السعادة بين نعمة الجهل وشقاء العقل

تتأسس على ما يميّز الإنسان عن غيره من الكائنات

السعادة بين نعمة الجهل وشقاء العقل
TT

السعادة بين نعمة الجهل وشقاء العقل

السعادة بين نعمة الجهل وشقاء العقل

جرى التعامل مع السعادة في التقليد الفلسفي باعتبارها مطلبا في المتناول، عن طريق التمارين العقلية والفكرية، فأرسطو اعتبر أن السعادة تتأسس على ما يميز الإنسان عن غيره من الكائنات، أي العقل والفكر. وبالتالي فإن استثمار هذه المقدرة، هو الذي سيوصلنا إلى السعادة المنشودة. فالعقل يمكّننا من اختيار الطريق الوسطي، وضبط النفس، وبلوغ الفضيلة.
إن تصورا للسعادة بهذه الطريقة، سيجعلها من حظ الفلاسفة والمفكرين وذوي العقول الفذة فقط. إلا أن الملاحظ، هو أن هؤلاء كثيرا ما يعبرون عن تعاستهم ونظرتهم المتشائمة للحياة.

غالبا ما يُعتبر الناس العاديون أكثر حظا من هؤلاء وأكثر سعادة. ولا يمكن أن يكون الطبيب، الذي يعرف خبايا الجسم، ويعلم أن السرطان يترصده فيحوله، في أي وقت، إلى قنبلة موقوتة، ويعرف كذلك أن الإنسان أقرب إلى الموت منه إلى الحياة، أن يكون أكثر سعادة من إنسان مطمئن إلى أن الجسم بديع في صنعه، تام في عمله وأشغاله. وقد يكون الرجل الجاهل أسعد من عالم الفلك، الذي يعلم أننا نعيش في نقطة صغيرة جدا هي مجرد حبة رمل في صحراء لا قرار لها. وأسعد من فيلسوف يعلم أن الحقيقة موجودة فقط في أوهامنا وتخيلاتنا وأحلامنا، وأنها ليست مبحثا واقعيا بقدر ما هي ذات طبيعة ميتافيزيقية. لماذا لا نقلب الآية ونقول إن السعادة في الجهل، والتعاسة في العقل؟ ولم لا نقول إن الجهال والحمقى، يمكن أن يكونوا أكثر سعادة من أعقل العقلاء؟
ظل الاعتقاد بأن السعادة تكمن في اللامبالاة، وتجنب كثرة التحقيق في أمور الحياة، حاضرا منذ بداية التأمل الفلسفي. فها هو الفيلسوف اليوناني سقراط، يعتبر الجهل جزءا لا يتجزأ من السعادة، ودليله في ذلك، أن أكثر الناس سعادة، هم الأطفال والأشخاص الذين لديهم جهل بالحياة. وبالتالي، فالمعرفة في نظر سقراط، تبقى بعيدة عن أن تمنحنا السعادة المأمولة. كما أن أفلاطون وضح في الجمهورية، كيف أن الحقيقة تعمي أعين سجناء الكهف، الذين ما إن يطلعوا عليها حتى يعودوا إلى الاختباء في كهفهم، راضين بجهلهم وبتمثلاتهم وأوهامهم داخل الكهف المظلم.
وإذا كان العصر الحديث قد عرف بدفاعه عن حياة العقل، باعتباره الفيصل بين الحقيقة والوهم، والأداة المثلى التي تمكننا من التخلص من قيود العقل التي تشل حركتنا وتكبل عقولنا، فنتحرر ونعانق الحقيقة، ونكون بالتالي سعداء، فإن هذا المسعى سوف يتبخر بسبب مآلات العصر الحديث الذي انقلبت فيه المعايير، ليس لصالح حياة العقل والتفكير، وإنما لصالح التاجر الذي استفاد من التطور الفكري والعلمي والصناعي، ما جعل صناعته تزدهر، وثروته تتضاعف، فتلاشى التصور العقلي للسعادة، لصالح الطبقة البرجوازية التي تحكمت في كل شيء، بما فيه الحياة الفكرية، وأدخلتها إلى منطق السوق والربح المادي، وأصبحت مرتبطة بالنجاح التجاري. بمعنى آخر، السعيد هو البرجوازي الذي ليس بالضرورة عالما أو مفكرا أو فيلسوفا. وهذا ما فطن له أديب كبير هو كوستاف فلوبير، الذي احتقر تحول السعادة إلى هم برجوازي. وقد عرّف في كتابه «مراسلات»، السعادة بالمعنى البرجوازي، بشكل ساخر، فقال: «أن تكون غبيا وأنانيا وترفل في صحة جيدة، تلك هي الشروط المطلوبة لتكون سعيدا، لكن لو لم يتحقق الشرط الأول لن يتحقق شيء». أن تكون غبيا، يعني أن تمتنع عن التفكير، وتدع أمور الحياة تسير على ما هي عليه، مثلما تفعل الحيوانات تماما. فلا نكثر في البحث عن الأسباب والمسببات، ونرضى بالتالي، بالنظرة المألوفة العادية الاعتيادية، مثلما يفعل الجميع. أما العنصر الثاني، الذي يتحدث عنه فلوبير، فهو الصحة. فمن دون صحة جيدة، لا يمكن أبدا للرجل أن يكون سعيدا. أما الأنانية، فتجعلنا نظن أن العالم ملك لنا، وأنه كله يشتغل من أجلنا، فيرتد كل شيء على الذات التي تسعد بهذا الإحساس إذ تكون هي المركز.
يعتبر الوعي بمثابة الميزة الأساسية التي يتسم بها الإنسان. فالفكر هو الخاصية الأساسية التي تعلو بالإنسان عن باقي الكائنات الأخرى. هكذا، فالفيلسوف الفرنسي بليز باسكال، يقول في «التأملات»، إن الإنسان مجرد قصبة، بل هي من أضعف القصبات. لكن المهم ليس ضعف هذه القصبة، بل إنها قصبة تفكر. فالفكر يؤسس عظمة الإنسان. يضيف باسكال أن الإنسان من حيث الجسد يتسم بالضعف، ويمكن لأي قوة في الكون مهما كانت بسيطة، أن تقضي عليه. إلا أن قوته تتجلى بالأساس في فكره ووعيه. إن عظمتنا تكمن في قدرتنا على الوعي ببؤسنا وبؤس العالم الذي نعيش فيه. فالأشجار، ليس بمقدورها أن تعي بؤسها دائما، حسب بليز باسكال. لكن فيم سيفيدنا الوعي بهذا البؤس، إذا كان هذا الوعي غير قادر على تخليصنا منه؟ في الحقيقة، إن هذا التصور التراجيدي، تبلور كثيرا في تاريخ الفلسفة، يمكن أن نجده عند فريديريك هيغل وفريديريك نيتشه، وكذلك آرثور شوبنهاور. هؤلاء جميعا، عبروا في كثير من كتاباتهم، على الرغم من بعض الاختلافات، عن كون الوعي سببا في شقاء البشر. إنه يجعلنا نعي نقصنا وعوزنا، كما لو أنه لعنة نحملها في صميمنا. هو سبب شقائنا عوضا عن أن يكون سبب سعادتنا.
يورد الكاتب الفرنسي فريديريك لونوار، في كتابه «السعادة: تاريخ موجز»، الصادر عن دار التنوير للطباعة والنشر، ترجمة خلدون النبواني، 2015، قصة للكاتب الفرنسي فولتير، لا تخلو من بعد فلسفي تأملي، عنوانها قصة براهمان طيب L›histoire d›un bon brahminKK، حيث يتحدث فولتير عن ضيق أحد البراهمان الهنود الحكماء وتعاسته الناتجة من عدم قدرته على الحصول على أجوبة تكون مقنعة للأسئلة الميتافيزيقية التي لا يني يطرحها على نفسه، في حين كانت تعيش إلى جانبه امرأة متعصبة جاهلة، لم تفكر للحظة واحدة في حياتها، في أي من تلك الأفكار التي تشغل بال البراهمان. ومع ذلك، فقد كانت تبدو أسعد نساء الأرض. جوابا على سؤال وجه لهذا البراهمان: ألا تشعر بالخجل لكونك تعيسا في الوقت الذي تعيش فيه إلى جوارك عجوز، لا تزيد عن كونها دمية متحركة لا تفكر بشيء، وهي بذلك تعيش هانئة البال؟ يرد الحكيم: «معكم حق، لقد قلت لنفسي مائة مرة، إنني سأصير سعيدا لو كنت ببلاهة جارتي. ومع ذلك، فإنني لا أرغب في سعادة كتلك». إن مشكلة الأحمق السعيد، في نظر فريديريك لونوار، تكمن في كونه يغوص في السعادة الدائمة، طالما هو جاهل، أو طالما ظلت الحياة لا تعانده. فسعادته تكمن في غياب المسافة التفكرية في الحياة والموت والألم.
هل نرغب نحن بسعادة كتلك؟ هل نكون مجرد حمقى سعداء؟ صحيح أن التصور الحالي للسعادة، لا يختلف عن ذلك الذي تحدث عنه غوستاف فلوبير وفولتير. فمجتمعنا جعل من التفكر والبحث الفلسفي، أمرا مرذولا وشقاء لا طائل من ورائه. بل أكثر من ذلك، يجري تهميش أصحابه ونعتهم بالحمق والجنون، انطلاقا من معايير مقلوبة. فارتبطت السعادة بالاستهلاك غير المعقلن واللا محدود، الغرق في اللذة والمتعة غير محسوبة العواقب. أما المعرفة فهي تلك التي يرجى من ورائها نفع مادي ملموس. وعلى الرغم من إغراءات الجهل ولذته، فإنه سرعان ما يصيبنا بالألم والأسى. في الوقت الذي نشعر فيه بجهلنا، فسنكون بالتأكيد سعداء، في حال شكل شخص بالنسبة لنا نموذجا أخلاقيا وقدوة سلوكية، تعتبر مثلا بالنسبة لنا، لنعرف حقيقته التي هي عكس ما يدعيه، وعلى الرغم من الأسى المرادف للحقيقة، التي سنطلع عليها، فإننا سنفضل ألم الحقيقة على لذة الغباء والجهل. كما أننا سنفضل أن نعرف أن البركان الموجود في مدينتنا على وشك الثوران، حتى نعيره الانتباه لإنقاذ أنفسنا، عوضا عن أن نبقى مستمتعين بجهلنا، يقينا منا أنه بركان خامد، كما قد تسوق السلطات لذلك.
بكل بساطة يمكن القول، إن الجهل مهين لكرامتنا، والسعادة ليست في الجهل وإنما في حياة العقل والتفكير مهما أزعج ذلك عالمنا، ومهما قض مضاجعنا. لا يمكن أن نرضى لأنفسنا، بسعادة العجماوات والجهل والإيمان الأعمى، كما عبر عن ذلك نجيب محفوظ في «خان الخليلي» بقوله: «فتش عن السعادة الحقة على ضوء العلم والعرفان. فإذا وجدت مكانها قلقا وسخطا وشقاء، فتلك آيات الحياة الإنسانية الفاضلة الحقيقية، بتطهير المجتمع من نقائصه والنفس من أوهامها الحقيقية، ببلوغ السعادة الحقة».
* أستاذ فلسفة



اغترابٌ واندماجٌ: سِكّتان لا تُفضيان إلى أي مكان

اغترابٌ واندماجٌ: سِكّتان لا تُفضيان إلى أي مكان
TT

اغترابٌ واندماجٌ: سِكّتان لا تُفضيان إلى أي مكان

اغترابٌ واندماجٌ: سِكّتان لا تُفضيان إلى أي مكان

على شاطئ البحر، في بلدة بمرفأ صغير اسمها «الحنيّة» بالجبل الأخضر في ليبيا، طلب فجأة ضارب دفٍّ بدوي في حفل عرس من شاب سوري مسيحي، ماروني المذهب، اسمه إميل شيباس، أن يريه كيف يرقصون في الأعراس في البلاد التي جاء منها. وافق الماروني الشاب على الطلب، وعلّم ضارب الدف دقة الدبكة، ونهض ليرقص. كان الشاب الماروني آنذاك قد أصبح تاجراً غنياً، وصل إلى الحنيّة قادماً من بنغازي محمّلاً ببضائع لفرع تجاري استحدثه في سوقها، وأوكل مهمة تشغيله لعمه. وهو يستعد لأداء رقصة الدبكة تساءل في نفسه: هل كان يتغلب على اغترابه برقصة فلاحين؟ وأجاب: «اغترابٌ واندماج: سِكّتان لا تفضيان إلى أي مكان».

ارتأيتُ اختيار هذه الفقرة من رواية «الماروني الشاب» لتكون مفتتحاً لمقالتي، من بين كل الرواية الصادرة حديثاً عن «دار الفرجاني» الليبية، بترجمة من اللغة الإيطالية إلى العربية قام بها السوري معاوية عبد المجيد. الرواية من تأليف كاتب اسمه ألساندرو اسبينا، وصدرت باللغة الإيطالية عام 1971، وهذه المرة الأولى التي تُترجم فيها إلى العربية. وهي صغيرة الحجم، 237 صفحة من القطع الصغير، إلا أنها كبيرة المحتوى عميقة المعنى. وحين نرفع الغطاء عن اسم ألساندرو اسبينا، نكتشف أنه سوري ماروني الأصل والمذهب، اسمه باسيلي شفيق خزّام، وُلد عام 1927 في مدينة بنغازي الليبية، ودرس في إيطاليا وعاد منها للعمل في مصنع نسيج تملكه العائلة، ولم يغادرها إلا في أواخر السبعينيات من القرن الماضي، بعد تطبيق سياسة التأميمات من قبل نظام العقيد القذافي، فهاجر إلى إيطاليا وتُوفي فيها عام 2013.

وهذه الازدواجية في السيرة الذاتية للكاتب هي نفسها التي تسكن بطله الروائي؛ لذلك أرى أن الرواية سيرة روحية وفكرية لألساندرو اسبينا، صاغ فيها أزماته الذاتية وسؤال هويته المركّبة بلغة روائية شفافة وممتلئة بالحنين والتأمل. وهو، في رأيي، ليس بالأمر الفريد؛ إذ يمكن رصد تلك المشاعر في أغلب كتابات وإبداعات الكتّاب الذين يعيشون في المهاجر وبلاد الغربة. ولذلك ليس من المستغرب أن يشعر اسبينا بأنه «غريب في إيطاليا وغريب في الشرق». ورواية «الماروني الشاب» تجسيد حيّ لهذه الحالة من الشعور بالاهتزاز بين ضفتين، والبحث عن معنى للانتماء في عالم يتغيّر بسرعة وتُمزّقه التحولات السياسية. وهذا ما يجعل الماروني الشاب (إميل شيباس) يصل إلى تلك النقطة المحورية في حياته كمهاجر، لدى اكتشافه أن الاندماج والاغتراب سِكّتان لا تفضيان إلى أي مكان.

ألساندرو اسبينا، رغم شهرته الأدبية في إيطاليا وفوزه بعدد من الجوائز الأدبية الكبرى، ظلّ غير معروف في الساحة الثقافية العربية، وهذه المرة الأولى التي يُقدَّم فيها إلينا، وكأنه بذلك يعود إلى لغته الأم. وروايته هذه مميزة على مستوى الشكل والمضمون، ومن السهل تصنيفها تحت خانة أدب ما بعد الاستعمار.

في أدب ما بعد الاستعمار التقليدي غالباً ما يأتي النصّ إما برؤية المستعمِر (بكسر الميم) الذي يركّز على «رسالة التنوير» أو نقد الهامش، وإما برؤية المستعمَر (بفتح الميم) الذي يكتب عن المعاناة والمقاومة. لكن ألساندرو اسبينا فكّك في هذه الرواية هذه الثنائية الحادة. فهو، بصفته كاتباً نشأ في بنغازي ضمن عائلة شرقية مارونية، ويكتب باللغة الإيطالية، استطاع أن ينظر إلى التجربة الاستعمارية بعين متفردة؛ يدرك آليات السلطة الإيطالية، وفي الوقت نفسه يرتبط وجدانياً وجغرافياً وثقافياً بالبيئة المحلية والمجتمع الشرقي. لذلك، بدلاً من الخطاب الآيديولوجي الفاقع، يلجأ بذكاء وجمال إلى التحليل النفسي والاجتماعي؛ أي إلى التدقيق التاريخي المجهري، بالتركيز على تفاصيل حياة تاجر شاب مغترب.

وصل الشاب الماروني إميل إلى بنغازي قادماً بشحنة من ميناء الإسكندرية ليبيعها فيها، طامحاً إلى أن يبني مستقبلاً تجارياً، فوجدها تتهيأ لمقاومة غازٍ إيطالي قادم على ظهر بوارج حربية. لكن الحرب وانعكاساتها لم تقف حاجزاً بينه وبين تحقيق هدفه التجاري. فالشاب الماروني يجيد التحدث مع السكان بلسانه العربي، ويتعبّد في الوقت ذاته بدين الإيطالي الغازي. وكان سميرت أفندي، التاجر رفيقه في الرحلة من الإسكندرية، جسره الذي رمته المصادفة في طريقه، وعبره وصل إلى تجار المدينة وأهلها. وسميرت أفندي مات مشنوقاً فيما بعد على أيدي الإيطاليين.

نحن حقاً أمام روائي متميز، يغزل نسيج أحداثه بدقة وجمال، مستفيداً من الوثائق التاريخية، ويشيّد أمامنا عالماً روائياً آسراً. تبدأ الرواية من حدث صغير في إيطاليا، وتنتهي في منطقة برقة نهاية تراجيدية. هنا تحديداً أرى أن العنوان «الماروني الشاب» مُضلِّل بعض الشيء؛ فالبطل الحقيقي للرواية، في تقديري، هو ضابط إيطالي اسمه مارتيلو، يختفي فجأة في مقبرة إغريقية، ويُعَدّ مفقوداً في سجلات القيادة العسكرية الإيطالية. واختفاؤه دون تفسير قاطع يتحول إلى استعارة للمصير الغامض الذي ينتظر كل من يقف على الحدود بين ضفتين؛ فكما يذوب مارتيلو في تراب الأرض التي جاء ليستعمرها، يذوب إميل شيباس بين هُويتين لا تمنحانه انتماءً كاملاً لأيّ منهما. وبهذا يصبح اختفاء الضابط هو المفتاح الرمزي الحقيقي للرواية.

قد أفشل في تعريف «الملحمة»، لكني متى عثرتُ بواحدة أعرفها. وقد أُخفق في تعريف «الرواية»، لكني متى قرأتُ واحدة أتبيّنها. ورواية «الماروني الشاب» ملحمة روائية بامتياز، وهي في نفس الوقت تضعنا أمام سؤال هويتها ذاتها: هل تنتمي لنا ولأدبنا كما ينتمي كاتبها، أو أنها تنتمي إلى اللغة التي كُتبت بها والبلد الذي اختاره كاتبها مقراً ومستقراً للعيش ودُفن فيه؟

* كاتب ليبي


الأرض تواجه الغرباء... في «حوض ريان»

الأرض تواجه الغرباء... في «حوض ريان»
TT

الأرض تواجه الغرباء... في «حوض ريان»

الأرض تواجه الغرباء... في «حوض ريان»

يبدو الريف لمن يراه على البعد بعين سائح بقعة ساحرة من الطبيعة، حيث الماء والحياة البسيطة التي يرفل أصحابها في نعيم الهدوء والبال الرائق بعيداً عن الهموم والمتاعب، لكن رواية «حوض ريان»، الصادرة عن دار «الشروق» بالقاهرة للكاتب إبراهيم المطولي، تكشف عن وجه آخر للريف تتعرض فيه أراضيه الزراعية لمؤامرة يقودها «الغرباء» تحت عناوين براقة مثل استخراج كنوز، بينما تخفي الحقيقة مطامع أخرى.

وإذا كان المصري القديم حفر وصيته على الحجر منذ آلاف السنين قائلاً: «لا تنقل الحدود ولا تتعد عليها لأن الظالم تُنتزع أمتعته من يد أطفاله»، يبدو هنا أن الزمن قد دار دورته لتتوارى الوصايا القديمة خلف عجلات المعدات الثقيلة.

في قرية تضبط ساعتها على مواقيت الري وحركة الشمس، يهبط غرباء بخوذات صفراء وخرائط صامتة لا يحملون فؤوساً للزرع بل أوتاداً لتقسيم ما لا يقسّم. فجأة تتحول الأراضي الآمنة إلى مسرح لانتظارٍ ثقيل، ويجد أهالي القرية مثل سعيد الديب والحاج معوض أنفسهما أمام عدو بلا ملامح يهدد باقتلاع جذور ضاربة في عمق التاريخ.

وبينما تموج المدن البعيدة بصخب الثورات وهتافات الميادين تدور هنا في الصمت معركة أشرس بين زمنين؛ زمن الأرض البطيء الراسخ، وزمن المصالح السريع الجارف، عبر حكاية عن الخوف وعن اللحظة المصيرية التي تتحول فيها الأرض من أم تمنح الأمان إلى عبء قد يكلف أصحابه حياتهم، في نص يرصد التحولات العميقة في الريف المصري.

ومن أجواء الرواية نقرأ:

«في أرضه المستوية، تمشي مجاري المياه والخلجان مثل الخطوط في راحة اليد، تتغير محاصيله باختلاف الموسم فيتغير وجه الأرض من الأخضر إلى الأصفر وقليلاً ما يكون أسود بانتظار المياه.

لذا كان سهلاً على الجالسين معه، رغم أن أعينهم أصابها الضعف نتيجة التعرض المستمر للشمس وذرات التراب، رؤية صلاح البحار وقد أتى ممسكاً بسبحته الكهرمان ويرفع طرف جلبابه الأزرق الزاهي بإصبعه. ربما هي حركة لإظهار الرفعة أو منعاً لملامسة تراب الأرض وروث البهائم، يظهر تحت أكمامه الواسعة القفطان الأبيض، كما يلبس حذاء أسود وليس (بُلغة) كما ينتعل بقية الرجال هنا.

الجالسون تحت تكعيبة العنب يتلقون نسمة هبت فحملت إليهم عطره فانفتحت له القلوب حتى قبل الحضور التام، ورغم علمهم بكل تاريخه - الحقيقي منه والمختلق - فإنهم لا يستطيعون منع أنفسهم من محبته والانجذاب إلى حديثه والنظر بفرح في وجهه الأبيض المتورد، يعجبون بضحكته العالية وسجائره المختلفة، حتى الصغار الذين يلعبون (السيجة) يتركونها ويحدقون في القادم.

يقولون إنه في المرات القليلة التي خلع فيها جلبابه رأوا دق وشم امرأة فوق منطقة القلب، كما رأوا أيضاً اعوجاجاً في ساعده الأيمن نتيجة عضة حمار وهو صغير».


رواية مرشحة لـ«غونكور» قد يكون مؤلفها الذكاء الاصطناعي

الكاتب الكندي-الهاييتي تيليسون أوريليان
الكاتب الكندي-الهاييتي تيليسون أوريليان
TT

رواية مرشحة لـ«غونكور» قد يكون مؤلفها الذكاء الاصطناعي

الكاتب الكندي-الهاييتي تيليسون أوريليان
الكاتب الكندي-الهاييتي تيليسون أوريليان

زلزال قوي ضرب المشهد الأدبي الفرنكفوني، بعد الشبهات التي أُثيرت حول رواية «كان ذلك أو الموت» للكاتب الكندي - الهاييتي تيليسون أوريليان، واتهامه بالاستعانة بالذكاء الاصطناعي في كتابتها. وما لبث هذا الجدل أن تجاوز مصير الرواية نفسها ليطرح سؤالاً وجودياً: كيف نثبت أن نصاً أدبياً من صنع إنسان، حين تعجز الكاشفات الآلية عن الفصل بين إبداع الكاتب وصنيع الخوارزمية؟

الرواية التي فتحت باب الجدل صادرة عن دار «غراسيه»، حازت جائزة مكتبات «فناك»، ورُشّحت للقائمة الأولى لجائزتي «غونكور» و«رونودو». غير أن حساباً مجهولاً على منصة «إكس»، يحمل اسم «افضح مستخدمي كلود»، اتهم الكاتب بتأليفها كلياً تقريباً بواسطة الذكاء الاصطناعي، مستنداً إلى نتائج برنامج «بانغرام» المتخصص في كشف النصوص المولّدة آلياً. وفي ساعات قليلة، تحولت الشبهة إلى زلزال في موسم أدبي كان أوريليان أحد نجومه الصاعدين، فيما تجاوزت مبيعات الرواية 35 ألف نسخة في فرنسا. موقف الكاتب كان سريعاً وقاطعاً، حيث قال إنه يحب الإبداع والكتابة، ولا يرى سبباً يدفعه إلى الاستعانة بآلة خاصة، وإنه بدأ بالتحضير في هذه الرواية منذ 2017، معلناً، بالتعاون مع ناشريه، إعداد ملف يوثّق مراحل ولادة المخطوط. ودافعت دار «غراسيه» عن كاتبها، ووصفت الاتهامات بأنها «أخبار كاذبة»، مشككة في صلاحية أدوات الكشف التي قد تعطي نتائج خاطئة حتى عند اختبار نصوص قديمة.

على أن اختبارات أجرتها وسائل إعلام فرنسية، بينها «لوموند» و«فرانس إنفو»، أظهرت نتائج متناقضة. فبينما أشار برنامج «بانغرام» إلى احتمال يتجاوز 95 في المائة بأن تكون بعض المقاطع مولّدة بالذكاء الاصطناعي، خلصت أدوات أخرى إلى أن المقاطع نفسها كُتبت على الأرجح بواسطة إنسان. هذه المفارقة تكشف عن أن الرقم الذي يظهره الكاشف ليس حكماً نهائياً، بل مجرد تقدير احتمالي يتأثر بطول المقطع، وبطبيعة اللغة، وبدرجة انتظام الأسلوب.

جامير نازير

وتضع هذه التناقضات لجان الجوائز الكبرى أمام مأزق غير مسبوق. فقد أقرّ فيليب كلوديل، رئيس أكاديمية «غونكور»، بأن الأكاديمية لا تملك الوسائل التقنية أو البشرية أو الخبرة العلمية اللازمة للتحقق من استعمال الذكاء الاصطناعي في نص أدبي، داعياً إلى الحذر وعدم التعامل مع نتائج الكاشفات بوصفها أدلة قاطعة. أما الكاتب والعضو في لجنة «غونكور» بيير أسولين، فأكد أن القضية ستُناقش حتماً داخل الأكاديمية.

غير أن السؤال لا يتعلق فقط بإمكان اكتشاف استعمال الذكاء الاصطناعي، بل أيضاً بحدود سلطة لجان التحكيم. هل يحق للجنة أن تستبعد رواية مرشحة بناء على تقرير آلي قابل للخطأ؟ وهل تُعامل الاستعانة بالآلة في البحث أو الترجمة أو تصحيح اللغة معاملة استخدام الذكاء الاصطناعي في توليد الفقرات والشخصيات والحبكة؟ إن غياب تعريف دقيق لهذه المستويات قد يحوّل الجوائز الأدبية إلى محاكم مفتوحة، يكون فيها الكاتب مطالباً بإثبات براءته بدلاً من أن تكون الجهة المتهمة مطالبة بتقديم الدليل.

وليست قضية أوريليان الأولى من نوعها. فقد وُجّهت، قبل أشهر، تهمة مماثلة إلى الكاتب جامير نازير، الفائز بجائزة أفضل قصة قصيرة في مسابقة تابعة لمؤسسة الكومنولث، قبل أن تبرّئه لجنة التحقيق بعد أسابيع من التدقيق. وفي الولايات المتحدة، دفعت فضائح مشابهة جمعية كتّاب الخيال العلمي والفانتازيا إلى تشديد قواعد جوائز «نيبولا»، وصولاً إلى منع استخدام الذكاء الاصطناعي التوليدي في الأعمال المرشحة.

وتشير هذه السوابق إلى أن الجوائز الأدبية قد تتجه مستقبلاً إلى فرض إقرارات رسمية على المؤلفين، لتحديد الأدوات التي استعانوا بها، وطبيعة استخدامها، والمقاطع التي طالها ذلك الاستخدام. وقد تطلب لجان التحكيم، عند وجود شبهة جدية، الاطلاع على المسودات المتتابعة، والملاحظات الشخصية، وسجلّات العمل، والمراسلات مع المحرر. غير أن هذه الإجراءات قد تصطدم بسرّية العملية الإبداعية، وبحق الكاتب في الاحتفاظ بمختبره الداخلي بعيداً عن أعين المؤسسات.

أما دور النشر، فهي مرشحة بدورها لتغيير قواعد التعامل مع المخطوطات. فقد بدأت سياسات جديدة تظهر في قطاع النشر، تقوم على طلب الإفصاح عن استخدام الذكاء الاصطناعي، والتمييز بين المساعدة التقنية المحدودة وتوليد النص نفسه. ومن بين الدور التي اتخذت خطوات في هذا الاتجاه «بنغوين راندوم هاوس» و«هاربر كولنز»، وهما من كبرى دور النشر الأنغلوسكسونية. وفي المقابل، لم تعتمد دور النشر الفرنسية الكبرى، مثل «غاليمار» و«غراسيه» و«سوي»، حتى الآن سياسات مماثلة معلنة على نطاق شامل، رغم أن الضغط المتصاعد قد يدفعها إلى ذلك قريباً.

وقد تظهر على الأغلفة في المستقبل علامات من قبيل «كتابة بشرية» أو «إبداع إنساني»، على غرار الشهادات التي تميز المنتجات المصنوعة وفق شروط معينة. غير أن اعتماد مثل هذه الشهادة لن يحل المشكلة كلها. فهل ستقوم على تصريح المؤلف وحده؟ أم على فحص تقني؟ أم على سجل رقمي يرافق الرواية منذ مسودتها الأولى؟ إن الاتجاه الأكثر واقعية لا يبدو قائماً على البحث عن «بصمة آلية» داخل النص، بل على توثيق مسار الكتابة: من فعل ماذا، ومتى، وبأي أداة، وفي أي نسخة؟ وهذا ما يسميه بعض الباحثين «سلسلة حيازة النص»، أي الانتقال من سؤال ثنائي: «هل كتب الإنسان أم الآلة؟» إلى سؤال أكثر دقة: «ما حجم مساهمة كل طرف في كل مرحلة؟».

قد تظهر على الأغلفة في المستقبل علامات من قبيل «كتابة بشرية» أو «إبداع إنساني»، على غرار الشهادات التي تميّز المنتجات المصنوعة

غير أن أخطر ما في الاعتماد على كاشفات الذكاء الاصطناعي هو احتمال إنتاج شكل جديد من التمييز يمكن تسميته «العنصرية الأدبية الخوارزمية». فهذه البرامج لا تقرأ الأدب كما يقرؤه الناقد، ولا تفهم التجربة التاريخية أو الثقافية التي أنتجت النص، بل تبحث عن مؤشرات إحصائية مثل انتظام الجمل، وتوقّع المفردات، وتكرار البنى، وانخفاض المفاجأة اللغوية. وقد تبدو هذه السمات، بالنسبة إلى البرنامج، علامات على تدخل الآلة، مع أنها قد تكون نتيجة طبيعية لتكوين الكاتب أو للغة التي يكتب بها.

وقد أظهرت دراسات على نصوص كتبها أشخاص غير ناطقين أصلاً بالإنجليزية أن كاشفات عدة صنّفت نسبة كبيرة منها على أنها مولّدة بالذكاء الاصطناعي، رغم أنها نصوص بشرية خالصة. ويرتبط ذلك بكون الكاتب الذي تعلم اللغة لاحقاً يميل أحياناً إلى مفردات أكثر شيوعاً، وجمل أكثر انتظاماً، وتراكيب أقل انحرافاً عن القاعدة؛ وهي عناصر قد تفسرها الخوارزمية بوصفها «قابلية للتنبؤ»، لا بوصفها أثراً للتعلم أو لاختيار أسلوبي. وتكتسب هذه الملاحظة أهمية خاصة في حالتي جامير نازير، الذي يكتب بالإنجليزية وهو من ترينيداد، وتيليسون أوريليان، المولود في هايتي والذي يكتب بالفرنسية.

وتكتسي هذه المسألة حساسية أكبر في الأدب الفرنكفوني، حيث يكتب كثير من الروائيين بالفرنسية بوصفها لغة ثانية أو ثالثة، ويحملون إلى النص إيقاعات العربية أو الكريولية أو اللغات الأفريقية والكاريبية. فهل يمكن أن يُعاقب الكاتب لأنه يكتب فرنسية معيارية؟ أو لأن أسلوبه لا يشبه الأساليب المكرّسة في المركز الأدبي الباريسي؟ وهل تصبح اللغة الأدبية المقبولة هي تلك التي تبدو «أكثر بشرية» في نظر برنامج صُمّم غالباً على عينات محدودة ومتحيزة؟

يدافع أوريليان عن أسلوبه باعتباره امتداداً لتقاليد سردية هايتية وكاريبية، تتسم بالتكرار والإيقاع والعودة إلى الصور ذاتها. وقد تُقرأ هذه الخصائص، خارج سياقها الثقافي، باعتبارها دليلاً على تدخل آلة تعيد الصياغة أو تكرر الأنماط. هنا لا يعود الخطر تقنياً فقط، بل هو ثقافي أيضاً: فقد تتحول الخوارزمية إلى حارس صامت، يفضّل النصوص التي تقترب من نموذج لغوي واحد، ويشكك في النصوص الهجينة والمهمشة والمكتوبة من أطراف المجال الأدبي.