«الحديقة السرية».. تحفة خضراء في قلب مراكش

تسترجع تاريخ المدينة الحمراء في علاقتها بالماء وفنون البستنة والعمارة الإسلامية

الماء في «الحديقة السرية».. عنوان خضرة وحياة      -   تتكون «الحديقة السرية» من مركبين مختلفين عن بعضهما البعض - حديقة يكاد يتجمع فيها سر مراكش بكاملها -  مثلت مراكش نموذج لـ«المدينة الحديقة» بفضل حدائقها وحقولها الشاسعة
الماء في «الحديقة السرية».. عنوان خضرة وحياة - تتكون «الحديقة السرية» من مركبين مختلفين عن بعضهما البعض - حديقة يكاد يتجمع فيها سر مراكش بكاملها - مثلت مراكش نموذج لـ«المدينة الحديقة» بفضل حدائقها وحقولها الشاسعة
TT

«الحديقة السرية».. تحفة خضراء في قلب مراكش

الماء في «الحديقة السرية».. عنوان خضرة وحياة      -   تتكون «الحديقة السرية» من مركبين مختلفين عن بعضهما البعض - حديقة يكاد يتجمع فيها سر مراكش بكاملها -  مثلت مراكش نموذج لـ«المدينة الحديقة» بفضل حدائقها وحقولها الشاسعة
الماء في «الحديقة السرية».. عنوان خضرة وحياة - تتكون «الحديقة السرية» من مركبين مختلفين عن بعضهما البعض - حديقة يكاد يتجمع فيها سر مراكش بكاملها - مثلت مراكش نموذج لـ«المدينة الحديقة» بفضل حدائقها وحقولها الشاسعة

تمارس مدينة مراكش المغربية سحرًا خاصًا على زوارها، خصوصًا الأجانب منهم. وفي الوقت الذي يضيع فيه كثير من سياح مراكش وقتهم وجهدهم في اتقاء جشع البعض، بمناقشة ثمن الأكل والشرب ومختلف المشتريات، ومطالبة سائقي سيارات الأجرة باستخدام العداد، يفضل آخرون الاستقرار بها، نهائيًا، بل ودخول تاريخها، عبر الانخراط في عدد من المبادرات التي تدافع عن التراث المادي واللامادي للمدينة، واقتراح مشاريع ثقافية واجتماعية لصالح المكان وأهله. وفي الوقت الذي صار فيه كثير من المراكشيين يُفرطون في ثقافة المدينة وجوهر حضارتها، بعد أن أعماهم بريق السياحة وجرفهم غبار العقار، يحمل بعض المقيمين الأجانب، ممن لبستهم المدينة بألوانها وسحرها وشمسها، همّ الدفاع عن تاريخها ومقوماتها الحضارية، حتى صاروا حراس مكان وثقافة. مفارقة، فعلاً. مقيمون، تجد بينهم القادم (أو القادمة) من هولندا وسويسرا، وصولاً إلى الولايات المتحدة، مرورًا بإسبانيا وفرنسا. هم أجانب بقلب مراكشي، لعل آخرهم الإيطالي لاورو ميلان، الذي اختار أن يدير مشروعًا، بعمق ثقافي، يبرز قيمة الهندسة المعمارية وأهمية الماء وجمالية فن الحدائق في تاريخ مدينة، لطالما تسمى المغرب باسمها.
سر أخضر خلف أسوار المدينة القديمة
لعل أجمل ما يمكن أن يثير إعجاب زوار مراكش، إلى الحد الذي يجعل بعضهم يقرر الاستقرار بها نهائيًا، هو حين يتم الانتقال، من دفء نهار المدينة وسحر ليلها إلى ما تخفيه دور وقصور المدينة القديمة من معمار وحدائق تنقل لتاريخ بهي. ويمكن القول إن صمت المفاجأة هو أول ما يمكن أن يملأ على الزائر لحظة التعرف الأولى على ما تخفيه أسوار المدينة القديمة من كنوز. كذلك يكون حال زائر «الحديقة السرية»، التي «تتفتح كما السر في قلب مراكش»، على رأي الكاتب والباحث عبد الصمد الكباص، الذي يعتبرها «متحفًا لأسرار مدينة الحياة السعيدة، بأسوار عالية تخفي بهاءها، في غفلة من عيون المارة الذين يعبرون «حي المواسين»، قبل أن يزيد، قائلاً: «في حديقة مراكش السرية، يكفي أن تكون كما أنت بأذنين وعينين مهيأتين لاستقبال إشارة الحياة، لتنسى الشارع الذي تجلده الشمس وتجلس على كتفيه، وتتذكر أن في المكان غيمة ستمطر حلمًا. دع الشجر والنسيم الرقيق والماء الودود يهمس بوتر الحكمة «اركب سفينة ذاتك، لا ترفع شراعًا، فأنت الموج والريح أنفاسك». وحدها إشارة فخمة في هذا الطريق المزدحم بأصوات الحكمة المتراكمة في سحر الروائح وبهجة الألوان وجدران البيوت، والتواءات الدروب التي تفيض بالحياة والحكايات، تغريك بالانخراط في سفر يحملك إلى ماض يمتد في حاضر مرتبك. يصعب أن تتكهن أن خلف هذه الأسوار، التي تجاور درب عبيد الله بحي المواسين، تمتد مساحة بحجم أربعة آلاف متر مربع من الخضرة وجداول المياه والهواء الخفيف والسماء الشاسعة، حيث لا يمكن للزائر أن يعير سمعه إلا إلى تلك المسرة التي تتسرب بين أغصان الشجر، وتلك السكينة التي تحول الروح إلى بستان».
من ماجوريل إلى لاورو
قبل 18 سنة، حل لاورو ميلان بمراكش، قادمًا من أدوينيزي الإيطالية. سيقضي لاورو سنواته الأولى في العمل في مجال العمران والعقار، قبل أن يقترح عليه أحد الوسطاء، في 2003، اقتناء الفضاء الذي سيتحول، اليوم، إلى «متحف / حديقة» يغني المدينة الحمراء. يتذكر لاورو هذا التاريخ كما لو أنه يتعلق بحدث وقع يوم أمس، قبل أن يواصل: «ستبدأ الحكاية سنة 2006، بشكل فعلي، لتطول عملية اقتناء العقار إلى 2013، بعد أن واجهنا صعوبات وتعقيدات كثيرة، نظرًا لعدد الورثة، الذي تعدى 130. من حسن الحظ أن الجميع كان يرغب في البيع، خاصة وأن دورهم كانت متهالكة. في 2016 سيكون الافتتاح الأولي للمشروع، الذي تطلب منا، ما بين اقتناء الفضاء وتهيئته، نحو 50 مليون درهم (نحو 4.5 مليون يورو). عند الانطلاق، اقترحت على جيوفاني، شريكي، أن يكون للمشروع توجها ثقافيا. لم أشأ أن نمسح هذا الفضاء التاريخي لنضع مكانه فندقًا، مثلاً. وأخذًا بعين الاعتبار خلفيتي وتجربتي في مجال العقار والعمران فقد تكلفت بجانب الترميم والهندسة المعمارية، فيما تكلف منسق ومصمم الحدائق، توم ستيوارت سميث، بمهمة إعداد وتهيئة الحديقة».
وبخصوص تسمية «الحديقة السرية»، قال لاورو: «لا أحد، تقريبًا، كان يعرف بوجود هذه الحديقة، لذلك سميناها (الحديقة السرية). هذا مكان، كان ولا يزال، سريًا. في اللغة الفرنسية، تجد أن كل ما هو سري يحيل على الروح والتخفف من الضجيج الخارجي. هي حديقة مفاجئة، يكاد يتجمع فيها سر مدينة بكاملها. إنها حديقة مراكش السرية، التي تعبر عن علاقة المراكشيين بالخضرة وتعلقهم بكل ما هو جميل».
كما تحدث لاورو عن «البرج»، الذي يعلو جانبًا من الحديقة، بقبة متوجة بقرميد أخضر، وارتفاع يناهز 17 مترًا. فقال: «إننا لا نعرف، تحديدًا، وظيفة هذا البرج، في الماضي: هل كان رمزًا للنفوذ؟ أم عينًا للمراقبة؟ أم فضاء للاسترخاء؟ لكنه، على الأقل، كان يعبر عن مكانة أصحابه، بين سكان المدينة، وقتها».
لا يرتاح لاورو لسؤال مقارنته بجاك ماجوريل، الرسام الفرنسي الذي اقتنى عام 1924 قطعة أرض بمراكش، ليجعل منها حديقة ستشتهر، لاحقًا، باسم «حديقة ماجوريل»، بعد أن تم افتتاحها عام 1947؛ أو مقارنة «الحديقة السرية» بـ«حديقة ماجوريل». لذلك، تجده يقول «حديقة ماجوريل جميلة، مشهورة ومهمة لمراكش، غير أن هناك اختلافًا كبيرًا بين الحديقتين. نحن، هنا، في عمق المدينة القديمة، حيث «الحديقة السرية» تقوم وتحيل على تاريخ مراكش، وذلك على خلاف «حديقة ماجوريل»، التي تم إعدادها وفق تقاليد غربية، بنباتات مستوردة من الخارج. بالنسبة لمن يريد معرفة تاريخ وحضارة مراكش، بشكل خاص، والمغرب، بشكل عام، وفق مواصفات إسلامية، يمكنه أن يجد في (الحديقة السرية) مبتغاه».
يتحدث لاورو، الذي قرأ كثيرًا عن تاريخ مراكش، عن التيمات التي تقوم عليها الحديقة السرية، وشعور الفرح، بتحقق مشروعه، لا يكاد يفارقه. يرى لاورو أن المشروع «متحف أكثر منه حديقة»، قبل أن يتوسع في بسط مرتكزات التيمات الأربع: الهندسة المعمارية، التاريخ، فن الحدائق والماء، باعتبارها مداخل أساسية للحديث عن تاريخ المدينة، بشكل خاص، والمغرب، بشكل عام؛ مشيرًا إلى أن مراكش، بحدائقها التاريخية وطريقة تدبيرها للماء، ظلت تختصر في عبارة «المدينة الحديقة».
قصة «الحديقة السرية»
يعود تشييد أول بناية، على أرض «الحديقة السرية»، حسب وثائق بالموقع الإلكتروني للحديقة، إلى النصف الثاني من القرن السادس عشر، حين قرر السلطان السعدي مولاي عبد الله، الذي حكم بين 1557 و1574، بناء القصر في هذه المنطقة من المدينة، التي سيتم بها تشييد مجموعة من الآثار، شملت مسجد ونافورة المواسين ومكتبة وحمامًا، وبنايات أخرى. ومع انهيار حكم السعديين (1554 - 1659)، ستدخل مراكش في مرحلة أزمة، حيث عانت، في نهاية القرن السابع عشر، من تدمير عدد كبير من بناياتها، كان من بينها الرياض الذي شيد على القطعة الأرضية الحالية لـ«الحديقة السرية». لكن، خلال القرن 19، ستدفع فترة حكم السلطان العلوي المولى عبد الرحمن، الذي حكم ما بين 1822 و1859، إلى إعادة إحياء المعمار وفن الحدائق في مراكش، وهي النهضة التي واكبها وصول قادة وباشاوات كبار وموظفين سامين إلى السلطة، مما أعطى دفعة جديدة للهندسة المعمارية للمدينة والعناية ببناياتها. بعد ذلك، ستؤول ملكية البناية إلى القاضي مولاي مصطفى، الذي سيستبدلها في 1912 بمنزل بفاس، في ملكية الحاج محمد لكريسي، الذي يحكى عنه أنه ربط علاقات مهمة، استطاع بفضلها أن يصير، سنة 1908، حاجبًا للسلطان العلوي مولاي عبد الحفيظ، الذي حكم بين 1908 و1912، قبل أن ينتقل إلى هذا المكان، حيث عاش مع عائلته، إلى حين وفاته سنة 1934. وبعد أن تم تقاسم ملكية المكان بين ورثة لكريسي، سيكون الإهمال نصيبه. وفي 2013، وبفضل الفكرة التي تم التعبير عنها، قبل 5 سنوات من ذلك، من طرف لاورو ميلان وشريكه جيوفاني، سيولد مشروع إعادة تهيئة هذا الفضاء التاريخي، ليرى النور سنة 2016، تحت مسمى «الحديقة السرية».
فنون العمارة والحدائق.. وتدبير الماء في «الحديقة السرية»
تتكون «الحديقة السرية» من مركبين مختلفين عن بعضهما البعض، كل واحد منهما يعتبر رياضًا قائمًا بذاته. وتبقى الأبعاد الاستثنائية لـ«الحديقة السرية» شاهدًا على أهمية هذا المسكن وساكنيه. وستزداد هذه الأهمية بروزًا بفضل القبة التي تعلو البرج، والمتوجة بالقرميد الأخضر التقليدي المرصع وبالقلعة المرتفعة التي يغطيها القرميد. وعلى غرار القبة، فإن هذه القلعة، المسماة بـ«البرج» أو «المنزه»، كانت تحظى بمهمة رمزية، حيث إنها تقف شامخة في سماء المدينة، عاكسة ثروة وسلطة مالكيها.
وتبرز جمالية «الحديقة السرية» في فضاءاتها الخضراء، التي تتوزع، اليوم، بين حديقة عجائبية وأخرى إسلامية. فالحديقة العجائبية، تضم نباتات نادرة استقدمت من أنحاء مختلفة من العالم، الأمر الذي يذكرنا، من دون شك، بالبعد الكوني والتجريبي الخاص بالحدائق الكبرى لمراكش؛ حيث لا يجب أن ننسى أنه، انطلاقًا من العصر الوسيط إلى بداية القرن العشرين، كانت الأراضي المبنية بالمدينة محدودة مقارنة بالفضاءات الخضراء، ولذلك مثلت مراكش نموذجًا لـ«المدينة الحديقة»، بفضل حدائقها وحقولها الشاسعة؛ الشيء الذي تختصره التسميات التاريخية لمراكش، من قبيل أنها «وردة بين النخيل» و«واحة في الصحراء» و«مدينة الحياة السعيدة». وبحديقتها الإسلامية، تقترح «الحديقة السرية» إعادة بناء تلك النوعية من الحدائق، التي كانت مرتبطة، بشكل حميمي، مع «الرياضات»، بشكل جعل منها واحة سلام، يمكن للمرء أن يجد فيها ملاذًا، بعيدًا عن الحرارة المفرطة والفوضى الحضرية؛ حيث يعزز ظل الأشجار وخرير المياه وعطر النباتات وحميمية الفضاء الاسترخاء موفرًا جوًا من الاستمتاع والتأمل.
وتنتظم «الحديقة السرية» في أربعة أجزاء، يمكن ملاحظتها عبر تقاطع الممرين. وتعكس هذه الهندسة، التي تم تصميمها لكي يسهل سقي الأرض، ضرورة تنظيم الأرض حسب شبكة محددة، بشكل يجعلنا نفهم الأهمية الكبرى التي أعطيت للحديقة في العالم الإسلامي، كما لو أنها صورة مجازية للجنة، من جهة أنها مكان محكوم بقواعد هندسية صارمة، يفرض فيها الترتيب الإسلامي نفسه على فوضى الطبيعة البرية.
والجميل أنه توجد في قلب «الحديقة السرية»، كما يكاد يكون الأمر، دائمًا، في الحدائق الإسلامية، عين ماء ونافورات وأحواض رخام، تنعكس عليها أشعة الشمس لتنتج أضواء مختلفة، في الوقت الذي يخلق فيه خرير المياه حالة الخلوة مع الذات وصفاء المكان. ومن المعروف أنه منذ حكم المرابطين (1056م - 1147م)، مؤسسي مراكش (1069م)، أعطت المعرفة بهندسة المياه، فضلاً عن عامل القرب من جبال الأطلس التي تعتبر خزانًا حقيقيًا للمياه، إمكانية تحويل هذه المنطقة القاحلة إلى منطقة خضراء. وأثناء حفر أول «خطارة» بمراكش، اكتشفت المدينة التقنية التي ستسمح لها بأن تستجيب لاحتياجاتها من الماء. ومع وصول الموحدين، عرفت شبكة «الخطارات»، بمراكش، تطورًا كبيرًا، ومن ثم استحقت المدينة تسمية «عاصمة المياه الخفية». إذ، انطلاقًا من أحواض تجميع المياه، كان يصل الماء حسب مبدأ الجاذبية والأحواض المتواصلة فيما بينها إلى غاية مساجد وحمامات ونافورات المدينة، عبر أنابيب جوفية أو مهيأة على مستوى سطح الأرض مانعة للتسرب، في وقت كانت فيه مياه المنازل امتيازا مخصصًا للأقلية المتميزة.
نصيحة لاورو.. للمراكشيين
يختم لاورو لقاءك به بأمنية، تؤكد أن هاجسه الأول خدمة المدينة لا المتاجرة في مقوماتها. يقول: أمنيتي أن يقوم مستثمر آخر بنسخ تجربتي، ليعطينا، في مراكش، حديقة شبيهة بـ«الحديقة السرية». أتمنى صادقًا أن تكون هناك مشاريع أخرى مشابهة لـ«الحديقة السرية»، وذلك حتى لا نفقد الجمال الذي تختزنه هذه المدينة الغارقة في بهاء تاريخها. كما أتطلع إلى أن يهتم المراكشيون بمدينتهم القديمة، وأن يكون لهم وعي بقيمتها الحضارية وأهميتها، بالنسبة لحاضر ومستقبل المدينة، ككل. أرى أن المدينة القديمة هي المركز التاريخي لمراكش، لذلك لا يمكن تصور هذه المدينة من دون مدينتها القديمة. ستكون مدينة بلا معنى، لا روح لها. أرى أن على سكان المدينة القديمة أن يدفعوا في اتجاه المحافظة على مقوماتها، رابطين المعرفة بقيمة تاريخهم بالفعل والعمل، دفاعًا عن مقوماتها الحضارية والثقافية؛ لأن الثقافة والجمال والحب، هي التي يمكن أن تنقذنا في نهاية المطاف.



«البحر الأحمر السينمائي» يشارك في إطلاق «صنّاع كان»

يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
TT

«البحر الأحمر السينمائي» يشارك في إطلاق «صنّاع كان»

يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما

في مسعى لتمكين جيل جديد من المحترفين، وإتاحة الفرصة لرسم مسارهم المهني ببراعة واحترافية؛ وعبر إحدى أكبر وأبرز أسواق ومنصات السينما في العالم، عقدت «معامل البحر الأحمر» التابعة لـ«مؤسسة مهرجان البحر الأحمر السينمائي» شراكة مع سوق الأفلام بـ«مهرجان كان»، للمشاركة في إطلاق الدورة الافتتاحية لبرنامج «صنّاع كان»، وتمكين عدد من المواهب السعودية في قطاع السينما، للاستفادة من فرصة ذهبية تتيحها المدينة الفرنسية ضمن مهرجانها الممتد من 16 إلى 27 مايو (أيار) الحالي.
في هذا السياق، اعتبر الرئيس التنفيذي لـ«مؤسسة مهرجان البحر الأحمر السينمائي» محمد التركي، أنّ الشراكة الثنائية تدخل في إطار «مواصلة دعم جيل من رواة القصص وتدريب المواهب السعودية في قطاع الفن السابع، ومدّ جسور للعلاقة المتينة بينهم وبين مجتمع الخبراء والكفاءات النوعية حول العالم»، معبّراً عن بهجته بتدشين هذه الشراكة مع سوق الأفلام بـ«مهرجان كان»؛ التي تعد من أكبر وأبرز أسواق السينما العالمية.
وأكّد التركي أنّ برنامج «صنّاع كان» يساهم في تحقيق أهداف «مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي» ودعم جيل جديد من المواهب السعودية والاحتفاء بقدراتها وتسويقها خارجياً، وتعزيز وجود القطاع السينمائي السعودي ومساعيه في تسريع وإنضاج عملية التطوّر التي يضطلع بها صنّاع الأفلام في المملكة، مضيفاً: «فخور بحضور ثلاثة من صنّاع الأفلام السعوديين ضمن قائمة الاختيار في هذا البرنامج الذي يمثّل فرصة مثالية لهم للنمو والتعاون مع صانعي الأفلام وخبراء الصناعة من أنحاء العالم».
وفي البرنامج الذي يقام طوال ثلاثة أيام ضمن «سوق الأفلام»، وقع اختيار «صنّاع كان» على ثمانية مشاركين من العالم من بين أكثر من 250 طلباً من 65 دولة، فيما حصل ثلاثة مشاركين من صنّاع الأفلام في السعودية على فرصة الانخراط بهذا التجمّع الدولي، وجرى اختيارهم من بين محترفين شباب في صناعة السينما؛ بالإضافة إلى طلاب أو متدرّبين تقلّ أعمارهم عن 30 عاماً.
ووقع اختيار «معامل البحر الأحمر»، بوصفها منصة تستهدف دعم صانعي الأفلام في تحقيق رؤاهم وإتمام مشروعاتهم من المراحل الأولية وصولاً للإنتاج.
علي رغد باجبع وشهد أبو نامي ومروان الشافعي، من المواهب السعودية والعربية المقيمة في المملكة، لتحقيق الهدف من الشراكة وتمكين جيل جديد من المحترفين الباحثين عن تدريب شخصي يساعد في تنظيم مسارهم المهني، بدءاً من مرحلة مبكرة، مع تعزيز فرصهم في التواصل وتطوير مهاراتهم المهنية والتركيز خصوصاً على مرحلة البيع الدولي.
ويتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما عبر تعزيز التعاون الدولي وربط المشاركين بخبراء الصناعة المخضرمين ودفعهم إلى تحقيق الازدهار في عالم الصناعة السينمائية. وسيُتاح للمشاركين التفاعل الحي مع أصحاب التخصصّات المختلفة، من بيع الأفلام وإطلاقها وتوزيعها، علما بأن ذلك يشمل كل مراحل صناعة الفيلم، من الكتابة والتطوير إلى الإنتاج فالعرض النهائي للجمهور. كما يتناول البرنامج مختلف القضايا المؤثرة في الصناعة، بينها التنوع وصناعة الرأي العام والدعاية والاستدامة.
وبالتزامن مع «مهرجان كان»، يلتئم جميع المشاركين ضمن جلسة ثانية من «صنّاع كان» كجزء من برنامج «معامل البحر الأحمر» عبر الدورة الثالثة من «مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي» في جدة، ضمن الفترة من 30 نوفمبر (تشرين الثاني) حتى 9 ديسمبر (كانون الأول) المقبلين في المدينة المذكورة، وستركز الدورة المنتظرة على مرحلة البيع الدولي، مع الاهتمام بشكل خاص بمنطقة الشرق الأوسط.


رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
TT

رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»

إنه «فضلو» في «بياع الخواتم»، و«أبو الأناشيد الوطنية» في مشواره الفني، وأحد عباقرة لبنان الموسيقيين، الذي رحل أول من أمس (الأربعاء) عن عمر ناهز 84 عاماً.
فبعد تعرضه لأزمة صحية نقل على إثرها إلى المستشفى، ودّع الموسيقي إيلي شويري الحياة. وفي حديث لـ«الشرق الأوسط» أكدت ابنته كارول أنها تفاجأت بانتشار الخبر عبر وسائل التواصل الاجتماعي قبل أن تعلم به عائلته. وتتابع: «كنت في المستشفى معه عندما وافاه الأجل. وتوجهت إلى منزلي في ساعة متأخرة لأبدأ بالتدابير اللازمة ومراسم وداعه. وكان الخبر قد ذاع قبل أن أصدر بياناً رسمياً أعلن فيه وفاته».
آخر تكريم رسمي حظي به شويري كان في عام 2017، حين قلده رئيس الجمهورية يومها ميشال عون وسام الأرز الوطني. وكانت له كلمة بالمناسبة أكد فيها أن حياته وعطاءاته ومواهبه الفنية بأجمعها هي كرمى لهذا الوطن.
ولد إيلي شويري عام 1939 في بيروت، وبالتحديد في أحد أحياء منطقة الأشرفية. والده نقولا كان يحضنه وهو يدندن أغنية لمحمد عبد الوهاب. ووالدته تلبسه ثياب المدرسة على صوت الفونوغراف الذي تنساب منه أغاني أم كلثوم مع بزوغ الفجر. أما أقرباؤه وأبناء الجيران والحي الذي يعيش فيه، فكانوا من متذوقي الفن الأصيل، ولذلك اكتمل المشوار، حتى قبل أن تطأ خطواته أول طريق الفن.
- عاشق لبنان
غرق إيلي شويري منذ نعومة أظافره في حبه لوطنه وترجم عشقه لأرضه بأناشيد وطنية نثرها على جبين لبنان، ونبتت في نفوس مواطنيه الذين رددوها في كل زمان ومكان، فصارت لسان حالهم في أيام الحرب والسلم. «بكتب اسمك يا بلادي»، و«صف العسكر» و«تعلا وتتعمر يا دار» و«يا أهل الأرض»... جميعها أغنيات شكلت علامة فارقة في مسيرة شويري الفنية، فميزته عن سواه من أبناء جيله، وذاع صيته في لبنان والعالم العربي وصار مرجعاً معتمداً في قاموس الأغاني الوطنية. اختاره ملك المغرب وأمير قطر ورئيس جمهورية تونس وغيرهم من مختلف أقطار العالم العربي ليضع لهم أجمل معاني الوطن في قالب ملحن لا مثيل له. فإيلي شويري الذي عُرف بـ«أبي الأناشيد الوطنية» كان الفن بالنسبة إليه منذ صغره هَوَساً يعيشه وإحساساً يتلمسه في شكل غير مباشر.
عمل شويري مع الرحابنة لفترة من الزمن حصد منها صداقة وطيدة مع الراحل منصور الرحباني. فكان يسميه «أستاذي» ويستشيره في أي عمل يرغب في القيام به كي يدله على الصح من الخطأ.
حبه للوطن استحوذ على مجمل كتاباته الشعرية حتى لو تناول فيها العشق، «حتى لو رغبت في الكتابة عن أعز الناس عندي، أنطلق من وطني لبنان»، هكذا كان يقول. وإلى هذا الحد كان إيلي شويري عاشقاً للبنان، وهو الذي اعتبر حسه الوطني «قدري وجبلة التراب التي امتزج بها دمي منذ ولادتي».
تعاون مع إيلي شويري أهم نجوم الفن في لبنان، بدءاً بفيروز وسميرة توفيق والراحلين وديع الصافي وصباح، وصولاً إلى ماجدة الرومي. فكان يعدّها من الفنانين اللبنانيين القلائل الملتزمين بالفن الحقيقي. فكتب ولحن لها 9 أغنيات، من بينها «مين إلنا غيرك» و«قوم تحدى» و«كل يغني على ليلاه» و«سقط القناع» و«أنت وأنا» وغيرها. كما غنى له كل من نجوى كرم وراغب علامة وداليدا رحمة.
مشواره مع الأخوين الرحباني بدأ في عام 1962 في مهرجانات بعلبك. وكانت أول أدواره معهم صامتة بحيث يجلس على الدرج ولا ينطق إلا بكلمة واحدة. بعدها انتسب إلى كورس «إذاعة الشرق الأدنى» و«الإذاعة اللبنانية» وتعرّف إلى إلياس الرحباني الذي كان يعمل في الإذاعة، فعرّفه على أخوَيه عاصي ومنصور.

مع أفراد عائلته عند تقلده وسام الأرز الوطني عام 2017

ويروي عن هذه المرحلة: «الدخول على عاصي ومنصور الرحباني يختلف عن كلّ الاختبارات التي يمكن أن تعيشها في حياتك. أذكر أن منصور جلس خلف البيانو وسألني ماذا تحفظ. فغنيت موالاً بيزنطياً. قال لي عاصي حينها؛ من اليوم ممنوع عليك الخروج من هنا. وهكذا كان».
أسندا إليه دور «فضلو» في مسرحية «بياع الخواتم» عام 1964. وفي الشريط السينمائي الذي وقّعه يوسف شاهين في العام التالي. وكرّت السبحة، فعمل في كلّ المسرحيات التي وقعها الرحابنة، من «دواليب الهوا» إلى «أيام فخر الدين»، و«هالة والملك»، و«الشخص»، وصولاً إلى «ميس الريم».
أغنية «بكتب اسمك يا بلادي» التي ألفها ولحنها تعد أنشودة الأناشيد الوطنية. ويقول شويري إنه كتب هذه الأغنية عندما كان في رحلة سفر مع الراحل نصري شمس الدين. «كانت الساعة تقارب الخامسة والنصف بعد الظهر فلفتني منظر الشمس التي بقيت ساطعة في عز وقت الغروب. وعرفت أن الشمس لا تغيب في السماء ولكننا نعتقد ذلك نحن الذين نراها على الأرض. فولدت كلمات الأغنية (بكتب اسمك يا بلادي عالشمس الما بتغيب)».
- مع جوزيف عازار
غنى «بكتب اسمك يا بلادي» المطرب المخضرم جوزيف عازار. ويخبر «الشرق الأوسط» عنها: «ولدت هذه الأغنية في عام 1974 وعند انتهائنا من تسجيلها توجهت وإيلي إلى وزارة الدفاع، وسلمناها كأمانة لمكتب التوجيه والتعاون»، وتابع: «وفوراً اتصلوا بنا من قناة 11 في تلفزيون لبنان، وتولى هذا الاتصال الراحل رياض شرارة، وسلمناه شريط الأغنية فحضروا لها كليباً مصوراً عن الجيش ومعداته، وعرضت في مناسبة عيد الاستقلال من العام نفسه».
يؤكد عازار أنه لا يستطيع اختصار سيرة حياة إيلي شويري ومشواره الفني معه بكلمات قليلة. ويتابع لـ«الشرق الأوسط»: «لقد خسر لبنان برحيله مبدعاً من بلادي كان رفيق درب وعمر بالنسبة لي. أتذكره بشوشاً وطريفاً ومحباً للناس وشفافاً، صادقاً إلى أبعد حدود. آخر مرة التقيته كان في حفل تكريم عبد الحليم كركلا في الجامعة العربية، بعدها انقطعنا عن الاتصال، إذ تدهورت صحته، وأجرى عملية قلب مفتوح. كما فقد نعمة البصر في إحدى عينيه من جراء ضربة تلقاها بالغلط من أحد أحفاده. فضعف نظره وتراجعت صحته، وما عاد يمارس عمله بالشكل الديناميكي المعروف به».
ويتذكر عازار الشهرة الواسعة التي حققتها أغنية «بكتب اسمك يا بلادي»: «كنت أقفل معها أي حفل أنظّمه في لبنان وخارجه. ذاع صيت هذه الأغنية، في بقاع الأرض، وترجمها البرازيليون إلى البرتغالية تحت عنوان (أومينا تيرا)، وأحتفظ بنصّها هذا عندي في المنزل».
- مع غسان صليبا
مع الفنان غسان صليبا أبدع شويري مرة جديدة على الساحة الفنية العربية. وكانت «يا أهل الأرض» واحدة من الأغاني الوطنية التي لا تزال تردد حتى الساعة. ويروي صليبا لـ«الشرق الأوسط»: «كان يعد هذه الأغنية لتصبح شارة لمسلسل فأصررت عليه أن آخذها. وهكذا صار، وحققت نجاحاً منقطع النظير. تعاونت معه في أكثر من عمل. من بينها (كل شيء تغير) و(من يوم ما حبيتك)». ويختم صليبا: «العمالقة كإيلي شويري يغادرونا فقط بالجسد. ولكن بصمتهم الفنية تبقى أبداً ودائماً. لقد كانت تجتمع عنده مواهب مختلفة كملحن وكاتب ومغنٍ وممثل. نادراً ما نشاهدها تحضر عند شخص واحد. مع رحيله خسر لبنان واحداً من عمالقة الفن ومبدعيه. إننا نخسرهم على التوالي، ولكننا واثقون من وجودهم بيننا بأعمالهم الفذة».
لكل أغنية كتبها ولحنها إيلي شويري قصة، إذ كان يستمد موضوعاتها من مواقف ومشاهد حقيقية يعيشها كما كان يردد. لاقت أعماله الانتقادية التي برزت في مسرحية «قاووش الأفراح» و«سهرة شرعية» وغيرهما نجاحاً كبيراً. وفي المقابل، كان يعدها من الأعمال التي ينفذها بقلق. «كنت أخاف أن تخدش الذوق العام بشكل أو بآخر. فكنت ألجأ إلى أستاذي ومعلمي منصور الرحباني كي يرشدني إلى الصح والخطأ فيها».
أما حلم شويري فكان تمنيه أن تحمل له السنوات الباقية من عمره الفرح. فهو كما كان يقول أمضى القسم الأول منها مليئة بالأحزان والدموع. «وبالقليل الذي تبقى لي من سنوات عمري أتمنى أن تحمل لي الابتسامة».


ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية     -   ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية - ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
TT

ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية     -   ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية - ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)

ستيف بركات عازف بيانو كندي من أصل لبناني، ينتج ويغنّي ويلحّن. لفحه حنين للجذور جرّه إلى إصدار مقطوعة «أرض الأجداد» (Motherland) أخيراً. فهو اكتشف لبنان في وقت لاحق من حياته، وينسب حبّه له إلى «خيارات مدروسة وواعية» متجذرة في رحلته. من اكتسابه فهماً متيناً لهويته وتعبيره عن الامتنان لما منحه إياه الإرث من عمق يتردّد صداه كل يوم، تحاوره «الشرق الأوسط» في أصله الإنساني المنساب على النوتة، وما أضفاه إحساسه الدفين بالصلة مع أسلافه من فرادة فنية.
غرست عائلته في داخله مجموعة قيم غنية استقتها من جذورها، رغم أنه مولود في كندا: «شكلت هذه القيم جزءاً من حياتي منذ الطفولة، ولو لم أدركها بوعي في سنّ مبكرة. خلال زيارتي الأولى إلى لبنان في عام 2008. شعرتُ بلهفة الانتماء وبمدى ارتباطي بجذوري. عندها أدركتُ تماماً أنّ جوانب عدة من شخصيتي تأثرت بأصولي اللبنانية».
بين كوبنهاغن وسيول وبلغراد، وصولاً إلى قاعة «كارنيغي» الشهيرة في نيويورك التي قدّم فيها حفلاً للمرة الأولى، يخوض ستيف بركات جولة عالمية طوال العام الحالي، تشمل أيضاً إسبانيا والصين والبرتغال وكوريا الجنوبية واليابان... يتحدث عن «طبيعة الأداء الفردي (Solo) التي تتيح حرية التكيّف مع كل حفل موسيقي وتشكيله بخصوصية. فالجولات تفسح المجال للتواصل مع أشخاص من ثقافات متنوعة والغوص في حضارة البلدان المضيفة وتعلّم إدراك جوهرها، مما يؤثر في المقاربة الموسيقية والفلسفية لكل أمسية».
يتوقف عند ما يمثله العزف على آلات البيانو المختلفة في قاعات العالم من تحدٍ مثير: «أكرّس اهتماماً كبيراً لأن تلائم طريقة عزفي ضمانَ أفضل تجربة فنية ممكنة للجمهور. للقدرة على التكيّف والاستجابة ضمن البيئات المتنوّعة دور حيوي في إنشاء تجربة موسيقية خاصة لا تُنسى. إنني ممتنّ لخيار الجمهور حضور حفلاتي، وهذا امتياز حقيقي لكل فنان. فهم يمنحونني بعضاً من وقتهم الثمين رغم تعدّد ملاهي الحياة».
كيف يستعد ستيف بركات لحفلاته؟ هل يقسو عليه القلق ويصيبه التوتر بإرباك؟ يجيب: «أولويتي هي أن يشعر الحاضر باحتضان دافئ ضمن العالم الموسيقي الذي أقدّمه. أسعى إلى خلق جو تفاعلي بحيث لا يكون مجرد متفرج بل ضيف عزيز. بالإضافة إلى الجانب الموسيقي، أعمل بحرص على تنمية الشعور بالصداقة الحميمة بين الفنان والمتلقي. يستحق الناس أن يلمسوا إحساساً حقيقياً بالضيافة والاستقبال». ويعلّق أهمية على إدارة مستويات التوتّر لديه وضمان الحصول على قسط كافٍ من الراحة: «أراعي ضرورة أن أكون مستعداً تماماً ولائقاً بدنياً من أجل المسرح. في النهاية، الحفلات الموسيقية هي تجارب تتطلب مجهوداً جسدياً وعاطفياً لا تكتمل من دونه».
عزف أناشيد نالت مكانة، منها نشيد «اليونيسف» الذي أُطلق من محطة الفضاء الدولية عام 2009 ونال جائزة. ولأنه ملحّن، يتمسّك بالقوة الهائلة للموسيقى لغة عالمية تنقل الرسائل والقيم. لذا حظيت مسيرته بفرص إنشاء مشروعات موسيقية لعلامات تجارية ومؤسسات ومدن؛ ومعاينة تأثير الموسيقى في محاكاة الجمهور على مستوى عاطفي عميق. يصف تأليف نشيد «اليونيسف» بـ«النقطة البارزة في رحلتي»، ويتابع: «التجربة عزّزت رغبتي في التفاني والاستفادة من الموسيقى وسيلة للتواصل ومتابعة الطريق».
تبلغ شراكته مع «يونيفرسال ميوزيك مينا» أوجها بنجاحات وأرقام مشاهدة عالية. هل يؤمن بركات بأن النجاح وليد تربة صالحة مكوّنة من جميع عناصرها، وأنّ الفنان لا يحلّق وحده؟ برأيه: «يمتد جوهر الموسيقى إلى ما وراء الألحان والتناغم، ليكمن في القدرة على تكوين روابط. فالنغمات تمتلك طاقة مذهلة تقرّب الثقافات وتوحّد البشر». ويدرك أيضاً أنّ تنفيذ المشاريع والمشاركة فيها قد يكونان بمثابة وسيلة قوية لتعزيز الروابط السلمية بين الأفراد والدول: «فالثقة والاهتمام الحقيقي بمصالح الآخرين يشكلان أسس العلاقات الدائمة، كما يوفر الانخراط في مشاريع تعاونية خطوات نحو عالم أفضل يسود فيه الانسجام والتفاهم».
بحماسة أطفال عشية الأعياد، يكشف عن حضوره إلى المنطقة العربية خلال نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل: «يسعدني الوجود في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا كجزء من جولة (Néoréalité) العالمية. إنني في مرحلة وضع اللمسات الأخيرة على التفاصيل والتواريخ لنعلن عنها قريباً. تملؤني غبطة تقديم موسيقاي في هذا الحيّز النابض بالحياة والغني ثقافياً، وأتحرّق شوقاً لمشاركة شغفي وفني مع ناسه وإقامة روابط قوامها لغة الموسيقى العالمية».
منذ إطلاق ألبومه «أرض الأجداد»، وهو يراقب جمهوراً متنوعاً من الشرق الأوسط يتفاعل مع فنه. ومن ملاحظته تزايُد الاهتمام العربي بالبيانو وتعلّق المواهب به في رحلاتهم الموسيقية، يُراكم بركات إلهاماً يقوده نحو الامتنان لـ«إتاحة الفرصة لي للمساهمة في المشهد الموسيقي المزدهر في الشرق الأوسط وخارجه».
تشغله هالة الثقافات والتجارب، وهو يجلس أمام 88 مفتاحاً بالأبيض والأسود على المسارح: «إنها تولّد إحساساً بالعودة إلى الوطن، مما يوفر ألفة مريحة تسمح لي بتكثيف مشاعري والتواصل بعمق مع الموسيقى التي أهديها إلى العالم».