إنه عهد جديد في تاريخ الموضة الفرنسية، وأسبوع حافل بالتغييرات المهمة. من أول تشكيلة يقدمها أنطوني فاكاريللو لـ«سان لوران» إلى أول تشكيلة تقدمها بُشرى جرار لـ«لانفان» ثم ماريا غراتزيا تشوري في «ديور» كأول مصممة تدخلها منذ تأسيسها. كل القاسم المشترك بين كل من «سان لوران» و«لانفان» أنهما يعيشان القصة نفسها تقريبا، كما يشيران إلى أن الموضة بدأت تأخذ اتجاها جديدا أكثر وضوحا وجدية. والمقصود هنا أنها باتت تعتمد على التصاميم، وليس فقط على التنسيق المبالغ فيه من أجل إثارة الانتباه، وكسب ود وسائل التواصل الاجتماعي.
الإحساس الذي ألح على الحضور، بعد عرض الإيطالي البلجيكي أنطوني فاكاريللو هو: هل عاد إيف سان لوران إلى بيته أخيرًا؟! على الأقل هذا ما ردده المتفائلون يوم الاثنين مع بداية أسبوع باريس لربيع وصيف 2017، بعد أن داهمتهم إطلالات استحضرت عبقرية المؤسس في الثمانينات من القرن الماضي بشكل واضح وبعيد عن الاستنساخ الحرفي، الأمر الذي أكد أن المصمم الشاب يمشي في الطريق الصحيح.
فاكاريللو يعرف أن التحدي كبير، وبأن ملأ الفراغ الذي خلفه خروج هادي سليمان صعب. يعرف أيضًا أن الأنظار ستكون مسلطة عليه والأقلام مُسننة وجاهزة للانتقاد، لهذا احتمى بأحضان إيف سان روان، من منطلق أن طريق المستقبل يجب أن يكون بالعودة إلى ماضٍ لا يزال يثير الكثير من الحنين. بعد العرض اعترف بأن إلهامه الأساسي كان «فكرة إيف سان لوران نفسه»، مضيفًا أنه يعرف جيدا أن رضا الكل من المحال، وبأنه لا يستطيع أن يُرضي الكل «فحتى إيف لم ينجح في ذلك»، حسب تصريحه.
لكن المشكلة بالنسبة لفاكاريللو لا تكمن في إرضاء الناس فحسب، بل أيضًا في أن يكمل ما بدأه كل من تسلموا زمام الدار منذ عام 2002، العام الذي تقاعد فيه إيف سان لوران، من ألبير إلبيز، توم فورد، ستيفانو بيلاتي إلى هادي سليمان. وبما أن الفصل الأخير كتبه هادي سليمان، فهو منافسه الأول، والتحدي أمامه أن يتفوق عليه، أو على بالأحرى على ما حققه لمجموعة «كيرينغ» المالكة للدار، من أرباح غير مسبوقة من قبله. فرغم أن هادي سليمان أثار كثيرًا من الجدل طوال الثلاث سنوات التي قضاها في الدار، وتعرض لانتقادات شتى بسبب تغيير اسم الدار الذي تزامن مع دخوله إليها، إضافة إلى تصاميمه المغرقة في الشبابية حسب رأي البعض، ممن رأوا أنها لا تفرق عما تقدمه محلات شعبية مثل «توت شوب»، فإن أرقام المبيعات كانت في صالحه، تؤكد نظرة تجارية ذكية.
الفضل يعود إلى الشباب الذين عشقوا تصاميمه الضيقة وأقبلوا على إكسسواراته المبتكرة. التحدي أمام فاكاريللو يكمن في إعادته الفني وحفاظه على التجاري، وهي معادلة صعبة لكن ليست مستحيلة، وما قدمه في بداية الأسبوع، كان إشارة بأنه أخذ هذا المنحى. فهو يريد أن يعيد الماضي والزمن الجميل بأسلوب عصري. كانت هناك الكثير من التصاميم التي تستحضر إبداعات المؤسس في الثمانينات، مثل أقمشة اللاميه والمخمل ونقشات النمر والأكتاف والأكمام المنفوخة والدانتيل الخفيف جدا، لكن إيحاءات من عهد هادي سليمان أيضًا تسللت إلى العرض من خلال اللون الأسود، الذي كان غالبا عليها، وبنطلونات جينز وتصاميم «توكسيدو» ضيقة للغاية ترقص على إيقاعات الروك أند رول.
فاكاريللو لم يُخف أن إيف سان لوران من أهم المصممين الذين أثروا عليه حتى قبل أن يلتحق بداره، لهذا حرص في أول عرض يقدمه أن يهتم بالتصاميم عوض اقتصاره على تنسيق القطع ببعض بشكل مثير، من أجل إحداث تأثير بصري إيجابي يتم تداوله عبر «إنستغرام» و«تويتر»، كما فعل معظم من سبقوه. وإذا كان هذا ما سنتوقعه منه في المواسم المقبلة، فإنه يدعو إلى التفاؤل، فمن الواضح أنه يُدرك أن أرشيف الدار منجم لا ينضب، وكل ما عليه هو أن يغرف منه ما يمكن صياغته وإعادة نسج خطوطه بأسلوبه المثير والخاص. فهذا الأسلوب هو الذي أثار أنظار مجموعة «كرينغ» إليه وجعلها تختاره من بين عشرات المصممين.
فقد اكتشفت أن من مصلحتها أن تحافظ على بريق اسم إيف سان لوران، لما يتمتع به من حب وما يثيره من مشاعر حنين للزمن الذهبي، من دون أن تلغي لمسات مصممها الجديد، فهي مثيرة بأنوثتها الجريئة.
القصة نفسها تكررت في دار «لانفان». فهي أيضًا شهدت أول تشكيلة من الأزياء الجاهزة للمصممة المغربية الأصل، بُشرى جرار، مع اختلاف القصات بشكل كبير. كانت لمسات المصممة طاغية أكثر وكأنها تتحدى أسلافها، من خلال تفصيل يحاكي الـ«هوت كوتير» تميزت به في خطها الخاص، وظهر في جاكيتات محددة على الجسم وتنورات مستقيمة وطويلة بعضها بفتحات لتسهيل الحركة. بتغييرها مكان العرض وتوقيته من المساء إلى النهار، حسبما جرت العادة سابقا، بدت وكأنها تريد أن تكتب صفحة جديدة بالأبيض، حتى تكون مختلفة عما كتب ألبير إلبيز قبلها بالأسود والأزرق الداكن. بيد أنها لم تتجاهل عنصر المرح المشوب ببعض الشقاوة الذي أصبح لصيقا بالدار، فصبت منه نسبة لا بأس بها، في الإكسسوارات تحديدًا.
فقد تبدو بشرى جرار، من خلال صورها، ذات شخصية جادة إلا أنها أكدت هذا الأسبوع بأنها لا تفتقر إلى الرومانسية. فقد ظهرت هذه الرومانسية بأسلوب أنثوي عصري رفيع في كثير من التفاصيل، مثل ظهر فستان أو فتحة تنورة طويلة وما شابه ذلك. إذا كان التحدي بالنسبة لأنطوني فاكاريللو يتمثل في الحفاظ على نسبة الأرباح التي حققتها الدار من قبله، فإن التحدي بالنسبة لبُشرى جرار هي إنقاذ الدار من الخسارة التي تسجلها أرقامها منذ بضع سنوات. فهي تتسلم مقاليد الدار، بعد خروج ألبير إلبيز مطرودًا منها منذ عام تقريبًا، وحتى في سنوات الأخيرة لم تحقق الأرباح التي كانت تتوقعها.
وما يزيد الأمر سوءًا أن الدار تعيش تغييرات وترتيب أوراق حرمتها من الاستقرار المطلوب، من دون أن ننسى أن ألبير إلباز يطالبها بنحو 40 مليون يورو كتعويض، ولا تزال القصة بينهما مستمرة.
وتجدر الإشارة هنا إلى أنه سبق لبشرى جرار أن قدمت في شهر يونيو (حزيران) الماضي أول تشكيلة من خط الـ«ريزوت» للدار، ورغم أنها قوبلت بالتهليل والترحيب من قبل وسائل الإعلام، فإن البعض، لا سيما المشترين وأصحاب المحلات، رأوها بسيطة إلى حد البرود، وهو ما يتعارض مع شخصية «لانفان» الأنثوية المرحة.
بُشرى أخذت هذا بعين الاعتبار في هذه التشكيلة، من خلال التفاصيل والإكسسوارات ولمسات أضفت عليها الكثير من الأنوثة والرومانسية التي تأخذنا هي الأخرى إلى الزمن الجميل بأسلوب مفصل على مقاس العصر. فحسب ما صرحت به أخيرا: «أنا أصمم لأبيع». وهذا يعني أنها تُدرك تماما نوع المسؤولية الملقاة على عاتقها والمطلوب منها. ولأن تحقيق المطلوب يتطلب تفرغًا وعزيمة من حديد، فإنها، مثل أنطوني فاكاريللو، أغلقت خطها الخاص لتتفرغ لمهمتها الجديدة.
أسبوع باريس للموضة.. اختلفت القَصّات والتصاميم.. والقِصّة واحدة
أنطوني فاكاريللو في «سان لوران» وبُشرى جرار في «لانفان».. لأول مرة
من اقتراحات «بشرى جرار» الرومانسية لـ«لانفان» - التفصيل والرومانسية في عرض بشرى جرار - من عرض «بشرى جرار» لـ«لانفان» - إيحاءات من تصميم «لوسموكينغ» بإيقاعات عصرية في دار «سان لوران» - من عرض أنطوني فاكاريللو لدار «سان لوران»
أسبوع باريس للموضة.. اختلفت القَصّات والتصاميم.. والقِصّة واحدة
من اقتراحات «بشرى جرار» الرومانسية لـ«لانفان» - التفصيل والرومانسية في عرض بشرى جرار - من عرض «بشرى جرار» لـ«لانفان» - إيحاءات من تصميم «لوسموكينغ» بإيقاعات عصرية في دار «سان لوران» - من عرض أنطوني فاكاريللو لدار «سان لوران»
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة

