اتفاق يحل «جند الأقصى» لتجنيب الشمال السوري اقتتال المعارضين

خبراء: تحالفات المعتدلين مقابل أنصار «القاعدة» تهدد بـ«صدام مبكر» بين الفصائل

صورة متداولة على مواقع التواصل الاجتماعي لاجتماع فصائل سورية في إدلب الأحد الماضي وإعلانهم الانحياز لـ«حركة أحرار الشام» في مواجهة «جند الأقصى»..
صورة متداولة على مواقع التواصل الاجتماعي لاجتماع فصائل سورية في إدلب الأحد الماضي وإعلانهم الانحياز لـ«حركة أحرار الشام» في مواجهة «جند الأقصى»..
TT

اتفاق يحل «جند الأقصى» لتجنيب الشمال السوري اقتتال المعارضين

صورة متداولة على مواقع التواصل الاجتماعي لاجتماع فصائل سورية في إدلب الأحد الماضي وإعلانهم الانحياز لـ«حركة أحرار الشام» في مواجهة «جند الأقصى»..
صورة متداولة على مواقع التواصل الاجتماعي لاجتماع فصائل سورية في إدلب الأحد الماضي وإعلانهم الانحياز لـ«حركة أحرار الشام» في مواجهة «جند الأقصى»..

قال مراقبون إن تحالفات المعتدلين مقابل أنصار «القاعدة» في الشمال السوري، تهدد بـ«صدام مبكر» بين الفصائل هناك. وقضى الاتفاق الأخير بين «حركة أحرار الشام» الإسلامية وجبهة «فتح الشام» بخصوص تنظيم «جند الأقصى»، أن تعتبر «بيعة جند الأقصى لجبهة فتح الشام حلاً لكيان جند الأقصى واندماجًا له في جبهة فتح الشام، وهذا يفضي إلى منع تشكيل جند الأقصى مجددًا في المستقبل»، وذلك إثر الاقتتال بين «الأحرار» و«جند الأقصى» الذي تواصل أمس.
وعلى الرغم من الاتفاق على حلّ «جند الأقصى»، فإن اندماج التنظيم الأخير مع «فتح الشام» (جبهة النصرة سابقًا)، أظهر انقسامًا بين تيارين في فصائل المعارضة السورية شمال البلاد، هما التيار المتشدد، والتيار المعتدل الذي يمثله 50 تنظيمًا معتدلاً يدعمون حركة «أحرار الشام» الإسلامية، التي تواصل معاركها في الشمال، وسط معلومات عن «قرار واضح لدى الفصائل المعتدلة باستئصال تنظيم جند الأقصى» الذي تحوم حوله شبهات بتنفيذ عمليات اغتيال بحق قياديين في «أحرار الشام»، وبالعلاقة السرية مع تنظيم داعش، قبل تحالفه مع «النصرة».
غير أن عملية الاستئصال لا ينظر إليها المعارضون على أنها ستنجح بسهولة، «فمن الممكن أن تتعثر إذا استمرت فتح الشام بتوفير الحماية لجند الأقصى على ضوء تحالفهما»، كما يقول المراقبون لشأن الفصائل. كما أنه من شأن هذه الحماية أن «تخلق مشكلات كثيرة مع فصائل المعارضة المعتدلة وتبكّر بحرب بين الطرفين المعتدل والمتشدد، وتؤثر على تحالف «جيش الفتح» الذي يجمع معتدلين ومتشددين لضرورات القتال ضد النظام السوري بريف حلب الجنوبي وإدلب وريف حماه.
وقضى الاتفاق الأخير، أن يعود الوضع في مدينة سرمين بريف حماه إلى ما كان عليه قبل الاقتتال، مع تسلم جبهة فتح الشام لإدارة حواجز جند الأقصى فيها، وأن تخضع المناطق الأخرى لهذا الاتفاق، وأن يجري سحب القوات المحتشدة عندما تطلب اللجنة القضائية وتعلن بدء إجراءات القضاء بشكل جدي.
ولم تلقَ مبايعة «جند الأقصى» لجبهة «فتح الشام»، بهدف تجاوز الاقتتال بينه وبين حركة «أحرار الشام»، قبولاً لدى فصائل المعارضة المعتدلة، إذ فتح الباب على استقطابات وتحالفات عريضة في وجه هذا الاندماج. وحمّلت فصائل المعارضة المعتدلة والفصائل الإسلامية المعتدلة جبهة «فتح الشام» مسؤولية حماية التجمّع المعروف بقربه من تنظيم داعش، ومحاولة تجنيبه تبعات عمليات التصفية والاغتيال لعدد من قيادات «الفصائل الثورية».
ولم ينفِ الباحث السوري المعارض عبد الرحمن الحاج، أن تبعات هذا الاندماج «خطيرة»، وأنه ولّد «انقسامًا وجبهتين متقابلتين في شمال البلاد»، موضحًا في حديث لـ«الشرق الأوسط» أن المشكلة المتوقعة «مرتبطة بأمرين»، أولهما أن «فتح الشام»، التي تمثل «العمود الفقري للتنظيمات المتطرفة، ليست لديها الثقة الكافية بالتنظيمات الأخرى، فبوجود مهاجرين بين مقاتليها، لا تبدو التوجهات الوطنية لدى المعارضين السوريين مريحة بالنسبة لها، ما يدفع فتح الشام للتعاطي مع التنظيمات الأخرى بمنطق تكتيكي مرتبط بالمعارك، وليس بمنطق استراتيجي، نظرًا إلى أنه لا مشترك بينهم».
وقال الحاج إن «فتح الشام» تعاني من مخاوف على ضوء الضغوط الدولية والمحلية عليها، وباتت «تحسب حساب المستقبل»، لذلك «تحاول أن تكون ملاذًا آمنًا لكل المتشددين والفصائل التي تتقاسم معها الآيديولوجيا»، لافتًا إلى أن «جند الأقصى» يمثل ثاني أكبر الفصائل العسكرية المتشددة في الشمال، بعد فتح الشام، ويتقاسمان الولاء لفكر تنظيم القاعدة، وكانا حلفاء قبل انشقاق «الجند» عن «النصرة»، على ضوء الخلافات بين النصرة و«داعش»، مشيرًا إلى أن فتح الشام «وجدت اليوم الفرصة الذهبية لتأمين الحماية لجند الأقصى واستقطابهم». وقال إن طلب الحماية «هو المعنى الوحيد للاندماج، ليتجنب الأقصى النتائج الوخيمة بتصفيتهم، وهي المترتبة على شبهات حول ضلوع أعضاء منها بتنفيذ اغتيالات ضد قياديين في فصائل معارضة بينها أحرار الشام». ويتصدر دافع «الحماية»، رؤية المعارضين. ويقول الباحث السوري المعارض أحمد أبا زيد، إن «انضمام جند الأقصى إلى جبهة فتح الشام، ليس إلا محاولة من الأول لحماية نفسه بعد المعارك التي خاضها مع (أحرار الشام) وعمليات الاغتيال والتصفية لقيادات في الجيش الحر».
وأكد أبا زيد لـ«الشرق الأوسط»، أن «محاولة جبهة (فتح الشام) حماية تجمع (جند الأقصى) عقّد الموقف، وفتح الباب على تحالفات جديدة واستقطاب للفصائل»، كاشفًا أن «عشرات الفصائل تحالفت مع (أحرار الشام) وعلى رأسها الجيش الحرّ و(جيش الإسلام) و(صقور الشام) و(فيلق الشام) وغيرها». وقال: «من الواضح أن هذا الاندماج هدفه حماية (جند الأقصى) من العقاب على الاغتيالات التي نفذها بحق كوادر وقيادات من (أحرار الشام) والجيش الحر، وبعض عناصر (جند الأقصى) اعترفوا باغتيال قياديين في الثورة مثل مازن قسوم القيادي في (فيلق الشام)».
غير أن بروز معسكرين «من شأنه أن يضعف غرفة عمليات جيش الفتح، ذلك أن معظم الفصائل تدعم أحرار الشام ضد الأقصى، وهذا الأمر سيؤثر على عدد من الجبهات ضمن نطاق عمليات جيش الفتح». وقال الحاج: «ما يظهر أن جبهة فتح الشام، تولي أهمية لمصالحها تتخطى مصلحة الفصائل»، لافتًا إلى أن «هناك عددًا كبيرًا من المقاتلين الأجانب (المهاجرين)، لهم روابط بجند الأقصى، تجعل منطق حماية جند الأقصى من قبل فتح الشام أقرب، إضافة إلى مكاسب تطمح إليها فتح الشام على المدى البعيد، وهي حاجتها إلى قوة بشرية أكبر تعوض الاستنزاف اللاحق بها والاستحواذ على مكاتب الأقصى ومناطق انتشاره».
لكن الخسائر بنظر الحاج أكبر، أهمها «سوء العلاقة مع الفصائل المعتدلة، والتداعيات على تحالف جيش الفتح». ورأى أن التحالفات الجديدة التي أدت إلى انقسام بين جناح القاعدة والجناح المعتدل «ستؤدي إلى إضعاف الفصائل وزيادة الشك وإمكانية الاصطدام المبكر بين الجناحين، على خلاف ما كان متوقع قبل الآن، وخصوصا أن العمليات ضد الأقصى لا تزال مستمرة حتى اليوم».
بدوره، أكد أبا زيد أن «التحالفات الجديدة لها دلالات كبيرة على مستقبل التعاطي مع جبهة (فتح الشام)، لكن بالتأكيد ليست الآن في مجال فتح مواجهة عسكرية معها، لكن هذا الاستقطاب سيشكّل ضغطًا على (فتح الشام) للعودة عن قرار ضم (جند الأقصى) وحمايته، وخصوصا أن الأخير معروف بارتباطه وعلاقته العضوية بتنظيم داعش».



حكومة الزنداني تؤدي اليمين وفي انتظارها ملفات مثقلة بالتحديات

وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
TT

حكومة الزنداني تؤدي اليمين وفي انتظارها ملفات مثقلة بالتحديات

وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)

في مراسم بروتوكولية رسمية احتضنها مقر السفارة اليمنية في العاصمة السعودية الرياض، أدت الحكومة اليمنية الجديدة، برئاسة الدكتور شائع محسن الزنداني، الاثنين، اليمين الدستورية أمام رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي، إيذاناً ببدء مهامها المثقلة بالتحديات المتشابكة أمنياً واقتصادياً وخدمياً.

وجاءت مراسم أداء اليمين تتويجاً لمسار مشاورات سياسية معقدة استغرقت نحو 3 أسابيع، عقب تكليف العليمي الزندانيَّ تشكيل الحكومة، وسط تجاذبات بين القوى السياسية والمكونات المنضوية في إطار مجلس القيادة الرئاسي.

واعتمد التشكيل الحكومي الجديد على معادلة «التوازنات الدقيقة»، التي فرضتها تعقيدات الواقع اليمني، حيث ضمت الحكومة 35 وزيراً، توزعوا وفق حسابات المحاصصة المناطقية والتمثيل السياسي. وسجلت المحافظات الجنوبية حضوراً لافتاً بـ20 حقيبة وزارية، مقابل 15 حقيبة للمحافظات الشمالية، في توزيع يعكس التحولات السياسية والواقع الميداني القائم.

رئيس الحكومة اليمنية شائع الزنداني يؤدي اليمين الدستورية (سبأ)

وبرزت محافظة حضرموت بوصفها ثقلاً اقتصادياً وجغرافياً مؤثراً في التشكيل، بحصولها على 6 حقائب وزارية؛ مما يعكس الرهان على دورها المحوري في دعم الاستقرار الاقتصادي والمالي خلال المرحلة المقبلة.

وعلى الصعيد السياسي، حافظت الحكومة على إشراك مختلف القوى الممثلة في مجلس القيادة الرئاسي، بمن فيهم محسوبون على المجلس الانتقالي الجنوبي المنحل، في مسعى لتعزيز وحدة القرار وتخفيف حدة الاستقطاب داخل معسكر الشرعية.

وفي حين ضم التشكيل 8 وزراء دولة، فإنه سجل حضوراً نسوياً بتكليف 3 نساء حقائب؛ هي: الشؤون القانونية، والتخطيط والتعاون الدولي، وشؤون المرأة، في خطوة لاقت ترحيباً محلياً ودولياً، بوصفها مؤشراً على التزام الحكومة تعزيز الحكم الشامل.

تحديات الداخل

وضمن مشهد التعقيدات والتوازنات التي واجهت التشكيل الحكومي، احتفظ رئيس الوزراء شائع الزنداني بحقيبة الخارجية وشؤون المغتربين، في محاولة لضمان استمرارية التحرك الدبلوماسي اليمني والحفاظ على زخم التواصل مع المجتمع الدولي والشركاء الإقليميين.

وفي حين غاب عن مراسم أداء اليمين وزير التعليم العالي والبحث العلمي، وهو محسوب على «التنظيم الوحدوي الشعبي الناصري»؛ لأسباب غير معلنة، يرى مراقبون أن التحدي الأول أمام الحكومة يتمثل في ضرورة مباشرة مهامها من الداخل، في ظل مطالب شعبية متصاعدة بعودة مؤسسات الدولة إلى عدن وتفعيل حضورها على الأرض.

الحكومة اليمنية الجديدة ضمت 3 حقائب للنساء بعد سنوات من التهميش (سبأ)

وتواجه حكومة الزنداني تركة ثقيلة من الأزمات المتراكمة، يتصدرها الملف الاقتصادي، في ظل تدهور سعر الصرف، وتوقف تصدير النفط، وتراجع الإيرادات العامة، إضافة إلى أزمات الخدمات الأساسية، وعلى رأسها الكهرباء والمياه، التي باتت تمس الحياة اليومية للمواطنين.

ولا يقل الملف الأمني أهمية؛ إذ تتطلع الأوساط السياسية إلى توحيد الأجهزة العسكرية والأمنية تحت مظلتَيْ وزارتَيْ الدفاع والداخلية، بما يعزز الاستقرار ويحد من مظاهر الانفلات والتعددية الأمنية.

وتُوصف حكومة الزنداني بأنها «حكومة الفرصة الأخيرة» لوقف التدهور المعيشي، في ظل آمال معلقة على انتقالها من سياسة إدارة الأزمات إلى معالجتها جذرياً، وهو ما يتطلب انسجاماً سياسياً داخلياً ودعماً إقليمياً ودولياً مستداماً.

ترحيب دولي

وفي هذا السياق، رحب المبعوث الخاص للأمم المتحدة إلى اليمن، هانس غروندبرغ، بتشكيل الحكومة اليمنية الجديدة برئاسة رئيس الوزراء شائع الزنداني، مشيراً إلى أن هذا التطور يأتي في وقت تشتد فيه الحاجة إلى بذل جهود متجددة للنهوض بعملية سياسية شاملة بقيادة اليمنيين، ولمعالجة التحديات السياسية والاقتصادية والأمنية التي تواجه اليمن، والاستجابة لأولويات الشعب اليمني.

كما رحب المبعوث الخاص غروندبرغ أيضاً بعودة النساء إلى مجلس الوزراء اليمني، بوصفها خطوة مهمة نحو تعزيز الحكم الشامل ودعم عملية صنع القرار.

وقال المبعوث الأممي في بيان: «من المهم أن يُسمح للحكومة المشكّلة حديثاً بأداء عملها في بيئة بنّاءة لتحقيق الاستقرار، وتخفيف معاناة الشعب اليمني، والمساعدة في تهيئة الظروف المواتية لسلام دائم».

وأفاد غروندبرغ بأنه سيواصل انخراطه مع الأطراف اليمنية والإقليمية لدعم الجهود الرامية إلى تعزيز الحوار وخفض التصعيد.

من جهتها، هنأت السفارة الأميركية لدى اليمن بتشكيل الحكومة الجديدة، وقالت في بيان إن «هذا التحول يعدّ فرصةً سانحة لتعزيز الاستقرار وتثبيت دعائم الحوكمة الفاعلة».

وأكد البيان تطلع واشنطن للتعاون مع حكومة ذات كفاءة وشاملة للتنوع الجغرافي، تُشرك النساء والشباب بفاعلية، بوصفهم عنصراً أساسياً في بناء الدولة وتلبية احتياجات المجتمع.

وأضاف: «أصبح الفرق بين نهج الدولة الذي تمثله الحكومة وبين جماعة الحوثي الإرهابية واضحاً تماماً اليوم. نجدد تأكيدنا على الوقوف بجانب الشعب اليمني في سعيه نحو غد أكثر أمناً وازدهاراً».

من جانبه، رحب «الاتحاد الأوروبي» بإعلان تشكيل الحكومة اليمنية الجديدة في خطوة نحو العمل على استقرار الوضع وتحسين تقديم الخدمات والمضي في الإصلاحات المطلوبة، وقال في تغريدة على منصة «إكس»: «يُعدّ (إشمال) المرأة وشخصيات شابة عنصراً أساسياً يظهر الالتزام الواضح بالشمول والتنوع».

في السياق نفسه، أكدت السفيرة البريطانية لدى اليمن، عبدَة شريف، التزام لندن الراسخ العمل مع الحكومة اليمنية لتعزيز الأمن والاستقرار والازدهار للشعب اليمني. كما رحبت بـ«شدة» بتقلد كفاءات نسائية مناصب وزارية رفيعة؛ وقالت إن «الحكومة الشاملة هي الركيزة الأساسية لسلام واستقرار مستدام».

Cannot check text—confirm privacy policy first


الحوثيون حوّلوا رمضان المبارك ضيفاً ثقيلاً على اليمنيين

مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
TT

الحوثيون حوّلوا رمضان المبارك ضيفاً ثقيلاً على اليمنيين

مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)

في واقعٍ مثقل بالفقر والعوز، يستقبل ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية شهر رمضان هذا العام وهم عاجزون عن توفير أبسط متطلبات هذه المناسبة الدينية، التي لطالما تميزت بطقوسها الخاصة ومأكولاتها المتنوعة.

وحوّل الحوثيون رمضانَ ضيفاً ثقيلاً على غالبية الأسر، في ظل انعدام الأمن الغذائي، وتوقف المرتبات، وغياب المساعدات الإنسانية التي كانت تمثل شريان حياة لملايين السكان.

وتفاقمت هذه المعاناة مع مغادرة عدد من منظمات الأمم المتحدة المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين، وتوقف برامجها الإغاثية، عقب مداهمة الجماعة مكاتبها واعتقال العشرات من العاملين فيها. ووفق تقديرات منظمات إغاثية، فإن نحو 13 مليون شخص في تلك المناطق يعيشون اليوم على حافة الجوع، في واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية التي يشهدها اليمن منذ سنوات.

الحوثيون متهمون برعاية الانفلات الأمني في إب لمنع أي انتفاضة شعبية (إعلام محلي)

عبد الرحمن، وهو موظف في شركة محلية بمحافظة إب (193 كيلومتراً جنوب صنعاء)، يصف لـ«الشرق الأوسط» الأوضاع؛ قبل أيام من دخول شهر رمضان المبارك، بأنها «مأساوية بكل المقاييس». ويؤكد أن الغالبية المطلقة من سكان المحافظة باتت عاجزة عن توفير الاحتياجات الغذائية الأساسية، واضطرت إلى تقليص عدد الوجبات اليومية إلى الحد الأدنى.

ويعزو عبد الرحمن هذا الوضع إلى «قطع الحوثيين مرتبات عشرات آلاف الموظفين منذ 8 أعوام، إضافة إلى توقف الأنشطة الاقتصادية وشلل سوق العمل، إلى جانب انقطاع المساعدات الإنسانية التي كانت تقدمها الأمم المتحدة خلال السنوات الماضية». ويقول إن «البؤس يعلو وجوه المتسوقين في أسواق عاصمة المحافظة، في مشهد يناقض تماماً أجواء الفرح التي اعتادها اليمنيون مع قدوم رمضان».

أسواق خالية

ولا تختلف الحال كثيراً في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء، حيث أعلنت الجماعة الحوثية قبل أيام صرف نصف راتب عن نهاية العام الماضي لبعض الموظفين العموميين، وبواقع نحو 50 دولاراً فقط، بمناسبة حلول الشهر الفضيل. إلا إن هذا المبلغ، وفق شكاوى الموظفين، لا يغطي حتى جزءاً يسيراً من متطلبات المعيشة.

وتبدو أسواق صنعاء خالية من الزحام المعتاد الذي كانت تشهده في مثل هذه الأيام من كل عام؛ إذ انعكست حالة الفقر والعوز على القدرة الشرائية للسكان، ودفع ذلك بهم إلى الاكتفاء بشراء الضرورات القصوى، في ظل ارتفاع الأسعار وتراجع الدخل إلى مستويات غير مسبوقة.

منصور، وهو معلم يقيم في صنعاء، يقول إنه تسلم نصف راتب، لكنه لا يكفي حتى لتسديد إيجار المنزل. ويضيف في حديثه لـ«الشرق الأوسط»: «الحديث عن شراء احتياجات رمضان أصبح نوعاً من الترف لا يعرفه إلا القليل من الميسورين. نحن وغالبية الناس نبحث فقط عما يسد جوعنا وجوع أطفالنا».

ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الحوثيين يعانون انعدام الأمن الغذائي (إعلام محلي)

ويشير منصور إلى أن «المساعدات الغذائية التي كانت تقدمها الأمم المتحدة والمنظمات الدولية خلال الأعوام الماضية، كانت توفر الحد الأدنى من الأمن الغذائي لكثير من الأسر، وتمنحها فرصة شراء بعض متطلبات رمضان، بما فيها الحلويات التقليدية».

ازدياد الفقراء

ومع انقطاع هذه المساعدات الأممية بشكل كامل، انضم آلاف الأسر إلى قوائم الفقراء الباحثين عمّا يسد رمقهم، فيما باتت أسر أخرى تعيش على الخبز والشاي، أو اضطرت إلى التسول في الشوارع وأمام المطاعم ومحال البقالة.

وفي سياق متصل، شكا الصحافي حسن الوريث، الذي كان في السابق من مؤيدي الحوثيين، من تعرضه لمضايقات وضغوط متواصلة بسبب مواقفه المنتقدة للفساد. واتهم جهات نافذة بالسعي إلى إسكاته ومنعه من أداء دوره المهني، مشيراً إلى أن تلك الضغوط تنوعت بين التهديد المباشر، والإقصاء، ومحاربته في مصدر رزقه.

وأكد الوريث عزمه على الاستمرار في الكشف عن الفساد، محذراً من انهيار شامل في حال عدم التصدي لما وصفها بـ«منظومة الفساد ومراكز النفوذ»، داعياً إلى «حماية الصحافيين والإعلاميين في مناطق سيطرة الحوثيين الذين يؤدون واجبهم المهني بصدق، رغم المخاطر».

Cannot check text—confirm privacy policy first


إهمال حوثي يهدد حياة السكان في صنعاء

شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
TT

إهمال حوثي يهدد حياة السكان في صنعاء

شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)

تعيش العاصمة اليمنية المختطَفة صنعاء، ومدن أخرى خاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، على وقع تدهور خِدمي متسارع يُهدد حياة السكان بشكل مباشر، مع تفاقم أخطار أعمدة الكهرباء المُتهالكة، واستمرار طفح مياه الصرف الصحي في الأحياء السكنية، في مشهد يعكس حجم الإهمال المزمن وتقاعس الجهات المعنية عن القيام بأبسط واجباتها تجاه السلامة العامة، خصوصاً مع اقتراب شهر رمضان.

مصادر محلية مُطلعة كشفت، لـ«الشرق الأوسط»، عن وجود مئات من أعمدة الكهرباء الخشبية المتهالكة في صنعاء وضواحيها، يعود تركيب بعضها إلى عقود مضت، وهي، اليوم، مائلة أو متشققة القواعد، وتتدلى منها أسلاك مكشوفة، ما يُشكل تهديداً مباشراً للمارّة، ولا سيما الأطفال وطلبة المدارس، في ظل غياب أي أعمال صيانة أو استبدال حقيقية.

وأوضحت المصادر أن معظم هذه الأعمدة تُستخدم حالياً في شبكات توزيع الكهرباء التجارية، في ظل الانقطاع شبه الكامل للكهرباء الحكومية منذ سنوات، ما أدى إلى زيادة الأحمال الكهربائية بصورة تفوق قدرتها على التحمل، وسط تمديدات عشوائية وأسلاك مُتشابكة تُنذر بكوارث وشيكة.

عمود كهرباء سقط في حي بصنعاء وسارع السكان إلى إعادة إصلاحه (الشرق الأوسط)

ورغم البلاغات المتكررة التي تقدَّم بها مواطنون للسلطات الحوثية، فإن الجماعة، وفق المصادر، تُواصل تجاهلها المتعمد لهذه الشكاوى، مكتفية بطلب تبرعات من السكان لإجراء إصلاحات محدودة، دون أي تحرك رسمي لمعالجة الخطر أو وضع حلول إسعافية تقلل حجم المخاطر.

يقول أحمد الهمداني، وهو صاحب محل تجاري في حي التحرير، إن سقوط أي عمود كهرباء بات «مسألة وقت لا أكثر»، مؤكداً أن الأعمدة لم تخضع، منذ سنوات، لأي صيانة، وأن انهيار أحدها قد يؤدي إلى كارثة إنسانية، خاصة في الأحياء ذات الكثافة السكانية العالية.

المياه الآسنة

بالتوازي مع هذا الخطر، يعيش سكان صنعاء في ظل أوضاع بيئية وصحية متدهورة، مع تصاعد ظاهرة طفح مياه الصرف الصحي في عدد من المديريات، وتجمعات المياه الآسنة، ما حوّل شوارع وأزقّة كاملة إلى بؤر للتلوث، وسط روائح كريهة وانتشار للحشرات، وتهديد مباشر للصحة العامة.

صورة تُظهر تردي شبكة الصرف الصحي في صنعاء (الشرق الأوسط)

سياسة ممنهجة

ويرى مراقبون أن هذا التدهور يعكس سياسة حوثية ممنهجة لإهمال البنية التحتية، مقابل توجيه الموارد والإيرادات العامة نحو المجهود الحربي والمصالح الخاصة، في ظل غياب الرقابة والمحاسبة، وافتقار المؤسسات الخاضعة لسيطرة الحوثيين لأدنى معايير السلامة والمسؤولية.

ويُحذر مختصون في السلامة العامة من أن استمرار تهالك أعمدة الكهرباء قد يؤدي إلى حوادث صعق أو انهيارات مُميتة، بينما يؤكد أطباء ومختصون صحيون أن طفح مياه الصرف الصحي يُشكل بيئة خصبة لانتشار الأوبئة، مثل الكوليرا والإسهالات المائية الحادة وأمراض الجلد والجهاز التنفسي.

عنصر حوثي أثناء تفقُّده عداداً كهربائياً في صنعاء (إعلام حوثي)

وتشير تقديرات محلية إلى أن أكثر من 68 في المائة من أعمدة الكهرباء في صنعاء، خصوصاً في الأحياء القديمة، باتت متهالكة، في حين سجلت صنعاء وضواحيها، خلال الفترة الأخيرة، أكثر من 23 حادثة سقوط أو انكسار أعمدة، تسببت بوقوع وفيات وإصابات.

ويُجمع خبراء بيئيون وإداريون على أن استمرار هذا الإهمال ينذر بمضاعفة الكلفة الإنسانية والصحية مستقبلاً، مؤكدين أن معالجة هذه الأزمات تتطلب تحركاً عاجلاً ومسؤولاً، يضع سلامة المواطنين وحقهم في بيئة صحية وحياة كريمة في صدارة الأولويات.