كيف أسست وحدة «داعش» السرية شبكة إرهاب عالمية؟

تحقيق أجري داخل السجن مع عضو بالتنظيم المتطرف يكشف عن خلية للتخطيط لهجمات في مختلف أنحاء العالم

مدخل معسكر تنظيم {داعش} في منبج في سوريا (نيويورك تايمز)
مدخل معسكر تنظيم {داعش} في منبج في سوريا (نيويورك تايمز)
TT

كيف أسست وحدة «داعش» السرية شبكة إرهاب عالمية؟

مدخل معسكر تنظيم {داعش} في منبج في سوريا (نيويورك تايمز)
مدخل معسكر تنظيم {داعش} في منبج في سوريا (نيويورك تايمز)

لإيمانه بحتمية الاستجابة للنداء المقدس، العام الماضي، ترك هاري سافرو منزله في مدنية بريمين المليئة بالسكان من الطبقة العاملة وقاد سيارته لأربعة أيام متواصلة كي يصل للمنطقة الخاضعة لسيطرة «داعش» في سوريا.
وما إن وصل هاري إلى سوريا حتى حضر بعض الأعضاء الملثمين بوحدة «داعش» السرية ليخبروه وصديقه الألماني بأن التنظيم لم يعد بحاجة إلى الأوروبيين في سوريا. فالحاجة الحقيقة الآن هي أن يعمل أعضاء التنظيم من الأوروبيين في بلادهم للمساعدة في تنفيذ خطة التنظيم التي تهدف لنشر الإرهاب في العالم.
«أعداد كبيرة من الناس تعيش في الدول الأوروبية وفى انتظار الأوامر للشروع في مهاجمة الأوروبيين»، بحسب هاري في المقابلة التي أجرتها معه صحيفة «نيويورك تايمز»، الاثنين الماضي، داخل السجن شديد الحراسة بالقرب من بريمين، مضيفًا أن «هذا كان قبل هجمات بروكسل وهجمات باريس».
وأوضح لهم أنه على الرغم من أن التنظيم نجح في إيجاد أكثر من موطئ قدم في بعض الدول الأوروبية، فإنه كان في حاجه للمزيد من المهاجمين، خصوصًا في ألمانيا وبريطانيا. أضاف هاري أن الملثمين سألوه: «هل تمانع في العودة إلى ألمانيا لتنفيذ هجمات هناك لأن هذا ما نحتاج إليه في الوقت الحالي؟»، مضيفا: «قالوا إنهم يريدون تنفيذ عدة أشياء في وقت واحد، أي أنهم يريدون تنفيذ عدة هجمات في توقيت متزامن في إنجلترا وألمانيا وفرنسا».
ينتمي رجال العمليات السرية هؤلاء إلى وحدة استخباراتية داخل تنظيم داعش تعرف باسم «الأمني»، التي شملت خليطًا من رجال الشرطة الداخلية وفرعًا خارجيًا مهمته نشر الإرهاب، بحسب محاضر الاستجواب التي اشتملت على آلاف الصفحات باللغة الفرنسية، والبلجيكية، والألمانية، والنمساوية التي حصلت عليها صحيفة «تايمز».
لفتتت هجمات تنظيم داعش في باريس في 13 نوفمبر (تشرين الثاني) أنظار العام إلى الشبكة الإرهابية الخارجية للتنظيم التي بدأت في إرسال المقاتلين منذ قرابة العامين. والآن أماطت الاعترافات التي أدلى بها هاري وغيره من أعضاء التنظيم ما تبقى من اللثام عن ماكينة «داعش» لنشر العنف خلف حدودها.
ما وصفه أعضاء التنظيم المعتقلون يوحي بخلية سرية متعددة الوظائف تعمل تحت إمرة أبو محمد العدناني، القائد السوري الأعلى والناطق باسم التنظيم ومدير حملته الدعائية. يأتي تحته في هيكل التنظيم عدد من النواب مهمتهم تخطيط الهجمات في مناطق مختلفة من العالم، منها «وحدة سرية للشؤون الأوروبية» و«وحدة سرية للشؤون الآسيوية»، و«وحدة سرية للشؤون العربية»، بحسب هاري.
ومما يعزز من فكرة أن وحدة «أمني» هي جزء أساسي من عمليات التنظيم، أن المقابلات الشخصية والمستندات أشارت إلى أن الوحدة تمتلك تفويضًا لتجنيد الأعضاء الجدد وإعادة توجيه منفذي العمليات في مختلف أنحاء العالم - ابتداء من القادمين الجدد إلى المقاتلين المحنكين على أرض المعركة، ومن العمليات الخاصة للتنظيم إلى قادة قوات النخبة. وبالنظر لكل ما قيل، فقد أظهرت تسجيلات الاستجواب أن منفذي العمليات قد جرى اختيارهم حسب جنسيتهم وجرى تشكيلهم حسب اللغة في مجموعات صغيرة منفصلة قد لا يتقابل منتسبوها إلا في الليلة التي تسبق سفرهم خارج البلاد.
ومن خلال التنسيق الذي يقوم به العدناني، فقد سار التخطيط الإرهابي خطوة بخطوة مع العمليات الدعائية المكثفة للتنظيم، وكانت تلك العمليات، بحسب هاري، عبارة عن اجتماعات شهرية شهدت اختيار العدناني للمقاطع المصورة المفترض بثها وفق العمليات التي تجري على الأرض.
وبحسب اعترافات منفذي العمليات الذين ألقي القبض عليهم أخيرا، فقد أصبحت وحدة «أمني» الترس الذي يدير عجلة التنظيم الإرهابي كما اتضح من خلال متدربيها الذين قادوا هجمات باريس ووضعوا القنابل في حقائب السفر التي استخدمت في تفجير صالة مطار بروكسل ومحطة قطار الأنفاق. وأظهرت محاضر التحقيق أيضًا أن مهاجمي التنظيم الذين من الممكن أن يعملوا على الأرض قد جرى إرسالهم إلى النمسا، وألمانيا، وإسبانيا، ولبنان، وتونس، وبنغلاديش، وإندونيسيا، وماليزيا.
ومع حالة الاستنفار التي أعلنها المسؤولون الأوروبيون إثر سلسلة الهجمات التي نفذها مهاجمون متفرقون ممن أقسموا على الولاء لـ«داعش»، أشار هاري إلى أنه قد يكون هناك صلة لم تكتشفها السلطات بعد بين هؤلاء المهاجمين.
وأشار إلى أنه علم أن منفذي العمليات السريين في أوروبا استخدموا أعضاء جددًا للتنسيق والمساعدة في التواصل بين الراغبين في تنفيذ الهجمات ومنفذي العمليات، ويشمل ذلك جميع التخصصات بدءًا من كيفية صناعة سترة انتحارية إلى محققين مهمتهم التأكد من ولاء الأعضاء الجدد للتنظيم.
وبحسب مسؤولين رفيعين في الاستخبارات الأميركية ومسؤول كبير بالاستخبارات الألمانية طلبوا عدم الإفصاح عن هويتهم، فقد أعاد التنظيم «المئات من منفذي العمليات مجددا لدول الاتحاد الأوروبي، وأرسل بضع مئات آخرين إلى تركيا وحدها».
ويتفق هاري الذي انتقل أخيرا خارج الحبس الانفرادي بالسجن الألماني بعدما اعتبرت السلطات أنه لم يعد يمثل خطرا عنيفا، مع الرأي الذي يقول إن «الكثيرين من هؤلاء قد تقاعدوا»، بقوله إن المئات منهم قد تقاعدوا بالتأكيد.
يعتبر عنبر النوم في سوريا، بالقرب من الحدود التركية، المحطة الأولى للقادمين الجدد من الراغبين في الانضواء تحت لواء «داعش»، حيث تجري مقابلات شخصية وتصنيف لكل وافد جديد.
حصل التنظيم على بصمات أصابع هاري وحضر طبيب لإجراء تحليل لفصيلة الدم وعمل فحص طبي كامل، وأجرى اختبار القبول رجل يحمل كومبيوتر «لابتوب»، وكان «يسأل أسئلة عادية مثل: ما اسمك؟ ما اسم والدك؟ ما اسم والدتك؟ ما البلد الأصلي لأمك؟ ما طبيعة دراستك؟ ما مؤهلاتك؟ ما طموحك؟ ماذا تريد أن تصبح؟»، بحسب هاري.
لخلفية هاري تأثير فيما وصل إليه، فقد اعتاد الذهاب بانتظام إلى مسجد بمدينة بريمين، وسبق للمسجد نفسه أن أرسل 20 عضوًا إلى سوريا، أربعة منهم على الأقل قتلوا في معركة، بحسب دانيل هينيكل، منسق إدارة عمليات مكافحة الإرهاب الألمانية.
قضى هاري عقوبة السجن لمدة عام لإدانته باقتحام سوبر ماركت وسرقة 23 ألف يورو من خزانته. ورغم أن بتر اليد هي عقوبة السرقة في المناطق الخاضعة لنفوذ «داعش»، فإن الماضي الإجرامي يعتبر إضافة قيمة للسيرة الذاتية للمتقدم، بحسب هاري، مضيفًا: «ويا حبذا لو أن للمتقدم صلة بالعصابات المنظمة أو أنه بمقدوره الحصول على وثائق ثبوتية مزورة، أو لو كان على صلة بأشخاص في أوروبا لتهريبه إلى داخل الاتحاد الأوروبي».
تيقن المسؤولون الأميركيون أخيرا من الإجراءات البيروقراطية التي يتبعا تنظيم داعش عند قبول أعضاء جدد، وكان ذلك بعدما اطلع الأميركان على وحدة الذاكرة المتنقلة «يو إس بي» كانوا قد عثروا عليها في مدينة منبج السورية، إحدى المناطق التي يدخل عن طريقها الأعضاء الجدد، والتي تحررت أخيرًا.
تفقد هاري جميع الصناديق المطلوبة، وفي اليوم الثالث لوصوله حضر أعضاء لجنة «أمني» للسؤال عنه، فقد أراد الحرب في العراق وسوريا، غير أن الرجال الملثمين أوضحوا له أنهم يواجهون مشكلة معقدة.
«أبلغوني أنهم يعانون من عدم وجود عدد كاف من الرجال المستعدين لتنفيذ تلك المهام في ألمانيا»، وفق محضر التحقيق مع هاري الذي شمل 500 صفحة، والذي أجري مباشرة عقب القبض عليه العام الماضي من قبل المسؤولين الأمنيين. «أفادوا بأنهم كان لديهم بعض الرجال في البداية، لكن مع مرور الأيام تقلص عدد الراغبين في التنفيذ بسبب خوفهم من العواقب، والشيء نفسه حدث في ألمانيا».
وعلى النقيض، يمتلك التنظيم عددًا وافرًا من المتطوعين في فرنسا. قال هاري: «صديقي سألهم عن فرنسا، فأخذوا في الضحك بشكل هستيري إلى أن دمعت عيونهم»، وقالوا: «لا تقلق بشأن فرنسا، قالوا بالعربية: (مفيش مشكلة)». جرت تلك المحادثة في شهر أبريل (نيسان) الماضي 2015، بعد سبعة شهور من عمليات القتل المنسقة في باريس في شهر نوفمبر (تشرين ثاني)، في هجمات تعد الأسوأ خلال العقد الماضي.
ورغم أن هناك بعض التفاصيل التي لا يمكن التأكد منها، فإن اعترافاته تسير في سياق اعترافات زملائه في التنظيم، وأفاد مسؤولو السجن والاستخبارات الألمانية بأنهم تيقنوا من صحة أقواله.
ومنذ ظهور تنظيم داعش منذ نحو عامين، عملت وكالات الاستخبارات على جمع المعلومات عن وحدة «أمني»، فقد أوكل للوحدة أداء عمل الشرطة داخل التنظيم، ويشمل ذلك إجراء التحقيق والتأكد من عدم وجود جواسيس، وفق سجلات الاستجواب والتحليل الذي أجرى مع معتقليهم. غير أن أعضاء التنظيم من الفرنسيين ممن ألقي القبض عليهم عام 2014 و2015، أوضحوا أن وحدة «أمني» قد أوكلت بمهمة أخرى، وهى التخطيط للإرهاب بالخارج.
وبحسب نيكولاس موريو (32 عاما) مواطن فرنسي ألقي القبض عليه العام الماضي بعد عودته من «داعش» في سوريا واعترافه أمام الاستخبارات الفرنسية، فإن «وحدة أمني مسؤولة عن الأمن الداخلي في دولة داعش، وتشرف على الأمن الخارجي عن طريق إرسال المنتسبين الجدد للخارج، وكذلك إرسال أفراد للقيام بأعمال عنف على غرار ما حدث في المتحف بتونس، وفي المحاولة التي أجهضت في بلجيكا».
وأفاد موريو بأنه كان يدير مطعما في مدينة الرقة السورية، التي اتخذها التنظيم عاصمة له، وكان يتولى إعداد وجبات لأعضاء وحدة «أمني» الكبار، منهم عبد الحميد أباعود، قائد العمليات الذي أدار هجمات باريس والذي لقي حتفه أثناء هجوم للشرطة بعد ذلك بأيام.
وبحسب اعترافات أخرى، بالإضافة إلى إفادة هاري، فإن وحدة «أمني» تولت أيضًا تدريب وإرسال المسلح الذي فتح النار على الشاطئ على السياح بمدينة سوسة التونسية في يونيو (حزيران) وكذلك المسلح الذي أعد قنبلة مطار بروكسل.
وأظهرت تسجيلات التحقيق التي أجرتها أجهزة الاستخبارات في فرنسا والنمسا وبلجيكا أن 28 عضوا على الأقل ممن جرى تجنيدهم من قبل وحدة «أمني» نجحوا في الانتشار في دول خارج مناطق نفوذ تنظيم داعش، ونجحوا في تنفيذ بعض الهجمات وفشلوا في البعض الآخر. وأفاد المسؤولون بأن العشرات من منفذي العمليات تسللوا ليشكلوا خلايا نائمة.
ووصف هاري ما قيل له عن عمل المجموعة وسعيها لبناء بنية تحتية في بنغلاديش بأن سياجا من مسلحي «داعش» نجح في قتل 20 سائحا رهينة في مقهى سياحي الشهر الماضي، أغلبهم من الأجانب. وقال هاري إنه بالنسبة للمنتسبين الآسيويين، فإن التنظيم يبحث عن مسلحين ممن لهم خبرة العمل بتنظيم القاعدة في المنطقة. قاموا «بتجنيد أفراد من بنغلاديش وماليزيا وإندونيسيا، فقد كانوا يبحثون عن أعضاء ممن لهم تلك التجربة. وبمجرد انضمامهم، كانوا يسألونهم عن خبراتهم وعما إذا كان لهم اتصالات».
* خدمة «نيويورك تايمز»



الدنمارك ترى إمكانية لاتفاق مع أميركا بشأن غرينلاند يحترم «الخطوط الحمراء»

وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)
وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)
TT

الدنمارك ترى إمكانية لاتفاق مع أميركا بشأن غرينلاند يحترم «الخطوط الحمراء»

وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)
وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)

قال وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن، يوم السبت، إنه يعتقد أن المفاوضات مع الولايات المتحدة بشأن غرينلاند يمكن أن تفضي إلى حل يحترم وحدة أراضي الجزيرة القطبية وحقها في تقرير المصير.

وأطلقت الولايات المتحدة والدنمارك وغرينلاند محادثات، أواخر الشهر الماضي، بشأن مستقبل المنطقة الدنماركية التي تحظى بحكم شبه ذاتي، بعد تهديدات متكررة من الرئيس دونالد ترمب بالسيطرة عليها.

وقال راسموسن في مؤتمر صحافي بنوك، عاصمة غرينلاند: «لقد أوضحنا منذ البداية أن أي حل لا بد أن يحترم خطوطنا الحمراء».

وأضاف: «رغم ذلك، بدأنا المحادثات. إنني أرى هذا علامة واضحة على أنه من المحتمل أن يتم التوصل إلى حل يحترم الخطوط الحمراء»، وفق ما نقلته «وكالة الأنباء الألمانية».

وقالت وزيرة خارجية غرينلاند فيفيان موتزفيلدت إن «غرينلاند لم تصل بعد إلى المكان الذي ترغب فيه. إنه طريق طويل، لذلك فإنه من المبكر للغاية أن نحدد أين سينتهي».

والتقت موتزفيلدت بوزيرة الخارجية الكندية أنيتا أناند في نوك، اليوم (السبت). وافتتحت كندا قنصلية في غرينلاند، أمس (الجمعة)، وكذلك فرنسا.

ووصف راسموسن القنصلية الكندية الجديدة بأنها «بداية جديدة» و«فرصة جيدة لتعزيز تعاوننا القائم بالفعل».


الصين تلغي عقوبة الإعدام بحق كندي في قضية مخدرات

الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
TT

الصين تلغي عقوبة الإعدام بحق كندي في قضية مخدرات

الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)

أكدت كندا أن الصين ألغت حكم إعدام صدر بحق مواطن كندي، في مؤشر جديد على تحسن العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، وسط سعي رئيس الوزراء مارك كارني لتعزيز العلاقات التجارية مع بكين.

وكانت الصين قد أوقفت روبرت لويد شيلينبرغ عام 2014 بتهمة تهريب المخدرات، قبل أن تتدهور العلاقات الصينية الكندية إلى أدنى مستوياتها، مع توقيف المديرة المالية لشركة «هواوي» مينغ وان تشو، في فانكوفر عام 2018، بناء على مذكرة توقيف أميركية.

وأثار توقيف مينغ غضب بكين التي أوقفت بدورها كنديين اثنين آخرين، هما مايكل سبافور ومايكل كوفريغ بتهم تجسس، وهو ما اعتبرته أوتاوا بمثابة إجراء انتقامي.

وفي يناير (كانون الثاني) 2019، أعادت محكمة في شمال شرقي الصين محاكمة شيلينبرغ الذي كان يبلغ حينها 36 عاماً.

وزار كارني الذي تولى منصبه العام الماضي، الصين، في يناير، في إطار جهوده لفتح أسواق التصدير أمام السلع الكندية، وتقليل اعتماد كندا التجاري على الولايات المتحدة، وفق ما أفادت «وكالة الصحافة الفرنسية».

وأعلنت المتحدثة باسم الخارجية الكندية ثيدا إيث في بيان، أن الوزارة على علم بقرار محكمة الشعب العليا في الصين فيما يتعلق بقضية شيلينبرغ. وأضافت أن الوزارة «ستواصل تقديم الخدمات القنصلية لشيلينبرغ وعائلته»، مشيرة إلى أن «كندا سعت للحصول على عفو في هذه القضية، كما تفعل مع جميع الكنديين المحكوم عليهم بالإعدام».

وقضت محكمة صينية بإعدام شيلينبرغ، بعد أن اعتبرت أن عقوبته بالسجن لمدة 15 عاماً بتهمة تهريب المخدرات «متساهلة للغاية».

وخلال زيارته بكين، أعلن كارني عن تحسن في العلاقات الثنائية مع الصين، قائلاً إن البلدين أبرما «شراكة استراتيجية جديدة» واتفاقية تجارية مبدئية.

وقالت إيث: «نظراً لاعتبارات الخصوصية، لا يمكن تقديم أي معلومات إضافية». وأُطلق سراح كل من مينغ وسبافور وكوفريغ في عام 2021.


بعد طيّ صفحة «نيو ستارت»... كيف سينقذ العالم نفسه من خطر الفناء النووي؟

الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
TT

بعد طيّ صفحة «نيو ستارت»... كيف سينقذ العالم نفسه من خطر الفناء النووي؟

الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)

كان الخامس من فبراير (شباط) 2026 يوماً تاريخياً؛ لأنه طوى صفحة آخر اتفاق للحد من الأسلحة النووية بين روسيا والولايات المتحدة، وأدخل العالم مرحلة جديدة من القلق.

في الثامن من أبريل (نيسان) 2010، وقَّع الرئيسان: الأميركي باراك أوباما، والروسي ديميتري ميدفيديف، في براغ، معاهدة «نيو ستارت» التي دخلت حيز التنفيذ في الخامس من فبراير 2011، ثم مُدِّدت 5 سنوات في عام 2021. وعرَّفت المعاهدة أنظمة الأسلحة النووية الاستراتيجية بأنها تلك «العابرة للقارات»، أي القابلة للإطلاق من أوروبا لتنفجر في الولايات المتحدة مثلاً، وبالعكس.

وضعت المعاهدة سقفاً للولايات المتحدة وروسيا يبلغ 1550 رأساً نووياً استراتيجياً منشوراً، موزَّعة على 700 وسيلة إيصال نووية (تشمل الطائرات، والصواريخ الباليستية العابرة للقارات، والغواصات)، إضافة إلى 800 منصة إطلاق منشورة وغير منشورة لتلك الصواريخ والطائرات القادرة على حمل أسلحة نووية.

صورة مأخوذة من فيديو وزَّعته في 9 ديسمبر 2020 وزارة الدفاع الروسية لعملية إطلاق صاروخ باليستي عابر للقارات من قاعدة في شمال غربي روسيا (أ.ب)

وفي حين أنَّ المعاهدة عالجت الأسلحة النووية الاستراتيجية والمنشورة، فإن كلا البلدين يمتلك ترسانات نووية أكبر «موضَّبة»؛ إذ يُقدَّر أن روسيا تمتلك نحو 5459 رأساً نووياً، بينما تمتلك الولايات المتحدة نحو 5177 رأساً.

ونصَّت المعاهدة أيضاً على إجراء عمليات تفتيش ميدانية منتظمة بعد إخطارات سريعة، وعلى تبادل للبيانات بين البلدين مرتين سنوياً.

لا اتفاق على السقوف

بموجب شروط المعاهدة، لم يكن بالإمكان تمديد «نيو ستارت» إلا مرة واحدة، لذلك كان معروفاً منذ البداية أنها ستنتهي في 5 فبراير 2026. غير أنَّ روسيا والولايات المتحدة كانتا قادرتين على تلافي الفراغ عبر التوصل إلى اتفاق جديد يحل محل «نيو ستارت». وفي سبتمبر (أيلول) 2025، اقترحت روسيا أن تتفق الدولتان على الالتزام بسقوف المعاهدة لمدة عام إضافي، وهو ما قوبل في البداية بردٍّ إيجابي من الرئيس الأميركي دونالد ترمب. ولكنه أبدى لاحقاً رغبته في التفاوض على اتفاق جديد يضمُّ الصين أيضاً.

وبينما كان الجانبان ملتزمين على مرِّ السنوات بالقيود التي تفرضها المعاهدة، فإن أحكام التحقُّق المنصوص عليها فيها لم تُنفَّذ منذ فترة. ففي 2020، وبسبب جائحة «كوفيد-19»، علَّق الطرفان عمليات التفتيش الميداني. ومع تصاعد التوتر بين البلدين على خلفية الغزو الروسي لأوكرانيا والدعم العسكري الأميركي لكييف، أكدت الولايات المتحدة في شباط 2023 أنَّ روسيا لا تمتثل للمعاهدة، وبعد أسابيع من ذلك أعلن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أن بلاده ستعلِّق امتثالها، رافضة عمليات التفتيش وتبادل البيانات مع الولايات المتحدة. وردَّت واشنطن بقرار التوقف عن تشاطُر المعلومات مع موسكو.

غواصة نووية روسية تخترق جليد القطب الشمالي خلال تدريبات عسكرية في موقع غير محدد (أ.ب)

يمكن تأكيد أن النظام النووي العالمي يشهد ضغوطاً متزايدة في أكثر من اتجاه. فبالإضافة إلى الطرفين الأساسيين، من المعروف أن كوريا الشمالية وسَّعت ترسانتها، بينما يبقى خطر التصعيد النووي في الحرب الأوكرانية الروسية مرتفعاً، ولا أحد يدرك بالضبط حال البرنامج النووي الإيراني بعد الضربة الأميركية في 22 يونيو (حزيران) 2025، ولا ينحسر على الإطلاق التوتر بين الجارتين النوويتين الهند وباكستان، بسبب قضية كشمير وغيرها.

وفي موازاة ذلك، لا نرى أن الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن تحقق أي تقدُّم في مجال نزع السلاح النووي لحماية الكوكب، مع العلم بأنها ملزَمة بذلك بموجب معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية التي اعتُمدت عام 1968، وجُدِّد العمل بها إلى أجل غير مسمَّى عام 1995. وستُجرى المراجعة المقبلة لهذه المعاهدة في أبريل ومايو (أيار) المقبلين في نيويورك؛ حيث يتعيَّن على الدول المالكة للأسلحة النووية أن تفصح عما أحرزته من تقدُّم في تنفيذ التزاماتها بموجب المعاهدة خلال السنوات الخمس الماضية، وكيف تعتزم المضي قدماً في الوفاء بهذه الالتزامات خلال السنوات الخمس المقبلة.

خطاب عدواني

كتب المدير السابق للوكالة الدولية للطاقة الذرية، محمد البرادعي، في ديسمبر الماضي: «لم تفشل الدول الكبرى المالكة للأسلحة النووية في السعي إلى ضبط التسلُّح ونزع السلاح فحسب؛ بل هي تمضي علناً في مضاعفة الرهان على تحديث ترساناتها وتوسيعها، بما يواكب خطابها ذا النزعة العدوانية المتزايدة. أما الهياكل العالمية الهشَّة التي يُفترض أن تمنع فناءنا الذاتي، فهي تتداعى أمام أعيننا».

ما يقلق المراقبين أن الجهود الدبلوماسية بين الولايات المتحدة وروسيا بشأن اتفاقٍ يخلف «نيو ستارت» تكاد تكون معدومة، باستثناء تصريحات مقتضبة صدرت عن الرئيسين. فبعد يومين فقط على بدء ولايته الحالية، تحدث ترمب عن التحدث مع روسيا والصين حول مستقبل ضبط التسلُّح، قائلاً: «يُنفَق مقدار هائل من الأموال على الأسلحة النووية، والقدرة التدميرية أمر لا نرغب حتى في الحديث عنه... نريد أن نرى ما إذا كان بإمكاننا نزع السلاح النووي، وأعتقد أن ذلك ممكن جداً».

صورة مركَّبة لعسكري من القوات الجوية الأميركية يعاين صاروخ «مينتمان» في داكوتا الشمالية وصاروخاً باليستياً عابراً للقارات خلال عرض عسكري في وسط موسكو (أ.ف.ب)

وفي سبتمبر، أعلن بوتين أن روسيا «مستعدة لمواصلة الالتزام بالقيود الكمية الأساسية» لمدة عام واحد بعد انتهاء «نيو ستارت»، ولكن بشرط أن «تتصرف الولايات المتحدة بالروح نفسها»؛ لكن إدارة ترمب لم ترد على العرض، بينما بعث الرئيس الأميركي برسائل متباينة في تصريحاته، ففي أكتوبر (تشرين الأول)، قال ترمب تعليقاً على عرض بوتين: «يبدو لي أنها فكرة جيدة»، ولكنه قال في مقابلة مع «نيويورك تايمز» في يناير (كانون الثاني) عن «نيو ستارت»: «إذا انتهت فليكنْ. سنُبرم اتفاقاً أفضل».

وقالت داريا دولزيكوفا، من برنامج منع الانتشار والسياسة النووية التابع للمعهد الملكي للخدمات المتحدة في المملكة المتحدة، إن انتهاء العمل بمعاهدة «نيو ستارت» أمر «مقلق؛ لأن لدى الطرفين دوافع تدفعهما إلى توسيع قدراتهما الاستراتيجية». وأضافت في مقال نشرته أخيراً: «لدى روسيا مخاوف بشأن قدرتها على اختراق منظومات الدفاع الجوي الأميركية، وهي مخاوف تفاقمت مع خطط الرئيس دونالد ترمب لبناء (القبة الذهبية) لحماية أميركا الشمالية من الأسلحة بعيدة المدى. وفي المقابل، تعمل روسيا أيضاً على تطوير أسلحة جديدة صُممت لتجاوز أنظمة الدفاع الجوي، من بينها (بوسيدون)، وهو طوربيد ذاتي التشغيل عابر للقارات، يعمل بالطاقة النووية ومسلَّح نووياً، ويُطلق من تحت الماء، إضافة إلى (بوريفيستنيك)، وهو صاروخ (كروز) يعمل بالطاقة النووية، ومزوَّد برأس نووي. كذلك تُطوِّر الولايات المتحدة وروسيا والصين صواريخ فرط صوتية بعيدة المدى، قادرة على المناورة بسرعات تتجاوز 4 آلاف ميل في الساعة (6437 كيلومتراً)، ما يجعل اعتراضها أكثر صعوبة بكثير».

ورأت دولزيكوفا أن هذا التوسُّع في القدرات العسكرية «لن يؤدي إلا إلى جعل التوصل إلى معاهدة جديدة للحد من الأسلحة أكثر صعوبة»، إلى جانب «ازدياد أهمية الأسلحة النووية». وأضافت أن دولاً أخرى تبدو راغبة في امتلاك هذه الأسلحة بوصفها أداة ردع.

الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون وابنته كيم جو آي يشرفان على تجربة إطلاق نظام صواريخ في موقع غير محدَّد بكوريا الشمالية يوم 27 يناير 2026 (إ.ب.أ)

ليس خافياً على أحد أن التوتر يتعاظم على مستوى العالم. وفي وقت كهذا، تزداد أهمية تدابير نزع السلاح، أو على الأقل ضبطه. فالوضع المتردِّي للأمن الدولي ليس ذريعة للتقاعس؛ بل ينبغي أن يكون حافزاً لاتخاذ إجراءات عاجلة تُطمئن البشر؛ خصوصاً الذين هالهم ما سمعوه أخيراً عن «النخب الغربية».