ناصر عراق: الكاتب الجاد لا يكتب من أجل مطاردة الجوائز

الروائي المصري يقول إن «كتارا» لا تلملم ما يتساقط من «البوكر»

ناصر عراق يتسلم جائزة «كتارا للرواية العربية» من خالد السليطي رئيس لجنة الجائزة
ناصر عراق يتسلم جائزة «كتارا للرواية العربية» من خالد السليطي رئيس لجنة الجائزة
TT

ناصر عراق: الكاتب الجاد لا يكتب من أجل مطاردة الجوائز

ناصر عراق يتسلم جائزة «كتارا للرواية العربية» من خالد السليطي رئيس لجنة الجائزة
ناصر عراق يتسلم جائزة «كتارا للرواية العربية» من خالد السليطي رئيس لجنة الجائزة

بفوزه بجائزة «كتارا للرواية العربية» في دورتها الثانية 2016، فئة «الرواية المنشورة»، عن روايته «الأزبكية»، وقيمتها 60 ألف دولار، وفوزه أيضا بجائزة تحويلها إلى عمل درامي وقيمتها 200 ألف دولار، يعيد الروائي المصري ناصر عراق الاعتبار للرواية المصرية التاريخية.
«الأزبكية»، تتناول فترة تمتد منذ قدوم الحملة الفرنسية إلى مصر عام 1798، حتى نهاية عام 1805، وهو العام الذي وصل فيه محمد علي إلى السلطة. ويقول ناصر عراق، الذي يعرف حساسية إقحام التاريخ في العمل الروائي: «لستُ مؤرخا، وإنما روائي، ولكنني استلهمت وقائع التاريخ لأفهم الحاضر وأستشرف المستقبل، بخاصة أن الأحداث التي أعقبت ثورة يناير (كانون الثاني) 2011 في مصر تشبه إلى حد ما أجواء ما حدث في زمن روايتي الأزبكية».
«الشرق الأوسط»، التقت بناصر عراق بعد فوزه بجائزة «كتارا للرواية العربية»، في العاصمة القطرية الدوحة، وأجرت معه الحوار التالي:

* فازت روايتك «الأزبكية» بجائزة كتارا للرواية العربية عن الروايات المنشورة، كما اختيرت أفضل رواية قابلة للتحويل إلى عمل درامي، كيف ترى هذا الفوز؟
- حقا إنه فوز كبير ومتفرد جدًا أسعدني كثيرًا، ومع ذلك دعني أخبرك شيئا... حين أعلن على مسرح دار الأوبرا بالدوحة أنني الفائز بالجائزتين تذكرت على الفور كل الذين تعلمتُ منهم طوال حياتي، وعلى رأسهم والدي الراحل عبد الفتاح عراق، الذي يُعّد مثقفا عصاميًا بامتياز، رغم أنه لم يحصل على أي شهادة دراسية، ومع ذلك كان يقرأ طه حسين وسلامة موسى والعقاد وتوفيق الحكيم، وينفعل بكتاباتهم وآرائهم ويتأملها بعمق، ويحفظ شعر شوقي وبشار والمتنبي وبيرم التونسي، ويعلمنا كيف نتذوقه، ويتردد بشغف على دور المسرح والسينما بالقاهرة في أربعينات القرن الماضي وخمسيناته، أقول: لقد تذكرته بكل إجلال وتوقير ومحبة وأنا على خشبة المسرح، وودت لو كان حيًا ليرى نتائج عمله. كذلك تذكرت أشقائي الكبار، وتذكرت أيضا المبدعين المصريين والعرب والعالميين الذين انفعلت بأفكارهم وإبداعاتهم.
أرى هذه الجائزة بمثابة مكافأة طيبة لأسرة مصرية عاشقة للوطن والعلم والأدب والفن، كما أراها تحقق الحكمة الصائبة «لكل مجتهد نصيب»، فأنا طوال حياتي أقرأ وأكتب وأرسم وأمثل وأؤسس فرقة مسرحية وأخرج عروضا لها، وأؤسس أقسامًا ثقافية ومجلات وجوائز إبداعية هنا وهناك، وأتولى إدارة تحرير مجلات مطبوعة ومواقع إلكترونية صحافية، كما أنني أنشر بانتظام منذ عام 1981، ولم أتوقف لحظة عن ذلك حتى إعلان الفوز الكبير.
> لديك مشوار مع المسابقات، روايتك «العاطل» وصلت لقائمة «البوكر» القصيرة عام 2012.. ماذا تضيف لك المسابقات والجوائز؟
- الجوائز مهمة لا ريب، وتحفّز المبدع على الإجادة وتحرضه على الإتقان، لكن الكاتب الجاد الموهوب لا يتصدى للكتابة من أجل مطاردة جائزة هنا، أو اقتناص تكريم هناك.. المبدع الحقيقي هو الذي يكتب تحت ضغط إلحاح داخلي عنيف.. يزلزل كيانه من أجل أن يعبر عن نفسه بشكل أدبي، ولك أن تتخيل عدد المرات التي صحوت فيها من النوم فجأة مشحونا بفكرة أو عبارة أو موقف يجب صياغته فورًا في هذه الرواية أو تلك. باختصار.. الكاتب الحقيقي هو من يملك مشروعًا ينكبّ عليه انكبابًا ولا يستسلم ليأس أو إحباط. فإذا حصل على جائزة، فهذا جزاء اجتهاده، وإذا لم يحصل فيكفيه فخرًا أنه استمتع بإنجازه كما لم يستمتع أحد، وهنا أتذكر مقولة بالغة الأهمية لمفكر في القرن الـ19؛ منطوقها: «الفن هو أعلى درجة من درجات الفرح يستطيع أن يهبها الإنسان لنفسه».
> كيف ترد على من يقول إن جائزة «كتارا» كانت تلملم ما يتساقط من «البوكر»؟
- هذا كلام ظالم وغير صحيح بالمرة، فلكل جائزة طبيعتها وتقاليدها وأهدافها، وأظن أن جائزة «كتارا للرواية العربية» وجائزة «البوكر»، تعملان من أجل تعزيز الإبداع العربي، وتحديدًا في عالم الرواية، وأكبر دليل على نزاهة «كتارا» وحياديتها هي إشراف المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم (الإلكسو) عليها، الأمر الذي دفع كثيرا من الروائيين الكبار والشباب إلى المشاركة فيها والتنافس من أجل اقتطاف جوائزها السخيّة، وقد تلقت إدارة الجائزة 1004 روايات في الدورة الثانية، كما أعلن الأستاذ خالد السيد، المشرف على الجائزة. وهو رقم كبير جدًا يتجاوز كل من يتقدم للجوائز الأخرى بمراحل.

الرواية والتاريخ

> روايتك «الأزبكية» تعيد وهج الروايات التاريخية، هي تتناول فصولاً من الحملة الفرنسية على مصر حتى وصول محمد علي للحكم.. هل يمكن للرواية أن تستوعب سجال التاريخ ونزاعاته؟
- أي رواية تستطيع أن تستوعب التاريخ أو الحاضر أو تستشرف المستقبل، بشرط أن تكون مكتوبة بذكاء ومهارة؛ فالروائي ليس مؤرخًا أو عالمًا في المستقبليات، لكنه بموهبته وخياله يستطيع استلهام بعض وقائع التاريخ ليشيد فوقها معمًارا روائيًا مؤثرًا، يستوفي شروط العمل الناجح المتمثل في إحكام البناء، والجاذبية، واللغة الرشيقة الحلوة.. إلى آخره، فالرواية في النهاية يجب أن تكون ممتعة لكل من يطلع عليها.
> ألا تعتقد أن من الخطر تناول التاريخ في إطار روائي.. التاريخ بطبيعته إشكالي ويحتاج إلى نقد، وليس إلى تحويله خيالا؟
- التاريخ مستودع ضخم يختزن الحكايات والوقائع والأسرار، والروائي الحصيف هو الذي يستطيع أن يقتبس منه ما يعزز أفكاره وآراءه، وما يعينه على كتابة عمل ناجح. وقد لجأت إلى التاريخ لأفهم الحاضر المصري والعربي، لعلنا نستطيع أن نفكك تناقضاته ونحل مشكلاته، من أجل بناء مستقبل أكثر إشراقا وسعادة للجميع.
> نحن نعلم خصوصية هذه الفترة التي تناولتها الرواية التي تمتد من عام 1798، حتى نهاية 1805، فهذه الحقبة التاريخية حكم فيها مصر تسعة حكام أجانب، قضى ثلاثة منهم قتلاً.. وهي فترة اضطراب شعبي في مصر. ما الهدف من اختيار هذه الفترة تحديدًا؟
- لقد عدت إلى هذه الفترة، لأن حملة نابليون على مصر وما أعقبها من أعوام قليلة مثلت لحظة فارقة في تاريخنا الحديث، اتسمت بصراعات ثقافية وفكرية وعسكرية مصحوبة بفوضى عارمة، أظنها كانت تشبه إلى حدٍ ما، ما جرى في مصر مع ثورة يناير وما تلاها. كما أننا نعاني حتى هذه اللحظة في البحث عن طريقة نتعامل بها مع الغرب؛ هل نعاديه حتى لا يطغى على هويتنا؟ هل نصالحه ونذوب فيه فنفقد ديننا وهويتنا كما يقول بعضهم؟ هل نأخذ منه ما يناسب عاداتنا وتقاليدنا ونهجر ما يخاصمها؟ وكيف نتمكن من ذلك؟ هذه الأسئلة الحرجة وتلك الأجواء العاصفة هي التي أوحت لي بفكرة «الأزبكية».
> مزجت «الأزبكية» التاريخ بالخيال، بشكل فني بارز، لكن ألا تخشى أن يطغى الخيال على الواقع، فيشوه السرد التاريخي؟
- لم أخش شيئا، فأنا روائي محترف، ولست مؤرخا، وأعرف جيدًا ما تتطلبه الرواية الناجحة، فحاولت أن أكتب عملا ينهض على التاريخ، لكنه ليس كتابًا في التاريخ، وإنما رواية مثيرة وممتعة محمّلة بصراعات اجتماعية ووطنية وثقافية، تتخللها علاقات غرامية مشبوبة، وأفكار وآراء جديرة بالنقاش.. وأظن أن محاولتي نجحت، بدليل الفوز الكبير الذي حققته «الأزبكية».
> بين رواياتك: «أزمنة من غبار»، و«من فرط الغرام»، و«تاج الهدهد»، و«العاطل»، و«نساء القاهرة - دبي» وصولاً لـ«الأزبكية» و«الكومبارس».. إلى أي مدى تحقق حلمك الروائي؟
- لا ريب في أنني سعيد بما أنجزت، لكنها سعادة منقوصة، حيث لا نهاية لأحلامي الروائية، وأظن أن في جعبتي الكثير الذي لم يكتب بعد، فالأجمل لم يكتب بعد، كما يقال، وأنا حاليًا أعكف على رواية جديدة ضمن مشروع روائي أكبر أرجو أن تسنح لي الظروف بإنجازه.
> هل كان «عبد المؤمن السعيد» بطل روايتك «الكومبارس» الذي يكشف خبايا عالم الفن والثقافة.. رمزًا للمهمشين.. لماذا اخترت أن تقحمه عالم الفنّ وكأنه يحاكي نموذجًا لديك؟
- أظنك تعرف أن كثيرًا من المبدعين المصريين المتميزين في المجالات كافة قد تعرضوا لظلم بيّن طوال أربعين عامًا من قبل نظامي السادات ومبارك، لذا اخترت شخصية عبد المؤمن السعيد بطل «الكومبارس» بوصفه رمزًا لكل من يمتلك موهبة، لكنه كابد الضيم والإهمال، وقد ساعدتني تجربتي مع عالم المسرح في شبابي الأول على الغوص في الطبيعة النفسية للممثل الموهوب سيئ الحظ.
> أنت خريج فنون جميلة، ولديك رابطة وثيقة بعالم الفنّ.. هل كنت تقول بلسان «عبد المؤمن السعيد» ما كنت تكابده (ربما)؟
- لا أعتقد ذلك، رغم أن كثيرًا من أبناء جيلي الموهوبين لم ينالوا ما يستحقونه من حفاوة واهتمام، لكنني لا أظن نفسي «ضحية»، فأنا اخترت طريق الإبداع الجاد والصحافة الملتزمة المسؤولة، وكنت أدري حجم المعاناة التي يمكن أن يتعرض لها كل صاحب موقف لا يبتذل نفسه أمام أصحاب السلطان.
> ما رأيك في الرواية العربية، والمصرية تحديدًا، اليوم؟
- أظن أن الأعوام العشرين الأخيرة شهدت قفزات كبيرة في عالم الرواية، فأقبل على كتباتها قطاعات كثيرة من الناس، وهو أمر طيب لا ريب، والزمن كفيل بفرز الجيد منها، فغزارة الإنتاج ضرورة للتطوير والتجويد، وبالفعل هناك روائيون يمتلكون مواهب لافتة من الشباب ومن الكبار.
> كتبت عن «الأخضر والمعطوب.. في الثقافة والفن والحياة».. ما «المعطوب» في الثقافة؟
- ما أكثر المعطوب في ثقافتنا العربية.. كل كتابة لا تحترم العقل وما وصل إليه من تفتح وتطور، كتابة معطوبة.. كل فن لا يسمو بذوق الإنسان ويرتقي به، فن معطوب، كل رأي متحجر يظن نفسه الأكثر فهما وحكمة، رأي معطوب.
> من أين يأتي العطب؟
- من غياب العدل.. من استشراء الظلم.. من تفشي الجهل.
> لديك تجربة طويلة ومميزة مع الصحافة الثقافية، كيف ترى هذه الصحافة في عصر التواصل الرقمي؟
- علينا الاعتراف بأن الصحافة الثقافية الورقية في خطر داهم، ومهددة بالاندثار إذا لم تطوّر نفسها، فالإعلام الإلكتروني بات ذا تأثير مدهش كل لحظة، كما أن وسائل التواصل الاجتماعي تدفع الناس إلى هجر التعامل مع الأوراق بصورة متزايدة، إلا المطبوعة المتميزة المتفردة. فإذا لم تنتبه الصحافة الورقية إلى المأزق الذي صارت إليه، فلا منجاة من السقوط في بئر النسيان بكل أسف.. بصراحة.. نحن في حاجة إلى ثورة من أجل تطوير صحافتنا الثقافية.

سيرة ذاتية

- يعمل حاليًا مديرًا لتحرير مجلة «حروف عربية» بدبي. وقد ولد في شبرا البلد بالقاهرة، وتخرج في كلية الفنون الجميلة بالزمالك عام 1984، وعمل محررًا ورسامًا في الصحافة الثقافية بمصر، ثم غادر إلى دبي في يناير 1999، حيث تولى رئاسة القسم الثقافي بمجلة «الصدى» الأسبوعية، وأصبح في عام 2003 مدير تحرير مجلة «دبي الثقافية» حتى فبراير (شباط) 2010.
- أصدر ثلاثة كتب، هي: «ملامح وأحوال.. قراءة في الواقع التشكيلي المصري»، و«الأخضر والمعطوب.. في الفن والثقافة والحياة»، و«تاريخ الرسم الصحافي في مصر 2000».
- أصدر سبع روايات، هي: «أزمنة من غبار» و«من فرط الغرام»، و«العاطل» التي وصلت إلى القائمة القصيرة في الجائزة العالمية للرواية العربية «البوكر العربية» 2012، و«تاج الهدهد»، و«نساء القاهرة - دبي»، و«الأزبكية» التي فازت بالجائزة الكبرى في جائزة «كتارا للرواية العربية» بالدورة الثانية 2016، كما أنها فازت بأفضل رواية قابلة للتحويل إلى عمل درامي، وفي هذا العام أصدر آخر رواياته «الكومبارس».
- فاز كتابه «تاريخ الرسم الصحافي في مصر/ 2000) بجائزة أفضل كتاب في المسابقة التي تنظمها جائزة أحمد بهاء الدين في دورتها الأولى.
- كما فاز ناصر عراق بجائزة «أفضل مقال» في الصحافة الإماراتية، في مسابقة «تريم عمران» - الدورة الثانية 2004، التي تنظمها «مؤسسة الخليج للصحافة».



حكايات الدُمى الشعبية في مصر تدعو للتأمل

حكايات الدُمى الشعبية في مصر تدعو للتأمل
TT

حكايات الدُمى الشعبية في مصر تدعو للتأمل

حكايات الدُمى الشعبية في مصر تدعو للتأمل

رغم أن جذورها تعود إلى حقبة ما قبل الميلاد، فإن دمية العروس في مصر تحمل في نسختها الشعبية العديدَ من الأشكال والمفارقات، تتنوع ما بين دلالات وطقوس وحكايات تدعو للتأمل.

هذا ما تؤكده الفنانة التشكيلية والباحثة سماء يحيى في كتابها «العروسة في الفن والحياة»، الصادر أخيراً عن «الهيئة العامة لقصور الثقافة» ضمن سلسلة «آفاق الفن التشكيلي»، لافتة إلى أن الدُمى كانت توضع في حقب زمنية سابقة في قبور الأطفال الصغار، وكأنها تبعد عنهم الوحشة، وهو ما يعكس قوة حضورها في الثقافة الشعبية.

تشير المؤلفة إلى أن «العروسة» هي تشكيل نحتي يُصنع على هيئة إنسان أو حيوان بحجم صغير وخامات مختلفة لأغراض اللعب أو لأغراض تزينيية وطقسية وفنية، وتعد واحدة من أقدم التشكيلات النحتية التي صنعها الإنسان، ويعود تاريخها في رأي بعض الباحثين إلى ما قبل ظهور الحضارة.

ومن الواضح أن افتتان الإنسان الأول بالجسد وخيالاته الأولى في التجسيد جعله يحاول تقريب صور الطبيعة لكي تشبه شكله وأشكال مخلوقات أخرى مألوفة لديه ليخلق في مخيلته اعتقاداً بأنه يستطيع أن يقترب منها أو يقوم بطقس ليتقي شرها، فكانت هناك عرائس لموسم الحصاد في بداية عصر الزراعة والأمطار وأخرى لجلب الرزق والصيد في المجتمعات الرعوية، كذلك عرائس منحوتة كتمائم وآلهة صُنعت من القش والعظم وعرائس لأغراض الخصوبة والإنجاب.

نجد أيضاً أن الإنسان الأول صنع تشكيلات من خامات البيئة المحلية مثل الطين والبوص والأخشاب في محاولة لتجسيد الآباء الراحلين الأعزاء على نحو يجعله قادراً على أن يتواصل معهم ويحدثهم بما يجول في خاطره. حتى في الطقوس السحرية والإيذاء، كانت صناعة دمية على شكل العدو أمراً شائعاً في عصور ما قبل التاريخ، حيث تخلق الدمى نوعاً من التواصل الحسي والحركي مع البيئة وتفتح المجال للخيال ونمو العقل لدى الأطفال، فالظروف البيئية في العصر الحجري على سبيل المثال كانت من العوامل المهمة التي قامت حولها طائفة من العقائد والطقوس القديمة.

حرف وصناعات

تلفت سماء إلى أنه ترتب على ذلك قيام مجموعة من الحرف والصناعات والفنون لنجد أن الطقوس الدينية أو السحرية اتخذت من تلك الحرف وسيلة لحفظ هذا التراث الإنساني من الضياع، بل ربما كانت ضماناً لارتقاء تلك الحرف والصناعات.

عُثر على العديد من نماذج الدمى في العصور الأولى المبكرة للحضارة المصرية القديمة، لا سيما في كل من «نقادة» و«البداري»، كما وُجدت بأحجام وخامات وأشكال منوعة في سيبيريا ووسط آسيا والبلطيق، وابتُكرت في أشكال مختلفة بملابس أو من دون، وألبست حلياً تشبه تلك التي يستخدمها أهل المنطقة ولُوّنت في بعض الأحيان مثل الدمى السومرية الملونة، كما وُجدت منها نماذج فرعونية مكسوة بالذهب والمطعمة بالملابس.

ومع هذا التاريخ العظيم الثري من استخدام العرائس والدمى في التعبير الفني والثقافي والمجتمعي في مصر، فإن المؤلفة تلاحظ أن النظر إلى «العروسة» كعنصر مهم من الممكن الاستفادة منه في الفن التشكيلي المصري الحديث بكل مجالاته، وهذا لم يلق العناية الكافية من الفنانين التشكيليين المصريين المعاصرين.

وبينما اقتصرت أغلبية الأعمال التشكيلية المعاصرة في مصر على «تيمة عروس المولد» في أعمال نحتية وتصويرية، لم يهتم إلا قليلون باستخدام مفاهيم وتشكيلات أخرى لدمى مصرية لها خصوصية متفردة واستلهامها في تطوير أساليب وأعمال فنية ذات فرادة، وفي الوقت نفسه يقبل على مشاهدتها الجمهور العادي لأنها ليست غريبة على ثقافته وذائقته، وإن كان هذا لا ينفي قيام بعض التشكيليين بمحاولات رائدة في هذا السياق مثل جمال السجيني، وعبد الغني الشال، وممدوح عمار، ومصطفى الرزاز، وفرغلي عبد الحفيظ، ورمزي مصطفى، وعصمت داوستاشي، وحلمي التوني.

أشهر النماذج

تعد «دمية فرن الخبز» أشهر عروس في منازل المصريين الذين كانوا حتى وقت قريب يصنعون الخبز في منازلهم، من وجه بحري حتى أقاصي الصعيد، وهى تُصنع من قطعة صغيرة من العجين، وتخلطها الأمهات والجدات بالسمن وبعض السكر، ثم يشكلها الأطفال على هيئة دمى بدائية قريبة الشبه جداً بتلك التي شُكلّت في عصور فرعونية قديمة تعود إلى ما قبل الأسرات.

تخرج «عروسة الخبيز» وقد نضجت بنار الفرن فيفرح بها الصغار ويلهون بها قبل أن يأكلوها في طقس بسيط يحمل معاني البهجة والاحتفال، وربما كان متوارثاً من أعياد ومناسبات سحيقة لا يُعرف عنها شيء الآن.

أما ثاني الدمى المهمة في الحياة الاجتماعية المصرية فهي «عروس القمح»، أو باللهجة الشعبية «عروس الغلة»، التي تُصنع من سنابل القمح الخضراء المضفرة في تركيبة تشبه علامة «العنخ» أو «مفتاح الحياة» المصري القديم، التي تعلّق على أبواب المنازل وفوق النوافذ للاحتفال وجلباً للخير.

وكانت الدمية تُقدم ومعها وعاء من القمح كقربان للإلهة «رنتوتت» في مصر القديمة كنوع من الشكر لها على بركة الحصاد، وهى الآن تُصنّع وتباع في أعياد «شم النسيم» ويطلق عليها «مشط الفريك» وتعلق على الشرفات والعتبات.

وتذكر سماء أنه من أشهر الدمى الشعبية في هذا السياق «خيال المآتة» وهي تشكيل يوضع في الحقول الزراعية لتخويف الطيور يتكون من خشبتين متصالبتين، ويصنع لهما رأس من القماش أو يلبس قبعة من القش، وقديماً كان يُصنع لها رأس مخيف من الطين ويطلق عليه لقب «أبو خف».

أيضاً توجد دمية الحسد الورقية الشهيرة التي تُقص من ورقة على شكل إنساني، ثم تخرم بالإبرة الغشيمة التي ليس لها عين ثقباً باسم كل من تحوم حوله الشكوك في أنه حاسد أو يحمل شراً، ثم تُحرق في موقد صغير مع بخور الحسد ولبان وشبّة، ثم يخطو المحسود فوق الموقد سبع مرات ويقال إنه تظهر في رماد الدمية وجوه الحساد.

وهناك كذلك «عروسة الخماسين» المصنوعة من القش وورق الشجر، التي يصنعها الأطفال أيام رياح الخماسين في أرياف الدلتا ويُلبسونها جلباباً قديماً مثل «خيال المآتة»، ثم يزفونها ليلاً على عرصة فرن حديدية بمركب في النهر، ومع مطلع الفجر يأخذونها للشاطئ ويشعلون فيها النار ثم يقفزون في الماء وهم يغنون: «عروسة الخماسين... سنة بيضة على الفلاحين».


الشخصية القبطية في الأدب المصري

الشخصية القبطية في الأدب المصري
TT

الشخصية القبطية في الأدب المصري

الشخصية القبطية في الأدب المصري

صدر عن دار «العين» للنشر في القاهرة كتاب «الشخصية القبطية في الأدب المصري» للدكتورة نيفين مسعد، أستاذة العلوم السياسية بجامعة القاهرة، والحاصلة على جائزة الدولة التقديرية العام الماضي. ويسعى الكتاب لمقاربة صورة الشخصية القبطية على مدار عقود طويلة، ولدى أجيال مختلفة من الأدباء، ويتَّخذ من ثورة يناير (كانون الثاني) 2011 مرحلةً مفصليةً في تحولات تمثيل هذه الشخصية في الأعمال الروائية.

يبدأ الكتاب بمقدِّمة مقتضبة كتبها الروائي المصري نعيم صبري، ثم مقدمة المؤلفة التي تشرح فيها تاريخ اهتمامها بالموضوع، بدءاً من دراسة مطولة نشرتها في إحدى المجلات في عام 1999، ثم عودتها مؤخراً لهذه الدراسة وتحويلها إلى كتاب، ومحاولتها رصد وتحليل معظم الأعمال الروائية التي تقدم الشخصية القبطية عقب 2011، وما حدث في تقديمها من اختلاف بين روايات القرن الماضي وروايات ما بعد الثورة.

يتكوَّن الكتاب من 3 فصول رئيسية، الأول نظري بعنوان «الشخصية القبطية بين تاريخين»، تشير فيه إلى أنَّ هناك اهتماماً كبيراً منذ يناير 2011 بالكتابة عن الأقباط، وأن أبرز أهداف هذا الاهتمام هو محاولة النفاذ إلى داخل المجتمع القبطي، وجعل الأقباط يعبِّرون عن أنفسهم، بدلاً من الكتابة عنهم وعن مجتمعهم من خارجهم. وكذلك إعادة قراءة تاريخ بعض الشخصيات القبطية الأكثر خلافية، فضلاً عن توثيق وإضاءة المساحات غير المعروفة في حياة الأقباط.

الفصل الثاني بعنوان «الشخصية القبطية في الأدب المصري قبل ثورة يناير 2011»، وتتوقَّف فيه عند عدد كبير من الروايات، ومنها روايات لنجيب محفوظ ويحيى حقي، ويوسف إدريس، وإدوار الخراط، وإبراهيم عبد المجيد، وبهاء طاهر، وسلوى بكر، ونعيم صبري، ونبيل نعوم، وغيرهم. وتخلص من خلال دراسات هذه الروايات إلى 17 نقطة تلخص خصائص تقديم الشخصية، ومنها خلو تلك الأعمال من خصائص شكلية ينفرد بها الأقباط، كما تخلو من صفات ذاتية تلازمهم، كما كانت الشخصية القبطية تتخلل مختلف أنحاء الوطن وسائر الأعمال والمهن، كما تتخلل رقائق النسيج الاجتماعي المصري في الواقع، وتتضافر مع خيوطه في جديلة واحدة.

النقطة الأخيرة، ضمن النقاط الـ17، تتصل بالبُعدَين الوطني والقومي للشخصية القبطية، وموقف الأقباط من العروبة. وتشير المؤلفة إلى أنَّ «الأقباط ليست لهم مشكلة مع العروبة، بل يجدون أنفسهم في إطارها، ولا يحسنون التعبير عن ذواتهم إلا بلسانها». وتشير إلى مواقف الأقباط الواضحة «من القضايا القومية عموماً، ومن القضية القومية المركزية، أو الصراع العربي - الإسرائيلي خصوصاً، وكيف تفاعلت الشخصيات القبطية بكل عمق مع تطورات هذا الصراع».

الفصل الثالث «الشخصية القبطية في الأدب المصري بعد ثورة 2011»، قراءة في 28 رواية قدَّمت هذه الشخصية عقب الثورة. وتُخصِّص الكاتبة مقالاً منفرداً عن كل رواية، وتخلص من هذه القراءات إلى ظهور نزعة واضحة للتمرُّد على السلطة الأبوية للكنيسة بعد الثورة، رغم أنَّ نوازع هذا التمرد على السلطة البطريركية كانت موجودة قبل هذا التاريخ، لكن الفرق في المساحة التي أخذت تتمدَّد فيها روح التمرُّد بعد الثورة.


هابرماس... حارس الحداثة الذي احترقت أدواته في أتون غزة

الفيلسوف الألماني يورغن هابرماس
الفيلسوف الألماني يورغن هابرماس
TT

هابرماس... حارس الحداثة الذي احترقت أدواته في أتون غزة

الفيلسوف الألماني يورغن هابرماس
الفيلسوف الألماني يورغن هابرماس

ليس مؤلماً في موت الفلاسفة أن أجسادهم ترحل؛ بل أن أفكارهم تُستدعى في لحظة الوداع لتُحاكم على ضوء العالم الذي خلَّفوه وراءهم. هكذا يغادر عالمنا يورغن هابرماس، آخر حرّاس الحداثة الكبار، في وقت يبدو فيه العقل الذي دافع عنه طويلاً عاجزاً عن تسمية المذبحة في غزة، والحوار الذي بشّر به ضيقاً عن احتواء صراخ الضحايا. فماذا يبقى من «العقلانية التواصلية» حين تتكلم القنابل، ويختار المفكّر أن يختار ذاكرة أوروبا على كونية الإنسان؟

مات الفيلسوف الألماني في اللحظة التي كان فيها إرثه أحوج ما يكون إلى محكمة، لا إلى تأبين. فالرجل الذي أمضى عمره يدافع عن المجال العام، وعن حق البشر في بلوغ الحقيقة عبر الحوار الحر، انتهى في لحظة غزة إلى لغة تضيق بالحقيقة، وتضع للضحايا سقفاً أخلاقياً لا يجوز لهم تجاوزه. لذلك يأتي رحيله بوصفه لحظة كاشفة لمصير تقليد فلسفي كامل: تقليدٍ أراد إنقاذ الحداثة، ثم وجد نفسه عاجزاً عن إنقاذ إنسانها المستعمَر من العمى الأوروبي القديم.

توفي هابرماس -حسبما أعلن ناشره- السبت الماضي، 14 مارس (آذار) 2026، مخلِّفاً وراءه إرثاً فكرياً ضخماً هيمن على الساحة الفلسفية والاجتماعية الغربيّة أكثر من ستة عقود، أهّله ليكون الوريث الأبرز لمدرسة فرانكفورت النقدية، والشخصية التي حاولت ترميم مشروع التنوير الأوروبي، وإعادة الثقة في العقلانية بعد الفظائع التي شهدها القرن العشرين.

وُلد عام 1929 في مدينة دوسلدورف، وعاش طفولته في ظل صعود النازية، وهي التجربة التي شكّلت وعيه السياسي المبكر. وقد عانى من تشوه خلقي في الحنك (الشفة الأرنبية)، ما سبب له صعوبات في النطق، ربطها متابعوه باهتمامه العميق لاحقاً بمفهوم «التواصل» واللغة. تلقى تعليمه في جامعات بون وغوتينغن وزيوريخ، وعمل مساعداً للفيلسوف تيودور أدورنو في معهد البحوث الاجتماعية بفرانكفورت.

تمثل أعمال هابرماس -وخصوصاً «نظرية الفعل التواصلي» و«التحول البنيوي للمجال العام»- محاولات جادة لصياغة ديمقراطية تقوم على مبدأ الحوار الحر، فطرح فكرة أن المجتمعات الحديثة تعاني من «استعمار العالم المعيش» أي تغلغل منطق الربح المادي والآليات الإدارية الجافة إلى تفاصيل حياتنا اليومية وقيمنا الأخلاقية؛ فيتم تنحية «الحوار»، وإبراز «المال» و«السلطة» كوسائل وحيدة للتنظيم. وبدلاً من أن يتفاهم البشر حول غاياتهم المشتركة، تُحيلهم البيروقراطية إلى مجرد «زبائن»، وتُحوّلهم الرأسمالية إلى «مستهلكين»، ما يؤدي إلى تآكل الروابط الاجتماعية وفقدان المعنى. ونظّر بأن الخلاص يكمن في استعادة الإنسان لقدرته على التفاهم العقلاني، وبناء سد منيع من «الديمقراطية التداولية» يحمي المساحات الإنسانية من طغيان الأنظمة البيروقراطية والرأسمالية.

ارتبط اسمه بالماركسية منذ بداياته في مدرسة فرانكفورت، ولكنه قدم قراءة نقدية وتعديلية واسعة للماركسية التقليدية. فبينما ركّز ماركس على «العمل» و«قوى الإنتاج» كمحرك للتاريخ، رأى هابرماس أن ذلك يغفل جانباً حيوياً هو «التفاعل اللغوي» أو «التواصل»، وزعم أن التحرر الإنساني لا يتحقق فقط عبر تغيير علاقات الملكية أو السيطرة على الطبيعة؛ بل عبر تحرير اللغة من الزيف والإكراه. وقد خلص إلى أن «دولة الرفاهية» في الغرب استطاعت امتصاص حدة الصراع الطبقي الماركسي التقليدي، ما يوجب نقل المعركة إلى «المجال العام» لضمان شرعية ديمقراطية حقيقية. في هذا السياق، كان يسمي نفسه «ماركسياً» من حيث الالتزام بالتحرر ونقد الرأسمالية المتأخرة، ولكنه يرفض الحتمية الاقتصادية، ويفضل عليها ما أطلق عليها وصف «العقلانية التواصلية».

تمحورت فلسفته حول مفهوم «العقلانية التواصلية» هذا، مفرقاً بين نوعين من العقلانية: «العقلانية الأداتية» التي تهتم بالوسائل لتحقيق الأهداف والسيطرة، و«العقلانية التواصلية» التي تهدف إلى الوصول إلى تفاهم مشترك. ويُنسب إليه ابتكار مفهوم «المجال العام»، أي تلك الفضاءات التي يلتقي فيها الأفراد كمواطنين لمناقشة القضايا العامة بحرية، معتبراً أن الديمقراطية الحقيقية تعتمد على جودة هذا النقاش وقدرة «الحجة الأفضل» على الإقناع دون استخدام القوة. كما طوّر «أخلاقيات الخطاب»، وهي القواعد التي تجعل الحوار عادلاً، مثل حق الجميع في المشاركة، وصدق المتحدثين، وخلو النقاش من الضغوط الخارجية.

مثلت علاقته بالفلاسفة المعاصرين صراعاً بين «بقاء الحداثة» و«ما بعد الحداثة». في مواجهة ميشيل فوكو، انتقد هابرماس اختزال كل شيء في «علاقات القوة»، وأصر على وجود معايير عقلانية كونية يمكن الاحتكام إليها، متهماً الفيلسوف الفرنسي الراحل بأنه يقدم تشريحاً للسلطة يفتقر إلى معيار أخلاقي للتغيير.

أما في سجاله مع جاك دريدا، فقد انتقد «التفكيك» الذي قد يؤدي إلى العدمية، مفضلاً بناء جسور التفاهم. وبالنسبة لجان فرنسوا ليوتار، رفض هابرماس فكرة «نهاية السرديات الكبرى»، معتبراً الحداثة «مشروعاً لم يكتمل» يحتاج إلى مواصلة العمل بدلاً من التخلي عنه. وفي مقارنته مع حنا أرنت، يتفق معها لناحية أهمية الفعل السياسي في الفضاء العام، ولكنه يضيف إليها شروطاً تداولية وقانونية أكثر صرامة.

يأتي غيابه في وقت يشهد فيه إرثه الفكري هزة عنيفة بسبب مواقفه السياسية الأخيرة تجاه الحرب في غزة؛ إذ كان قد أصدر بياناً بعنوان «مبادئ التضامن» في نوفمبر (تشرين الثاني) 2023، دافع فيه عن رد الفعل العسكري الإسرائيلي، وصوره «مبرراً من حيث المبدأ». هذا الموقف أثار موجة عارمة من النقد؛ حيث رأى كثيرون في هذا البيان «احتراقاً» لكامل مشروعه الفلسفي.

يجد النقاد -ومن بينهم أساتذة من المدرسة النقدية نفسها- أن هابرماس خان أهم مبادئه في هذا الموقف. فالفيلسوف الذي قضى حياته يبشر بـ«الكونية» الإنسانية، سقط في فخ «الخصوصية» الألمانية، بعد أن ربط التضامن مع الدولة العبرية بالهوية الديمقراطية الألمانية، وضرورة التكفير عن «الهولوكوست»، ما اعتبره بعض المفكرين نوعاً من عمى «المركزية الأوروبية» التي ترى ضحايا «الهولوكوست» وتعمى عن ضحايا الاستعمار والاحتلال.

وبينما طالب في كتبه بفتح المجال العام لكل الأصوات، يرى منتقدوه أنه ساهم في إغلاق هذا المجال في ألمانيا. فالبيان الذي أصدره حاول وضع حدود لما يجوز قوله، معتبراً أن توجيه تهمة الإبادة الجماعية لإسرائيل يمثل «انزلاقاً في المعايير»، في تناقض تام مع فكرته عن «الحوار غير المشروط»؛ إذ وضع قيوداً مسبقة على البحث عن الحقيقة؛ خصوصاً مع تحرك القانون الدولي ومحكمة العدل الدولية للنظر في هذه التهم بجدية.

تجلّت في موقفه أزمة فلسفية تتعلق بتعريف «الآخر»، واتهمه باحثون بأنه يميز بين «الآخر الأقرب» (الأوروبي أو الذي يشبهه) وبين «الآخر الأقصى» (الفلسطيني أو غير الأوروبي). إن تواصلية هابرماس التي يفترض أن تكون عالمية، بدت في لحظة غزة وكأنها حوار حصري بين الأوروبيين حول مآسيهم الخاصة، مع تجاهل تام للمعاناة الفلسطينية والظلم التاريخي الواقع عليهم.

أدى هذا الموقف إلى شعور تلاميذه في العالم العربي والجنوب العالمي بالخذلان. فإذا كان الفيلسوف الذي يُنظر إليه كحارس للقيم الديمقراطية والكرامة الإنسانية يعجز عن مد هذه القيم لتشمل شعباً يرزح تحت القصف والحصار، فإن مصداقية «الكونية الأوروبية» برمتها تصبح محل شك. ووصف البعض هذا التحول بأنه «إفلاس أخلاقي» للفلسفة الغربية؛ حيث يتم التضحية بالعقل النقدي لصالح الحسابات السياسية وسياقات «الشعور بالذنب» المحلية.

يمضي يورغن هابرماس تاركاً خلفه مفارقة كبرى؛ فبينما تظل أدواته التحليلية عن المجال العام والفعل التواصلي ضرورية لفهم أعطاب المجتمعات الرأسمالية المعاصرة، فإن تطبيقه الشخصي لهذه الأدوات في لحظة الحقيقة التاريخية كشف عن فجوة عميقة بين النظرية والممارسة. وسيبقى في ذاكرة الفكر بوصفه الفيلسوف الذي حاول بناء عالم من الحوار، ولكنه تعثر في فهم لغة الألم خارج حدود قارته، فاحترقت فلسفته في أتون غزة قبل أن يوارى الثرى.