وحدة مصر الوطنية في مرمى الإرهاب

تفجير الكنائس سلاح جماعات العنف الجديد

وحدة مصر الوطنية في مرمى الإرهاب
TT

وحدة مصر الوطنية في مرمى الإرهاب

وحدة مصر الوطنية في مرمى الإرهاب

لم يشأ عام 2016 أن يسدل أستاره من دون أن يدمي قلوب المصريين بمجزرة إرهابية مروعة أخرى كان مسرحها الأسبوع الماضي بالكنيسة البطرسية، الملحقة بالكاتدرائية المرقسية في العاصمة القاهرة.
المجزرة الجديدة تأتي لتنفخ في نار فتنة يُراد منها تهديد وحدة مصر الوطنية بين مسلميها ومسيحييها، معرضة نسيج المجتمع المتماسك لحالة من الاضطراب عبر تنفيذ عمليات إرهابية كبرى تستهدف الكنائس، وتوقع عشرات الضحايا من الأبرياء. كذلك، فهي تأتي بعد أشهر من مكافحة السلطات المصرية عددا من الاعتداءات الطائفية، كان آخرها في سبتمبر (أيلول) الماضي بمحافظة المنيا بصعيد مصر، التي شهدت وحدها ما يقرب من 6 اعتداءات خلال شهرين فقط.
جدد حادث تفجير الشاب محمود شفيق نفسه في الكنيسة البطرسية الملحقة بالكاتدرائية المرقسية، التي تضم المقر البابوي، في حي العباسية بالعاصمة المصرية القاهرة، وإعلان تنظيم داعش مسؤوليته عن التفجير، الحديث عن أن الوحدة الوطنية باتت في مرمي نيران الجماعات المتطرفة.
البعض يرى أن «الأحداث الأخيرة التي تستهدف الأقباط، خصوصًا، هدفها الوحيد التخلص من الطرفين المسلمين والمسيحيين بأيديهم.. وأن أصعب شيء يمكن السيطرة عليه هو تفلت أركان الوحدة الوطنية». وللعلم، وفقًا لتقديرات غير رسمية تتراوح نسبة المسيحيين الأقباط في مصر بين 10 و15 في المائة من عدد السكان. ولقد سادت أجواء المحبة بين المسلمين والمسيحيين على امتداد العصور، مع أنه كانت تطرأ بين حين وآخر خلافات. وفي الآونة الأخيرة بينهما، لوحظ أن بعض الخلافات ناجم بسبب «علاقات عاطفية» بين فتاة مسيحية وشاب مسلم أو العكس، أو مشاجرات بسبب لعب الأطفال، أو خلافات بسبب الجيرة، وتتسبب في إزهاق أرواح وحرق ممتلكات.

الهدف إحداث فتنة
الخبير الإعلامي حسام شاكر قال في لقاء معه: إن الأحداث الإرهابية المتلاحقة بمصر «تسعى إلى إحداث وقيعة بين المسلمين والمسيحيين. وكلما تم تضميد جراح أهالي الضحايا تخرج العمليات التفجيرية لتطل برأسها مركزة على أماكن العبادة». وأردف «أن من يدقق النظر في الأحداث الأخيرة يكتشف أن هدفها الوحيد التخلص من الطرفين المسلمين والمسيحيين بأيديهم، فأصعب شيء يمكن السيطرة عليه هو تفلت أركان الوحدة الوطنية، فإذا أرادت بعض الجماعات أن تهدم دولة، عليها أن تُحدث الوقيعة بين أطرافها في الدين، لأنه المحرك الوحيد لعزائم الرجال والنساء، وكلما زاد التوتر، فترت العلاقات بين الأطراف كافة».
في المقابل، يعتقد الدكتور خالد الزعفراني، الخبير في شؤون الجماعات الإسلامية، إن «الوحدة الوطنية في مصر ليست مُهددة، ولن تُحدث أحداثًا مثل التي شهدتها البلاد في أوائل ثمانينات وسبعينات القرن الماضي»، لافتا إلى أن الحوادث التي تحدث «فردية من بعض الأشخاص وفي أماكن متفرقة، فالأقباط كانت لهم مطالب محددة تتلخص في حرية بناء الكنائس، وهو المطلب الذي ظل يطالبون به منذ ما يقرب من 40 سنة، وحقق لهم الرئيس عبد الفتاح السيسي هذا المطلب، فليس هناك مشكلة عامة مع المسلمين». وتابع أن الجماعات التكفيرية توجه نشاطها ضد المسيحيين لإحداث فتنة طائفية، فضلا عن وجود مخطط خارجي من بعض الدول لإحداث الفتنة في مصر.

الشوقيون
الزعفراني كشف عن أن مدينة الفيوم (القريبة من القاهرة) تضم جماعات تكفيرية تعرف باسم «الشوقيون» وهؤلاء اعتادوا الاعتداء على محال الأقباط، وبخاصة محال الذهب التي يمتلكونها، ولديهم الجرأة ومبررات المواجهة مع المسيحيين، ونجحوا في ذلك من خلال الشاب محمود شفيق، ابن الفيوم، الذي فجر نفسه في الكنيسة البطرسية.
من ناحية أخرى، سبق أن دعا البابا تواضروس الثاني، بابا الإسكندرية بطريرك الكرازة المرقسية، المسيحيين والمسلمين، قبل مجزرة الكنيسة وقبلها، إلى ضبط النفس والتزام العقل والحكمة والسلام الاجتماعي والعيش المشترك، وغلق الطريق على كل من يحاول المتاجرة في أحداث المنيا الأخيرة، لإشعال الفتنة.
كذلك، أصدر الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي توجيهاته لكل الأجهزة المعنية بالدولة لاتخاذ ما يلزم من إجراءات لحفظ النظام العام وحماية الأرواح والممتلكات في إطار سيادة القانون. وأكد السيسي في حديث سابق له، أن الوقائع المثيرة التي تحدث بين المسلمين والمسيحيين «لا تُعبر بأي حال من الأحوال عن طبائع وتقاليد الشعب المصري العريقة، الذي أسس الحضارة البشرية وحارب من أجل نشر السلام».

مرارة... وعقل
وهنا، يرى مراقبون أن «عادة ما يتهم المسيحيون السلطات بعدم حسم أي نزاع طائفي مع المسلمين بشكل قانوني، وأنها دائما تفضل الحلول العرفية في مثل تلك الحالات». ومن جانبه، قال الزعفراني إن «هتافات الأقباط عقب حادث الكنيسة البطرسية في العباسية تُبين مدى المرارة التي يشعر بها بعضهم في المجتمع المصري، لكنه الرهان على ذكاء الأقباط وحكمتهم، وتفهمه أنه ليست لهم مشكلة مع المسلمين، إنما مشكلتهم مع الجماعات الإرهابية».
وفي السياق نفسه، يشدد خبراء وباحثون على أن فكر الجماعات الإرهابية لم يأت إلا بالخراب والدمار وتشويه صورة الإسلام والمسلمين، وأن «أكذوبة الموت في سبيل الله التي يروج لها أمثال هؤلاء المتطرفون (مثل ما اقتنع به محمود شفيق لتفجير نفسه) ما هي إلا عمليات انتحارية شوهت مفهوم الجهاد ولا تمت بصلة كونها ليست شهادة». إذ قال الدكتور ناجح إبراهيم، المفكر الإسلامي والقيادي السابق المنشق عن الجماعة الإسلامية: «أي رجولة وشهامة ودين يبيح لك أن تفجر أطفالا ونساء يتعبدون في أماكن عبادتهم (في إشارة لانتحاري الكنيسة البطرسية)؟».
وأضاف: «الإسلام أمر بعدم قتل الأطفال والنساء والمسنين في حالة الحرب، فما بالنا بغير حرب. وأن الإسلام لا يُمكن أن يناقض نفسه، وكل الأنفس معصومة ولم يقل من قتل مسلما؛ بل قال: نفسا، والأصل في النفوس العصمة، ومهمة المسلمين ليست القتل، بل الإحياء، وهناك إحياء مادي ومعنوي؛ فالإسلام لم يأت ليفجر الأكوان والناس، بل جاء للإحياء». ثم قال إن «التكفير أسوأ لوثة أصابت العقل المسلم، وأي جماعة تضع التكفير بندًا من بنود فكرة ولو لفرد واحد يقع في العنف وهذه حتمية واقعية عاجلا أو آجلا».
ولفت إبراهيم خلال مشاركته بندوة «الدعاوى المتطرفة ودورها في تفتيت الأمة ووحدتها»، التي عقدتها الرابطة العالمية لخريجي الأزهر أخيرًا في القاهرة، إلى أن «التكفير والتفجير وجهان لعملة واحدة، أما التكفير فهو نفس أحرف التفكير، والله تعالى أمرنا بالتفكير، وكل أمة وجماعة تترك وتقيد أبناءها بطريقة فجة لا بد يقعوا في التكفير، وحينما ينطلقون في التفكير لن يحدث تكفير». واستطرد: «إن أسوأ قاعدة وضعتها الجماعات التكفيرية هي (من لم يكفّر الكافر فهو كافر)». وأوضح أن مهمة المسلم أن يكون داعيًا وليس قاضيًا: «ومهمتنا كمسلمين هداية الخلائق وترغيب الناس في الحق، ثم بعد ذلك نحن دعاة لا ولاة ومسؤوليتنا عما نستطيع من فعل الخير، فكما أن لكل فرد وسعا في تطبيق الشريعة فلكل فرد وسع المعلوم من الدين بالضرورة يختلف من زمان لزمان ومن مكان لمكان، فمهمتك مهمة الفرد وليس الحاكم».

الاضطرابات الأمنية
جدير بالذكر، أن مصر تعيش اضطرابات أمنية كبيرة منذ «ثورة 25 يناير (كانون الثاني) 2011)» التي أطاحت بالرئيس الأسبق حسني مبارك. غير أن موجة العنف تلك باتت في وتيرة متزايدة عقب عزل الرئيس الأسبق «الإخواني» محمد مرسي مطلع يوليو (تموز) 2013.
وتخوض القوات المسلحة المصرية بمعاونة الشرطة حربًا كبيرة ضد تلك الجماعات منذ أشهر عدة، التي تستهدف قوات الشرطة والجيش. وتزايدت خلال الفترة الماضية وتيرة الهجمات على رجال الأمن في مصر، حيث بات رجال الجيش والشرطة هدفا يوميا لاعتداءات دامية تتنوع بين تفجير عبوات ناسفة وإطلاق نار، وقتل قبل أسبوع 6 من أفراد الشرطة إثر انفجار عبوة ناسفة استهدفت مرتكزين أمنيين في شارع الهرم السياحي في القاهرة.
ومع توالي الهجمات، زادت وزارة الداخلية من إجراءات تأمين مقراتها الشرطية فقامت ببناء جدران خرسانية حولها، وأغلقت الكثير من الطرق المؤدية للأقسام والمديريات، لكن ذلك لم يكف لإشعار رجال الشرطة بالطمأنينة، ظل أغلبهم ينتظر الموت في أي لحظة.

شمال سيناء
وراهنًا، تتركز التنظيمات الإرهابية الأكثر تنظيمًا وتدريبًا في شمال شبه جزيرة سيناء. وخلال عام 2014 نجح تنظيم «أنصار بيت المقدس»، الذي بايع تنظيم داعش، في بناء شبكة من الخلايا الإرهابية داخل وادي النيل نفذت عمليات كبرى، أبرزها تفجير مديريتي أمن القاهرة والدقهلية، ومحاولة اغتيال وزير الداخلية السابق محمد إبراهيم.
من جانبها، تسعى الدولة المصرية التي تحارب كل عناصر وجماعات الإرهاب والعنف دون تفرقة أو انتظار للتصنيف، لمحاولة حصار تمدد الجماعات والكيانات المسلحة أمنيا وسياسيا. ولذا، فرضت حالة الطوارئ في مربع العمليات العسكرية الذي يقع في الجزء الشمالي الشرقي من سيناء، وصدر قانون «مكافحة الإرهاب» لوضع تعريفات قاطعة لـ«الإرهاب» و«الإرهابي» و«الجماعات الإرهابية» و«الجريمة الإرهابية»، كما نص على العقوبات المستحقة بحق هذه الجرائم ومرتكبيها، في خطوة تهدف إلى تسهيل العمل القانوني والأمني في مواجهة تلك الظاهرة. وهي تسعى خلال الفترة المقبلة لتعديل قانون الإجراءات الجنائية، وإحالة الإرهابيين لمحاكمة عسكرية عاجلة.

التأثير في السياحة
من جهة ثانية، تعاني الحركة السياحية الوافدة إلى مصر انحسارا كبيرا منذ سنة عقب حادث سقوط الطائرة الروسية في أكتوبر (تشرين الأول) العام الماضي، وسط سيناء ومقتل جميع ركابها وعددهم 224، وتبنى «داعش» هذه العملية. ومن ثم، علقت عدد من الدول الغربية على رأسها روسيا وبريطانيا رحلات الطيران مصر؛ ما أدى إلى أزمات حادة في الاقتصاد المصري، الذي كان يعتمد على السياحة بشكل كبير يمثل قطاع السياحة 11.3 في المائة من اقتصاد مصر، ويدر 19.3 في المائة من إيراداتها بالعملة الصعبة.
فضلا عن ذلك، ما زالت أزمة الثقة بسلامة الإجراءات الأمنية في المطارات المصرية تلقي بظلالها، وبخاصة عقب اختطاف شخص مصري متزوج من قبرصية، أخيرًا، طائرة مصرية تعمل في رحلات الخطوط الداخلية والتوجه بها إلى قبرص بعد إيهام طاقمها بأنه يحمل حزاما ناسفا. وتسبب تحطم طائرة تابعة لشركة مصر للطيران في مايو (أيار) الماضي في رحلة عودتها إلى مصر آتية من مطار باريس - شارل ديغول الدولي في فرنسا في تبديد الجهود المصرية لعودة حركة الطيران إلى طبيعتها.

الصلة بـ«الإخوان»
هذا، ومنذ تفشي موجة الإرهاب عقب عزل مرسي انتشرت جماعات العنف المسلح التي تعمل على الأرض المصرية، وربطت الأجهزة الأمنية بعضها مباشرة بتنظيم «الإخوان». وحسب العميد السيد عبد المحسن، الخبير الأمني، فإن «جماعات العنف والإرهاب خرجت من رحم جماعة الإخوان الإرهابية... و(داعش) و(جبهة النصرة) و(أنصار الشريعة) و(التوحيد والجهاد) و(أنصار بيت المقدس) و(حركة التكفير والهجرة)، جميعها مُسميات لجماعة واحدة هي الإخوان، وأعضاء هذه التنظيمات المُسلحة كانوا أعضاء بجماعة الإخوان قبل أن يشكلوا تنظيمات مسلحة». وتابع قائلا: إن «التنظيمات الإرهابية تربت على كُتب سيد قطب ومنهجه، ولا تجد أحدا من هذه الجماعات الإرهابية مع اختلاف مسمياتها إلا وهو يعتقد بفكر سيد قطب، ويعتبره مثلا أعلى ونموذجا يحتذي به».
في السياق نفسه، قال مراقبون إن من أشهر جماعات العنف التي تستهدف قوات الشرطة والجيش، وتنفذ عمليات في سيناء وفي دلتا مصر تنظيم «أنصار بيت المقدس» (أو ولاية سيناء) الذي ظهر في عام 2011، وأعلن مبايعته «داعش»، ثم غيّر اسمه في نهاية عام 2014، ونفذ عددًا من العمليات الكبرى، معظمها داخل شبه جزيرة سيناء، استهدفت عناصر الجيش والشرطة والمنشآت العسكرية، إضافة إلى سكان محليين ورجال قضاء. وحاليًا، تدرج الولايات المتحدة «أنصار بيت المقدس» و«داعش» على لوائح الإرهاب، وهو ما يتسق مع الموقف الرسمي للسلطات المصرية، التي تضيف إلى القائمة جماعة «الإخوان» بصفته أحد تنظيمات الإرهاب. وترى السلطات المصرية أن الجماعة هي المحرك الرئيس وهمزة الوصل بين كل التنظيمات الإرهابية الناشطة في منطقة الشرق الأوسط بأكملها.
ويشار هنا إلى أن هناك حركات أخرى تبنت أعمالا إرهابية في البلاد مثل «أجناد مصر»، و«كتيبة المرابطين»، و«العقاب الثوري» و«كتائب حلوان»، وكلها مجموعات غير محددة التنظيم تتبنى أحداثا عشوائية يتصل أغلبها بالهجوم بالقنابل الحارقة (المولوتوف) على المنشآت والأفراد واستهداف تخريبي لأبراج الكهرباء في مختلف محافظات مصر، وتنتمي آيديولوجيا إلى جماعة الإخوان.
وأخيرا هناك «حسم» التي تقول الشرطة المصرية إنها حركة إخوانية، وهي التي تبنت حادث كمين الهرم الأمني الأخير، وسبق أن أعلنت مسؤوليتها عن عدد من العمليات الإرهابية، أبرزها محاولتا اغتيال مفتي البلاد السابق علي جمعة، والنائب العام المساعد زكريا عبد العزيز.

أبرز أحداث العنف ضد المسيحيين والكنائس في مصر
تعرض مسيحيو مصر على مدار العقود الماضية لأحداث عنف واعتداءات، استهدفت أشخاصا وممتلكات وكنائس، لأسباب مختلفة، بعضها عقائدي، والآخر جراء خلافات حول بناء الكنائس ومعاملات تجارية، وكذلك علاقات عاطفية مع مسلمين. ومن أبرز هذه الأحداث:
* حادث الكنيسة البطرسية الملحقة بالكاتدرائية المرقسية في القاهرة، عقب إقدام انتحاري على تفجير نفسه في الكنيسة في ديسمبر (كانون الأول) الحالي؛ ما أدى إلى سقوط 24 قتيلا ونحو 50 مصابا.
* تجريد سيدة مسيحية مسنة من ملابسها والاعتداء عليها بالضرب في مايو الماضي، بسبب شائعة وجود علاقة بين سيدة مسلمة ومسيحي بمدينة أبو قرقاص بالمنيا، أسفرت عن إحراق عدد كبير من منازل الأقباط.
* أحداث عنف وقعت بين مسلمين ومسيحيين في قرية كوم اللوفي بمركز سمالوط في محافظة المنيا خلال يونيو (حزيران) الماضي، أسفرت عن إحراق عدد من منازل الأقباط بعد تردد شائعات حول تحويل منزل إلى كنيسة. وبعدها بأيام تكرر المشهد ذاته في قرية أبو يعقوب.
* مقتل قس جراء استهدافه بوابل من الرصاص عقب مغادرته قداسًا بمدينة العريش في سيناء خلال يونيو الماضي، وأعلن تنظيم داعش مسؤوليته عن الحادث.
* مقتل نجل كاهن في قرية طهنا الجبل بمحافظة المنيا خلال يوليو الماضي، عقب هجوم متشددين على منزل الكاهن.
* تعدي جماعة الإخوان عقب فض اعتصامهم في ميداني رابعة العدوية والنهضة بالقاهرة في أغسطس (آب) عام 2013 على أكثر من 26 كنيسة جرى إحراقها، وأكثر من 155 كنيسة اعتدي عليها، بالإضافة إلى عدد من الجمعيات والمدارس التابعة للأقباط.
* الهجوم على كنيسة القديسين بمحافظة الإسكندرية في يناير عام 2011 خلال احتفال الأقباط برأس السنة الميلادية، وأسفر الهجوم عن مقتل 23 شخصا وجرح 79 آخرين.
* مطرانية نجع حمادي بمحافظة قنا في عام 2011، شهدت حادثة مأساوية بعدما فوجئ عدد من الأقباط أثناء خروجهم من مبنى المطرانية بسيارة خاصة يستقلها مجهولون ويطلقون عليهم النيران بشكل عشوائي؛ ما أدى إلى مقتل سبعة أشخاص مسيحيين وأمين شرطة مسلم وإصابة 9 آخرين.
* أحداث عنف شهدتها محافظة مطروح بشمال غربي مصر في عام 2011 بين مسلمين ومسيحيين، أصيب خلالها 30 شخصا، بينهم 7 من رجال الأمن.
* التعدي على كنيسة الشهيدين في صول بمركز أطفيح جنوب الجيزة عام 2011 ونهب وسرقة محتوياتها ومحاولة حرقها، على خلفية علاقة بين رجل مسيحي وامرأة مسلمة، وأصيب فيها عدد من الأشخاص.
* في عام 2011 اندلعت أعمال عنف طائفي بمنطقة إمبابة بشمال الجيزة (ضواحي القاهرة) أودت بحياة 13 شخصا، واندلعت الاشتباكات بعد حصار عشرات الإسلاميين المتشددين لكنيسة هناك، مطالبين باستعادة فتاة زعموا أنها كانت مسيحية وأسلمت وأنها مسجونة في الكنيسة.
* «أحداث ماسبيرو» محيط التلفزيون المصري عام 2011 بعد «ثورة يناير»، التي عرفت إعلاميا بـ«أحداث ماسبيرو»، وراح ضحيتها عشرات القتلى ومئات الجرحى، ووقعت الأحداث بعد مظاهرة للأقباط، احتجاجا على هدم مبنى اعتبره الأقباط كنيسة في محافظة أسوان جنوبي مصر.
* أحداث كنيسة العمرانية في عام 2010 أدت إلى اندلاع اشتباكات بين مسلمين ومسيحيين؛ ما أوقع جرحى.



قراءة أميركية للمفاوضات بين لبنان وإسرائيل

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)
وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)
TT

قراءة أميركية للمفاوضات بين لبنان وإسرائيل

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)
وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)

لم تكن «جولة المباحثات الثلاثية» التي استضافتها وزارة الخارجية الأميركية بين لبنان وإسرائيل والولايات المتحدة مجرد لقاء دبلوماسي نادر بين بلدين لا تربطهما علاقات رسمية، بل بدت في القراءة الأميركية اختباراً مركباً لثلاثة أمور دفعة واحدة: قدرة لبنان على التفاوض بصفته دولة ذات قرار، لا ساحة مفتوحة لتوازنات السلاح؛ وقدرة واشنطن على إدارة ملف شديد الحساسية بعيداً من ابتلاع الحرب الأميركية - الإسرائيلية مع إيران له؛ وقدرة إسرائيل على تحويل تفوقها العسكري مكسباً سياسياً وأمنياً دائماً، لا إلى مجرد جولة أخرى من الضغط تعقبها جولة جديدة من النار. لذا؛ لا تُقاس أهمية اللقاء فقط بما صدر بعده من أوصاف عن «أجواء مثمرة» أو «نقاشات مشجعة»، بل بما كشفه من فجوة لا تزال كبيرة بين ما يريده كل طرف: إذ لبنان يريد وقفاً لإطلاق النار يخفّف وطأة الكارثة الإنسانية ويمنع الانهيار الكامل، بينما إسرائيل تريد أن يكون أي تفاوض مدخلاً إلى نزع سلاح «حزب الله»، أما واشنطن فتحاول من جهتها الجمع بين المسارين من دون أن تقع في وهم أن هدنة سريعة تكفي وحدها لإنتاج استقرار مستدام.

في الواقع، لا تبدو مفاوضات واشنطن بالأمس بين إسرائيل ولبنان مدخلاً سريعاً إلى تسوية، بقدر ما تبدو اختباراً لما إذا كانت اللحظة الإقليمية الراهنة، مع تراجع القدرة الإيرانية على فرض إيقاعها السابق، يمكن أن تمنح لبنان فرصة نادرة لاستعادة بعض قراره السيادي.

غير أن هذا الاحتمال يصطدم بحقيقة يعرفها الأميركيون جيداً، هي أن المشكلة اللبنانية لا تكمن فقط في حجم الدمار أو في وطأة الانهيار الاقتصادي، بل أيضاً في أن الدولة نفسها لم تتمكن حتى الآن من تحويل خطاب السيادة سياسةً تنفيذيةً قادرة على احتكار السلاح والقرار.

ندى حمادة معوّض، سفيرة لبنان لدى واشنطن، التي مثلت بلادها في المباحثات (ا ف ب)

بين الرمزية والسيادة

من زاوية أميركية، تكمن أهمية الجولة، أولاً، في كونها كسرت محرّماً سياسياً لبنانياً أكثر ممّا حقّقت اختراقاً تفاوضياً فورياً. فلقد وصفها وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو بأنها «عملية لا حدث»، بينما شددت الخارجية الأميركية على أنها أول انخراط رفيع بهذا الحجم منذ 1993، مع توافق على إطلاق مفاوضات مباشرة في وقت ومكان يُتفق عليهما.

هذا بحد ذاته يعني أن واشنطن لا تنظر إلى اللقاء كترتيب أمني عابر، بل كبداية مسار طويل عنوانه إعادة تعريف العلاقة بين الدولة اللبنانية، وإسرائيل، وملف «حزب الله» معاً. وهنا تبرز أهمية ما قاله ديفيد شينكر، نائب مساعد وزير الخارجية الأسبق لشؤون الشرق الأدنى، في لقاء مع «الشرق الأوسط». فهو يرى أن أهمية اللقاء لا تكمن فيما سينجزه سريعاً، بل في أنه «مثّل ربما أول فعل سيادي ملموس من الحكومة اللبنانية منذ وقت طويل».

وحسب شينكر، فإن الحكومة اللبنانية اتخذت خلال الأشهر الماضية قرارات كبيرة، من نزع سلاح «حزب الله» جنوب الليطاني، إلى طرد السفير الإيراني، إلى حظر «الحرس الثوري»، إلا أن هذه القرارات لم تُنفّذ بسبب ضغط الحزب وإيران. ولذلك؛ فإن إرسال السفيرة اللبنانية للقاء نظيرها الإسرائيلي، رغم اعتراض «حزب الله» وطهران، هو في حد ذاته «تمرين سيادي» ينبغي البناء عليه لا التقليل من شأنه.

لكن هذه الرمزية لا تلغي حدودها، خاصةً أن التقارير الأميركية نفسها أظهرت أن أهداف الطرفين ليست واحدة. فلبنان ذهب عملياً طلباً لوقف إطلاق النار، وإعادة النازحين، وتخفيف الكارثة الإنسانية، في حين تطرّق الإسرائيليون إلى «رؤية بعيدة المدى» تتصل بترسيم واضح للحدود، ونزع سلاح «حزب الله»، وربما التمهيد لترتيبات أوسع لاحقاً. وبين هذين الموقفين مساحة شاسعة: بيروت تريد وقف النار قبل السياسة، وإسرائيل تريد السياسة الأمنية أولاً ثم تبحث في التهدئة. وعليه، تبدو الجولة مهمة لأنها كشفت عن الفجوة بوضوح، لا لأنها حلتها.

الخارجية الأميركية لمحت بعد اللقاء إلى إمكانات تتصل بالمساعدة في إعادة الإعمار وزيادة التمويل للجيش اللبناني

وفق شينكر: العقدة إسرائيل و«حزب الله»

السؤال الأكثر إلحاحاً هو ما إذا كان ممكناً التوصل إلى وقف لإطلاق النار شبيه بالترتيب الهشّ بين واشنطن وطهران، بما يسمح بفتح الباب أمام نتائج سياسية إيجابية. الجواب الأميركي الغالب، كما تعكسه تصريحات شينكر وديفيد داوود، الباحث في «مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات»، هو أن ذلك ممكن شكلياً وصعب جوهرياً. نعم، قد تنجح واشنطن في إنتاج تهدئة جديدة، لكن المشكلة أن كل تجربة تهدئة سابقة تحوّلت استراحةً أعادت فيها الأطراف التموضع من دون معالجة أصل النزاع: وجود قوة مسلحة خارج الدولة.

شينكر يذكّر بأن وقفاً للنار كان قائماً منذ نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، لكن «حزب الله» كسره يوم 1 مارس (آذار) 2026. ويضيف أن الحكومة اللبنانية التزمت يومها بنزع سلاح الحزب في كل البلاد، وأن الحزب سلّم بعض السلاح جنوب الليطاني، لكن أداء الجيش اللبناني «لم يكن بالمستوى المأمول» عملياً، ولم يُستكمل العمل شمال الليطاني من دون موافقة الحزب. وخلاصة شينكر، أن إسرائيل قد تخفّف وتيرة عملياتها، وقد «تزيد الحرص على تجنّب الخسائر المدنية»، لكنها لن تسمح بعودة الوضع الذي تلى وقف النار السابق، ولن تنهي وجودها في جنوب لبنان ما لم تر خطوات فعلية نحو حل مشكلة السلاح.

أما ديفيد داوود، فيذهب أبعد في تشخيص المأزق. ففي حديثه لـ«الشرق الأوسط»، يميز بين ثلاثة أنواع من «النتائج الإيجابية»: وقف قتال مؤقت يسمح لـ«حزب الله» بإعادة بناء نفسه؛ أو إعادة إنتاج دينامية ما بعد 27 نوفمبر 2024؛ أو خلق شروط هدوء دائم يمكن أن يقود يوماً إلى سلام.

وفي رأيه، لا يمكن اعتبار النتيجتين الأوليين إيجابيتين فعلاً، لأنهما تؤجلان الحرب التالية فقط. فالمشكلة، كما يقول، ليست مجرد ضعف الدولة اللبنانية، بل «انعدام رغبتها» كذلك في الذهاب إلى مواجهة حاسمة مع الحزب، ما دام أن الأخير لا يزال يحتفظ بقوة عسكرية كافية لردع أي محاولة داخلية لنزع سلاحه، ويحظى بدعم واسع داخل بيئته الشيعية يتيح له التلويح الدائم بخطر الحرب الأهلية.

هذا يعني - وفق داوود - أن عقدة التفاوض ليست فقط رفض إسرائيل وقف النار من دون ضمانات، بل أيضاً في امتناع لبنان عن التفاوض من موقع حسم داخلي. وهنا يصبح وقف النار، إذا حصل، أقرب إلى «تجميد للنزاع» منه إلى تسوية.

وهنا يحذّر داوود من أن عاملَي «إعطاء الوقت» و«التوافق الوطني» اللذين يكرّرهما الخطاب اللبناني الرسمي تحوّلا خلال السنوات الماضية «شيفرةً سياسية للّاعمل»، بما يمنح «حزب الله» الوقت والمساحة لاستعادة قوته كلّما ابتعد شبح الحرب المباشرة.

ماذا تستطيع واشنطن فعله؟

من جانب آخر، إذا كانت واشنطن تدرك أن نزع سلاح «حزب الله» بالقوة ليس أمراً مضموناً حتى لإسرائيل، فماذا تستطيع أن تقدم للبنان؟

الجواب، كما توحي القراءة الأميركية، مزيج من ثلاثة مسارات متوازية:

- دعم الجيش اللبناني

- إدارة السقف الإسرائيلي

- وربط إعادة الإعمار والإنقاذ المالي بمسار سيادي لبناني واضح.

الخارجية الأميركية ألمحت بعد اللقاء إلى إمكانات تتصل بالمساعدة في إعادة الإعمار وزيادة التمويل للجيش اللبناني، بينما أكدت تقارير صحافية أن بيروت طلبت دعماً أميركياً لقواتها المسلحة كي تتولى مهمة حساسة وشديدة الخطورة.

هنا يضع شينكر شرطاً أساسياً: لا واشنطن ولا عواصم الخليج سترصد أموالاً كبيرة للبنان ما دام «حزب الله» محتفظاً بسلاحه ومهيمناً على الدولة. وبرأيه، لم يعد ممكناً العودة إلى «الوضع السابق» كخيار واقعي. فلبنان يواجه شللاً اقتصادياً، وتراجعاً حاداً في الإيرادات، واحتياطيات قد لا تكفي إلا لأشهر معدودة لتغطية رواتب القطاع العام، ويقترب الوضع الإنساني من مستوى الأزمة الحادة. وعليه، فأي خطة دعم غربية أو عربية «لن تكون إنقاذاً مجانياً»، بل ستكون بهدف تحويل التفاوض مساراً لاستعادة القرار السيادي واحتكار السلاح، وقد تصبح الجولة، فعلاً، لحظة تأسيسية تخرج البلاد من زمن الوصايات المتعاقبة إلى زمن الدولة.

حتى الآن، لا تزال الحقيقة القاسية هي نفسها: المشكلة ليست في غياب الأفكار، بل في تكلفة تنفيذها داخل نظام يعرف الجميع أعطاله، لكن قلائل فقط مستعدون لدفع ثمن إصلاحه.

حقائق

أبرز محطات المفاوضات التي جرت بين لبنان وإسرائيل

> شهدت المفاوضات بين لبنان وإسرائيل محطات متقطعة، غالباً تحت ضغط الحروب أو الترتيبات الأمنية، لا في سياق سلام شامل، هي:

- اتفاق 17 مايو (أيار) 1983، بعد الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982. شكّل هذا الاتفاق أول محاولة لصوغ ترتيبات سياسية وأمنية مباشرة بين الطرفين برعاية أميركية، لكنه سقط سريعاً تحت ضغط الانقسام الداخلي اللبناني والرفض السوري.

-= تفاهم أبريل (نيسان) 1996، الذي جاء بعد عملية «عناقيد الغضب». لم يكن اتفاق سلام، بل كان تفاهماً غير مباشرٍ رعته الولايات المتحدة وفرنسا، هدفه ضبط قواعد الاشتباك، وخصوصاً تحييد المدنيين نسبياً عن القصف المتبادل. وقد مثّل نموذجاً للتفاوض الأمني غير المباشر أكثر من كونه تسوية سياسية.

- حرب يوليو (تموز) 2006، حين أصبح القرار 1701 الإطار الرئيس لأي تفاوض أو ترتيبات لاحقة، انصبّ الجهد على تثبيت وقف الأعمال العدائية، وانتشار الجيش اللبناني جنوب الليطاني بالتعاون مع «يونيفيل»، مع بقاء القضايا الجوهرية، مثل سلاح «حزب الله» والحدود، معلقة.

- مفاوضات ترسيم الحدود البحرية بين 2020 و2022. كانت أبرز اختراق تفاوضي عملي في العقود الأخيرة. وجرت بوساطة أميركية وبشكل غير مباشر في الناقورة، وانتهت إلى اتفاق لترسيم الحدود البحرية أتاح للطرفين المضي في استثمار الموارد البحرية من دون أن يعني ذلك تطبيعاً سياسياً.



بيتر ماجار زعيم المجر الجديد... يميني شاب ذو شخصية أقل صدامية

كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار
كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار
TT

بيتر ماجار زعيم المجر الجديد... يميني شاب ذو شخصية أقل صدامية

كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار
كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار

بعد 16 سنة متصلة من الحكم، انتهى عهد رئيس وزراء المجر اليميني المتطرف فيكتور أوربان، الذي تحوّل خلال تلك السنوات إلى صداع مؤرق لكل المؤمنين بفكرة «الوحدة الأوروبية». وجاءت هزيمته على يد بيتر ماجار، السياسي الشاب الآتي من داخل حزبه «فيديز»، قبل أن يتمرّد وينشقّ، ثم يبدأ صعوداً صاروخياً... أوصله إلى قمة السلطة خلال سنتين فقط. لقد شكّل فوز ماجار عامل ارتياح كبيراً للقارة الأوروبية ككل التي احتفلت ربما أكثر من المجر نفسها بهزيمة أوربان. وكان دونالد تاسك، رئيس وزراء بولندا المعتدل، من أوائل مهنئي الزعيم الجديد. وشارك على وسائل الاجتماعي شريط فيديو يظهر اتصاله بماجار لتهنئته، وهو يقول له: «أعتقد أني أكثر سعادة منك!». وكتب قبل ذلك مرحِّباً بـ«عودة المجر إلى أوروبا»، وهذه عبارة كرّرها المسؤولون الأوروبيون في تهانيهم. بل، ذهب المستشار الألماني فريدريش ميرتس أبعد ليعلن فرحه بنهاية «نظام أوربان»، وتفاؤله بأن فوز ماجار أظهر «أنه يمكن هزيمة الأحزاب الشعبوية واليمينية المتطرفة في أوروبا»، وهو يشير ضمناً إلى الوضع في بلاده، حيث يزداد نفوذ حزب «البديل من أجل ألمانيا» اليميني المتطرف.

الأوروبيون ينتظرون الآن فعلاً عودة المجر إلى أحضان بروكسل بعد سنوات من المواجهة مع حكم فيكتور أوربان؛ بسبب قضايا فساد وخطوات معادية للديمقراطية اتخذتها حكومته، وواجهتها بروكسل بعقوبات وتجميد أموال.

ومنذ الحرب في أوكرانيا عام 2022، تفاقمت الخلافات بسبب قرب أوربان من موسكو ومعارضته لدعم كييف، وشلت هذه الخلافات في كثير من الأحيان قدرة بروكسل على دعم الأوكرانيين في تصديهم للقوات الروسية.

من هو ماجار؟

أوجه الشبه بين فيكتور أوربان وبيتر ماجار كثيرة، ومع هذا فإن التناقض لا يخفى.

من أوجه الشبه مثلاً أن الرجلين يمينيان محافظان يحملان أفكاراً معادية للهجرة، فهما انتميا لفترة طويلة لحزب «فيديز» نفسه، وكانا لفترة يتشاركان الكثير من الأفكار. إلا أن التناقض بينهما أكثر وضوحاً: فأوربان الذي يبلغ من العمر 63 سنة، بات يحمل عبئاً ثقيلاً من الحكم الطويل المصحوب بالفساد. أما ماجار ابن الـ45 من العمر، فنشيط ويتمتع بحسّ للموضة جعلت الشبان يقلدونه في ملابسه، فيرتدون القميص الأبيض وسروال الجينز والحذاء الرياضي الأبيض، وهو يتكلّم عن محاربة الفساد من الداخل.

ثم إن انتماء ماجار إلى حزب أوربان لسنوات، حوّله إلى شخص أكثر مصداقية لدى الناخبين عند كلامه عن الفساد. فهو كان يتكلم من موقع «العارف» بما كان يحصل داخل الحزب، وهذا ما أهّله لكسب الكثير من أصوات «فيديز» وتحويلهم لصالح حزبه «تيسا» الذي أسسه عام 2024.

وحقاً استغل ماجار، الذي كان لسنوات شخصية غير مغمورة داخل حزبه، فضيحة تورّطت بها حكومة أوربان ليبدأ صعوده السياسي. ففي أبريل (نيسان) 2023، منحت الرئيسة المجرية عفواً رئاسياً عن شخص متهم بالتستر على فضيحة تحرش جنسي بالأطفال في دار رعاية حكومي. ووقّعت العفو الرئيسة كاتالين نوفاك ووزيرة العدل (آنذاك) جوديت فارغا، التي كانت زوجة ماجار وتطلّقت منه قبل أشهر من الفضيحة.

هذا القصة أثارت استياءً شعبياً كبيراً، خاصة لدى قاعدة أوربان المحافظة التي كانت تؤيده بسبب سياساته المدافعة عن الأسرة التقليدية والأطفال. ودفعت إلى استقالة الرئيسة ووزيرة العدل التي كانت تعد من نجوم الحزب ومن الصاعدين فيه، بخلاف زوجها السابق.

الفضيحة... وتداعياتها

استغل ماجار الفضيحة ليهاجم حزب «فيديز»، وأدلى بمقابلة لقناة معارضة على «يوتيوب»، وجّه فيها انتقادات غير مسبوقة لحزبه، متكلماً عن فساد من الداخل وحاجة للتغيير، ومعلناً انفصاله عن الحزب.

ثم كتب لاحقاً على صفحته على «فيسبوك» - التي تحولت إلى منصة ترويج رئيسة له: «لا أريد أن أكون جزءاً من نظام يختبئ فيه الأشخاص الحقيقيون في السلطة خلف تنانير النساء»، مشيراً إلى استقالة سيدتين (الرئيسة ووزيرة العدل) عوضاً عمن يفترض به أن المسؤول الأول... أي أوربان. وكما سبق، كان ماجار آنذاك قد تطلق من زوجته، وزيرة العدل المستقيلة، ما فتح الباب أمامه لتحقيق طموحه السياسي.

بعد أشهر قليلة، في مارس (آذار) 2024، أعلن ماجار عن تشكيل حزب سياسي جديد، واضعاً في أولويات حملته محاربة الفساد وكشف تورط كامل الحكومة ورئيسها بقضايا فساد. ولقد نجح حقاً بحصد 30 في المائة من الأصوات في الانتخابات الأوروبية، وفي وقت لاحق من العام.

ومن ثم، واصل تركيزه في مكافحة الفساد، ونشر محادثة مسجلة سراً بينه وبين زوجته السابقة جوديت فارغا - حين كانت وزيرة للعدل - تكلّمت فيها عن تورّط أشخاص كبار في قضايا فساد. وعلى الأثر انتقدت فارغا تسريبه الشريط، واتهتمه بأنه كان يعنّفها ويسيء معاملتها إبّان زواجهما.

ومع أن ماجار نفى الاتهامات، مدّعياً أنها ملفّقة وسياسية هدفها وقف تقدّمه، طاردته تلك الاتهامات طوال حملته الانتخابية. واستغلها حزب أوربان لقلب الناخبين ضده، وسلّطت وسائل الإعلام، المقرّبة بمعظمها من أوربان، الضوء على تلك الاتهامات. أيضاً، نشرت فارغا محضراً للشرطة يظهر أن الشرطة استدعيت إلى منزل ماجار لحل خلاف بين الزوجين والتعامل مع اتهاماتها له بتعنيفها. وكذلك ظهرت بعد ذلك قصص أخرى من صديقة سابقة له اتهمته أيضاً بالعنف.

الواقع أن معارف ماجار يقرّون بأنه حاد الطبع وقليل الصبر، إلا أن كثيرين يقولون أيضاً إنه أيضاً سريع الاعتذار بعد الغضب. وبالفعل، على الرغم من الاتهامات حصل ماجار وحزبه على نسبة تأييد كبيرة وفاز بـ137 مقعداً مقابل 55 مقعداً فقط لحزب أوربان، وسط نسبة تصويت مرتفعة بلغت 79 في المائة من المسجلين.

هذا، ويبدو أن كثيرين من الناخبين صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار، خاصة المنتمين لليسار وغير المقتنعين بسياسات ماجار المحافظة. وهو ما يعني أنهم اختاروا التصويت «التكتيكي» لإخراج أوربان من الحكم.

القضايا الداخلية

وفق مراقبين للانتخابات في المجر، فإن حملة ماجار إنما نجحت في جذب الناخبين لتركيزها على القضايا الداخلية، وسط استياء شعبي من استشراء الفساد وتفاقم الغلاء وتدهور الخدمات العامة.

ففي أثناء الحملة الانتخابية، تكلّم ماجار قليلاً عن السياسة الخارجية، وكثيراً عن القضايا الداخلية، بخلاف أوربان الذي ركّز حملته على السياسة الخارجية، محاولاً الاستفادة من الدعم الذي تلقاه من الإدارة الأميركية التي أوفدت نائب الرئيس جي دي فانس ليظهر إلى جانبه في تجمع انتخابي في بودابست.

من جهة ثانية، حاول أوربان تصوير غريمه الشاب كـ«عميل لبروكسل ولكييف»، لكن ماجار لم ينجر إلى السياسة الخارجية، وظل مركّزاً على الرسالة نفسها تحت شعار «التغيير... الآن أو أبداً».

هذا، وبسبب تركيز بيتر ماجار على السياسات الداخلية يمكن القول إن جزءاً كبيراً من سياساته الخارجية ما زال غامضاً. مع هذا، فإن الرجل مؤيد للاتحاد الأوروبي، بعكس أوربان الذي بنى سياساته في السنوات الماضية على المواجهات مع بروكسل، دفعت بالأخيرة لتجميد أموال مرصودة للمساعدات. وبحسب الزعيم الجديد، فإن صرف هذه الأموال أولوية بالنسبة له، وإنه سيعمل على ترميم علاقة المجر بالاتحاد الأوروبي.

أما عن العلاقة مع روسيا التي كانت حليفاً لأوربان، فإن ماجار يتخذ موقفاً فاتراً لكن ليس معادياً كذلك. فقد قال بعد انتخابه إنه لن يتصل بالرئيس الروسي بنفسه أو يكون «أداة لروسيا»، لكنه أيضاً لن يقطع العلاقات مع موسكو. وأضاف أنه إذا اتصل به الرئيس الروسي فسيقول له: «من الجيد وقف القتل بعد 4 سنوات وإنهاء الحرب»، ثم أردف بأن المحادثة «ستكون قصيرة على الأرجح، ولن تنتهي بإنهاء بوتين الحرب بناءً على نصيحتي».

الغاز الروسي

من جانب آخر، كان الاتحاد الأوروبي قد منح المجر إعفاءات للاستمرار باستيراد الغاز الروسي لاعتمادها الكبير عليه، وهذا وسط العقوبات التي فرضتها على استيراده منذ الحرب مع أوكرانيا. ويبدو أن ماجار يريد مواصلة استيراد الغاز الروسي، لكنه قد يعمل على تقليل الاعتماد عليه.

ويُذكر أنه جمّد بالفعل «فيتو» استخدمه أوربان داخل الاتحاد الأوروبي على إعطاء قرض لأوكرانيا بقيمة 90 مليار يورو، بسبب اعتراضه على ما يقول إنه «تلكؤ» كييف بإصلاح خط أنابيب دروجبا الذي يصل الغاز الروسي إلى المجر عبر أوكرانيا. ولكن الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي أعلن قبل أيام أنه سيصار إلى إصلاح الخط بشكل كافٍ؛ كي يستطيع نقل الغاز من جديد. ودفع هذا بماجار إلى دعوة أوربان لرفع الفيتو عن القرض لأوكرانيا قبل مغادرته منصبه رسمياً منتصف مايو (أيار) المقبل، بعد تعهد زيلينسكي بإصلاح الخط.

في أي حال، يعد موقف ماجار من أوكرانيا قريباً بعض الشيء من موقف أوربان الذي عرقل مراراً المساعدات الأوروبية لكييف، ولكن ليس بالحدة نفسها؛ إذ يرفض الزعيم الجديد إرسال مساعدات عسكرية لأوكرانيا، بيد أنه لا يعارض منحها قروضاً من «الاتحاد الأوروبي». ثم إنه يعارض كذلك ضم أوكرانيا لـ«الاتحاد الأوروبي» بصورة سريعة، ويرى أنه لا يجوز ضم دولة إلى «الاتحاد» وهي في حالة حرب، وأن كل الدول يجب أن تعامل بشكل متساوٍ.

الموقف الأوكراني

أوكرانيا في كل الأحوال، التي كانت علاقتها صعبة مع المجر إبان عهد أوربان، تأمل بأن تفتح صحفة جديدة من العلاقة مع القيادة الجديدة في بودابست.

هذه التحديات الخارجية، يضاف إليها تحدّيات داخلية تتمثل بمواجهة الفساد وتفكيك نظام المحسوبية الذي بناه أوبان طوال سنوات حكمه، تعني أن المهمة أمام الفائز الشاب لن تكون سهلة.ولكن اهتمام ماجار وانخراطه بالسياسة منذ فترة طويلة، سيساعدانه في مهمته المقبلة. كيف لا وهو الآتي من عائلة مهتمة بالسياسة، و«راعيه» هو فيريك مادل الذي كان رئيساً للمجر بين عامي 2000 و2005؟ وهو نفسه درس المحاماة قبل انضمامه لحزب «فيديز»، حيث شغل عدة مناصب منها أحدها في وزارة الخارجية عام 2010، ثم في بعثة بلاده لدى الاتحاد الأوروبي في بروكسل.


تغييرات إعلامية مرتقبة بعد نهاية حكم أوربان

اوربان (آ ب)
اوربان (آ ب)
TT

تغييرات إعلامية مرتقبة بعد نهاية حكم أوربان

اوربان (آ ب)
اوربان (آ ب)

يعدّ رئيس وزراء المجر فيكتور أوربان، بعد خسارته المريرة في الانتخابات الأخيرة، لتسليم الحكم إلى غريمه الفائز بيتر ماجار مطلع أو منتصف مايو (أيار) المقبل. حزب أوربان «فيديز» خسر الانتخابات التي أجريت، الأحد الماضي، بعد 16 سنة متصلة من الحكم، أمام ماجار المنشق عن «فيديز»، الذي أسس حزباً له قبل سنتين فقط.

وفق القانون المجري، على البرلمان المنتخب جديداً أن يعقد جلسة لانتخاب رئيس وزراء جديد في فترة أقصاها 12 مايو. ولقد التقى ماجار رئيس البلاد تاماس سوليوك الذي يتوجّب عليه دعوة البرلمان للانعقاد، وطلب منه تسريع العملية الانتقالية. في حين دعا ماجار رئيس البلاد للاستقالة، مع أن ولايته لا تنتهي قبل عام 2029.

الزعيم الجديد الشاب قال إن الرئيس أبلغه بأنه «سيفكر» في مطالبته إياه بالاستقالة بعد انعقاد البرلمان لانتخاب رئيس وزراء جديد.

وواضح أن ماجار يسعى إلى تفكيك البينة التي بناها أوربان طوال سنوات حكمه. وأفاد بالفعل بأنه كرر للرئيس بأنه «في نظري، وفي نظر الشعب فهو لا يستحق تمثيل وحدة الأمة، وهو عاجز عن ضمان احترام القانون... والشعب صوّت لتغيير النظام».

عددياً، يتمتع «تيسا»، حزب ماجار، بثلثي مقاعد البرلمان، ما سيمكّنه من إدخال كل التعديلات الدستورية التي يريدها. وكان الزعيم الجديد قد قال إنه يريد كذلك أن يوقف التغطية الإعلامية لوسائل الإعلام الحكومية فور تولي حكومته منصبها.

أيضاً أدلى ماجار بمقابلة متوترة مع قناة رسمية كانت الأولى له، أعلن فيها عن عزمة إغلاق المحطات الحكومية، التي اتهمها بالعمل لحزب أوربان، ونشر سياسة الخوف والتفرقة بين المواطنين.

أيضاً وصف ماجار المحطات الحكومية بأنها أداة «بروباغاندا»، وقارنها بالقنوات في كوريا الشمالية وفي ألمانيا النازية، مضيفاً: «كل مواطن في المجر يستحق قناة حكومية تبث الحقيقة».

هذا، ولطالما وجهت منظمة «مراسلون بلا حدود» انتقادات متكررة للإعلام المجري، مؤداها أن مناصري أوربان يسيطرون على قرابة 80 في المائة من المشهد الإعلامي هناك، وأن أوربان يستخدم تلك القنوات بوصفها أداة حكومية.

ومن جهته، كتب ماجار على «فيسبوك» قائلاً: «نحن الآن نشهد الأيام الأخيرة لأداة البروباغاندا... بعد تشكيل حكومة (تيسا) سنعلّق العمل بوسائل الإعلام العامة حتى تستعيد طابعها العام».

أيضاً، تعهد بيتر ماجار بالانضمام إلى مكتب المدعي العام الأوروبي، وهذه خطوة تمهد الطريق أمام التدقيق في قضايا فساد إبان عهد أوربان، خاصةً لجهة اتهامات للدائرة المحيطة برئيس الحكومة الخاسر، بإساءة استخدام أموال الاتحاد الأوروبي.

وللعلم، يحقق مكتب المدعي العام الأوروبي، الذي رفضت المجر الانضمام إليه حتى الآن، في الجرائم التي تمسّ ميزانية الاتحاد الأوروبي، بما في ذلك الاحتيال والفساد. ولقد وصف ماجار هذه الخطوة بأنها جزء من حملة واسعة لمكافحة الفساد.