دروب شائكة نحو السعادة

هل هي موجودة فعلاً أم محض وهم؟ أم يجب علينا التوقف عن السعي إليها؟

دروب شائكة نحو السعادة
TT

دروب شائكة نحو السعادة

دروب شائكة نحو السعادة

رغم أن السعادة قد ظلت على مر التاريخ، مطلبا بشريا يتخلل كل الفكر الإنساني ومنجزاته، باعتبارها الهدف الأسمى وغاية الغايات، فإنها، في المقابل، ظلت مفهوما عصيا على البحث، وعسيرا على التقصي. ولا أدل على ذلك، من أن هذا المفهوم لا يتوفر على تعريف جامع مانع له. لهذا ظل المشتغلون به، متفرقين حول المعنى الحقيقي للسعادة والطرق الموصلة إليها. إذ تكفي إطلالة على الحكم الشرقية القديمة، كالبوذية والطاوية والكونفشيوسية، مرورا باللحظة الإغريقية ومجمل الفكر الغربي واللاهوتي، الذي اشتغل على هذا المفهوم، لنكتشف حجم التناقض والاختلاف القائم بين هذه المرجعيات، رغم اشتراكها جميعا في شيء واحد، هو الرغبة في الإمساك بهذا المفهوم الغامض داخل التشابكات التي تحيط به.
لا يشذ عصرنا عن العصور السابقة، في سعيه نحو السعادة. فسؤالها لم يزل مطروحا بحدة تضاهي العهود السالفة أو أكثر، خاصة أن هذا العصر المتسم بالتعقيد، قد جعلنا نتيه في بحثنا عنها، وأضاع كل أملنا في نيلها، حتى أصبح الحديث عنها نوعا من العبث وضربا من السخافة. وهذا أمر مبرر، بما أن الإنسان المعاصر، يعيش في عالم متطلب وسط زخم التقنية، وإغراء الاقتصاد، وتراجع القيم، وتفكك الأسرة، وتدمير البيئة وغير ذلك. وبالتالي، فعالمنا، رغم كل التقدم الحاصل فيه مقارنة بالماضي، لم يفلح في مدّنا بالوسائل والأدوات الأساسية التي من شأنها مساعدتنا على نيل تلك الحياة الطيبة الهادئة التي نحلم بها. فأصبح الإنسان المعاصر أكثر بحثا عن السعادة، وأكثر بعدا عنها في نفس الوقت، حيث أنهكه الواقع، وضاقت به دروب الحياة، وعم داخله الضجر والتعب، في عالم فقد المعنى، وسقطت فيه كل مرجعية دينية أو وطنية. وبالتالي، فبدلا من أن نقترب من السعادة، تهنا خلف أبوابها الموصدة ودروبها الملتوية. وهي الأبواب التي أحاول طرقها هنا، سائلا إياها عن الوعود التي تقدمها لنا باعتبارها سعادة.
* السعادة ودفء الحياة الروحية
عصرنا هو عصر شك وتقصٍ، حيث لا يقبل مبدأ أو رأي دون أن يمر من مدماك النقد والتحليل. مع العلم أن مجال الروحانيات، هو المجال الذي انهالت عليه مطارق الشك، منذ أن أصبح عقيدة مع الفيلسوف الفرنسي روني ديكارت، ومن بعده باروخ اسبينوزا، وأخيرا إيمانويل كانط، الذي رمى بالروح إلى غياهب المجهول وجعل بينها وبين العقل جدارا سميكا يصعب اختراقه، فأصبح كل مذهب روحاني مدعاة للسخرية أكثر منه مدعاة للإيمان. أما اليوم، فقد صار صوت الإلحاد يصدح في كل اتجاه، بل من الفلاسفة من صار يدافع عنه كطريق للخلاص، (ميشيل أونفراي، أندري كونت سبونفيل، ريتشارد داوكنز). أما الأديان، وخاصة السماوية، مثل المسيحية التي كانت خلاصا، فقد أصبحت سبة، لأنها ربطت سعادة الإنسان بعالم آخر مفترض، تتأسس فيه الحياة بعد الموت، وتضيع فيه الحياة من أجل الموت. وقد ضربت في وجودها عقائد قديمة كانت تؤمن بسعادة على الأرض، ترجع إلى الإنسان وعلاقاته بذاته وبالآخرين. هكذا أصبح الإنسان المعاصر شكاكا مرتابا، ينخره فراغ قاتل ووحدة قاسية، من عالم لا يؤمن بشرق أو غرب، ولا يعترف بتمثلاتنا حوله. وبالتالي، فالروحانيات التي كانت طريق الإنسان نحو السعادة، قطعتها فلسفات الشك، كما يسميها الفيلسوف الفرنسي بول ريكور.
* السعادة وحياة الملذات
النقاش حول السعادة واللذة قديم جدا. فقد تعرض اليونان لهذا الإشكال بشكل مسهب، حين حذر أفلاطون من مخاطر اللذات، وأعلى أرسطو من حياة الحكمة في مقابل اللذة الحسية، في حين دافعت الرواقية عن الأخلاق. ورغم أن الأبيقورية قاست الحياة السعيدة بمقدار انغماسنا في حديقة المتع، فإنها دعت في المقابل، إلى عدم الإسراف فيها، واتباع منهج التعقل، حتى لا تتحول اللذة إلى ألم والمتعة إلى شقاء. هذه الأصوات الحكيمة، لا تجد اليوم صدى. فقد عادت اللذة لتخترق الحكمة، بعدما أظهرت الداروينية طبيعتها وأصالتها فينا. وبين فرويد أنها المحرك الفعلي لفعلنا وسلوكنا، فأصبح الإنسان اليوم، محاطا باللذات، وأضحت سعادته مرهونة بحجم اللذات التي ينعم بها: أكل، وشرب، ونوم، وجنس، وسفر، وخمر وغير ذلك. في وقت أصبح فيه كبح جماح اللذات سلوكا محتقرا، انتشرت أندية المتع، وصارت رمزا للسعادة وميزة للعصر. وهي أندية يمكن أن نقول عنها إنها أندية للفرح وللذة وللاستمتاع. لكنها أبعد بسنوات ضوئية عن السعادة كإحساس دائم لا ينقطع، لأنها تستهلك نفسها بمقدار استهلاكنا لها. فكل لذة مشبعة تترك مكانها لأخرى غير مشبعة، كما يوضح شوبنهاور، لتولد بانطفائها ألما بالغا، فتتحول إلى حياة ملؤها الإدمان والاكتئاب والعزلة والانتحار والأمراض الجنسية، في احتفالية كبيرة بمشهد الجنس. وهذا ما نبهت إليه الباحثة والطبيبة الأميركية ميريام غروسمان، في كتاب بعنوان «الإباحية ليست حلا، أجيال في خطر»، حيث أشارت إلى أن حياة الجنس قد أصبحت تجد آيديولوجيا متكاملة، بعيدة كل البعد عن العلمية، تغذي تمثل الشباب الأميركي للجنس، الذي أضحى أكثر إصابة بالمشاكل النفسية الخطيرة، بسبب الغرق في الاستقلالية، وطغيان الهوية الجنسية والعلاقات، وزمالة السكن، في غياب حس أخلاقي يقاوم ذلك. وهي ظاهرة لا تمس الشباب الأميركي فقط، بل أصبحت ظاهرة عامة.
* السعادة وحضن الجماعة
ارتبطت السعادة في الكثير من المرجعيات الفلسفية، بالإنسان في علاقاته بالآخرين، وقدرته على الأخذ والعطاء، حيث يحصل الفرد على العطف والحنان، وينعم بدفء الجماعة. هنا يمكن أن نعود إلى العقيدة البوذية التي لا تتحقق عندها السعادة إلا للسعادة داخل جماعة «السانغا». فالسعادة الفردية غير موجودة في الواقع. لكن في مقابل ذلك، يلوح عندي التأمل الأليم الذي يورده الفيلسوف الفرنسي غاستون بيرجي، في كتابه من «القريب إلى الشبيه»، عندما أبرز بأن قدر الإنسان هو أن يكون وحيدا، أن يحيا لوحده ويتأمل لوحده، محكوم عليه بأن لا يشبع أبدا رغبته في التواصل. قدرنا هو أن نعيش معزولين أكثر من أن نعيش وحيدين. وبالتالي، فعزلتنا تبقى مستمرة مهما انخرطنا في الجماعة. لأن أي تواصل بيننا يبقى ناقصا، إن لم نقل معدوما، بتعبير بيرجي، دائما. ألم يقل الدالاي لاما، في كتابه الصادر أخيرا: «فن السعادة» «The art of happiness»، إنه إذا أردنا أن نكون سعداء، فلنبتعد عن الزواج وإنجاب الأولاد؟ ذلك أن ارتباطنا الشديد بهم، سيجعلنا بعيدين عن السعادة في حال فقدان فرد منهم. فحياة العزلة، هي الوحيدة التي يمكن أن تجعلنا سعداء. بذلك فحضن الجماعة قد يكون سبيلا نحو السعادة، بقدر ما قد يصبح طريقا نحو الجحيم.
* السعادة من منظور طبي
انخرط مجال الطب بدوره، في سباق محموم نحو جعل الإنسان أكثر سعادة. فبحث في أعماق وعي الإنسان عن الموصلات العصبية المتحكمة في السعادة، وحاول اكتشاف كيميائها، كما بحث أجدادنا عن الوصفة الذهبية لكيمياء الذهب، ولكنهم لم يعثروا على أي شيء. ما الذي يقدمه الطب عن السعادة؟
يقول الطب الدماغي، بأن هناك جزيئات موجودة في المخ تلعب دورا مهما في توازننا الشخصي. وهي تضطرب بسبب سوء التغذية وتدفق العواطف، وكذا نقص النوم، حيث إن الدوبامين، وهو عبارة عن مادة كيميائية، تساعد على التحفيز والتذكر. في حين أن مواد أخرى كالسيروتونين، تتسبب في الراحة واستقرار المزاج والإبداع والمرح. إلا أن هذه الكيمياءات جميعها، تظل سيفا ذا حدين. فهي يمكن أن تؤدي وظيفتها بشكل مبهر في حالة توازنها، لكن إذا اختل هذا التوازن لأي سبب من الأسباب، فإنها تؤدي إلى نتائج عكسية، حيث تبرز مشاعر العصبية ونقص الثقة بالنفس، بالإضافة إلى الرعب المرضي والكدر والاكتئاب. ما يعني أن توازن هذا النظام يبقى مرتبطا بتصرفاتنا وتغذيتنا وطرق حياتنا. ومن ثم فالطب، وإن وضح الصيرورة الدماغية لحدوث السعادة، فإنه لا يرينا الطريق الملكي كي نكون سعداء. أما الطب النفسي، الذي صار يقدم تمارين مهمة جدا في تحصيل الهدوء والطمأنينة، ويحقق نتائج مبهرة في ذلك، فهو بتركيزه على الذات، لا يوفق في منحنا السعادة المأمولة، لأن هذه الذات، تعيش داخل صيرورة اجتماعية وسياسية لا بد أن تؤثر في سعادتنا بشكل أو بآخر.
لا بد أن الدروب الملتوية للسعادة، قادرة على أن تزرع في أنفسنا الشك والارتياب. فهل السعادة موجودة بالفعل أم محض وهم؟ هل يجب أن نتوقف عن السعي خلفها؟ بالتأكيد يظل مبحث السعادة جديرا بالاهتمام لأنه يمس كينونة الإنسان. ورغم أن هذا المبحث هو أقرب إلى الميتافيزيقا، فإنه مع ذلك، يظل في ارتباط بالواقع. ويمكن أن تكون السعادة بعيدة عنا يصعب الإمساك بها، إلا أن إحساسنا وتفاؤلنا بقربها منا، هو الذي يغذي هذه الرغبة الدفينة، في نيل تلك البهجة العظيمة.

* أستاذ الفلسفة - المغرب



الجيل الضائع في باريس

فيتزجيرالد وزوجته
فيتزجيرالد وزوجته
TT

الجيل الضائع في باريس

فيتزجيرالد وزوجته
فيتزجيرالد وزوجته

كانوا ثُلة من الكُتّاب، والشعراء، والرسامين، والمصورين، والناشرين؛ جُلّهم من أبناء العالم الجديد في أميركا، وبعضهم من أرواح أوروبا الحالمة. كانوا شباباً تتوهج في مآقيهم أحلامٌ جامحة، أذكياء ومتمردين، لامست شهرة بعضهم الآفاق مبكراً، رغم أن جيوبهم كانت غالباً خاوية من المال، ولكن أرواحهم كانت تفيض بثراءٍ لا ينضب. كبروا في ظلال الحرب العالمية الأولى الكئيبة، فكفروا بيقينيات العالم القديم وقيمه البالية، ونفضوا عن أكتافهم غبار تقاليد الآباء.

وفي صخب عشرينيات القرن الماضي، فتحت باريس لهم ذراعيها كعشيقة سخيّة، لتمنحهم ما قطعوا المحيطات بحثاً عنه: حرية التسكع في أزقتها، وحرية الكتابة بمداد القلب، وحرية العشق العاري من القيود، والشرب حتى الثمالة، والجدل العقيم الذي يمتد حتى يوقظ خيوط الفجر الأولى، وقبل ذلك كله؛ حرية ابتكار طريقة جديدة ومبتكرة لمعانقة الوجود.

أُطلق عليهم لَقب «الجيل الضائع» (The Lost Generation). وهي صياغة لا تنفصل عن الكاتبة جيرترود ستاين، التي أطلقتها كالرصاصة أمام إرنست همنغواي، ليأخذها الأخير ويطير بها إلى الخلود، جاعلاً منها نقشاً استهلالياً لروايته «وتشرق الشمس أيضاً» (The Sun Also Rises)، مانحاً بذلك اسماً لكوكبة كاملة من الكُتاب المغتربين. ولكن، لعلّ هذا الجيل لم يكن ضائعاً بالمعنى الحرفي؛ بل كان جيلاً اقتلع جذوره ليغرسها في تربة أخرى، فكانت باريس هي وطنهم الروحي المختار.

امتدت جغرافية أرواحهم من مقاهي «مونبارناس» النابضة إلى سكون الحي اللاتيني، ومن أشجار حدائق لوكسمبورغ الوارفة إلى ساحة الأوديون، وصولاً إلى ضفاف نهر السين؛ حيث يتنفس حي «سان جيرمان دي بري» سحره العتيق. شوارع معدودة كانت كافية لنسج خيوط حياتهم؛ تربط بين شققهم الباردة، ومراسمهم المكتظة بالفوضى، ومقاهيهم الصاخبة، ومكتباتهم، ومطاعمهم، والفنادق التي كانت تشهد تقاطع خُطى من سيغيِّرون وجه الأدب والفن في القرن العشرين.

سيلفيا بيتش أول من نشر «يوليسيس» في باريس

وفي قلب هذه المجرة المتلألئة، وقف إرنست همنغواي. كان صحافياً رحالة، وملاكماً هاوياً، وصياداً شغوفاً، ونديماً لا يشبع، ولكنه قبل كل شيء كان كاتباً ينسج من عصب الحياة حروفه. لقد جعل من باريس البوتقة الأساسية التي صهرت موهبته الأدبية. وبعد عقود طويلة، سيعود ليبعث ذلك الشباب من رماد الذاكرة في رائعته «وليمة متنقلة» (A Moveable Feast)، التي تُرجمت إلى «باريس: عِيد متنقل». هناك، لخّص عشقه المتجذر لتلك المدينة في عبارات باتت منقوشة في لوح الخلود: «لا نهاية لباريس أبداً»، «أنتِ ملكي، وكل باريس مُلكي»، وتلك الجملة التي تصلح أن تكون شاهدة قبرٍ مجيدة لكل الجيل الضائع: «لكن باريس كانت مدينة طاعنة في القِدَم، بينما كنا نحن في ريعان الشباب». نعم، المدينة العتيقة والشباب الغض، الفقر المدقع والطموح المحلِّق، المخطوطات التي لم تُكتب بعد، واللقاءات التي بدت عابرة في المقاهي؛ لكنها كانت في الحقيقة تكتب التاريخ؛ كل شيء كان يتخلَّق هناك.

وحول همنغواي، كان يحوم سكوت وزيلدا فيتزجيرالد؛ ثنائي يشتعل بالعبقرية بقدر ما يحترق بالصخب والجنون. كان فيتزجيرالد المؤرخ الأكبر لعصر الجاز، راصداً حفلاته الباذخة، وأوهامه اللامعة، وانكساراته المروعة. أما زيلدا، فلم تكن مجرد زوجة تقف في الظل؛ بل كانت كاتبة وفنانة، وواحدة من أكثر الشخصيات توهجاً وتمدداً في عصرها. كانت العلاقة بين همنغواي وفيتزجيرالد مزيجاً متفجراً من الإعجاب المتبادل، ورفقة الدرب، والمنافسة الشرسة، والاستفزاز، والقطيعة المريرة؛ إنها باختصار تلك الصداقة العاصفة التي كان يبدو أن باريس العشرينيات تحتكر سرّ تركيبتها. وكان هناك أيضاً جيمس جويس، الذي كان يعتصر روحه في غرفته ليصيغ عملاً مقدراً له أن يقلب موازين الأدب الحديث رأساً على عقب. ولا يمكن ذكر جويس في باريس دون أن يمر طيف سيلفيا بيتش ومكتبتها الأسطورية «شكسبير أند كومباني».

كانت مكتبة سيلفيا بيتش تقبع في الرقم 12 من شارع الأوديون، على بُعد خطوات من نبض «سان جيرمان دي بري» وفندق «لا لويزيان». لم تكن مجرد مكتبة تبيع الكتب الإنجليزية؛ بل كانت مكتبة إعارة، وصالوناً دافئاً، وصندوق بريد للعابرين، وملاذاً للهاربين من البرد، وبؤرة للِّقاءات الحميمة؛ بل وحتى بنكاً يُقرض الكُتاب المفلسين. بين رفوفها الخشبية، كنت لتلمح طيف همنغواي، وفيتزجيرالد، وإزرا باوند، وتي. إس. إليوت، وجيرترود ستاين، وجويس.

لقد كانت سيلفيا بيتش هي من اجترحت إحدى أكثر الخطوات جرأة في تاريخ الأدب، حين أقدمت على نشر رواية «يوليسيس» (Ulysses) لجيمس جويس في باريس عام 1922، في وقتٍ واجه فيه الكتاب مقصلة الرقابة، ورفض دور النشر في كل مكان آخر. وعلى بُعد أزقة قليلة، كانت جيرترود ستاين وأليس ب. توكلاس تديران صالونهما الشهير؛ ذلك الموقد الآخر لطليعة الإبداع؛ حيث كان الكُتاب والرسامون وهواة جمع التحف يلتقون، يتبادلون نظرات الإعجاب تارة، ويطلقون أحكاماً لاذعة تارة، وأحياناً يحتقر بعضهم بعضاً.

كان إزرا باوند أشبه بجسرٍ عظيم يربط أطراف هذه الجماعة الإبداعية. كان يكتب قصائده ببراعة بالطبع، ولكنه كان يفعل ما هو أعظم؛ كان يغوص في مخطوطات الآخرين، يشذبها من الشوائب، ويُعرّف الكُتاب بعضهم على بعض، ويستميت في الدفاع عن المواهب التي يؤمن بها. إن لمساته السحرية على مخطوطة «الأرض اليباب» (The Waste Land) لتي. إس. إليوت كانت هي الفيصل في خلودها.

أما جون دوس باسوس، صديق همنغواي ورفيق دربه في بعض الأحيان، فقد كان ينتمي هو أيضاً إلى ذلك العالم من الأميركيين الذين اكتشفوا حقيقة بلادهم بوضوحٍ أكبر حين تأملوها من وراء زجاج نوافذ أوروبا. وفي وقتٍ لاحق، جاء جون شتاينبك، الذي كان أصغر سناً وأقل انخراطاً في الدائرة الباريسية الأولى للعشرينيات، ليكمل بطريقته الخاصة هذا الإرث للأميركيين المسحورين بباريس.

ثم أطلّ مان راي، القادم من صخب نيويورك عام 1921؛ مصوراً، ورساماً، ومجرباً، ونديماً للدادائيين والسرياليين. بقدومه، ذابت الجدران الفاصلة بين الأدب والصورة الفوتوغرافية، بين اللوحة والفيلم السينمائي، بين الشعر ونبض الحياة اليومية.

وهنا، يدخل فندق «لا لويزيان» (La Louisiane) واثقَ الخطوة إلى قلب التاريخ، قابعاً في الرقم 60 من شارع السين، عند الزاوية التي يعانق فيها شارع بوسي، في مركز شرايين هذه الجغرافيا الأدبية. كان مسرح الأوديون، وضفاف النهر، والمكتبات، والمقاهي، و«شكسبير أند كومباني» تقع جميعها على مرمى أنفاس قليلة. همنغواي، فيتزجيرالد، باوند، إليوت، دوس باسوس، مان راي، وآخرون... جميعهم ينتمون إلى هذه العائلة الأدبية الكبيرة التي سكنت الحي، حتى وإن كان من ضرب الخيال أن نتصورهم جالسين معاً في اللحظة نفسها حول الزجاجة ذاتها.

أُطلق عليهم لَقب «الجيل الضائع» وهي صياغة لا تنفصل عن جيرترود ستاين التي أطلقتها كالرصاصة في وجه همنغواي


اغترابٌ واندماجٌ: سِكّتان لا تُفضيان إلى أي مكان

اغترابٌ واندماجٌ: سِكّتان لا تُفضيان إلى أي مكان
TT

اغترابٌ واندماجٌ: سِكّتان لا تُفضيان إلى أي مكان

اغترابٌ واندماجٌ: سِكّتان لا تُفضيان إلى أي مكان

على شاطئ البحر، في بلدة بمرفأ صغير اسمها «الحنيّة» بالجبل الأخضر في ليبيا، طلب فجأة ضارب دفٍّ بدوي في حفل عرس من شاب سوري مسيحي، ماروني المذهب، اسمه إميل شيباس، أن يريه كيف يرقصون في الأعراس في البلاد التي جاء منها. وافق الماروني الشاب على الطلب، وعلّم ضارب الدف دقة الدبكة، ونهض ليرقص. كان الشاب الماروني آنذاك قد أصبح تاجراً غنياً، وصل إلى الحنيّة قادماً من بنغازي محمّلاً ببضائع لفرع تجاري استحدثه في سوقها، وأوكل مهمة تشغيله لعمه. وهو يستعد لأداء رقصة الدبكة تساءل في نفسه: هل كان يتغلب على اغترابه برقصة فلاحين؟ وأجاب: «اغترابٌ واندماج: سِكّتان لا تفضيان إلى أي مكان».

ارتأيتُ اختيار هذه الفقرة من رواية «الماروني الشاب» لتكون مفتتحاً لمقالتي، من بين كل الرواية الصادرة حديثاً عن «دار الفرجاني» الليبية، بترجمة من اللغة الإيطالية إلى العربية قام بها السوري معاوية عبد المجيد. الرواية من تأليف كاتب اسمه ألساندرو اسبينا، وصدرت باللغة الإيطالية عام 1971، وهذه المرة الأولى التي تُترجم فيها إلى العربية. وهي صغيرة الحجم، 237 صفحة من القطع الصغير، إلا أنها كبيرة المحتوى عميقة المعنى. وحين نرفع الغطاء عن اسم ألساندرو اسبينا، نكتشف أنه سوري ماروني الأصل والمذهب، اسمه باسيلي شفيق خزّام، وُلد عام 1927 في مدينة بنغازي الليبية، ودرس في إيطاليا وعاد منها للعمل في مصنع نسيج تملكه العائلة، ولم يغادرها إلا في أواخر السبعينيات من القرن الماضي، بعد تطبيق سياسة التأميمات من قبل نظام العقيد القذافي، فهاجر إلى إيطاليا وتُوفي فيها عام 2013.

وهذه الازدواجية في السيرة الذاتية للكاتب هي نفسها التي تسكن بطله الروائي؛ لذلك أرى أن الرواية سيرة روحية وفكرية لألساندرو اسبينا، صاغ فيها أزماته الذاتية وسؤال هويته المركّبة بلغة روائية شفافة وممتلئة بالحنين والتأمل. وهو، في رأيي، ليس بالأمر الفريد؛ إذ يمكن رصد تلك المشاعر في أغلب كتابات وإبداعات الكتّاب الذين يعيشون في المهاجر وبلاد الغربة. ولذلك ليس من المستغرب أن يشعر اسبينا بأنه «غريب في إيطاليا وغريب في الشرق». ورواية «الماروني الشاب» تجسيد حيّ لهذه الحالة من الشعور بالاهتزاز بين ضفتين، والبحث عن معنى للانتماء في عالم يتغيّر بسرعة وتُمزّقه التحولات السياسية. وهذا ما يجعل الماروني الشاب (إميل شيباس) يصل إلى تلك النقطة المحورية في حياته كمهاجر، لدى اكتشافه أن الاندماج والاغتراب سِكّتان لا تفضيان إلى أي مكان.

ألساندرو اسبينا، رغم شهرته الأدبية في إيطاليا وفوزه بعدد من الجوائز الأدبية الكبرى، ظلّ غير معروف في الساحة الثقافية العربية، وهذه المرة الأولى التي يُقدَّم فيها إلينا، وكأنه بذلك يعود إلى لغته الأم. وروايته هذه مميزة على مستوى الشكل والمضمون، ومن السهل تصنيفها تحت خانة أدب ما بعد الاستعمار.

في أدب ما بعد الاستعمار التقليدي غالباً ما يأتي النصّ إما برؤية المستعمِر (بكسر الميم) الذي يركّز على «رسالة التنوير» أو نقد الهامش، وإما برؤية المستعمَر (بفتح الميم) الذي يكتب عن المعاناة والمقاومة. لكن ألساندرو اسبينا فكّك في هذه الرواية هذه الثنائية الحادة. فهو، بصفته كاتباً نشأ في بنغازي ضمن عائلة شرقية مارونية، ويكتب باللغة الإيطالية، استطاع أن ينظر إلى التجربة الاستعمارية بعين متفردة؛ يدرك آليات السلطة الإيطالية، وفي الوقت نفسه يرتبط وجدانياً وجغرافياً وثقافياً بالبيئة المحلية والمجتمع الشرقي. لذلك، بدلاً من الخطاب الآيديولوجي الفاقع، يلجأ بذكاء وجمال إلى التحليل النفسي والاجتماعي؛ أي إلى التدقيق التاريخي المجهري، بالتركيز على تفاصيل حياة تاجر شاب مغترب.

وصل الشاب الماروني إميل إلى بنغازي قادماً بشحنة من ميناء الإسكندرية ليبيعها فيها، طامحاً إلى أن يبني مستقبلاً تجارياً، فوجدها تتهيأ لمقاومة غازٍ إيطالي قادم على ظهر بوارج حربية. لكن الحرب وانعكاساتها لم تقف حاجزاً بينه وبين تحقيق هدفه التجاري. فالشاب الماروني يجيد التحدث مع السكان بلسانه العربي، ويتعبّد في الوقت ذاته بدين الإيطالي الغازي. وكان سميرت أفندي، التاجر رفيقه في الرحلة من الإسكندرية، جسره الذي رمته المصادفة في طريقه، وعبره وصل إلى تجار المدينة وأهلها. وسميرت أفندي مات مشنوقاً فيما بعد على أيدي الإيطاليين.

نحن حقاً أمام روائي متميز، يغزل نسيج أحداثه بدقة وجمال، مستفيداً من الوثائق التاريخية، ويشيّد أمامنا عالماً روائياً آسراً. تبدأ الرواية من حدث صغير في إيطاليا، وتنتهي في منطقة برقة نهاية تراجيدية. هنا تحديداً أرى أن العنوان «الماروني الشاب» مُضلِّل بعض الشيء؛ فالبطل الحقيقي للرواية، في تقديري، هو ضابط إيطالي اسمه مارتيلو، يختفي فجأة في مقبرة إغريقية، ويُعَدّ مفقوداً في سجلات القيادة العسكرية الإيطالية. واختفاؤه دون تفسير قاطع يتحول إلى استعارة للمصير الغامض الذي ينتظر كل من يقف على الحدود بين ضفتين؛ فكما يذوب مارتيلو في تراب الأرض التي جاء ليستعمرها، يذوب إميل شيباس بين هُويتين لا تمنحانه انتماءً كاملاً لأيّ منهما. وبهذا يصبح اختفاء الضابط هو المفتاح الرمزي الحقيقي للرواية.

قد أفشل في تعريف «الملحمة»، لكني متى عثرتُ بواحدة أعرفها. وقد أُخفق في تعريف «الرواية»، لكني متى قرأتُ واحدة أتبيّنها. ورواية «الماروني الشاب» ملحمة روائية بامتياز، وهي في نفس الوقت تضعنا أمام سؤال هويتها ذاتها: هل تنتمي لنا ولأدبنا كما ينتمي كاتبها، أو أنها تنتمي إلى اللغة التي كُتبت بها والبلد الذي اختاره كاتبها مقراً ومستقراً للعيش ودُفن فيه؟

* كاتب ليبي


الأرض تواجه الغرباء... في «حوض ريان»

الأرض تواجه الغرباء... في «حوض ريان»
TT

الأرض تواجه الغرباء... في «حوض ريان»

الأرض تواجه الغرباء... في «حوض ريان»

يبدو الريف لمن يراه على البعد بعين سائح بقعة ساحرة من الطبيعة، حيث الماء والحياة البسيطة التي يرفل أصحابها في نعيم الهدوء والبال الرائق بعيداً عن الهموم والمتاعب، لكن رواية «حوض ريان»، الصادرة عن دار «الشروق» بالقاهرة للكاتب إبراهيم المطولي، تكشف عن وجه آخر للريف تتعرض فيه أراضيه الزراعية لمؤامرة يقودها «الغرباء» تحت عناوين براقة مثل استخراج كنوز، بينما تخفي الحقيقة مطامع أخرى.

وإذا كان المصري القديم حفر وصيته على الحجر منذ آلاف السنين قائلاً: «لا تنقل الحدود ولا تتعد عليها لأن الظالم تُنتزع أمتعته من يد أطفاله»، يبدو هنا أن الزمن قد دار دورته لتتوارى الوصايا القديمة خلف عجلات المعدات الثقيلة.

في قرية تضبط ساعتها على مواقيت الري وحركة الشمس، يهبط غرباء بخوذات صفراء وخرائط صامتة لا يحملون فؤوساً للزرع بل أوتاداً لتقسيم ما لا يقسّم. فجأة تتحول الأراضي الآمنة إلى مسرح لانتظارٍ ثقيل، ويجد أهالي القرية مثل سعيد الديب والحاج معوض أنفسهما أمام عدو بلا ملامح يهدد باقتلاع جذور ضاربة في عمق التاريخ.

وبينما تموج المدن البعيدة بصخب الثورات وهتافات الميادين تدور هنا في الصمت معركة أشرس بين زمنين؛ زمن الأرض البطيء الراسخ، وزمن المصالح السريع الجارف، عبر حكاية عن الخوف وعن اللحظة المصيرية التي تتحول فيها الأرض من أم تمنح الأمان إلى عبء قد يكلف أصحابه حياتهم، في نص يرصد التحولات العميقة في الريف المصري.

ومن أجواء الرواية نقرأ:

«في أرضه المستوية، تمشي مجاري المياه والخلجان مثل الخطوط في راحة اليد، تتغير محاصيله باختلاف الموسم فيتغير وجه الأرض من الأخضر إلى الأصفر وقليلاً ما يكون أسود بانتظار المياه.

لذا كان سهلاً على الجالسين معه، رغم أن أعينهم أصابها الضعف نتيجة التعرض المستمر للشمس وذرات التراب، رؤية صلاح البحار وقد أتى ممسكاً بسبحته الكهرمان ويرفع طرف جلبابه الأزرق الزاهي بإصبعه. ربما هي حركة لإظهار الرفعة أو منعاً لملامسة تراب الأرض وروث البهائم، يظهر تحت أكمامه الواسعة القفطان الأبيض، كما يلبس حذاء أسود وليس (بُلغة) كما ينتعل بقية الرجال هنا.

الجالسون تحت تكعيبة العنب يتلقون نسمة هبت فحملت إليهم عطره فانفتحت له القلوب حتى قبل الحضور التام، ورغم علمهم بكل تاريخه - الحقيقي منه والمختلق - فإنهم لا يستطيعون منع أنفسهم من محبته والانجذاب إلى حديثه والنظر بفرح في وجهه الأبيض المتورد، يعجبون بضحكته العالية وسجائره المختلفة، حتى الصغار الذين يلعبون (السيجة) يتركونها ويحدقون في القادم.

يقولون إنه في المرات القليلة التي خلع فيها جلبابه رأوا دق وشم امرأة فوق منطقة القلب، كما رأوا أيضاً اعوجاجاً في ساعده الأيمن نتيجة عضة حمار وهو صغير».