ما حال البحرية الملكية البريطانية التي انتقدها ترمب وهيغسيث مراراً؟

حاملة الطائرات التابعة للبحرية الملكية البريطانية «إتش إم إس برينس أوف ويلز» قبل رسوها في ميناء طوكيو يوم 28 أغسطس 2025 (أ.ب)
حاملة الطائرات التابعة للبحرية الملكية البريطانية «إتش إم إس برينس أوف ويلز» قبل رسوها في ميناء طوكيو يوم 28 أغسطس 2025 (أ.ب)
TT

ما حال البحرية الملكية البريطانية التي انتقدها ترمب وهيغسيث مراراً؟

حاملة الطائرات التابعة للبحرية الملكية البريطانية «إتش إم إس برينس أوف ويلز» قبل رسوها في ميناء طوكيو يوم 28 أغسطس 2025 (أ.ب)
حاملة الطائرات التابعة للبحرية الملكية البريطانية «إتش إم إس برينس أوف ويلز» قبل رسوها في ميناء طوكيو يوم 28 أغسطس 2025 (أ.ب)

وجّه الرئيس الأميركي دونالد ترمب، ووزير دفاعه بيت هيغسيث، انتقادات لاذعة إلى قدرات البحرية البريطانية. وقد تكون هذه السخرية قد آلمت بلداً يمتلك تاريخاً بحرياً طويلاً هو مصدر فخر، لكنها تحمل في طياتها بعض الحقيقة، وفق تقرير من وكالة «أسوشييتد برس».

كانت المملكة المتحدة في صدارة غضب ترمب منذ اندلاع الحرب مع إيران يوم 28 فبراير (شباط) الماضي، عندما رفض رئيس الوزراء البريطاني، كير ستارمر، منح الجيش الأميركي حق استخدام القواعد البريطانية.

ورغم أن هذا القرار جرى التراجع عنه جزئياً عبر السماح للولايات المتحدة باستخدام تلك القواعد، بما فيها قاعدة «دييغو غارسيا» في المحيط الهندي؛ لأغراض «دفاعية» كما وُصفت، فإن ترمب لا يزال مقتنعاً بأنه خُذل. وقد واصل مهاجمة ستارمر مراراً، واصفاً حاملتي الطائرات التابعتين للبحرية الملكية بأنهما «لعبتان».

وقال لصحيفة «ديلي تلغراف» البريطانية في تصريحات نُشرت الأربعاء: «أنتم لا تملكون حتى بحرية. أنتم شِختم كثيراً وكانت لديكم حاملات طائرات لا تعمل».

من جهته، قال هيغسيث بسخرية إن «البحرية الملكية الكبيرة والمخيفة» ينبغي أن تنخرط في تأمين مضيق هرمز أمام حركة الشحن التجاري.

ولأسباب كثيرة، لم تعد البحرية الملكية «كبيرة ومخيفة» كما كانت عندما كانت «بريطانيا تحكم البحار». لكنها في الوقت نفسه ليست ضعيفة كما يوحي ترمب وهيغسيث، وهي إلى حدّ كبير مماثلة للبحرية الفرنسية التي تُقارَن بها غالباً.

وقال البروفسور كيفن رولاندز، محرّر «مجلة المعهد الملكي للخدمات المتحدة»: «من الجانب السلبي، هناك قدر من الحقيقة؛ إذ إن البحرية الملكية (البريطانية) أصغر مما كانت عليه منذ مئات السنين. أما من الجانب الإيجابي، فهذه البحرية تدخل أول مرحلة نمو منذ الحرب العالمية الثانية، مع خطط لبناء سفن أكثر مما شهدناه منذ عقود».

المدمرة البريطانية «إتش إم إس دراغون» بينما يجري توجيهها بواسطة قوارب القطر من قاعدة «بورتسموث» البحرية الملكية على الساحل الجنوبي لإنجلترا يوم 10 مارس 2026 (أ.ف.ب)

القدرات والجاهزية

لم يمضِ وقت طويل منذ كانت بريطانيا قادرة على حشد قوة بحرية تضم 127 سفينة، بينها حاملتا طائرات، للإبحار إلى جنوب المحيط الأطلسي عقب غزو الأرجنتين جزر فوكلاند. تلك الحملة عام 1982، التي لم يتحمس لها الرئيس الأميركي آنذاك رونالد ريغان، شكّلت آخر استعراض كبير للقوة البحرية البريطانية.

اليوم، لا يمكن تنفيذ عملية بهذا الحجم، ولا حتى ما يقاربها. فمنذ الحرب العالمية الثانية، تراجع حجم الأسطول القتالي البريطاني بشكل كبير، ويرتبط ذلك إلى حدّ كبير بالتغيّرات العسكرية والتكنولوجية ونهاية الإمبراطورية، وإن لم يكن هذا هو السبب الوحيد.

ووفق تحليل من وكالة «أسوشييتد برس»، استناداً إلى بيانات وزارة الدفاع ومكتبة مجلس العموم، فقد انخفض عدد السفن القتالية في البحرية الملكية - بما فيها حاملات الطائرات والمدمّرات والفرقاطات - من 466 سفينة عام 1975 إلى 66 سفينة في عام 2025.

ورغم امتلاك البحرية الملكية حاملتي طائرات، فإنها عاشت فترة 7 سنوات خلال عقد 2010 من دون أي حاملة. كما انخفض عدد المدمرات إلى النصف ليصل إلى 6، فيما تقلّص أسطول الفرقاطات من 60 إلى 11 فقط.

المدمرة البريطانية «إتش إم إس دراغون» تغادر قاعدة «بورتسموث» البحرية الملكية على الساحل الجنوبي لإنجلترا يوم 10 مارس 2026 (أ.ف.ب)

غير جاهزة؟

تعرّضت البحرية الملكية لانتقادات بسبب الوقت الذي استغرقته لإرسال المدمّرة «إتش إم إس دراغون» إلى الشرق الأوسط بعد اندلاع الحرب مع إيران. ورغم أن المسؤولين البحريين عملوا ليل نهار على تجهيزها لمهمة مختلفة عن تلك التي كانت تستعد لها، فإن كثيرين رأوا في ذلك مؤشراً على مدى تقليص القدرات العسكرية البريطانية منذ سقوط جدار برلين عام 1989.

وخلال معظم فترة الحرب الباردة، كانت بريطانيا تنفق ما بين 4 و8 في المائة من دخلها القومي السنوي على الجيش. وبعد نهاية الحرب الباردة، تراجعت هذه النسبة تدريجاً لتصل إلى أدنى مستوى لها عند 1.9 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي عام 2018؛ مما منح ترمب مادة إضافية لانتقاداته.

وكما فعلت دول أخرى، سعت بريطانيا - خصوصاً في ظل حكومات حزب «العمال» بقيادة توني بلير وغوردون براون - إلى الاستفادة مما يُعرف بـ«عائد السلام» بعد انهيار الاتحاد السوفياتي، عبر تحويل الأموال المخصّصة للدفاع إلى أولويات أخرى مثل الصحة والتعليم.

كما أن إجراءات التقشّف التي فرضتها الحكومات المحافظة بعد الأزمة المالية العالمية في 2008 - 2009 حالت دون زيادة الإنفاق الدفاعي، رغم المؤشرات الواضحة على عودة روسيا إلى الواجهة، خصوصاً بعد ضمّها شبه جزيرة القرم وأجزاء من شرق أوكرانيا.

طاقم سفينة يسير بالقرب من حاملة الطائرات التابعة للبحرية الملكية البريطانية «إتش إم إس برينس أوف ويلز» قبل رسوها في ميناء طوكيو يوم 28 أغسطس 2025 (أ.ب)

لا حلول سريعة

في أعقاب الغزو الروسي الشامل لأوكرانيا عام 2022، ومع اندلاع حرب جديدة في الشرق الأوسط، بدأ يتبلور إدراك متصاعد عبر الطيف السياسي أن التخفيضات ذهبت بعيداً أكثر مما ينبغي.

وبعد بدء حرب أوكرانيا، بدأ المحافظون إعادة رفع الإنفاق العسكري تدريجاً. ومنذ عودة حزب «العمال» إلى السلطة عام 2024، يسعى ستارمر إلى زيادة الإنفاق الدفاعي البريطاني؛ جزئياً على حساب خفض ميزانية المساعدات الخارجية التي لطالما افتخرت بها البلاد.

رئيس الوزراء البريطاني خلال اجتماع حكومي في لندن يوم 30 مارس 2026 مع قيادات عسكرية لمناقشة الحرب الأميركية الإسرائيلية - الإيرانية (رويترز)

وقد تعهّد ستارمر برفع الإنفاق الدفاعي إلى 2.5 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي بحلول عام 2027، مع هدف محدث يقضي برفعه إلى 3.5 في المائة بحلول عام 2035، في إطار اتفاق داخل «حلف شمال الأطلسي (ناتو)» دفع به ترمب. وبعبارة بسيطة؛ سيعني ذلك إنفاق عشرات المليارات من الجنيهات الإسترلينية الإضافية؛ أي مزيداً من المعدات للقوات المسلحة.

وتتعرض الحكومة لضغوط لتسريع هذا الجدول الزمني. لكن مع تدهور المالية العامة نتيجة التداعيات الاقتصادية للحرب مع إيران، يبقى من غير الواضح من أين ستأتي أي أموال إضافية.

ومن المرجّح أن «تستمر السخرية الأميركية، رغم أن الانتقادات غير عادلة وبعيدة عن الواقع»، وفق رولاندز، الذي كان سابقاً برتبة قبطان في البحرية الملكية البريطانية. وقال: «نحن نتعامل مع إدارة (أميركية) لا تميل إلى الدقّة أو التفاصيل».


مقالات ذات صلة

الملك تشارلز ينهي رحلة برمودا بإطلاق مشروع لوكالة الفضاء البريطانية

العالم الملك البريطاني تشارلز يلقي كلمة في حفل استقبال خلال زيارته الرسمية إلى برمودا (رويترز)

الملك تشارلز ينهي رحلة برمودا بإطلاق مشروع لوكالة الفضاء البريطانية

ينهي ملك بريطانيا تشارلز الثالث زيارته إلى برمودا بإطلاق مشروع «نوفا» التابع لوكالة الفضاء البريطانية رسمياً للمساعدة في تتبع الحطام الفضائي.

«الشرق الأوسط» (برمودا- لندن)
العالم الملكة كاميلا والملك تشارلز الثالث والرئيس الأميركي دونالد ترمب والسيدة الأولى ميلانيا ترمب يشاهدون استعراضاً عسكرياً من شرفة الرواق الجنوبي خلال مراسم الاستقبال الرسمية في الحديقة الجنوبية للبيت الأبيض 28 أبريل 2026 في العاصمة واشنطن (رويترز) p-circle

بالصور: أميركا تحتفي بالملك تشارلز... وترمب يشيد بعمق «العلاقة الخاصة» مع بريطانيا

أكد الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الثلاثاء، أن ليس لدى الولايات المتحدة «أصدقاء أقرب من البريطانيين»، وذلك خلال استقباله الملك البريطاني تشارلز في البيت الأبيض.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
أوروبا لقطة من فيديو بتاريخ 20 أبريل 2026 تظهر رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر يدلي ببيان حول إجراءات التدقيق التي خضع لها السفير البريطاني السابق لدى الولايات المتحدة بيتر ماندلسون... في البرلمان البريطاني بلندن (أ.ف.ب)

ستارمر: أخطأت بتعيين ماندلسون سفيراً لبريطانيا في واشنطن

أقر رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر مجدداً أمام البرلمان، أنه أخطأ بتعيين السفير السابق في الولايات المتحدة بيتر ماندلسون في هذا المنصب، رغم صلاته بإبستين.

«الشرق الأوسط» (لندن)
أوروبا رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر يتحدث خلال جلسة استجواب رئيس الوزراء في مجلس العموم في لندن 15 أبريل 2026 (رويترز) p-circle

ستارمر: لن «أرضخ» لضغوط ترمب للانضمام إلى حرب إيران

أكد رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر أنّه لن «يرضخ» للضغوط للانضمام للحرب على إيران، بعدما هدد الرئيس الأميركي دونالد ترمب بإلغاء اتفاقية تجارية مع بريطانيا.

«الشرق الأوسط» (لندن)
أوروبا سفينة «إتش إم إس دراغون» وهي مدمرة تابعة للبحرية الملكية البريطانية يتم توجيهها بواسطة قوارب القطر في أثناء مغادرتها قاعدة بورتسموث البحرية الملكية على الساحل الجنوبي لإنجلترا 10 مارس 2026 (أ.ف.ب)

السفينة الحربية البريطانية «دراغون» تبحر نحو شرق المتوسط

غادرت السفينة الحربية البريطانية «دراغون» إلى شرق البحر المتوسط، الثلاثاء، بعد أكثر من أسبوع من تعرّض قاعدة جوية بريطانية في قبرص لهجوم بطائرة مسيّرة.

«الشرق الأوسط» (لندن)

هجوم جوي واسع النطاق يستهدف كييف

أناس يحتمون في محطة مترو الأنفاق أثناء هجوم روسي على العاصمة كييف (رويترز)
أناس يحتمون في محطة مترو الأنفاق أثناء هجوم روسي على العاصمة كييف (رويترز)
TT

هجوم جوي واسع النطاق يستهدف كييف

أناس يحتمون في محطة مترو الأنفاق أثناء هجوم روسي على العاصمة كييف (رويترز)
أناس يحتمون في محطة مترو الأنفاق أثناء هجوم روسي على العاصمة كييف (رويترز)

تعرضت العاصمة الأوكرانية كييف، فجر اليوم (الخميس)، لهجوم جوي روسي واسع النطاق، وفق ما نقلته وكالة الصحافة الفرنسية عن مراسليها الذين سمعوا دوي انفجارات وإطلاق نار مضاد للطائرات.

وقال رئيس بلدية العاصمة فيتالي كليتشكو «العدو يهاجم كييف بطائرات مسيّرة وصواريخ بالستية» داعياً السكان عبر «تلغرام» إلى الاحتماء.


ستارمر يواجه اتّساع التمرد عليه

رئيس الحكومة وزعيمة المعارضة يتّجهان إلى مجلس اللوردات للاستماع لخطاب الملك يوم 13 مايو (أ.ب)
رئيس الحكومة وزعيمة المعارضة يتّجهان إلى مجلس اللوردات للاستماع لخطاب الملك يوم 13 مايو (أ.ب)
TT

ستارمر يواجه اتّساع التمرد عليه

رئيس الحكومة وزعيمة المعارضة يتّجهان إلى مجلس اللوردات للاستماع لخطاب الملك يوم 13 مايو (أ.ب)
رئيس الحكومة وزعيمة المعارضة يتّجهان إلى مجلس اللوردات للاستماع لخطاب الملك يوم 13 مايو (أ.ب)

واجه رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر، أمس، أكبر تحدٍّ لقيادته حتى الآن، في ظل اتساع التمرد عليه وتداول أنباء عن استعداد وزير الصحة ويس ستريتينغ لتقديم استقالته وإطلاق سباق لاختيار بديل في «10 داونينغ ستريت».

وبينما وقف ستارمر ومئات المشرعين في صمت للاستماع إلى الملك تشارلز، وهو يتلو جدول أعمال الحكومة أمام البرلمان، ذكرت صحيفة «تايمز» أن وزير الصحة ويس ستريتينغ يستعد لتقديم استقالته بحلول اليوم (الخميس)، في تحدّ رسمي لقيادة ستارمر.

وبعد لقاء وجيز مع ستارمر، لجأ ستريتينغ إلى منصة «إكس» لترويج إنجازاته في تقليص فترات الانتظار في هيئة الخدمات الصحية الوطنية البريطانية. وكتب قائلاً: «أُنجز الكثير، وما زال هناك كثير لإنجازه»، من دون أن يتطرق إلى الأنباء المتداولة ‌عن خططه للاستقالة.

وحاول ستارمر ‌تجاهل التحديات التي تواجهه. وكشف الخطاب، الذي كتبته الحكومة ​وتلاه الملك تشارلز، عن خطط لتعزيز ‌النمو الاقتصادي وأمن الطاقة والدفاع.


فرنسا تحقق في احتمال تدخل شركة إسرائيلية في الانتخابات المحلية

رئيس بلدية مرسيليا بنوا بايان يدلي بصوته في الجولة الثانية من الانتخابات البلدية في 22 مارس الماضي (أ.ف.ب)
رئيس بلدية مرسيليا بنوا بايان يدلي بصوته في الجولة الثانية من الانتخابات البلدية في 22 مارس الماضي (أ.ف.ب)
TT

فرنسا تحقق في احتمال تدخل شركة إسرائيلية في الانتخابات المحلية

رئيس بلدية مرسيليا بنوا بايان يدلي بصوته في الجولة الثانية من الانتخابات البلدية في 22 مارس الماضي (أ.ف.ب)
رئيس بلدية مرسيليا بنوا بايان يدلي بصوته في الجولة الثانية من الانتخابات البلدية في 22 مارس الماضي (أ.ف.ب)

ذكرت ثلاثة مصادر مطلعة أن السلطات الفرنسية تحقق فيما إذا كانت شركة إسرائيلية غير معروفة تدعى «بلاك كور» شاركت، بقدر ما على الأقل، في حملة تدخل خارجي استهدفت حزبا من أقصى اليسار قبل الانتخابات البلدية التي جرت في مارس (آذار).

وقال اثنان من المصادر إن أجهزة المخابرات الفرنسية تحقق حاليا في هوية الجهة التي ​ربما تكون كلفت شركة «بلاك كور» بتنفيذ فيما يُعتقد أنها حملة تشويه ضد ثلاثة مرشحين من حزب (فرنسا الأبية)، وهي حملة شملت مواقع إلكترونية مضللة وحسابات على وسائل التواصل الاجتماعي تزعم ارتكابهم سلوكيات إجرامية، بالإضافة إلى نشر إعلانات مسيئة على الإنترنت.

ووصفت بلاك كور نفسها على موقعها الإلكتروني وصفحتها على لينكد إن بأنها «شركة نخبوية متخصصة في التأثير والفضاء الإلكتروني والتكنولوجيا، أنشئت من أجل العصر الحديث للحرب المعلوماتية»، بينما لم يكن من الممكن، بحسب وكالة «رويترز»، تحديد الجهة التي تقف وراء شركة بلاك كور، أو التحقق من مقرها، أو العثور على أي إشارة إليها في سجلات الشركات الإسرائيلية.

أرشيفية لسيباستيان ديلوغو نائب حزب فرنسا الأبية خلال مظاهرة مؤيدة للفلسطينيين وسط باريس في 29 مايو 2024 (رويترز)

وقالت إنها تقدم للحكومات والحملات السياسية «استراتيجيات متطورة، وأدوات متقدمة، وأنظمة أمنية قوية لتشكيل الروايات».

وفحصت «رويترز» وثائق بلاك كور التي أقرت فيها الشركة بمسؤوليتها عن عملية منفصلة على وسائل التواصل الاجتماعي نُفذت لصالح حكومة أفريقية.

ولم تكن الوثائق مؤرخة، لكنها أشارت إلى ‌عملية بدأت في ‌يناير (كانون الثاني) من هذا العام واستمرت لمدة 14 أسبوعا. وزود أحد الأشخاص «رويترز» بالوثائق لكنه طلب حجب بعض التفاصيل.

وبعد أن ​سألت ‌«رويترز» شركة «⁠ميتا بلاتفورمز» ​المالكة ⁠لفيسبوك عن عملية الحكومة الأفريقية المذكورة في الوثائق، قالت الشركة إن «الشبكة» التي تقف وراءها مرتبطة بحملة التضليل التي أُطلقت قبل الانتخابات البلدية الفرنسية. لكن ميتا لم تذكر من هي الجهة المسؤولة.

وأوضحت «ميتا» بأنها أزالت شبكة من الحسابات والصفحات لانتهاكها قواعدها المتعلقة «بالسلوك المخادع المنسق». وقالت إن النشاط المضلل انطلق من إسرائيل واستهدف فرنسا في المقام الأول.

وقال اثنان من المصادر المطلعة على حملة التضليل المنسوبة لـ«بلاك كور» في فرنسا إنهما على علم أيضا بعمل الشركة في أفريقيا، دون الخوض في التفاصيل.

وذكر مصدران آخران أن شركتي غوغل وتيك توك رصدتا بشكل مستقل جوانب من عملية التضليل في فرنسا في أثناء عمليات مراقبة وتأمين شبكاتهما.

* حزب ⁠فرنسا الأبية يثير انقساما في الآراء

تقول السلطات الفرنسية والمرشحون أنفسهم أن العملية استهدفت سيباستيان ديلوجو المرشح لرئاسة بلدية مرسيليا ، والمرشح ‌في تولوز فرانسوا بيكيمال، والمرشح ديفيد جيرو في روبيه.

فرانسوا بيكيمال عضو البرلمان عن حزب فرنسا الأبية يقف على سطح مبنى الجمعية الوطنية في باريس في 5 مايو الحالي (رويترز)

وأماطت صحيفة «لوموند» اللثام لأول مرة عن محاور هذه العملية في مارس (آذار)، ‌عندما كشفت وكالة فيجينوم عن مخطط «تدخل رقمي أجنبي ذي نطاق محدود» يستهدف «حزبا سياسيا فرنسيا» ومرشحيه في مرسيليا وتولوز وروبيه.

وأوردت ​صحيفة (لو كانار أنشينيه) الساخرة والاستقصائية لاحقا أن السلطات تشتبه في شركة إسرائيلية، لكنها لم ‌تذكر اسمها.

وتسلط حملة التضليل المشتبه بها المنسوبة لبلاك كور الضوء على الوضع المشحون الذي أصبحت عليه حتى الانتخابات المحلية، في الوقت الذي تعاني فيه فرنسا ودول أخرى من ‌تزايد الاستقطاب السياسي والتهديدات التي تواجه الديمقراطية.

وتُظهر استطلاعات الرأي أن حزب فرنسا الأبية يثير انقساما في الآراء.

ويُتهم الحزب المؤيد للفلسطينيين باستمرار بمعاداة السامية من قبل بعض قادة المجتمع اليهودي وخصومه السياسيين، وهو ما ينفيه الحزب، بينما يشعر عدد من رجال الأعمال بالقلق إزاء سياساته التي تنطوي على ضرائب عالية وإنفاق مفرط.

ومع ذلك، لا يزال الحزب يتمتع بقاعدة دعم قوية تتراوح بين 10 في المائة و15 في المائة، وهي نسبة يقول محللون إنها ربما تكون كافية للوصول إلى الجولة الثانية من الانتخابات الرئاسية الفرنسية المقبلة، المقرر إجراؤها في أبريل نيسان 2027.

ومع ترجيح استطلاعات الرأي وصول حزب (التجمع الوطني) اليميني المتطرف إلى الجولة الثانية، يخشى الفرنسيون ‌المنتمون لتيار الوسط من احتمال حدوث جولة فاصلة بين اليمين المتطرف واليسار المتشدد.

وقال حزب فرنسا الأبية إن وكالة فيجينوم نبهته إلى تدخل أجنبي يستهدف مرشحيه، وذكر أنه يتعاون مع المحققين.

وقال الحزب في بيان «نتوقع أن تشهد الانتخابات (الرئاسية) المقبلة هجمات من هذا النوع».

وأضاف «من ⁠المحتمل أن تؤدي المستجدات التكنولوجية إلى تزايد هذا ⁠الخطر بشكل كبير».

بعد نشر هذه القصة، دعا مرشح فرنسا الأبية الرئاسي لعام 2027 وزعيم الحزب جان لوك ميلونشون الحكومة إلى إقرار تشريعات أكثر صرامة ضد التدخل الأجنبي.

وقال «نحن بحاجة إلى الحماية، وإذا حصلنا عليها، فستحصل عليها جميع (الأحزاب) الأخرى أيضا».

وقالت وزارة الخارجية الإسرائيلية، إنها ليست على علم بوجود «بلاك كور».

* تشويه سمعة مرشحين

انسحب ديلوجو من الجولة الثانية من انتخابات مرسيليا لتجنب انقسام أصوات اليسار، ورفع دعوى تشهير في مارس بعد أن استهدفه موقع «مدونة صوفي» الذي لم يعد موجودا الآن، بعد التلميح إلى سلوك جنسي غير لائق لم يحدد.

كما انتشرت في أنحاء مرسيليا رموز استجابة سريعة (كيو.آر)، التي يمكن مسحها ضوئيا بالهاتف الذكي لتوجيه المستخدمين إلى موقع إلكتروني، وكان ذلك هو موقع المدونة. ولم تتمكن «رويترز» من تحديد هوية كاتب المدونة أو الاتصال به.

وأحجم محامي ديلوجو عن الكشف عن مضمون الشكوى لكنه أكد أنها تتعلق بالمدونة ورموز كيو.آر. ولم يرد ممثلو الادعاء في مرسيليا على طلبات للتعليق.

وقالت فيجينوم إن جيرو الفائز في انتخابات روبيه استُهدف من قبل «صفحات فيسبوك مرتبطة بالمخطط نفسه». ولم يرد جيرو على طلبات للتعليق.

وقال بيكيمال، وهو نائب قاد تحالفا يساريا في تولوز لكنه خسر في الجولة الثانية بفارق ضئيل، إنه توجه إلى الشرطة بعد أن استهدفته حسابات مجهولة على وسائل التواصل الاجتماعي ومواقع إلكترونية وإعلانات مسيئة في صحيفة محلية.

وعبر بيكيمال عن أمله في أن تكشف التحقيقات الجنائية عن هوية من يقف وراء ​هذه الهجمات. وقال إنه يعتقد أنه استُهدف بسبب دعمه لغزة ولأنه «قادر على الفوز ​في ثالث أكبر مدينة في فرنسا».

وبعد خسارته الانتخابات، سعى بيكيمال إلى إلغاء النتيجة بسبب ما قال إنه تدخل أجنبي. ولم تصدر محكمة تولوز الإدارية حكمها بعد.