السجون السرية في العراق.. من النجف جنوبًا إلى ديالى شمالاً مرورًا بالأنبار

تديرها ميليشيات موالية لإيران.. و90 % من نزلائها من المكون السني

منظمة «هيومان رايتس ووتش» رصدت حالات التعذيب في السجون السرية في العراق (أ.ف.ب)
منظمة «هيومان رايتس ووتش» رصدت حالات التعذيب في السجون السرية في العراق (أ.ف.ب)
TT

السجون السرية في العراق.. من النجف جنوبًا إلى ديالى شمالاً مرورًا بالأنبار

منظمة «هيومان رايتس ووتش» رصدت حالات التعذيب في السجون السرية في العراق (أ.ف.ب)
منظمة «هيومان رايتس ووتش» رصدت حالات التعذيب في السجون السرية في العراق (أ.ف.ب)

يثار دائما موضوع «السجون السرية» في العراق، لا سيما بعد التغيير الذي حصل عام 2003، حين أسقطت القوة الأميركية الهائلة نظام حكم حزب البعث، الذي هيمن على العراق على مدى 35 عاما. وباعتراف كبار المسؤولين الأميركيين، حتى أولئك الذين كان لهم دور في صنع ما عرف بالعراق الجديد، ومنهم بول بريمر أول حاكم مدني للعراق، الذي أمضى سنة في حكم البلاد، وسجل انطباعاته تلك في كتاب أطلق عليه «عام قضيته في العراق 2003 - 2004»، اعترفوا بأنهم فشلوا في إيجاد البديل المناسب ممن كانوا يراهنون عليهم من رجال المعارضة العراقية السابقة.
وبموازاة الفشل الأميركي الذي جاء بسلطة ترقيعية، قامت على أسس المحاصصة الطائفية والعرقية، فقد بدت إيران هي الطرف المستفيد في ظل غياب وتراجع عربي، رغم أن كثيرا من الدول العربية كانت قد ساندت التوجه الأميركي لإسقاط صدام حسين، الذي كان مصدر قلق لجيرانه والمنطقة. لكن إيران أخذت الأمر على عاتقها في بناء تصورها الخاص للعراق الجديد الذي يختلف عن تصورات ورؤى الآخرين، بمن فيهم «شركاؤها» الأميركيون الذين وافقوا - كما يقول بريمر نفسه - على أن يكون لإيران دور في استقرار العراق.
لكن هذا الاستقرار سرعان ما تحول بعد سنوات إلى مشكلة باتت الولايات المتحدة تدفع ثمنها، ليس في العراق فقط، بل في سوريا ولبنان واليمن، حين تغولت إيران عبر نفوذ الميليشيات التابعة لها، التي امتدت أذرعها في هذه البلدان، لتتحول إلى دولة داخل الدولة، تمتلك زعامات وجيوشا تستعرض في الطرقات، وتملك صواريخ ومدفعية وسجونا سرية.
وحكاية هذه السجون ليست سرية، إذ كان كثير من القيادات العراقية والناشطين المدنيين والحقوقيين، سواء في العراق أو عدد من العواصم العربية والعالمية، يتحدثون عن سجون وانتهاكات، وهو ما بات يمثل مصدر معلومات دائما لمنظمات حقوق الإنسان، «هيومان رايتش ووتش» و«العفو الدولية»، وحتى الاتحاد الأوروبي الذي كثيرا ما استضاف مسؤولين ونوابا في البرلمان العراقي للحديث عن هذه القضايا، دون رد من الحكومة العراقية.
وحين يجئ الرد، فإنه إما يكون بالنفي كالعادة، أو قد يأتي محملا بالمزيد من الاتهامات للجهات التي يقال إنها تحمل أجندة معادية للتجربة الجديدة في العراق، فيما يتعلق بوجود سجون سرية أو انتهاكات، وما إلى ذلك.
لكن الأمر بالنسبة لأبي عبد الله (ف. و. ع)، الذي كان نزيل أحد هذه السجون، ويقيم اليوم في إحدى العواصم العربية، كان مختلفا. وقد روى أبو عبد الله معلوماته عن هذه السجون لـ«الشرق الأوسط»، قائلا إنه «تمكن من الحصول على معلومات بشأن ذلك، بعد أن قام، بعد تجربة سجنه التي استمرت أكثر من سنتين، وأخرج بعدها بصفقة، بجمع المزيد من المعلومات عن هذه السجون المنتشرة في مناطق مختلفة من البلاد، التابعة لعدة فصائل مسلحة، كلها سرية ما عدا ما لدى التيار الصدري من سجون معلنة في منطقة الحنانة، في مدينة النجف، التي لا تجري فيها عمليات تعذيب بقدر ما هي مخصصة للمخالفين، ممن يقوم زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر باحتجازهم، بمن فيهم مسؤولون كبار في التيار، كان أبرزهم نائب رئيس الوزراء السابق بهاء الأعرجي الذي يقال إنه تم إخراجه من السجن، بعد عدم ثبوت الأدلة بتهم الفساد ضده».
وفي روايته لـ«الشرق الأوسط»، عبر الهاتف من مقر إقامته، يقول أبو عبد الله إن السجون السرية، حسب المعلومات التي حصل عليها من جهات موثوقة، التي تشكل معظمها بعد دخول (داعش) إلى العراق، واحتلالها أربع محافظات غربية عراقية، وتهديدها بغداد، بل وصولها إلى الخاصرة الشمالية لمحافظتي كربلاء وبابل من خلال جرف الصخر «تعود لعدة فصائل وميليشيات مسلحة، الأبرز فيها هي الموجودة في جرف الصخر، التي تعود في الغالب لكتائب حزب الله».
ويضيف أنه «توجد خمسة معتقلات في منطقة الهبارية، في النخيب، بإدارة حزب الله، وهذا القضاء متنازع عليه بين كربلاء والأنبار، كما يوجد معتقل أبوغرك بالحلة بإدارة حزب الله، ومعتقل الرزازة بإدارة عصائب أهل الحق، ومعتقل صدر القناة بإدارة كتائب رساليون، ومعتقل الخالص بإدارة منظمة بدر».
ويمضي أبو عبد الله قائلا: «أعداد المعتقلين متفاوتة في هذه السجون، حيث كان يوجد في معتقل الرزازة حتى قبل شهور نحو 1208 معتقلين، ويضم معتقل أبوغرك 729 سجينا». وحول تصنيف هؤلاء المعتقلين، وما إذا كانوا سنة أم من طوائف أخرى، يقول: «نحو 90 في المائة من المعتقلين سنة، والباقي شيعة من الشيوعيين والصرخيين».
ويتابع أبو عبد الله: «من بابل والأنبار إلى ديالى، تمتد خريطة السجون السرية، حيث تنتشر في ديالى كثير من هذه السجون، لا سيما بعد أن «تمكنت ميليشيات متنفذة من السيطرة على الشارع، وبدأت عمليات تصفية للمدنيين الآمنين، إذ شهدت ديالى عمليات متكررة للخطف والقتل المنظم طالت كثيرا من أبناء المحافظة»، علما بأن عددا من المجاميع المسلحة والميليشيات لها سطوة أكثر من الدولة، وباتت تهدد السلم الأهلي.
ويمضي أبو عبد الله قائلا إن «العمليات الإجرامية التي شهدتها بعض مناطق المحافظة إنما تمثل دليلا على سيطرة كاملة للميليشيات على أغلب مناطق المحافظة، وقد قامت بعض الميليشيات بمنع رئيسي الوزراء والبرلمان من الدخول إلى قضاء المقدادية، بعد تفجيرها 9 مساجد لأهالي السنة هناك». ويضيف: «يتذكر سكان ديالى شهادات من مخطوفين تم تحريرهم بفدية، أو عمليات أمنية، تشير إلى وجود كثير من السجون وأماكن الاحتجاز التي تسيطر عليها الميليشيات، أو منتسبين استغلوا مواقع السلطة، حيث قاموا بعمليات احتجاز وتصفية لكثير من الأبرياء، بجرائم دموية لن يستطيع أحد أن ينكرها». ويتابع إنه «خلال مداهمة القوات الأمنية تم العثور على منازل زج بكثير من المختطفين داخلها في مناطق الوجيهية وأبي صيدا والخالص، إضافة إلى بساتين في مناطق الوقف».
وأوضح أبو عبد الله أن «قضية أماكن الاحتجاز التي تتبع بعض الميليشيات ليست جديدة، إذ إن المداهمات التي قامت بها القوات الأمنية للفترة من 2005 - 2011 تم العثور فيها على العشرات من المنازل التي حولت إلى أماكن احتجاز لعدة سنوات». ويروي أبو عبد الله الحكاية التالية، نقلا عن سجين تم إطلاق سراحه أخيرا بعد تحرير الكرمة (قرب الفلوجة)، واحتجاز العشرات من قبل الميليشيات بدعوى التحقيق معهم، ويقول إن «أحد المعتقلين توفي شقيقه لأنهم لم يكونوا يتلقون الطعام الكافي، ولكنه بقي يومين لم يخبرهم عن وفاته لكي يحصل على حصته الغذائية».
مع ذلك، فإن نواب المحافظات تلك التي يوجد أبناؤها في تلك السجون كانوا قد أثاروا مثل هذه القضايا في أوقات سابقة. حيث يرى عضو البرلمان العراقي عن محافظة ديالى رعد الدهلكي أن «الميليشيات تنتشر في مناطق كثيرة من العراق، وتنفّذ أعمال الخطف بلا رادع، تنفيذًا لأجنداتها بالتغيير الديموغرافي»، مبينًا أنّ «القوات الأمنيّة والأجهزة الحكومية تقف عاجزة عن إيجاد حل للميليشيات».
ويحذّر الدهلكي «من خطورة استمرار الوضع الأمني على ما هو عليه، وعدم اتخاذ قرارات أو تدابير حكوميّة رادعة بحق الميليشيات»، مؤكّدًا أنّ «السكوت على هذه الحالة سيفاقم ويعقّد المشهد الأمني في البلاد». ويخلص إلى أن «المسؤوليّة الأخلاقيّة والقانونية تحتم على الحكومة، بل وعلى الرئاسات الثلاث (الحكومة والجمهورية والبرلمان)، الوقوف بحزم وقوة تجاه تلك الانتهاكات التي تضرب النسيج العراقي، وإيجاد حلول ناجعة وجذرية، وفقًا للقانون الذي يجب أن يطبق على الجميع، وخصوصًا المجرمين الذي تسببوا بأعمال العنف».



زوال «كونتينر الريان»... كابوس الصيادين في المكلا

الصيد من أقدم المهن التي يعيش عليها كثير من أبناء حضرموت (الشرق الأوسط)
الصيد من أقدم المهن التي يعيش عليها كثير من أبناء حضرموت (الشرق الأوسط)
TT

زوال «كونتينر الريان»... كابوس الصيادين في المكلا

الصيد من أقدم المهن التي يعيش عليها كثير من أبناء حضرموت (الشرق الأوسط)
الصيد من أقدم المهن التي يعيش عليها كثير من أبناء حضرموت (الشرق الأوسط)

مع ساعات الفجر الأولى، يجلس برك بو سبعة (63 عاماً) إلى طاولة أحد المقاهي الشعبية في قلب مدينة المكلا القديمة، يتأمل وجوه المارّة، ويتبادل أطراف الحديث مع أصدقائه عن هموم تتشابه وتفاصيل حياة لم تعد كما كانت.

ويُعدّ بو سبعة من قدامى سكان المدينة الساحلية، وقد ارتبط رزقه ورزق أسرته ببحر العرب، الذي يعانق جبال المكلا شرق اليمن، ويمنح الصيادين ما تجود به أمواجه؛ يوماً بعد آخر.

قدم «البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن» أكثر من 200 قارب للصيادين في المكلا (الشرق الأوسط)

يستعيد برك، في حديثه إلى «الشرق الأوسط»، ملامح الحياة القديمة في المكلا، قائلاً إن «الأيام كانت أبسط وأجمل»، مضيفاً: «الناس كانوا طيبين... لا يميلون إلى المشكلات، ويحبون الضيف ويكرمونه».

وأثناء احتسائه الشاي بالحليب، يتابع بو سبعة حديثه عن العادات اليومية قائلاً: «كما ترى، يبدأ الناس صباحهم هنا بالباخمري والمطبق (من الأكلات الشعبية)، فيما تختلف الطقوس بعد الظهر، حيث يتناولون الأرز الصيادية، ويشتهر بها عمر عبود باسعد».

برك بو سبعة أحد قدامى الصيادين في مدينة المكلا شرق اليمن (الشرق الأوسط)

ولا يزال بعض المظاهر القديمة حاضراً في ذاكرة بو سبعة، ومنها جلسات العصر التي كان الناس يلتفون فيها لسماع قصص عنترة، تُروى على شكل حلقات متتابعة تمتد أياماً عدة. ويقول: «من أشهر من كان يروي هذه القصص عبد أحمد، وكان الناس ينتظرون جلساته بشغف».

ويشير بو سبعة إلى المكان الذي كانت تُعقد فيه تلك الجلسات، خلف سدة يعقوب باوزير، وهي مقبرة كبيرة في المكلا القديمة، لافتاً إلى أن بعض الروايات تقول إن يعقوب باوزير قدم إلى المدينة من العراق.

وعن هموم الصيادين اليوم، يختصرها بو سبعة في 3 عناوين رئيسية: «غلاء المعيشة، وصعوبة توفير المحروقات، وارتفاع أسعار معدات الصيد»، مؤكداً أن هذه التحديات باتت تثقل كاهل من لا يزالون يعتمدون على البحر مصدراً وحيداً للرزق.

«كونتينر الريان»

تدخّل صياد آخر في الحديث قائلاً: «تحسّن وضع الصيادين الآن بعد مغادرة الإماراتيين». سألته كيف؟ فطلب عدم ذكر اسمه، موضحاً: «كانت هناك مناطق يُحظر علينا الصيد فيها من قبل القوة الإماراتية التي كانت موجودة».

وأضاف: «مُنعنا الصيد في منطقة شحير القريبة من مطار الريان، وكذلك في منطقة الضبة. اليوم تنفّسنا الصعداء بعد مغادرتهم».

وكان رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، الدكتور رشاد العليمي، طلب في 30 ديسمبر (كانون أول) الماضي، مغادرة ⁠كل ​القوات ‌الإماراتية ومنسوبيها جميع الأراضي اليمنية في غضون 24 ⁠ساعة.

الصيد من أقدم المهن التي يعيش عليها كثير من أبناء حضرموت (الشرق الأوسط)

غير أن الرجل، الذي يبدو في عقده الرابع، تحدث بمرارة عمّا يُعرف بـ«كونتينر الصيادين». اعتدل في جلسته، ثم واصل حديثه قائلاً: «كان هناك كونتينر خصصه الإماراتيون في مطار الريان لاحتجاز الصيادين المخالفين تعليماتهم».

وتابع: «كما كانت تُحتجز الهواري (القوارب) لفترات قد تصل أحياناً إلى شهر، وهو أمر كارثي بالنسبة إلى صياد يعتمد في قوت عائلته على صيده اليومي».

وأشار الصياد إلى ملاحظة أخرى وصفها باللافتة، قائلاً: «بعض الصيادين كانت تُصرف لهم رواتب شهرية من قبل الإمارات مقابل الامتناع عن الصيد، وعند تسلمهم تلك الرواتب فوجئوا بأن أسماءهم مُسجّلة في الكشوفات المالية بوصفهم (جنوداً) لدى القوة الإماراتية».

ووفق تقديرات محلية، يبلغ عدد الصيادين في مدينة المكلا نحو 3 آلاف صياد، يتوزعون على عدد من مناطق المدينة. ووفقاً لأحدهم، فقد قدّم «البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن»، قبل نحو عامين، أكثر من 200 قارب دعماً للصيادين في المكلا، في إطار الدعم التنموي المستمر الذي تقدمه المملكة للشعب اليمني في ظل الظروف الصعبة التي تمر بها البلاد.


سكان عدن يرحبون بخطوة إخراج المعسكرات من المدينة

«تحالف دعم الشرعية» يواصل جهوده لتعزيز الطابع المدني لعدن (إعلام حكومي)
«تحالف دعم الشرعية» يواصل جهوده لتعزيز الطابع المدني لعدن (إعلام حكومي)
TT

سكان عدن يرحبون بخطوة إخراج المعسكرات من المدينة

«تحالف دعم الشرعية» يواصل جهوده لتعزيز الطابع المدني لعدن (إعلام حكومي)
«تحالف دعم الشرعية» يواصل جهوده لتعزيز الطابع المدني لعدن (إعلام حكومي)

أثار إعلان السلطة المحلية وقوات «تحالف دعم الشرعية» في اليمن عن المصادقة على خطة إخراج المعسكرات من مدينة عدن، التي تُتخذ عاصمة مؤقتة للبلاد، حالة من الارتياح لدى سكان المدينة التي عانت من الصراعات في السابق، وطالبوا بتحويل المعسكرات إلى حدائق ومدارس، عادّين ذلك خطوة مهمة لتجنيب المدينة أي صراعات مستقبلية.

وعبّر سكان في المدينة، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، عن سعادتهم بهذه الخطوة، ورأوا أن تحويل المعسكرات إلى حدائق عامة ومدارس سيخدم السكان، ويسهم في تجنيب المدينة الصراعات لتكون آمنة ومستقرة، قائلين إنهم كانوا يتطلعون منذ مدة طويلة إلى مثل هذه الخطوة التي أثّرت على الدور الفاعل للمدينة ودورها الاقتصادي.

وقال صهيب، وهو معلم، إنهم يتطلعون إلى «مزيد من القرارات الجادة التي تصب في مصلحة سكان المدينة وتلبي تطلعاتهم المشروعة؛ لأن سكان عدن دفعوا عبر سنوات طويلة ثمن الصراعات التي أثّرت بشكل واضح على الطابع المدني الذي عُرفت به، وعلى الدور الاقتصادي المنشود بصفتها أكبر موانئ البلاد والعاصمة الاقتصادية لها».

تحقيق الأمن والاستقرار ركيزة أساسية لاستعادة عدن مكانتها الاقتصادية (إعلام محلي)

من جهته، يرى سامي عبد الباسط، وهو طالب جامعي، أن سكان عدن عانوا من الصراعات نتيجة انتشار المعسكرات فيها، وأنه حان الوقت لإغلاق هذه الصفحة من خلال تعزيز دور شرطة المدينة وإخراج المعسكرات منها، مبيناً أن وجود المعسكرات وسط التجمعات السكنية من شأنه أن يفتح الباب أمام أي مغامرة، كما حدث في عامي 2018 و2019.

الأمر ذاته عبّرت عنه نسرين، وهي موظفة حكومية، وأكدت أن الناس يتطلعون إلى أن تعود عدن كما عُرفت؛ مدينة مسالمة ومستقرة ومركزاً للأنشطة الثقافية والفنون، مشيرة إلى أنها بحاجة إلى تحسين الخدمات والفرص الاقتصادية، وأن إخراج المعسكرات سيشكّل خطوة مهمة في دعم وتعزيز الطابع المدني الذي عُرفت به منذ زمن طويل، قبل أن تدفع ثمن الصراعات.

آليات تنفيذية

وكانت قيادة السلطة المحلية بالعاصمة اليمنية المؤقتة عدن، برئاسة وزير الدولة محافظ عدن، عبد الرحمن شيخ، قد عقدت اجتماعاً مشتركاً مع قيادة التحالف الداعم للشرعية في اليمن، ممثلة باللواء الركن فلاح الشهراني، وبحضور قيادات أمنية وعسكرية؛ لمناقشة خطة إعادة تموضع المعسكرات خارج نطاق المدينة.

وذكر إعلام السلطة المحلية أن الاجتماع ناقش الآليات التنفيذية وخطة إخراج المعسكرات وإعادة تموضعها في المواقع المتفق عليها، على أن يعلَن عن تفاصيل ذلك لاحقاً من قبل الجهات المختصة؛ وذلك في إطار الجهود الهادفة إلى تعزيز الطابع المدني لمدينة عدن وترسيخ الأمن والاستقرار فيها.

وطبقاً لما أوردته المصادر، فإن «تنفيذ خطة إعادة التموضع سيكون على 3 مراحل، وفق خطوات وآليات واضحة جرى التوافق عليها، بما يضمن تحقيق الأهداف الأمنية والتنظيمية المنشودة».

وشدد المجتمعون على أن تحقيق الأمن والاستقرار يمثل ركيزة أساسية لاستعادة مكانة عدن ودورها الريادي، لا سيما في الجوانب الاقتصادية والاستثمارية، بما يسهم في دعم مسار التنمية وتحسين الأوضاع المعيشية للمواطنين.

استقرار الوقود

وفي لقاء آخر، ناقشت السلطة المحلية بعدن مع قيادة «تحالف دعم الشرعية»، ممثلة بمستشار قائد القوات المشتركة اللواء الركن فلاح الشهراني، سبل تعزيز استقرار إمدادات الغاز المنزلي والمشتقات النفطية، وتحسين خدمات الطاقة في العاصمة المؤقتة للبلاد والمحافظات المحررة.

وكرّس الاجتماع، الذي حضره وكيل محافظة عدن لشؤون التنمية، عدنان الكاف، ووكيل وزارة النفط والمعادن، طلال بن حيدرة، لمناقشة التحديات المرتبطة بغياب الخزانات الاستراتيجية للغاز وتداعيات توقف الإمدادات مؤخراً، والتوجه إلى إنشاء خزانات استراتيجية تضمن استقرار التموين وتفادي الأزمات مستقبلاً.

حضور فاعل لـ«تحالف دعم الشرعية» في تحسين الخدمات لسكان عدن (إعلام حكومي)

كما ناقش المشاركون آليات تأمين الوقود اللازم لتشغيل محطات الكهرباء، وتعزيز التنسيق بين الجهات ذات العلاقة لضمان استمرارية تزويد السوق المحلية بالغاز والحد من أي اختناقات.

وثمن الحاضرون في الاجتماع الدعم الذي تقدمه السعودية في مجال المشتقات النفطية، وما أسهم به في تحسين خدمة الكهرباء واستقرار التيار خلال الأيام الماضية، ضمن الاستعدادات المبكرة لفصل الصيف.


اليمن: القادة الجنوبيون يتطلعون إلى حلول عادلة في مؤتمر الحوار المرتقب

اللقاء التشاوري خرج ببيان قرأه عضو مجلس القيادة الرئاسي عبد الرحمن المحرمي (رويترز)
اللقاء التشاوري خرج ببيان قرأه عضو مجلس القيادة الرئاسي عبد الرحمن المحرمي (رويترز)
TT

اليمن: القادة الجنوبيون يتطلعون إلى حلول عادلة في مؤتمر الحوار المرتقب

اللقاء التشاوري خرج ببيان قرأه عضو مجلس القيادة الرئاسي عبد الرحمن المحرمي (رويترز)
اللقاء التشاوري خرج ببيان قرأه عضو مجلس القيادة الرئاسي عبد الرحمن المحرمي (رويترز)

في لحظة سياسية دقيقة، يعود ملف الجنوب اليمني إلى واجهة المشهد الإقليمي، وسط تحركات سعودية حازمة تهدف إلى إعادة صياغة مساره بعيداً عن الاستقطاب والصراعات المفتوحة، وبمقاربة تضع الحوار الشامل خياراً وحيداً لتفكيك التعقيدات المتراكمة وإنهاء حالة الجمود.

وفي هذا السياق، انطلقت في العاصمة السعودية الرياض، الأحد، أعمال «اللقاء التشاوري الجنوبي» بمشاركة واسعة من القيادات والشخصيات السياسية والاجتماعية، إلى جانب المشايخ والأعيان، من مختلف محافظات جنوب اليمن، في خطوة تمهيدية لعقد مؤتمر الحوار الجنوبي المرتقب، الذي ترعاه السعودية، ضمن جهودها الرامية إلى دعم مسار سياسي شامل يعالج القضية الجنوبية بعيداً عن الإقصاء والتهميش، وبما يسهم في تعزيز الأمن والاستقرار في اليمن والمنطقة.

ويأتي هذا اللقاء في ظل تعقيدات غير مسبوقة يعيشها المشهد اليمني، وما تواجهه القضية الجنوبية من تحديات سياسية وأمنية واقتصادية متراكمة، حيث يسعى المشاركون إلى بلورة رؤية جنوبية جامعة تقوم على الحوار بوصفه خياراً أساسياً لمعالجة جذور الأزمة، بعيداً عن منطق التصعيد والعنف، أو اختزال القضية في تمثيل أحادي لا يعكس تنوع الجنوب وتعدد مكوناته.

وأكد المجتمعون، في بيان ختامي تلاه عبد الرحمن المحرّمي، عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني، أن اللقاء يعكس «إرادة جنوبية جامعة تمثل مختلف شرائح الجنوب ومحافظاته، وتسعى إلى التوصل إلى حل عادل وآمن ومستدام للقضية الجنوبية»، مشددين على أن هذا المسار السياسي يستند إلى الحوار المسؤول بوصفه الطريق الوحيد القادر على تجنيب الجنوب مزيداً من الانقسامات والصراعات الداخلية.

لقاء تشاوري في الرياض للقيادات الجنوبية أكد على نهج الحوار للتوصل إلى حلول عادلة للقضية الجنوبية (رويترز)

وأوضح البيان أن المشاركين لمسوا، من خلال لقاءاتهم المباشرة مع القيادات والمسؤولين في السعودية، دعماً واضحاً ومتطابقاً مع مطالب الجنوبيين المشروعة، وفي مقدمتها حقهم في الوصول إلى حل سياسي شامل يضمن كرامتهم وأمنهم واستقرارهم، دون فرض شروط مسبقة أو سقوف سياسية، وبما يكفل حق أبناء الجنوب في تقرير مستقبلهم السياسي عبر آلية توافقية لا يُقصى فيها أحد.

وشدد البيان على أن خيارات أبناء الجنوب، بما فيها شكل الدولة ومستقبلها السياسي، تظل حقاً أصيلاً لهم وحدهم، وأن المملكة العربية السعودية لا تتبنى موقفاً معادياً لأي خيار، شريطة أن يكون ناتجاً عن حوار جنوبي - جنوبي شامل، لا يُفرض من قبل مكون أو شخص بعينه، ولا يُختزل في تمثيل لا يعكس الإرادة الجنوبية الجامعة.

رعاية سعودية وفرصة تاريخية

البيان أكد أن مؤتمر الحوار الجنوبي المرتقب، برعاية السعودية، يمثل «فرصة تاريخية نادرة» لإعادة تصويب مسار القضية الجنوبية، محذراً من محاولات العبث بهذه الفرصة عبر خلق استقطابات داخلية، أو الزج بالجنوب في صراعات جانبية تخدم أطرافاً إقليمية تسعى لإدامة الفوضى، ولا تصب في مصلحة الجنوبيين أو مستقبلهم.

وفي هذا السياق، برزت دعوات واسعة داخل اللقاء، إلى ضرورة الفصل بين عدالة القضية الجنوبية بوصفها قضية سياسية وحقوقية مشروعة، وبين الممارسات الفردية لبعض القيادات التي يرى مراقبون أنها ألحقت أضراراً جسيمة بالقضية، من خلال احتكار التمثيل، أو توظيفها في صراعات إقليمية لا تخدم تطلعات أبناء الجنوب.

السعودية تقود مساراً يقوم على الحزم والمسؤولية الإقليمية للتوصل إلى حلول آمنة لقضايا اليمن المعقدة (رويترز)

ويشير محللون إلى أن تراجع الزخم السياسي للقضية الجنوبية خلال مراحل سابقة ارتبط، إلى حد كبير، بممارسات سياسية ومالية مثيرة للجدل، وبتغليب المصالح الشخصية على المصلحة العامة، وهو ما أسهم في إضعاف حضور القضية على المستويين الإقليمي والدولي، قبل أن تعيد الرعاية السعودية الحالية تصديرها بوصفها قضية سياسية مركزية ضمن مسار الحل الشامل في اليمن.

وأشار المحرمي إلى أن القيادات والشخصيات الجنوبية المشاركة لمست منذ وصولها إلى الرياض، ترحيباً صادقاً ودعماً عملياً للقضية الجنوبية، مؤكداً أن هذا الدعم لم يقتصر على الجانب السياسي؛ بل شمل الملفات المعيشية والاقتصادية والأمنية التي تمس حياة المواطنين بشكل مباشر.

وأوضح البيان أن اللقاءات التي عقدتها القيادات الجنوبية مع مسؤولي مؤسسات الدولة في المملكة، أسهمت في تقديم صورة أكثر عمقاً ووضوحاً عن أبعاد القضية الجنوبية، الأمر الذي عزز من حضورها السياسي إقليمياً، وساعد في تسريع معالجة عدد من الملفات العاجلة، وفي مقدمتها أزمة صرف المرتبات المتأخرة، التي أثقلت كاهل الموظفين المدنيين والعسكريين على حد سواء.

القيادات الجنوبية شددت على رفض الإقصاء أو الاحتكار لموضوع القضية الجنوبية (رويترز)

كما أعلنت السعودية عن دعم اقتصادي وتنموي للجنوب واليمن عموماً، بلغت قيمته نحو 1.9 مليار ريال سعودي (نصف مليار دولار) في خطوة عُدّت مؤشراً عملياً على التزامها بدعم الاستقرار المعيشي، وتحسين الأوضاع الاقتصادية، وتهيئة البيئة اللازمة لإنجاح أي مسار سياسي مقبل، مع تكفلها برواتب الموظفين المدنيين الحكوميين بمبلغ 9 ملايين دولار، وكذا برواتب كل العسكريين والأمنيين المرتطبين باللجنة المشتركة لقيادة تحالف دعم الشرعية.

وفي الجانب الأمني، تلقى المجتمعون تأكيدات مباشرة بشأن استمرار دعم القوات الجنوبية التي تضطلع بمهمة مكافحة الإرهاب وحماية الأمن والاستقرار، في مواجهة التهديدات التي تشكلها ميليشيات الحوثي والتنظيمات المتطرفة، وعلى رأسها «القاعدة» و«داعش»، بما يعزز من قدرة الجنوب على حماية مكتسباته الوطنية.

دعوة للمشاركة والمسؤولية

دعا البيان الذي قرأه المحرّمي، جماهير الشعب الجنوبي، إلى التعبير عن تطلعاتهم المشروعة بوعي ومسؤولية، ودعم مسار الحوار الجنوبي برعاية السعودية، باعتباره الإطار الأكثر واقعية وأماناً للتوصل إلى حل سياسي شامل، يحفظ الحقوق ويصون المكتسبات، بأقل تكلفة ممكنة.

كما وجّه البيان نداءً إلى المجتمع الدولي لمساندة هذا المسار الجاد، واحترام تطلعات الجنوبيين، ودعم الجهود السعودية الرامية إلى تحقيق السلام والاستقرار في الجنوب واليمن والمنطقة، باعتبار أن معالجة القضية الجنوبية تمثل مدخلاً أساسياً لأي تسوية شاملة ومستدامة.

حشد من المتظاهرين في عدن المطالبين بإيجاد حلول للقضية الجنوبية (رويترز)

وفيما يتعلق بالمظاهرات التي تشهدها مدينة عدن بين الحين والآخر، أكد البيان أن هذه التحركات تعبّر في جوهرها عن مطالب شعبية مشروعة مرتبطة بالقضية الجنوبية والظروف المعيشية الصعبة، ولا يمكن اختزالها في دعم شخص أو مكون بعينه.

ويرى مراقبون أن توظيف هذه الاحتجاجات سياسياً من قبل بعض القيادات، بهدف تحقيق مكاسب شخصية أو تعزيز نفوذ ضيق، أسهم في تشويه صورة الحراك الجنوبي، وأضعف مصداقية القضية أمام المجتمع الدولي، لا سيما في ظل اتهامات متداولة حول قضايا فساد وسوء إدارة ألحقت أضراراً مباشرة بحياة المواطنين.

رفض للنهج الفوضوي

في مقابل الإشادة بالدور السعودي، برزت داخل اللقاءات الجنوبية مواقف نقدية حادة تجاه دور أبوظبي في اليمن، حيث يرى مراقبون أن السياسات الإماراتية، القائمة على دعم أطراف بعينها، أسهمت في تعميق الانقسامات الجنوبية، وإطالة أمد الفوضى، وعرقلة الوصول إلى حل سياسي شامل.

من المرتقب أن يتوصل حوار القادة الجنوبيين في الرياض إلى فتح صفحة جديدة في تاريخ اليمن (رويترز)

ويربط محللون هذا الدور بما تصفه تقارير دولية بنمط تدخل إماراتي مشابه في دول أخرى مثل السودان وليبيا والصومال، حيث أدت سياسات دعم الفصائل المحلية إلى تعقيد الأزمات بدلاً من حلها، في حين تميزت المقاربة السعودية، وفقاً لهذه الرؤية، بالتركيز على دعم الدولة، والحوار، والاستقرار، والتنمية.

ويرى محللون أن استمرار أي تدخلات خارجية تحرّض على شق الصف الجنوبي، أو توظف القضية الجنوبية لخدمة أجندات إقليمية، قد يدفع الرياض إلى اتخاذ مواقف أكثر صرامة لحماية مسار الحوار، وضمان عدم تقويض جهود مكافحة الإرهاب، وتحقيق الأمن والاستقرار في اليمن.