاً لقدوته، بل أن يكون استمراراً له. فـ«ديور»، وفق قوله، «ضخمة لا يمكن وضعها ضمن قالب نهائي، بل يجب التعامل معها على أنها عملية إبداعية مستمرة، تتغير وتتطور مع كل مصمم».

الحب بالورود والأزهار

من هذا المنظور يبدو استحضار الورود امتداداً طبيعياً لذاكرة الدار وليس مجرد خيار جمالي، إذا أخذنا في الحسبان علاقة المؤسس كريستيان ديور بالورود والأزهار. وحتى إذا نسينا، فإن عطور الدار تُذكرنا بهذه العلاقة الأبدية، كذلك أول عرض قدمه راف سيمونز للدار بعد توليه قيادتها الإبداعية بعد خروج غاليانو. غرس مليون وردة في جدران وسقف «متحف رودان» وامتدت هذه الورود إلى التصاميم التي أخذت أشكال ورود متفتحة ومُلتفة من كل الجوانب.

استحضار الورود كان امتداداً طبيعياً لذاكرة الدار وليس مجرد خيار جمالي (ديور)

أعاد سيمونز التجربة في تشكيلته لـ«ربيع وصيف 2016»، حيث صمم ديكورها على شكل تلة علوّها نحو 59 قدماً وغطتها نحو 300 ألف وردة ديلفينيوم باللون الأزرق البنفسجي.

وفق «ديور»، فـ«إننا عندما نستلهم من الطبيعة، فإنها تُعلِمنا أنها لا تُقدّم خلاصات نهائية قاطعة، بل تكشف عن أنظمة في حركة دائمة؛ تتطوّر، وتتكيّف، وتتواصل عبر الزمن». ووفق هذا المنطق، تأتي الأزياء الراقية مختبراً للأفكار وللحرفية على حد سواء، بحيث تتحوّل التقنيات العريقة من ذاكرة الماضي إلى معرفة حيّة نابضة.

فساتين تتراقص بشكل دائري كأنها أزهار تؤدي رقصات صوفية أو اشتاقت إلى أن تُحكى من جديد في انسجام تام بين الجسد والأنا (ديور)

أما كيف ترجم آندرسون هذه الأفكار، فمن خلال فساتين تتراقص بشكل دائري كأنها أزهار تؤدي رقصات صوفية، أو اشتاقت إلى أن تُحكى من جديد، في انسجام تام بين الجسد والأنا. ومع كل حركة، تفتتح حواراً آخر مع أعمال فنانة الخزف ماغدالين أودوندو، التي تعاون معها المصمم لخلق أشكال باستدارات جديدة، ستشكل إضافة لمفردات الدار من دون المساس بأسسها الراسخة.

جون غاليانو... الحاضر بقوة

حضور غاليانو العرض وجلوسه جنب آنّا وينتور؛ عرابة الموضة، كان كافياً لإعادة النقاش بشأن الإرث والمسؤولية وإمكانية البناء على الماضي بدل تفكيكه بنية إعادة بنائه من الصفر، لمجرد استعراض المهارات. فأشكال الورود هنا لم تكن مجرد زخرفة، بل لغة حب، تلخصت في باقة صغيرة قدمها أستاذ لمعجب، وجعلت حضوره جزءاً مؤثراً في سردية هذه اللحظة المؤثرة من تاريخ الدار.

أثره وتأثيره ظهرا أيضاً في الفلسفة العامة لمجموعة أظهر فيها آندرسون أنه يتشارك مع غاليانو قناعة أساسية مفادها بأن الـ«هوت كوتور» لا يُبنى على «الجمال السهل»، بل على فكرة قادرة على إرباك المتلقي ودفعه إلى إعادة النظر فيما يعرفه واعتاده. فوفق رأي آندرسون، يمكن أن تكون الصدمة أداة للبيع؛ لأن الأفكار، لا الصيغ الجاهزة، هي التي تصنع القيمة طويلة الأمد للدار.

«سكياباريللي» تعود للإحساس

بينما اختار آندرسون مساراً عاطفياً يميل إلى الحلم أكثر، تعامل دانيال روزبيري، المدير الإبداعي في دار «سكياباريللي»، مع مفهوم الصدمة في خط الـ«هوت كوتور» بشكل دخل فيه مناطق الألم والنشوة.

يقول روزبيري إنه كثيراً ما يُسأل عن جدوى هذا الخط، «وردِّي ببساطة أنه ليس للحياة اليومية؛ بل هو مساحة تتيح لي التواصل مع ذلك الشاب بداخلي الذي اختار الخيال على الطرق المضمونة... فهو بالنسبة إليّ دعوة إلى التوقف عن التفكير العقلاني، والعودة إلى الإحساس».

نحتت طبقات التول الملون تحت الدانتيل عمقاً بصرياً وضبابية لونية (سكياباريللي)

بين الألم والنشوة

أطلق على هذه المجموعة لـ«ربيع وصيف 2026» عنوان «الألم والنشوة»... ألم الولادة ونشوة الاكتشاف، مما انعكس في «كل تفصيل فتحه المصمم على بوابات الإحساس عندما تقع العين على الفن وتتأمله» وفق ما جاء في البيان الصحافي للدار.

في أكتوبر (تشرين الأول) من العام الماضي، وخلال زيارة خاصة إلى «كنيسة سيستينا (Sistine Chapel)» في روما، عاش المصمم لحظة تجلٍّ وهو يرفع عينيه إلى السقف.

شدّته رسومات أنجزها حشد من الفنانين، ثم يأتي مايكل أنجلو في عام 1508 ليضع لمساته ويُغير كل شيء... «في تلك اللحظة»؛ يقول روزبيري، «توقف التفكير وبدأ الإحساس، فبعد 40 عاماً، جاء أنجلو برؤية جامحة وصاخبة بصرياً ليقلب مسار الفن إلى الأبد. كانت أيضاً هشّة ورومانسية بامتياز، يمتزج فيها الألم بالنشوة، امتزاجاً مروّعاً وبديعاً. فمايكل أنجلو لم يشرح؛ فقط أذن للناظرين بفتح باب الإحساس عند تأمّل الفن».

الصحوة الإبداعية

صحوة المصمم الإبداعية ظهرت في ذيول عقارب وإبر سامة وأسنان أفاعٍ... اندمجت في تصاميم تثير التوتر وتحفز على التفكير (سكياباريللي)

في لحظة التجلي هذه، قرر المصمم، ولأول مرة منذ سنوات، أن يتوقف عن التفكير في كيف يجب أن يبدو الشيء... «بدأت أُنصت إلى ما أشعر به في لحظات الإبداع. لم يعد النبض العاطفي يتمحور حول الشكل، بل حول الإحساس: كيف نشعر ونحن نعمل على إنجازه؟ يا لها من راحة... ويا لها من صحوة إبداعية» ظهرت في خطوط حادة تحولت إلى ذيول عقارب وإبر سامة وأسنان أفاعٍ اندمجت في تصاميم تثير التوتر وتحفز على التفكير.

استلهم روزبيري الألوان من طيور الجنة: الوردي والأزرق والزعفراني... وكذلك بعض الأشكال (سكياباريللي)

لكن المصمم يُؤكد أنها ليست تمرداً مطلقاً على الواقع؛ بل هي أيضاً احتفال بالمهارة الجماعية في المشاغل، وحرفية جسّدت ذروة الخيال والمهارة. الدانتيل المقصوص مثلاً نُفِذ بأسلوب نحتي ثلاثي الأبعاد، والريش، بنوعيه الحقيقي والاصطناعي، لُوّن وغُمِس في الراتينغ قبل أن يزين بالكريستال، فيما منحت طبقات التول الملون تحت الدانتيل عمقاً بصرياً وضبابية لونية. أما الألوان فمُستلهمة عموماً من ألوان طيور الجنة؛ الوردي، والأزرق، والزعفراني. بالنسبة إلى الإكسسوارات، وهي من العناصر القوية التي تفخر بها الدار وتميزها، فجاءت برؤوس طيور اصطناعية مصنوعة من ريش حريري، ومناقير راتينغية، وعيون لؤلؤية، إلى جانب رموزها الأيقونية مثل ثقب المفتاح.

ما نجح فيه روزبيري، وجوناثان آندرسون في «ديور»، أنهما لم يجعلا الصدمة، باختلاف لغتها، نقيضاً للحلم، بل جعلاها طريقاً للوصول إلى القلب.


أسبوع باريس للهوت كوتور ربيع وصيف 2026... النجمات يصنعن البريق في باريس

المشهد هذا العام يعطي الانطباع بأن عروض الأزياء ثانوية مقارنة بوجود النجوم (أ.ب)
المشهد هذا العام يعطي الانطباع بأن عروض الأزياء ثانوية مقارنة بوجود النجوم (أ.ب)
TT

أسبوع باريس للهوت كوتور ربيع وصيف 2026... النجمات يصنعن البريق في باريس

المشهد هذا العام يعطي الانطباع بأن عروض الأزياء ثانوية مقارنة بوجود النجوم (أ.ب)
المشهد هذا العام يعطي الانطباع بأن عروض الأزياء ثانوية مقارنة بوجود النجوم (أ.ب)

لا يزال أسبوع الهوت كوتور لربيع وصيف 2026 بباريس مستمراً في إتحاف عشاق الموضة بأجمل الأزياء وأكثرها ابتكاراً. فهذا الموسم يختلف عما تابعناه لسنوات، بفضل دخول مصممين شباب إلى بيوت أزياء كبيرة بدأوا يضخونها بديناميكية غابت عن الساحة طويلاً. من ماثيو بلايزي في دار «شانيل» إلى جوناثان أندرسون في «ديور» وهلم جرا من الأسماء الشابة، التي أكدت لحد الآن قدرتها على إبداع قطع تحاكي اللوحات الفنية، معتمدين على مهارات ورغبة في التميز عوض الاعتماد على إحداث الصدمات لمجرد خلق الجدل.

سفيرات دار «شانيل» بينلوبي كروز شارلوت أوف موناكو ونيكول كيدمان (شانيل)

لكن الملاحظ أن هذا الأسبوع، ومنذ انطلاقه، شهد غزواً غير مسبوق لنجمات وسيدات المجتمع، مثل ريهانا ونيكول كيدمان وبنيلوبي كروز ولورين سانشيز، زوجة الملياردير جيف بيزوس وهلم جرا.

قد يقول البعض إن الأمر عادي بحكم أن بيوت الأزياء تستضيف هؤلاء للحصول على مزيد من البريق في أسبوع قائم أساساً على البريق والتميز. وهذا صحيح لكن الجديد هذه المرة أن التغطيات الصحافية تكاد تتجاهل ما يجري على منصات عروض الأزياء في كثير من الأحيان لتُسلط الضوء على ما يجري خارجها أو في الصفوف الأمامية، بدليل التغطيات على وسائل التواصل تحديداً.

أصبح وجود نجمات في الصفوف الأمامية مسألة وجودية بالنسبة لبيوت الأزياء الكبيرة خاصة (رويترز)

النادي النخبوي يفتح أبوابه للعالم

هذا المشهد يعكس سؤالاً قديماً متجدداً: هل وجود النجمات يطغى على أهمية عروض الأزياء أم أنه يُغذيها ويمنحها حياة أبعد من المنصة؟ الجواب عن هذا السؤال يمكن أن نجده في تغير الزمن من جهة، وثقافة «الهوت كوتور» من جهة أخرى. فرغم الطابع النخبوي لهذا الخط وعدد زبوناته المحدود، فإنه لم يعد حدثاً مغلقاً كما كان عليه في السابق. فقد تبنى منذ سنوات استراتيجية التواصل مع جمهور أكبر عبر المنصات الرقمية ووسائل التواصل الاجتماعي، بعد أن انتبه صناع الترف أن صورة واحدة لشخصية مشهورة وهي تصل إلى العرض أو تجلس في الصف الأمامي قد تحقق انتشاراً يفوق تأثير عرض كامل.

المصممون تقبلوا هذا الأمر أيضاً، فالحرفية العالية واحترام معايير الإبداع والاستثمارات الكبيرة التي يتطلبها هذا الخط، لا تساوي شيئاً إذا لم تصل ثمراتها إلى جمهور يحلم بها ويرغب في اقتنائها، أو على الأقل الانتماء على نادي التميز ولو من خلال عطر أو أحمر شفاه أو حقيبة يد.

لورين سانشيز رفقة زوجها جيف بيزوس مؤسس شركة «أمازون» لدى وصولهما عرض «سكياباريللي» (غيتي)

من هذا المنظور، فإن هذا الغزو المكثف هذا الموسم جزء من خطة مدروسة، تتداخل فيها الأدوار بين السفيرة الرسمية للدار مثل نيكول كيدمان والأميرة شارلوت أوف موناكو والنجمة الإسبانية بنيلوبي كروز كسفيرات لدار «شانيل» وبين الزبونة الجديدة مثل لورين سانشيز التي باتت تفرض حضورها في هذه العروض، وبين النجمة المؤثرة مثل ريهانا. هذه الأخيرة مثلاً اضطرت إلى تأخير عرض «ديور» ما يقرب الساعة انتظاراً لوصولها.

للزمن الجديد متطلباته

النجمة ديمي مور في عرض «سكياباريللي» (سكياباريللي)

هذا الكم من النجوم والاهتمام المتزايد بهم في هذا الموسم يتزامن مع التغيرات التي تشهدها الموضة ككل. فدار «فالنتينو» تقدم أول عرض لها بعد رحيل مؤسسها فالنتينو غارافاني، بينما قدَّمت دار «جيورجيو أرماني» عرضاً ذكَّر الكل بغيابه وكأنهم كانوا قبل ذلك يقاومون الإحساس بفقده. إضافة إلى كل هذا، فإن تصدر مصممين شباب المشهد في وقت عصيب بسبب تراجع الإيرادات، يُحتِم تقبل أن هذه الشخصيات بكل ما تثيره من ضجيج إعلامي ضرورية، كونها تلعب دور الوسيط بين الرؤية الإبداعية وبين جمهور واسع. لذلك فإن الاستثمار في حضور أسماء لامعة هو جزء من استراتيجية تعزز الصورة على المدى البعيد.