كيف أسست وحدة «داعش» السرية شبكة إرهاب عالمية؟

تحقيق أجري داخل السجن مع عضو بالتنظيم المتطرف يكشف عن خلية للتخطيط لهجمات في مختلف أنحاء العالم

مدخل معسكر تنظيم {داعش} في منبج في سوريا (نيويورك تايمز)
مدخل معسكر تنظيم {داعش} في منبج في سوريا (نيويورك تايمز)
TT

كيف أسست وحدة «داعش» السرية شبكة إرهاب عالمية؟

مدخل معسكر تنظيم {داعش} في منبج في سوريا (نيويورك تايمز)
مدخل معسكر تنظيم {داعش} في منبج في سوريا (نيويورك تايمز)

لإيمانه بحتمية الاستجابة للنداء المقدس، العام الماضي، ترك هاري سافرو منزله في مدنية بريمين المليئة بالسكان من الطبقة العاملة وقاد سيارته لأربعة أيام متواصلة كي يصل للمنطقة الخاضعة لسيطرة «داعش» في سوريا.
وما إن وصل هاري إلى سوريا حتى حضر بعض الأعضاء الملثمين بوحدة «داعش» السرية ليخبروه وصديقه الألماني بأن التنظيم لم يعد بحاجة إلى الأوروبيين في سوريا. فالحاجة الحقيقة الآن هي أن يعمل أعضاء التنظيم من الأوروبيين في بلادهم للمساعدة في تنفيذ خطة التنظيم التي تهدف لنشر الإرهاب في العالم.
«أعداد كبيرة من الناس تعيش في الدول الأوروبية وفى انتظار الأوامر للشروع في مهاجمة الأوروبيين»، بحسب هاري في المقابلة التي أجرتها معه صحيفة «نيويورك تايمز»، الاثنين الماضي، داخل السجن شديد الحراسة بالقرب من بريمين، مضيفًا أن «هذا كان قبل هجمات بروكسل وهجمات باريس».
وأوضح لهم أنه على الرغم من أن التنظيم نجح في إيجاد أكثر من موطئ قدم في بعض الدول الأوروبية، فإنه كان في حاجه للمزيد من المهاجمين، خصوصًا في ألمانيا وبريطانيا. أضاف هاري أن الملثمين سألوه: «هل تمانع في العودة إلى ألمانيا لتنفيذ هجمات هناك لأن هذا ما نحتاج إليه في الوقت الحالي؟»، مضيفا: «قالوا إنهم يريدون تنفيذ عدة أشياء في وقت واحد، أي أنهم يريدون تنفيذ عدة هجمات في توقيت متزامن في إنجلترا وألمانيا وفرنسا».
ينتمي رجال العمليات السرية هؤلاء إلى وحدة استخباراتية داخل تنظيم داعش تعرف باسم «الأمني»، التي شملت خليطًا من رجال الشرطة الداخلية وفرعًا خارجيًا مهمته نشر الإرهاب، بحسب محاضر الاستجواب التي اشتملت على آلاف الصفحات باللغة الفرنسية، والبلجيكية، والألمانية، والنمساوية التي حصلت عليها صحيفة «تايمز».
لفتتت هجمات تنظيم داعش في باريس في 13 نوفمبر (تشرين الثاني) أنظار العام إلى الشبكة الإرهابية الخارجية للتنظيم التي بدأت في إرسال المقاتلين منذ قرابة العامين. والآن أماطت الاعترافات التي أدلى بها هاري وغيره من أعضاء التنظيم ما تبقى من اللثام عن ماكينة «داعش» لنشر العنف خلف حدودها.
ما وصفه أعضاء التنظيم المعتقلون يوحي بخلية سرية متعددة الوظائف تعمل تحت إمرة أبو محمد العدناني، القائد السوري الأعلى والناطق باسم التنظيم ومدير حملته الدعائية. يأتي تحته في هيكل التنظيم عدد من النواب مهمتهم تخطيط الهجمات في مناطق مختلفة من العالم، منها «وحدة سرية للشؤون الأوروبية» و«وحدة سرية للشؤون الآسيوية»، و«وحدة سرية للشؤون العربية»، بحسب هاري.
ومما يعزز من فكرة أن وحدة «أمني» هي جزء أساسي من عمليات التنظيم، أن المقابلات الشخصية والمستندات أشارت إلى أن الوحدة تمتلك تفويضًا لتجنيد الأعضاء الجدد وإعادة توجيه منفذي العمليات في مختلف أنحاء العالم - ابتداء من القادمين الجدد إلى المقاتلين المحنكين على أرض المعركة، ومن العمليات الخاصة للتنظيم إلى قادة قوات النخبة. وبالنظر لكل ما قيل، فقد أظهرت تسجيلات الاستجواب أن منفذي العمليات قد جرى اختيارهم حسب جنسيتهم وجرى تشكيلهم حسب اللغة في مجموعات صغيرة منفصلة قد لا يتقابل منتسبوها إلا في الليلة التي تسبق سفرهم خارج البلاد.
ومن خلال التنسيق الذي يقوم به العدناني، فقد سار التخطيط الإرهابي خطوة بخطوة مع العمليات الدعائية المكثفة للتنظيم، وكانت تلك العمليات، بحسب هاري، عبارة عن اجتماعات شهرية شهدت اختيار العدناني للمقاطع المصورة المفترض بثها وفق العمليات التي تجري على الأرض.
وبحسب اعترافات منفذي العمليات الذين ألقي القبض عليهم أخيرا، فقد أصبحت وحدة «أمني» الترس الذي يدير عجلة التنظيم الإرهابي كما اتضح من خلال متدربيها الذين قادوا هجمات باريس ووضعوا القنابل في حقائب السفر التي استخدمت في تفجير صالة مطار بروكسل ومحطة قطار الأنفاق. وأظهرت محاضر التحقيق أيضًا أن مهاجمي التنظيم الذين من الممكن أن يعملوا على الأرض قد جرى إرسالهم إلى النمسا، وألمانيا، وإسبانيا، ولبنان، وتونس، وبنغلاديش، وإندونيسيا، وماليزيا.
ومع حالة الاستنفار التي أعلنها المسؤولون الأوروبيون إثر سلسلة الهجمات التي نفذها مهاجمون متفرقون ممن أقسموا على الولاء لـ«داعش»، أشار هاري إلى أنه قد يكون هناك صلة لم تكتشفها السلطات بعد بين هؤلاء المهاجمين.
وأشار إلى أنه علم أن منفذي العمليات السريين في أوروبا استخدموا أعضاء جددًا للتنسيق والمساعدة في التواصل بين الراغبين في تنفيذ الهجمات ومنفذي العمليات، ويشمل ذلك جميع التخصصات بدءًا من كيفية صناعة سترة انتحارية إلى محققين مهمتهم التأكد من ولاء الأعضاء الجدد للتنظيم.
وبحسب مسؤولين رفيعين في الاستخبارات الأميركية ومسؤول كبير بالاستخبارات الألمانية طلبوا عدم الإفصاح عن هويتهم، فقد أعاد التنظيم «المئات من منفذي العمليات مجددا لدول الاتحاد الأوروبي، وأرسل بضع مئات آخرين إلى تركيا وحدها».
ويتفق هاري الذي انتقل أخيرا خارج الحبس الانفرادي بالسجن الألماني بعدما اعتبرت السلطات أنه لم يعد يمثل خطرا عنيفا، مع الرأي الذي يقول إن «الكثيرين من هؤلاء قد تقاعدوا»، بقوله إن المئات منهم قد تقاعدوا بالتأكيد.
يعتبر عنبر النوم في سوريا، بالقرب من الحدود التركية، المحطة الأولى للقادمين الجدد من الراغبين في الانضواء تحت لواء «داعش»، حيث تجري مقابلات شخصية وتصنيف لكل وافد جديد.
حصل التنظيم على بصمات أصابع هاري وحضر طبيب لإجراء تحليل لفصيلة الدم وعمل فحص طبي كامل، وأجرى اختبار القبول رجل يحمل كومبيوتر «لابتوب»، وكان «يسأل أسئلة عادية مثل: ما اسمك؟ ما اسم والدك؟ ما اسم والدتك؟ ما البلد الأصلي لأمك؟ ما طبيعة دراستك؟ ما مؤهلاتك؟ ما طموحك؟ ماذا تريد أن تصبح؟»، بحسب هاري.
لخلفية هاري تأثير فيما وصل إليه، فقد اعتاد الذهاب بانتظام إلى مسجد بمدينة بريمين، وسبق للمسجد نفسه أن أرسل 20 عضوًا إلى سوريا، أربعة منهم على الأقل قتلوا في معركة، بحسب دانيل هينيكل، منسق إدارة عمليات مكافحة الإرهاب الألمانية.
قضى هاري عقوبة السجن لمدة عام لإدانته باقتحام سوبر ماركت وسرقة 23 ألف يورو من خزانته. ورغم أن بتر اليد هي عقوبة السرقة في المناطق الخاضعة لنفوذ «داعش»، فإن الماضي الإجرامي يعتبر إضافة قيمة للسيرة الذاتية للمتقدم، بحسب هاري، مضيفًا: «ويا حبذا لو أن للمتقدم صلة بالعصابات المنظمة أو أنه بمقدوره الحصول على وثائق ثبوتية مزورة، أو لو كان على صلة بأشخاص في أوروبا لتهريبه إلى داخل الاتحاد الأوروبي».
تيقن المسؤولون الأميركيون أخيرا من الإجراءات البيروقراطية التي يتبعا تنظيم داعش عند قبول أعضاء جدد، وكان ذلك بعدما اطلع الأميركان على وحدة الذاكرة المتنقلة «يو إس بي» كانوا قد عثروا عليها في مدينة منبج السورية، إحدى المناطق التي يدخل عن طريقها الأعضاء الجدد، والتي تحررت أخيرًا.
تفقد هاري جميع الصناديق المطلوبة، وفي اليوم الثالث لوصوله حضر أعضاء لجنة «أمني» للسؤال عنه، فقد أراد الحرب في العراق وسوريا، غير أن الرجال الملثمين أوضحوا له أنهم يواجهون مشكلة معقدة.
«أبلغوني أنهم يعانون من عدم وجود عدد كاف من الرجال المستعدين لتنفيذ تلك المهام في ألمانيا»، وفق محضر التحقيق مع هاري الذي شمل 500 صفحة، والذي أجري مباشرة عقب القبض عليه العام الماضي من قبل المسؤولين الأمنيين. «أفادوا بأنهم كان لديهم بعض الرجال في البداية، لكن مع مرور الأيام تقلص عدد الراغبين في التنفيذ بسبب خوفهم من العواقب، والشيء نفسه حدث في ألمانيا».
وعلى النقيض، يمتلك التنظيم عددًا وافرًا من المتطوعين في فرنسا. قال هاري: «صديقي سألهم عن فرنسا، فأخذوا في الضحك بشكل هستيري إلى أن دمعت عيونهم»، وقالوا: «لا تقلق بشأن فرنسا، قالوا بالعربية: (مفيش مشكلة)». جرت تلك المحادثة في شهر أبريل (نيسان) الماضي 2015، بعد سبعة شهور من عمليات القتل المنسقة في باريس في شهر نوفمبر (تشرين ثاني)، في هجمات تعد الأسوأ خلال العقد الماضي.
ورغم أن هناك بعض التفاصيل التي لا يمكن التأكد منها، فإن اعترافاته تسير في سياق اعترافات زملائه في التنظيم، وأفاد مسؤولو السجن والاستخبارات الألمانية بأنهم تيقنوا من صحة أقواله.
ومنذ ظهور تنظيم داعش منذ نحو عامين، عملت وكالات الاستخبارات على جمع المعلومات عن وحدة «أمني»، فقد أوكل للوحدة أداء عمل الشرطة داخل التنظيم، ويشمل ذلك إجراء التحقيق والتأكد من عدم وجود جواسيس، وفق سجلات الاستجواب والتحليل الذي أجرى مع معتقليهم. غير أن أعضاء التنظيم من الفرنسيين ممن ألقي القبض عليهم عام 2014 و2015، أوضحوا أن وحدة «أمني» قد أوكلت بمهمة أخرى، وهى التخطيط للإرهاب بالخارج.
وبحسب نيكولاس موريو (32 عاما) مواطن فرنسي ألقي القبض عليه العام الماضي بعد عودته من «داعش» في سوريا واعترافه أمام الاستخبارات الفرنسية، فإن «وحدة أمني مسؤولة عن الأمن الداخلي في دولة داعش، وتشرف على الأمن الخارجي عن طريق إرسال المنتسبين الجدد للخارج، وكذلك إرسال أفراد للقيام بأعمال عنف على غرار ما حدث في المتحف بتونس، وفي المحاولة التي أجهضت في بلجيكا».
وأفاد موريو بأنه كان يدير مطعما في مدينة الرقة السورية، التي اتخذها التنظيم عاصمة له، وكان يتولى إعداد وجبات لأعضاء وحدة «أمني» الكبار، منهم عبد الحميد أباعود، قائد العمليات الذي أدار هجمات باريس والذي لقي حتفه أثناء هجوم للشرطة بعد ذلك بأيام.
وبحسب اعترافات أخرى، بالإضافة إلى إفادة هاري، فإن وحدة «أمني» تولت أيضًا تدريب وإرسال المسلح الذي فتح النار على الشاطئ على السياح بمدينة سوسة التونسية في يونيو (حزيران) وكذلك المسلح الذي أعد قنبلة مطار بروكسل.
وأظهرت تسجيلات التحقيق التي أجرتها أجهزة الاستخبارات في فرنسا والنمسا وبلجيكا أن 28 عضوا على الأقل ممن جرى تجنيدهم من قبل وحدة «أمني» نجحوا في الانتشار في دول خارج مناطق نفوذ تنظيم داعش، ونجحوا في تنفيذ بعض الهجمات وفشلوا في البعض الآخر. وأفاد المسؤولون بأن العشرات من منفذي العمليات تسللوا ليشكلوا خلايا نائمة.
ووصف هاري ما قيل له عن عمل المجموعة وسعيها لبناء بنية تحتية في بنغلاديش بأن سياجا من مسلحي «داعش» نجح في قتل 20 سائحا رهينة في مقهى سياحي الشهر الماضي، أغلبهم من الأجانب. وقال هاري إنه بالنسبة للمنتسبين الآسيويين، فإن التنظيم يبحث عن مسلحين ممن لهم خبرة العمل بتنظيم القاعدة في المنطقة. قاموا «بتجنيد أفراد من بنغلاديش وماليزيا وإندونيسيا، فقد كانوا يبحثون عن أعضاء ممن لهم تلك التجربة. وبمجرد انضمامهم، كانوا يسألونهم عن خبراتهم وعما إذا كان لهم اتصالات».
* خدمة «نيويورك تايمز»



الجيش الأميركي يعلن إصابة أو إغراق أكثر من 20 سفينة إيرانية

مدمّرة أميركية تبحر بجانب ناقلة خلال عملية تموين في بحر العرب - 18 فبراير 2026 (أ.ف.ب)
مدمّرة أميركية تبحر بجانب ناقلة خلال عملية تموين في بحر العرب - 18 فبراير 2026 (أ.ف.ب)
TT

الجيش الأميركي يعلن إصابة أو إغراق أكثر من 20 سفينة إيرانية

مدمّرة أميركية تبحر بجانب ناقلة خلال عملية تموين في بحر العرب - 18 فبراير 2026 (أ.ف.ب)
مدمّرة أميركية تبحر بجانب ناقلة خلال عملية تموين في بحر العرب - 18 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

ذكرت القيادة المركزية الأميركية، الأربعاء، أن القوات الأميركية أصابت أو أغرقت أكثر من 20 سفينة إيرانية منذ بدء الصراع مع طهران مطلع الأسبوع الحالي.

قال ​قائد القيادة المركزية الأميركية براد كوبر، اليوم (الأربعاء)، ‌إن ‌الجيش ​دمر ‌16 ⁠سفينة ​إيرانية وغواصة واحدة، ⁠وقصف ما يقرب من ⁠2000 هدف ‌في ‌إيران.

وأضاف ​كوبر ‌في ‌مقطع فيديو نشر على «إكس»: «اليوم، ‌لا توجد سفينة إيرانية واحدة ⁠تبحر ⁠في الخليج العربي أو مضيق هرمز أو خليج ​عمان».

وأوضح: «يشارك في هذه العملية أكثر من 50 ألف جندي، وحاملتا طائرات، وقاذفات قنابل انطلقت من الولايات المتحدة، وهناك المزيد من القدرات في طريقها إلينا، ما يمثل أكبر حشد للقوة الأميركية في الشرق الأوسط منذ جيل كامل».

وتابع: «نحن الآن في أقل من 100 ساعة من العملية، وقد ضربنا بالفعل ما يقرب من ألفي هدف بأكثر من ألفي ذخيرة. قمنا بإضعاف الدفاعات الجوية الإيرانية بشكل خطير، ودمرنا المئات من منصات إطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة. نحن نركز على تدمير كل شيء يهددنا».


التشويش الإلكتروني: كيف يُعطِّل الصواريخ الذكية ويُغيّر مسارها؟

خلال تجربة إطلاق صاروخ من غواصة أميركية قبالة سواحل كاليفورنيا 26 مارس 2018 (رويترز)
خلال تجربة إطلاق صاروخ من غواصة أميركية قبالة سواحل كاليفورنيا 26 مارس 2018 (رويترز)
TT

التشويش الإلكتروني: كيف يُعطِّل الصواريخ الذكية ويُغيّر مسارها؟

خلال تجربة إطلاق صاروخ من غواصة أميركية قبالة سواحل كاليفورنيا 26 مارس 2018 (رويترز)
خلال تجربة إطلاق صاروخ من غواصة أميركية قبالة سواحل كاليفورنيا 26 مارس 2018 (رويترز)

أصبحت الحرب الإلكترونية من أهم أدوات الصراع العسكري في العصر الحديث، إذ تعتمد على التحكم في البيئة الكهرومغناطيسية بهدف تعطيل أنظمة العدو أو تضليلها. ومن أبرز تطبيقاتها التشويش على الصواريخ والذخائر الذكية التي تعتمد في توجيهها على إشارات إلكترونية مختلفة مثل إشارات الأقمار الاصطناعية أو الحساسات الرادارية والحرارية. ويكمن هدف هذا النوع من العمليات في إرباك أنظمة التوجيه ومنعها من تحديد الهدف بدقة.

كيف تعمل الصواريخ الذكية؟

تعتمد معظم الصواريخ الذكية الحديثة على مجموعة من أنظمة الملاحة والتوجيه. فبعضها يستخدم إشارات الأقمار الاصطناعية مثل نظام GPS لتحديد الموقع بدقة عالية، إلى جانب نظام الملاحة القصورية INS الذي يعتمد على قياس الحركة والاتجاه داخلياً. كما قد تستخدم الصواريخ حساسات رادارية أو كاميرات حرارية وبصرية لتعقب الهدف، إضافة إلى روابط اتصال لاسلكية تسمح بتحديث مسارها في أثناء الطيران. يهدف الجمع بين هذه الأنظمة إلى زيادة الدقة وضمان استمرار التوجيه حتى في حال تعطل أحد الأنظمة.

التشويش والتضليل: طريقتان للهجوم الإلكتروني

يمكن للهجوم الإلكتروني أن يؤثر في هذه الأنظمة بطريقتين رئيسيتين. الأولى هي التشويش، حيث تُبث إشارات قوية على التردد نفسه لإرباك أجهزة الاستقبال ومنعها من التقاط الإشارة الأصلية. أما الطريقة الثانية فهي التضليل أو التزوير الإلكتروني، حيث تُرسل إشارات مزيفة تشبه الإشارات الحقيقية، ما يجعل الصاروخ يعتقد أنه يتلقى بيانات صحيحة بينما يتم توجيهه فعلياً إلى مسار خاطئ.

خلال إطلاق صواريخ موجهة خلال تدريب عسكري عام 2013 قبالة مدينة تشينغداو الساحلية في الصين (رويترز)

كيف يتغير مسار الصاروخ؟

في حالة الملاحة عبر الأقمار الاصطناعية، قد يبدأ الهجوم بإغراق جهاز الاستقبال بالضجيج الإلكتروني حتى يفقد الاتصال بالإشارة الأصلية، ثم يتم إرسال إشارات مزورة أقوى قليلاً من الإشارة الحقيقية. وإذا نجح هذا الأسلوب، يبدأ النظام الملاحي في حساب موقع خاطئ تدريجياً، ما يؤدي إلى انحراف الصاروخ عن هدفه.

أما الصواريخ التي تعتمد على الرادار أو الحساسات الحرارية، فيمكن خداعها بوسائل مختلفة مثل الضجيج الإلكتروني أو الأهداف الوهمية أو الشعلات الحرارية. وفي هذه الحالات قد يفقد الصاروخ اتجاهه نحو الهدف أو يتجه نحو هدف مزيف.

النتائج العملية للتشويش

عندما ينجح التشويش، غالباً لا ينحرف الصاروخ بشكل مفاجئ، بل تظهر النتيجة على شكل زيادة تدريجية في الخطأ عند إصابة الهدف. فالصاروخ قد يواصل الطيران اعتماداً على نظام الملاحة القصورية، لكنه يفقد التحديثات الدقيقة القادمة من الأقمار الاصطناعية. أما في حالة التضليل الإلكتروني، فقد تكون النتائج أخطر لأن النظام يعتقد أن البيانات التي يتلقاها صحيحة، فيعدل مساره بناءً على معلومات خاطئة.

محاولات الحد من تأثير التشويش

لمواجهة هذه التهديدات، تعمل الجيوش على تطوير وسائل حماية إلكترونية متقدمة، مثل تحسين معالجة الإشارات، وإدارة الترددات لتقليل تأثير التشويش. كما تُستخدم أنظمة لكشف الإشارات المزورة في مستقبلات الملاحة، إلى جانب الاعتماد على أكثر من نظام توجيه في الوقت نفسه.

ورغم هذه الإجراءات، يبقى التشويش الإلكتروني سلاحاً فعالاً في الحروب الحديثة، لأنه يسمح بإضعاف دقة الأسلحة الذكية دون الحاجة إلى تدميرها مباشرة.

اقرأ أيضاً


«حرب السرديات»... ساحة التضليل المواكبة لأحداث الشرق الأوسط

رجل يسير بجوار مبانٍ مدمرة عقب غارات جوية في وسط طهران (أ.ف.ب)
رجل يسير بجوار مبانٍ مدمرة عقب غارات جوية في وسط طهران (أ.ف.ب)
TT

«حرب السرديات»... ساحة التضليل المواكبة لأحداث الشرق الأوسط

رجل يسير بجوار مبانٍ مدمرة عقب غارات جوية في وسط طهران (أ.ف.ب)
رجل يسير بجوار مبانٍ مدمرة عقب غارات جوية في وسط طهران (أ.ف.ب)

منذ بدء الهجوم الأميركي الإسرائيلي على إيران، اجتاحت الفضاء الرقمي موجة واسعة من المواد المضللة، تراوحت بين صور أُعيد تدويرها، ومقاطع من ألعاب فيديو قُدّمت على أنها ضربات صاروخية، ومشاهد قتالية مولَّدة بالذكاء الاصطناعي، فيما وصفها محللون بأنها «حرب سرديات».

وبعدما أشعلت الضربات الأميركية والإسرائيلية نهاية الأسبوع نزاعاً إقليمياً، اندلعت حرب معلومات موازية، إذ أغرق أنصار الطرفين وسائل التواصل الاجتماعي بمعلومات مضللة غالباً ما تنتشر بوتيرة أسرع من الوقائع على الأرض.

ودحض مدققو الأخبار في «وكالة الصحافة الفرنسية» سلسلة ادعاءات نشرتها حسابات مؤيدة لإيران أعادت نشر مقاطع قديمة للمبالغة في حجم الأضرار الناجمة عن ضربات طهران الصاروخية على إسرائيل ودول خليجية.

وقال مصطفى عياد من «معهد الحوار الاستراتيجي» لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»: «ثمة بالتأكيد حرب سرديات تدور على الإنترنت».

وأضاف: «سواء كان الهدف تبرير الضربات عبر الخليج أو الترويج للقوة العسكرية الإيرانية في مواجهة الضربات الإسرائيلية والأميركية، يبدو أن الغاية هي إنهاك العدو».

وفي الضفة المقابلة، دفعت وسائل إعلام معارضة إيرانية بسرديات مضللة على منصتي «إكس» و«تلغرام» تُحمّل الحكومة الإيرانية مسؤولية ضربة صاروخية استهدفت مدرسة للبنات في إيران، بحسب باحثين.

كما حذّر المعهد من ظهور حسابات مزيفة تنتحل صفة قيادات إيرانية رفيعة.

وفي الأثناء، حصدت مقاطع من ألعاب فيديو أُعيد توظيفها على أنها ضربات صاروخية إيرانية، وصور مولَّدة بالذكاء الاصطناعي تُظهر إغراق سفن حربية أميركية، بينها حاملة الطائرات «أبراهام لينكولن»، ملايين المشاهدات عبر منصات عدة.

وسُجلت أساليب تضليل مماثلة في نزاعات عالمية أخرى، بينها الحرب في أوكرانيا والحرب في غزة.

وقال عياد: «إنها حقاً سرعة وحجم هذه المواد التي تبعث على الدهشة، وتغذي قدراً كبيراً من الالتباس عبر الإنترنت بشأن الأهداف التي تم قصفها أو أعداد الضحايا على سبيل المثال».

ووفقاً لمرصد «نيوزغارد» لمراقبة الأخبار المضللة، حصدت هذه المشاهد الملفّقة التي تُظهر إيران بصورة أكثر تهديداً مما تشير إليه المعطيات الميدانية، أكثر من 21.9 مليون مشاهدة على منصة «إكس» وحدها.

«ضباب الحرب»

وأعلنت منصة «إكس» الثلاثاء أنها ستعلّق مشاركة صانعي المحتوى في برنامج تقاسم العائدات لمدة 90 يوماً إذا نشروا مقاطع عن نزاعات مسلحة مولَّدة بالذكاء الاصطناعي من دون الإفصاح عن كونها مصطنعة.

ويستهدف تعديل السياسة ما وصفته الشركة بتهديد لمصداقية المعلومات في خضم الحرب الجارية ضد إيران.

وقال رئيس قسم المنتجات في «إكس» نيكيتا بير إنه «خلال أوقات الحرب، من الضروري أن يتمكن الناس من الوصول إلى معلومات موثوقة من الميدان»، مضيفاً أن تقنيات الذكاء الاصطناعي الحالية تجعل «من السهل جداً إنشاء محتوى قد يضلل الناس».

ويمثل إلزام الإفصاح عن المحتوى المُولَّد بالذكاء الاصطناعي تحولاً ملحوظاً لمنصة واجه نهجها في إدارة المحتوى انتقادات واسعة منذ استحواذ إيلون ماسك عليها مقابل 44 مليار دولار في أكتوبر (تشرين الأول) 2022.

وقال آري أبيلسون، الشريك المؤسس لشركة «أوبن أوريجينز» المتخصصة في التحقق من صحة المحتوى الإعلامي ومكافحة التزييف العميق «إن ضباب الحرب يتحول سريعاً إلى فوضى عارمة، إذ يخلق المحتوى الاصطناعي بالذكاء الاصطناعي ضجيجاً لا متناهياً في بيئات المعلومات».

وأضاف أنه «مع تصاعد حدة صراع عالمي آخر ذي تأثير بالغ في إيران، من المهم أن نفهم جميعاً كيف يعمل نظامنا الإعلامي».

وفيما قد يزيد من حدة الفوضى الرقمية، أظهرت دراسة «نيوزغارد» أن أداة البحث العكسي عن الصور التابعة لشركة «غوغل» قدّمت ملخصات غير دقيقة مولَّدة بالذكاء الاصطناعي لصور مفبركة ومضللة مرتبطة بالنزاع في الشرق الأوسط.

وقالت الهيئة إن ذلك يكشف عن «ثغرة كبيرة في نظام يُستخدم على نطاق واسع للتحقق من صحة الصور». ولم يصدر تعليق فوري من «غوغل».