«الخارجية» الأميركية تؤكد تسليم طهران 1.3 مليار دولار.. بالتزامن مع إطلاق رهائن

البنتاغون يحتج على اعتراض زوارق الحرس الثوري سفينة حربية أميركية

المتحدثة باسم الخارجية الأميركية إليزابيث ترودو (أ.ب)
المتحدثة باسم الخارجية الأميركية إليزابيث ترودو (أ.ب)
TT

«الخارجية» الأميركية تؤكد تسليم طهران 1.3 مليار دولار.. بالتزامن مع إطلاق رهائن

المتحدثة باسم الخارجية الأميركية إليزابيث ترودو (أ.ب)
المتحدثة باسم الخارجية الأميركية إليزابيث ترودو (أ.ب)

في حين ما زالت واشنطن تضج بخبر صفقة دفع 400 مليون دولار أميركي نقدا لإيران، لإطلاق محتجزين أميركيين، في يناير (كانون الثاني) الماضي، حتى انفجرت قضية أخرى، بتأكيدها دفع 1.3 مليار دولار لإيران، بعد 48 ساعة من الصفقة الأولى.. لكن واشنطن أكدت أن الدفعة الأخيرة، في إطار حل النزاع القضائي المستمر منذ عقود حول صفقات بيع عسكرية تم وقفها بعد فرض العقوبات الاقتصادية على إيران.
وقالت إليزابيث ترودو، المتحدثة باسم الخارجية الأميركية، في وقت متأخر مساء أول من أمس، إنها لا تستطيع الحديث حول تفاصيل المدفوعات، بسبب الحساسيات الدبلوماسية، لكنها أكدت دفع مبلغ 1.3 مليار دولار إلى طهران بعد 48 ساعة من الدفعة الأولى. وحاولت المتحدثة باسم الخارجية التهرب من إلحاح أسئلة الصحافيين وطالبتهم بسؤال وزارة الخزانة المخولة بالقيام بالتحويلات المالية الأجنبية، ولم تستطع الإجابة حول توقيت أو تفاصيل دفع المبلغ لإيران. من جانبها رفضت وزارة الخزانة الأميركية تقديم تفسير حول تلك الأموال. ويأتي المبلغ لقاء تسوية قضائية بين الولايات المتحدة وإيران في أعقاب توقيف صفقة بيع أسلحة أميركية لإيران بمبلغ 400 مليون دولار في السبعينات من القرن الماضي، ولم تقم الولايات المتحدة بتسليم الأسلحة في أعقاب الثورة الإيرانية عام 1979 التي أطاحت بالشاه، وأنهت العلاقات الدبلوماسية بين الولايات المتحدة وإيران. وبعد منازعة قضائية استمرت لعقود وافقت الولايات المتحدة على دفع فوائد على مبلغ الـ 400 مليون دولار الخاصة بصفقة السلاح الموقوفة، وبلغ المبلغ لتسوية النزاع 1.3 مليار دولار تم الاتفاق على دفعها على دفعات.
وقد أثار ذلك التساؤلات خاصة بعد إقرار الإدارة الأميركية بدفع مبلغ 400 مليون دولار في 17 يناير الماضي في حسابات خاصة بإيران بعملات اليورو والفرنك السويسري وعملات أجنبية أخرى كوسيلة لضمان الإفراج عن أربعة سجناء أميركيين لدى إيران. ويهاجم الجمهوريون الإدارة الأميركية، مشيرين إلى أن الأموال جاءت من صندوق غير معروف من قبل وزارة الخزانة لشؤون تسوية مطالبات التقاضي الذي يتم تمويله من أموال دافعي الضرائب، وأشاروا إلى أن الرئيس أوباما تجاوز موافقة الكونغرس قبل المضي قدما في إبرام التسوية المالية.
وجاء إعلان المسؤولة الأميركية متزامنا مع إعلان وزير المخابرات الإيرانية محمود علوي، أول من أمس، حصول إيران على مليار وثلاثمائة مليون دولار بعد أيام من تسلمها 400 مليون من واشنطن. وكشف علوي أن المحادثات جرت بين إيران وأميركا من أجل تبادل السجناء بعد ضوء أخضر من المرشد علي خامنئي وقرار المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني. وقال علوي خلال مقابلة تلفزيونية إن طهران حققت مكاسب من المفاوضات بـ«استرداد» 400 مليون دولار، إضافة إلى مليار و310 ملايين دولار كأرباح لها. وأثارت قضية 400 مليون جدلا واسعا في الولايات المتحدة، وقد كان الرئيس الأميركي سارع إلى نفي دفع فدية لإيران قائلا: «إن الأموال التي دفعت لم تكن أبدا من أجل تحرير الرهائن الأميركيين المحتجزين».
ونقلت وكالة «أسوشيتدبرس» عن ترودو قولها إن إيران استملت المبالغ على 13 دفعة، بلغت كل دفعة 99 مليونا و999 ألفا و999 دولارا و99 سنتا (ما يقارب 100 مليون دولار)، فضلا عن دفعة أخرى بلغت عشرة ملايين دولار. ورفضت السلطات الأميركية سابقا إعطاء أي تفاصيل عن تلك الصفقة، خاصة فيما يتعلق بالتوقيت، لمعرفة ما إذا كان هناك عملية تسلم وتسليم. ولكن وكالة «تسنيم» القريبة من الحرس الثوري قالت: «إن الأموال وصلت في اليوم نفسه الذي تم فيه الإفراج عن الرهائن الأميركيين». وقد قال الجنرال محمد رضا نقدي، قائد ميليشيا الباسيج والحرس الثوري، على وسائل الإعلام الرسمية: «إن الأميركيين استسلموا للضغوط الإيرانية. وإن هذا المال كان في مقابل الإفراج عن الجواسيس الأميركيين».
يقول المسؤولون الأميركيون إن المحادثات مع إيران بدأت بالحديث عن إفراج الأخيرة عن الرهائن الأميركيين مقابل إفراج الولايات عن موقوفين إيرانيين في سجونها. ولكن سرعان ما بدأ الإيرانيون يطالبون بمبلغ 400 مليون دولار أميركي مع فوائدها المتراكمة كان دفعها الشاه عام 1979 كدفعة أولى لصفقة شراء طيران حربي. وقال السيناتور كيرك من ولاية إلينوي، الذي يجد نفسه في سباق ضد الديمقراطي تامي داكويرث، قد يحدد من الحزبين سيحوز على الأكثرية داخل مجلس الشيوخ العام المقبل: «لا يمكن لرئيس للولايات المتحدة أن يتصرف كتاجر مخدرات ويمنح أموالا لدولة راعية للإرهاب».
في السياق نفسه، سارعت الإدارة الأميركية بتوجيه اللوم لتصريحات سيناتور كيرك، معتبرة أنها «مضللة ومهينة وهي على كل الأحوال لا تليق بالمنصب الذي يشغله». لكن السيناتور كيرك رد على البيت الأبيض في بيان واصفا إجراءات إدارة أوباما بالمتهورة إلى أقصى الحدود مع إيران، وبأنها «من الصفقات الشائنة التي لا تفتخر بها أكبر ديمقراطية في العالم». وأضاف كيرك، الذي يشغل منصب رئيس اللجنة الفرعية في مجلس الشيوخ لشؤون الأمن القومي والتجارة الدولية والمالية والتخطيط، أنه سيدعو لجلسة استماع لمناقشة مسألة الأموال المدفوعة لإيران الشهر المقبل.
وانتقد الجمهوريون إدارة أوباما بعد أن اعترف بأن سداد الأموال من الحساب الإيراني «1970s» كان متصلا بتبادل الأسرى بين الولايات المتحدة وإيران في يناير. وتنفي الإدارة أن يكون البيت الأبيض دفع «فدية» مقابل تحرير الأسرى، معتبرة أن النظام الإيراني لديه أموال عند الولايات المتحدة كان سيستردها بطريقة أو بأخرى.
ويسعى أعضاء من الكونغرس إلى تمرير قانون يمنع إدارة أوباما من تحويل أو دفع أي أموال أخرى لإيران. كما يطلب القانون في إحدى فقراته إعلان البيت الأبيض عن تفاصيل دفع 1.7 مليار دولار لإيران. وقال السيناتور الجمهوري لولاية أوكلاهوما جيمس لانكفورد الذي شارك في كتابة مسودة مشروع القانون: «إن دفع أوباما 400 مليون دولار لإيران هو ربما أسوأ استخدام لأموال دافعي الضرائب من قبل رئيس أميركي».
وتأتي تلك الأنباء بالتزامن من «تحرش» السفن الإيرانية بسفن البحرية الأميركية في منطقة الخليج العربي مساء الأربعاء، ووصفت إليزابيث ترودو، المتحدثة باسم الخارجية الأميركية، تلك التحركات الإيرانية بأنها غير آمنة وغير مهنية وغير مقبولة، فيما أشار مسؤولون بالبنتاغون إلى أن البحرية الأميركية أطلقت طلقات تحذيرية للسفن الإيرانية، التي اقتربت إلى حدود 200 ياردة من السفن الأميركية في شمال الخليج العربي.
وقال البنتاغون، أمس الخميس، إن أربع سفن إيرانية قامت بمناورات «متهورة» بالقرب من سفن حربية أميركية، وأشار المسؤولون العسكريون بالبنتاغون إلى أن هذه التصرفات تشكل تصعيدا خطيرا. وقال ويليام إيربن، المتحدث باسم الأسطول الخامس للبحرية الأميركية، إن السفن الإيرانية الأربعة التابعة للحرس الثوري الإسلامي الإيراني اقتربت بسرعات عالية من المدمرة الأميركية عند المياه الدولية بالقرب من مضيق هرمز يوم الثلاثاء الماضي.
وأضاف المتحدث باسم الأسطول الخامس أن السفن الإيرانية تجاهلت الصافرات التحذيرية والضوئية والنداءات المتكررة للابتعاد وتباطأت في سرعتها عندما كانت على مسافة 300 ياردة من السفن الأميركية، ووصف التصرفات الإيرانية بأنها «غير آمنة وغير مهنية». وتعد هذه هي المرة الثانية خلال يومين الذي تتعرض فيه السفن الأميركية لمضايقات من جانب السفن الإيرانية في منطقة الخليج. وأذاعت البحرية الأميركية شريط فيديو يظهر فيه بحار أميركي يطلق مقذوفات نارية ويطلق الأبواق التنبيهية للزوارق الإيرانية التي تقترب من السفن الأميركية، وقال مسؤولون إن السفن الأميركية اضطرت إلى تغيير مسارها لنتجنب الاصطدام بالزوارق الإيرانية، وحذر الأدميرال دون ريتشاردسون من تلك التحرشات الإيرانية في عرض البحر، مشيرا إلى أنها تثير التوترات البحرية.



أمن قمرة القيادة... ما الإجراءات المتّبعة لمنع الطيارين من تهديد سلامة الرحلات؟

تخضع أطقم الطيران لإجراءات أمنية وفحوص دورية تهدف لضمان سلامة الرحلات والحد من المخاطر داخل قمرة القيادة (رويترز)
تخضع أطقم الطيران لإجراءات أمنية وفحوص دورية تهدف لضمان سلامة الرحلات والحد من المخاطر داخل قمرة القيادة (رويترز)
TT

أمن قمرة القيادة... ما الإجراءات المتّبعة لمنع الطيارين من تهديد سلامة الرحلات؟

تخضع أطقم الطيران لإجراءات أمنية وفحوص دورية تهدف لضمان سلامة الرحلات والحد من المخاطر داخل قمرة القيادة (رويترز)
تخضع أطقم الطيران لإجراءات أمنية وفحوص دورية تهدف لضمان سلامة الرحلات والحد من المخاطر داخل قمرة القيادة (رويترز)

أعاد تعرّض قائد طائرة «فلاي دبي»، خلال رحلتها إلى تل أبيب، الأربعاء، لاعتداء من مساعده، التذكير بأن قمرة القيادة مكان بالغ الحساسية فيما يتعلّق بأمن الطيران، فكيف يمكن تجنُّب تحوُّل أحد شاغليها مُنفِّذاً لعملية انتحارية؟

ماذا حصل؟

أظهرت المعطيات الأولية التي أعلنتها الحكومة الإسرائيلية أن مساعد الطيّار في الرحلة من دبي إلى تل أبيب اعتدى، بصورة مفاجئة، على قائد الطائرة، وهي من طراز «بوينغ 737»، خلال تحليقها فوق شمال غربي المملكة العربية السعودية.

وقال رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو لمحطة «سي بي إس» التلفزيونية الأميركية، مساء الأربعاء، إن «أحد مساعدي الطيار طَعَن الطيار الآخر، وهو هندي الجنسية، أو ضربه بفأس»، وفق «وكالة الصحافة الفرنسية».

ومن الإلزامي أن تحوي كل قمرة قيادة فأساً صغيرة مخصّصة لحالات الطوارئ التي قد يحتاج فيها الطيارون إلى قطع شيء.

وبصرف النظر عن الأداة التي استخدمها الجاني وطريقة تنفيذه اعتداءه، تمكّن أفراد الطاقم من السيطرة عليه، ومن الهبوط بالطائرة اضطرارياً في مطار تبوك السعودي، في حين نُقل الطيار المعتَدى عليه إلى المستشفى وهو خارج دائرة الخطر.

وباشر القضاء الإماراتي تحقيقاً في واقعة طائرة «فلاي دبي» واحتمال ارتباطها بـ«نشاط أو غرض إرهابي»، في حين كان نتنياهو جازماً إذ أشار إلى تفادي اصطدام «آخَر من نوع 11 سبتمبر (أيلول)» عام 2001.

كيف يجري تفتيش الطيارين في المطارات؟

من حيث المبدأ، تنطبق على أفراد الطاقم إجراءات السلامة نفسها التي تهدف إلى التأكد من أن الركاب لا يحملون أي شيء يمكن أن يهدد أمن الطائرة. ولا يمكن للطيارين أن يتجنبوا هذه الإجراءات.

وتبعاً لحجم مطار الإقلاع، يمرّ الطيارون إما عبر نقاط التفتيش نفسها التي يمرّ عبرها الركاب، أو يسلكون مسارات مخصصة لهم. ويُفترض أن تتيح هذه المرحلة رصد أي سلوك غير طبيعي، كأن يكون الطيار ثملاً أو متوتّراً بشكل غير مألوف. كذلك تُفحص بالأشعة السينية حقائب اليد التي يُبقيها الطيارون داخل المقصورة، ويمرّون عبر بوابات الكشف عن المعادن.

وتُعدّ إسرائيل وجهة حساسة من حيث أمن الطيران منذ عمليات خطف بعض الطائرات أو عمليات مهاجمة عدد آخر في سبعينات القرن العشرين، مما يفرض مستوى عالياً من اليقظة اعتاده مطار كبير ومرموق كمطار دبي.

ما التدابير المتخَذة لمنع دخول قمرة القيادة؟

في 11 سبتمبر 2001، تمكّن ركاب رحلات داخلية أميركية من أن يستولوا بسهولة كبيرة على قيادة طائرات مدنية، بهدف تنفيذ عمليات منسّقة. ومنذ ذلك الحين أصبح دخول قمرة القيادة أكثر صعوبة، إذ يستطيع الطيارون، إذا أُبلغوا بوجود تهديد مصدره مقصورة الركاب، أن يوصدوا بإحكامٍ الباب الذي يكون دائماً مدرّعاً.

وهذه المرة، جاء التهديد من داخل قمرة القيادة نفسها، وهو وضع نادر جداً، فقد تمكّن الطيار المعتَدى عليه الهندي سميت ماشار، وفقاً للروايات الأولية، من فتح باب قمرة القيادة، ما جعل زملاءه يتنبهون لما يحصل، وأتاح للركاب وأفراد الطاقم إنقاذ الطائرة، وهذا ما جعل رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي يصفه بأنه «بطل».

كيف تتأكد شركات الطيران من أن طياريها غير خطِرين؟

هذه المسألة هي الأكثر صعوبة؛ لأنها تتطلب اكتشاف خطر قد لا تَظهر سلفاً أي مؤشرات واضحة على وجوده، بل قد يبرز فجأة دون سابق إنذار.

والحالة الأشهر من هذا النوع هي تحطُّم طائرة تابعة لشركة «جيرمان وينغز» في جبال الألب الفرنسية عام 2015، وقد تسبَّب به عن سابق تصوّرٍ وتصميم أحد الطيارين. وأظهر التحقيق أن ميولاً انتحارية كانت تطبع شخصية هذا الشاب الألماني البالغ السابعة والعشرين، والذي كان يعاني الاكتئاب، لكنها لم تكن بادية بقدر كاف لدى الشركة التي كان يعمل لحسابها.

ودفعَ هذا الحادث، الذي أودى بحياة 150 شخصاً، شركات الطيران في مختلف أنحاء العالم إلى إدراك ضرورة المتابعة اللصيقة للصحة النفسية لأفراد الطاقم. إلا أن هذه الشركات لا تُفصح كثيراً عن الإجراءات التي تتخذها في هذا المجال؛ لأسباب مختلفة، منها متطلبات السرية.


أمن الطيران بعد 11 سبتمبر: كيف يُفتح باب قمرة الطائرة في الطوارئ؟

صورة من قمرة طائرة منطادية (ويكيبيديا)
صورة من قمرة طائرة منطادية (ويكيبيديا)
TT

أمن الطيران بعد 11 سبتمبر: كيف يُفتح باب قمرة الطائرة في الطوارئ؟

صورة من قمرة طائرة منطادية (ويكيبيديا)
صورة من قمرة طائرة منطادية (ويكيبيديا)

لم تعد قمرة قيادة الطائرات التجارية مجرد مساحة فنية لإدارة المحركات وتوجيه المسارات، بل تحولت على مدار الربع قرن الأخير إلى ما يشبه الحصن العسكري المعزول سيادياً عن بقية أجزاء الطائرة.

وأعادت الواقعة الأخيرة لرحلة «فلاي دبي» فتح التساؤلات العميقة حول الهندسة الأمنية والقوانين الصارمة التي تحكم الدخول إلى هذا الجيب الاستراتيجي المعلق في السماء.

في عالم ما بعد هجمات الحادي عشر من سبتمبر (أيلول) 2001، تبدلت فلسفة الطيران المدني بالكامل، إذ استُبدلت الأبواب الخشبية الواهية بدروع مصفحة مقاومة للرصاص والانفجارات، وصيغت تشريعات دولية تحظر أي تواصل فيزيائي غير مصرح به بين الركاب وطاقم القيادة.

فما هي القوانين الدولية التي نظمت هذا التحول الجذري، ومن يملك الحق القانوني في تجاوز العتبة المحصنة، وكيف يُدار لغز فتح الباب المغلق من الداخل أو الخارج أثناء الأزمات؟

 

صورة من قمرة طائرة بوينغ 737-400 (ويكيبيديا)

الثورة التشريعية لما بعد سبتمبر وصناعة الدرع الفولاذي

قبل خريف عام 2001، كان نظام الأمان المحيط بقمرة القيادة مرناً إلى حد كبير، إذ كان بإمكان المسافرين، وخاصة الأطفال، زيارة الطيارين وتبادل الحديث معهم في أوقات الطيران المستقر كنوع من الترحيب. لكن اختطاف أربع طائرات تجارية وتحويلها إلى قنابل موجهة صدم العالم ودفع منظمة الطيران المدني الدولي (ICAO) بالتنسيق مع إدارة الطيران الفيدرالية الأميركية (FAA) ووكالة سلامة الطيران الأوروبية (EASA) إلى صياغة الملحق السادس من اتفاقية شيكاغو للطيران المدني، والذي فرض تعديلات هيكلية إلزامية على جميع الطائرات التي تزيد سعتها عن ستين راكباً. قضت هذه القوانين الصارمة بإعادة تصميم أبواب قمرات القيادة بالكامل لتصبح مقاومة للمقذوفات النارية والشظايا والانفجارات والقنابل اليدوية الصغيرة، وتتحمل صدمات فيزيائية هائلة تمنع أي محاولة لاقتحامها بالقوة الغاشمة.

ولم يتوقف الأمر عند التدريع المعدني، بل أُلزمت شركات الطيران بنظام إغلاق إلكتروني تلقائي يظل مقفلاً بشكل دائم طوال فترة الرحلة منذ لحظة إغلاق أبواب الطائرة الرئيسية على المدرج وحتى فتحها في وجهة الوصول، مما جعل القمرة بمثابة قلعة مستقلة بذاتها لا يمكن اختراقها من الخارج.

 

جغرافيا الصلاحيات ومن يملك حق العبور العتبة؟

تحدد القوانين الدولية بصرامة بالغة هوية الأشخاص الذين يُسمح لهم بعبور عتبة القمرة المحصنة أثناء الطيران، وتضيق هذه الدائرة إلى حد كبير لمنع أي ثغرة أمنية. يقع الحق الأول والمطلق لقائد الرحلة (Captain) ومساعده (First Officer) المعينين رسمياً لتشغيل الطائرة، بالإضافة إلى أفراد الطاقم الإضافيين في الرحلات الطويلة الذين يتناوبون على القيادة. ولا يملك أي راكب، مهما بلغت درجته في السفر أو نفوذه السياسي أو المالي، الحق في طلب الدخول أو حتى الاقتراب من المنطقة العازلة المحيطة بالباب.

أما الفئة الثانية التي ينظم القانون دخولها فتشمل المفتشين الجويين التابعين لهيئات الطيران الوطنية الذين يحملون بطاقات تفويض رسمية لمراقبة أداء الطاقم، أو مهندسي الطيران التابعين للشركة بشرط وجود حاجة تقنية ماسة يوافق عليها القبطان مسبقاً.

وبالنسبة لأفراد ضيافة الطائرة، فإن دخولهم لا يتم بصفة دائمة بل يخضع لبروتوكول خدمة وتفتيش دقيق ومعقد، حيث يمنع القانون وجود أي شخص في القمرة بخلاف هؤلاء، وتعتبر أي محاولة لتجاوز هذه الحدود جريمة فيدرالية تندرج تحت بند التهديد الإرهابي والتدخل غير المشروع.

صورة من قمرة طائرة إيرباص A320 (ويكيبيديا)

لغز «فلاي دبي» وكيف اخترق الذعر جدار القمرة؟

أثارت الحادثة المرتبطة برحلة «فلاي دبي» جدلاً واسعاً حول كيفية وصول التوتر أو الركاب إلى مسافة قريبة من القمرة دفع الطيارين لتفعيل الرموز التحذيرية المركبة.

تشير الأعراف الملاحية والتحقيقات الأولية في مثل هذه الحالات إلى أن الركاب لا يدخلون القمرة عبر كسر الباب المصفح، فالأبواب الحديثة مصممة هندسياً لمنع ذلك تماماً، ولكن الأزمة تبدأ غالباً في مقصورة الركاب الأمامية الخاصة بدرجة رجال الأعمال (Business Class) أو الممر المؤدي إلى دورة المياه الأمامية المحاذية للمطبخ وقمرة القيادة.

عندما يبدي أحد الركاب سلوكاً عدوانياً غير منضبط، أو يحاول الاندفاع نحو الممر الأمامي في توقيت متزامن مع خروج أحد الطيارين لقضاء حاجة بيولوجية، ينشأ ما يُعرف بـ«التهديد الوشيك».

في هذه اللحظة، تلجأ المضيفات إلى إطلاق صيحات التحذير واستخدام أجسادهن أو عربات الضيافة كحواجز فيزيائية مؤقتة لمنع الراكب من التقدم، بينما يقوم الطيار الموجود في الداخل بإغلاق الباب فوراً وحصاره إلكترونياً، مما يجعل الأزمة تدور خارج جدار القمرة المصفح لكنها تستدعي تفعيل الرموز التحذيرية نظراً لوجود مهدد أمني على بعد سنتيمترات قليلة من قمرة القيادة.

آليات التحكم الرقمي وكيف يُفتح الباب المغلق؟

يرتكز نظام إدارة أبواب الطائرات الحديثة، مثل «بوينغ» و«إيرباص»، على مفتاح تحكم ثلاثي المستويات يقع في المنصة المركزية لقمرة القيادة تحت السيطرة المباشرة للطيارين، ويحتوي على ثلاثة خيارات أساسية وهي: الإغلاق التام (LOCK)، والوضع التلقائي العادي (NORM)، ووضع السماح بالدخول (UNLKD). في الحالة الطبيعية، يكون المفتاح على الوضع التلقائي، مما يعني أن الباب مغلق بإحكام ولا يمكن فتحه بمجرد سحب المقبض الخارجي. إذا أراد أحد أفراد طاقم الضيافة الدخول لأمر روتيني كتقديم الطعام، يقوم باستخدام لوحة مفاتيح رقمية (Keypad) مثبتة خارج الباب، حيث يدخل رمزاً سرياً مخصصاً يطلق نغمة صوتية وإشارة ضوئية داخل القمرة.

ينظر الطيارون إلى الكاميرات الأمنية الخارجية للتحقق من هوية المضيفة، فإذا كان الوضع آمناً، يحركون المفتاح يدوياً إلى وضع السماح بالدخول (UNLKD) لعدة ثوانٍ ليفتح الباب إلكترونياً.

أما إذا استشعر الطيارون أي خطر أو لاحظوا وجود شخص غريب خلف المضيفة، فإنهم يحركون المفتاح فوراً إلى وضع الإغلاق التام (LOCK)، وهو إجراء يلغي فعالية اللوحة الرقمية الخارجية تماماً ويمنع فتح الباب لمدد زمنية متجددة تصل إلى عشرين دقيقة حتى لو أُدخلت الرموز الصحيحة.

الطوارئ القصوى وبروتوكول تجاوز عجز الطاقم

وضعت تشريعات السلامة الدولية سيناريو شديد الندرة والخطورة، وهو تعرض الطيارين معاً لحالة عجز طبي مفاجئ (كفقدان الوعي بسبب نقص الأكسجين أو التسمم الغذائي) مما يجعلهم غير قادرين على الاستجابة للنداءات الأرضية أو نغمات طلب الدخول من طاقم الضيافة. لمواجهة هذا المأزق، يتضمن النظام الرقمي للباب كود طوارئ سري للغاية (Emergency Access Code) لا يعلمه إلا رئيس طاقم الضيافة. عند إدخال هذا الكود الخاص بالطوارئ القصوى في اللوحة الخارجية، يبدأ نظام الطائرة عداً تنازلياً صوتياً وبصرياً داخل القمرة يستمر لمدة تتراوح بين 30 إلى 60 ثانية.

صُمم هذا التأخير الزمني لمنح الطيارين فرصة لرفض الدخول إذا كان هناك خاطف يحاول استخدام الكود بالقوة، فإذا كان الطيارون في وعيهم ورفضوا الأمر بالضغط على (LOCK)، يظل الباب مغلقاً. أما إذا التزم الطيارون الصمت التام ولم يضغطوا على أي زر طوال فترة العد التنازلي بسبب عجزهم الطبي، يفترض النظام الإلكتروني وجود كارثة صحية داخل القمرة، ويقوم بفتح القفل التلقائي لمدة خمس ثوانٍ فقط، مما يسمح للمضيفين بالدخول لإنقاذ الطائرة والركاب وتولي السيطرة.

 

خط الدفاع البشري: بروتوكول التقييد وأدوات السيطرة في المقصورة

لا تتوقف هندسة الأمن الجوي عند التدريع الفولاذي لأبواب قمرة القيادة، بل تمتد لتشمل تدريب طواقم الضيافة بصفتهم «خط الدفاع البشري الأول» المؤهل للتعامل الفوري مع الركاب المشاغبين أو الذين يشكلون تهديداً أمنياً وشيكاً. ووفقاً للوائح المنظمة الدولية للنقل الجوي (IATA)، يخضع أفراد الضيافة لتدريبات مكثفة على تقنيات الدفاع عن النفس وإدارة الأزمات السلوكية الحادة فوق السحاب. وفي حال فشل محاولات التهدئة اللفظية وتصاعد سلوك الراكب إلى مرحلة الخطر الفيزيائي، يُفعل الطاقم بروتوكول السيطرة القسرية باستخدام أدوات تقييد قانونية معتمدة تحتفظ بها الطائرات التجارية في مقصوراتها بانتظام، مثل الأصفاد البلاستيكية المرنة شديدة التحمل (Flex-Cuffs) أو أحزمة التثبيت القماشية المعززة. يُثبت الراكب المشاغب بموجب هذا الإجراء في مقعده بشكل محكم يمنعه من الحركة أو التقدم نحو الممرات الأمامية، ويظل تحت رقابة لصيقة من الطاقم حتى تلامس الطائرة الأرض، حيث يُسلم فوراً إلى السلطات الأمنية وقوات إنفاذ القانون المرابطة على المدرج لمواجهة عقوبات جنائية دولية صارمة.


بريطانيا تتهم الصين باستغلال أكاديميين للتجسس على أبحاث الذكاء الاصطناعي وتقنيات حساسة

العلمان الصيني والبريطاني يظهران خلال محادثات حول الطاقة في بكين (أ.ب)
العلمان الصيني والبريطاني يظهران خلال محادثات حول الطاقة في بكين (أ.ب)
TT

بريطانيا تتهم الصين باستغلال أكاديميين للتجسس على أبحاث الذكاء الاصطناعي وتقنيات حساسة

العلمان الصيني والبريطاني يظهران خلال محادثات حول الطاقة في بكين (أ.ب)
العلمان الصيني والبريطاني يظهران خلال محادثات حول الطاقة في بكين (أ.ب)

في تصعيد جديد للتحذيرات البريطانية بشأن أنشطة التجسُّس الصينية، اتَّهم جهاز الاستخبارات الداخلية البريطاني (MI5) منظمةً صينيةً بتمويل أبحاث أكاديمية في بريطانيا، في مجالات تقنية حساسة، من بينها الذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني، لمصلحة جهاز أمن الدولة الصيني.

وقال الجهاز، في تحذير أصدره يوم الأربعاء، إن المنظمة الصينية المعنية تربطها علاقات وثيقة بوزارة أمن الدولة الصينية (MSS)، وإن الأبحاث التي موَّلتها يمكن أن تسهم بصورة مباشرة في تعزيز القدرات التقنية لأجهزة الاستخبارات في بكين، وفقاً لشبكة «سي إن إن».

وفي «تنبيه بشأن التجسُّس»، أفاد جهاز «MI5» بأن أكثر من 100 أكاديمي مقيم في المملكة المتحدة شاركوا في مشاريع موّلتها منظمة «معهد الصين العام لأبحاث التكنولوجيا» (CGTRI)، التي قال الجهاز إنها تتمتع بـ«علاقات وثيقة للغاية» مع وزارة أمن الدولة الصينية، وهي جهاز الاستخبارات المدني في بكين.

وجاء في التحذير: «لقد رصد جهاز MI5 أن الغرض الأساسي من معهد (CGTRI) هو تمويل أبحاث أكاديمية تعزِّز بشكل مباشر القدرات التقنية لوزارة أمن الدولة (MSS) في مجال التجسُّس».

وأضاف الجهاز أن أكاديميِّين بريطانيِّين شاركوا في مشروعات موّلتها المنظمة وتناولت موضوعات تشمل «الذكاء الاصطناعي، والأمن السيبراني، وأنظمة الاتصالات السرية، وتقنيات إخفاء المعلومات».

وأشار التحذير إلى أن هذه الأنشطة «تدعم عمليات التجسُّس التي تقوم بها وزارة أمن الدولة الصينية، مما يُشكِّل تهديداً للأمن القومي للمملكة المتحدة».

ويقصد بـ«إخفاء المعلومات (Steganography)» تقنية تُستخدَم لإخفاء بيانات داخل رسائل أو ملفات أو وسائل أخرى.

ويُعدُّ هذا التحذير تطوراً لافتاً في تعامل الاستخبارات البريطانية مع ما تصفها بالتهديدات المرتبطة بأنشطة التجسُّس الصينية، إذ قال جهاز «MI5» إنه المرة الأولى التي يصدر فيها، بشكل مستقل، تنبيهاً عاماً من هذا النوع.

ويأتي التحذير في وقت تزداد فيه الاتهامات البريطانية المتعلقة بأنشطة التجسُّس الصينية، كما يسلط الضوء على التوتر القائم بين المخاوف الأمنية في المملكة المتحدة من جهة، ومساعي الحكومة البريطانية إلى الحفاظ على علاقات مع بكين وتعزيز التعاون معها من جهة أخرى.

الصين ترفض الاتهامات

في المقابل، رفضت السفارة الصينية لدى بريطانيا الاتهامات البريطانية، ووصفتها بأنها «خيالية، ومختلقة تماماً».

وقال متحدث باسم السفارة، في بيان، إن بلاده «تعارض بشدة مثل هذه المزاعم التي لا أساس لها من الصحة»، مضيفاً أن السفارة قدَّمت «احتجاجاً رسمياً وشديد اللهجة إلى الجانب البريطاني».

وتابع المتحدث: «نحث أجهزة الاستخبارات البريطانية على الكفِّ عن نشر الأكاذيب، والتوقف عن تقويض التبادلات التعليمية والتعاون البحثي بين الصين والمملكة المتحدة».

وزير بريطاني يتعهد باتخاذ «إجراءات صارمة»

وفي سياق متصل، ذكر جهاز الاستخبارات الداخلية البريطاني أن كثيراً من الأكاديميين والمؤسسات ربما تعاملوا بحُسن نية مع منظمة (CGTRI)، التي تُترجم أحياناً باسم «الأكاديمية الصينية للتكنولوجيا العامة (CAGT)»، من دون أن يكونوا على دراية بصلاتها الوثيقة بوزارة أمن الدولة الصينية.

غير أن الجهاز حذَّر من أنَّ مواصلة التعامل مع المنظمة قد تعرِّض المعنيين لخطر الملاحقة القضائية بموجب «قانون الأمن القومي» البريطاني، الذي أُقرَّ عام 2023 ومنح السلطات صلاحيات أوسع للتصدِّي لأنشطة التجسُّس الأجنبي والأعمال المرتبطة بالدول التي تعدُّها بريطانيا معادية.

وقال وزير الأمن البريطاني، دان غارفيس، إنه وجَّه رسائل إلى جميع رؤساء الجامعات في بريطانيا، لضمان إنهاء الموظفين أي علاقة لهم بالمنظمة الصينية.

وأضاف في بيان: «يكشف هذا التحذير عن محاولات تقوم بها الاستخبارات الصينية للاستفادة سراً من خبرات وأبحاث أكاديميينا، مما يقوض أمننا القومي وأمن حلفائنا».

وتابع: «تُعدُّ الشراكات الدولية أمراً حيوياً لضمان استمرار ازدهار جامعاتنا ومعاهدنا البحثية، لكننا سنتخذ إجراءات صارمة للتصدي للتهديدات التي نواجهها».