تحديات اليمنيين الصعبة وخياراتهم الممكنة.. رؤية استشرافية

دولة «نصف فيدرالية» بصلاحيات واسعة تضمن مصالح الجميع

تحديات اليمنيين الصعبة وخياراتهم الممكنة.. رؤية استشرافية
TT

تحديات اليمنيين الصعبة وخياراتهم الممكنة.. رؤية استشرافية

تحديات اليمنيين الصعبة وخياراتهم الممكنة.. رؤية استشرافية

* كانت مطالب الحراك الجنوبي عقلانية ومعتدلة ولم تكن راديكالية.. إذ رفعت مطالب مشروعة من أبرزها إعادة تقييم العلاقة وتحديدها بين الشمال والجنوب في كيان بلد موحد إضافة إلى ضرورة المساواة والعدل في استثمار الموارد وتوزيعها.. والمسارعة في الإصلاح والمشاركة الشاملة السياسية والعسكرية والإدارية وإعادة الهيكلة الإدارية والإجراءات والقوانين

* إجبار الرئيس علي صالح على التنازل عن السلطة وتفويض نائبه جنب اليمن مصادمات عسكرية وزعزع بعض أساسيات النظام القديم

* الحراك الجنوبي استفاد من انتفاضة الشمال وكشف عن قدرة قوية في حشد الاحتجاج والتظاهر في الجنوب من أجل تثبيت مشروعية مطالبه

* مبادرة مجلس التعاون الخليجي أسست لخارطة طريق تضمن انتقال اليمن سلميا من أزمته وأخطارها إلى وضع جديد آمن ومستقر

يمكن القول إن اليمن في شماله وجنوبه كان دوما عرضة لعدم الاستقرار، لأكثر من قرنين من الزمن، ولكن بعد سيطرة العثمانيين على الحجاز ونجد (1811 - 1818)، في عهد محمد علي باشا، والي مصر (1805 - 1843)، وقعت بعض أجزاء اليمن تحت النفوذ العثماني في عام 1818. فأعلنت الإمامة الزيدية، في صنعاء، ولاءها للعثمانيين. وعندما أعلن محمد علي استقلاله عن الدولة العثمانية عام 1831، تعرض شمال اليمن إلى السيطرة المباشرة للحكم المصري فيما بين 1833 - 1839. ومع تقدم قوات محمد علي في اليمن في الثلاثينات من القرن التاسع عشر، سارعت بريطانيا إلى احتواء النفوذ المصري في تلك الفترة، وتحذير محمد علي من تقدم قواته تجاه الجنوب. وفي النهاية، قامت بريطانيا بمحاصرة عدن في عام 1838، ولم تلبث أن احتلتها بالقوة، وذلك بعد مقاومة عنيفة دامية في أوائل عام 1839. ومنذ هذه السنة امتدت السيطرة البريطانية سريعا إلى الأجزاء الباقية في جنوب الجزيرة العربية، وذلك على الكيانات التي عرفت فيما بعد بـ«المحميات التسع»، حسب التسمية البريطانية الاستعمارية. وتنفيذا لقرارات مؤتمر لندن عام 1840، قامت بريطانيا بزعامة تحالف دولي، وأجبرت محمد علي بالانسحاب من جميع المناطق التي سيطر عليها في المشرق العربي، بما في ذلك اليمن، وفي الوقت ذاته أعيد محمد علي إلى حظيرة الدولة العثمانية، واليا على مصر، ولكن بصلاحيات محدودة واسمية.
وعلى أي حال، فيما بين أعوام 1840 - 1871، ظل النفوذ العثماني اسميا أو شبه معدوم في اليمن، الذي بات عرضه للنزاعات المحلية وتنافس أئمة الزيدية على السلطة فيه، بينما كان الاستعمار البريطاني يتمدد بقوة في الجنوب. وبعد افتتاح قناة السويس عام 1869، تمكنت الدولة العثمانية من تجهيز حملة كبيرة، بقيادة أحمد مختار باشا، الذي سيطر على المخلاف السليماني في عام 1871، ثم على اليمن في عام 1872. وفي هذه المرة أصبح اليمن تحت الحكم العثماني المباشر، ويدار من قبل الولاة والقادة العثمانيين أنفسهم، ومع هذا أبقت الدولة العثمانية منصب الإمامة الزيدية في صنعاء، بصورة شكلية من أجل كسب نوع من الولاء والشرعية.
ومهما يكن من أمر، منذ عام 1872 شب نزاع مرير بين الدولة العثمانية وبريطانيا حول مسألة تبعية الكيانات - المحميات - في جنوب الجزيرة العربية، ولم تهدأ الأوضاع إلا في مطلع القرن العشرين عندما أذعنت الدولة العثمانية لبريطانيا ووقعت معها برتوكولات أعوام 1903، 1904، 1905، التي أشارت إلى مدى تبعية مناطق الدولتين بصورة عامة ملتبسة. والأكثر سوءا، تبنت الدولتان الأجنبيتان هذه البروتوكولات وألحقتها في الاتفاقية الإنجليزية - العثمانية في أغسطس (آب) عام 1914، وذلك قبيل نشوب الحرب العالمية الأولى بعدة شهور.
ومع نهاية الحرب العالمية 1918م وانهيار الدولة العثمانية أصبح اليمن - الشمالي - مستقلا عن أي نفوذ أجنبي، بل إن كلا من الإمام يحيى حميد الدين (1918 - 1948)، والإمام أحمد يحيى حميد الدين (1948 - 1962) لم يتنازلا إطلاقا عن مطالبهما مع بريطانيا عن كيانات الجنوب، كما لم يعترفا في البرتوكولات واتفاقية 1914 بين الدولة العثمانية وبريطانيا، التي تعتبر الدولتين أجنبيتين وليس لهما شرعية، ولا يحق لهما التصرف والتفاوض على الممتلكات والأراضي اليمنية.
وعلى الرغم من الضغوط والإغراءات البريطانية المتزايدة على الإمام يحيى من أجل التخلي عن المطالبة بالجنوب، إلا أنه لم يتراجع. ووصل الطرفان إلى حل مؤقت، حسب الاتفاقية البريطانية اليمنية لعام 1934، التي أكدت في مادتها الثالثة على المحافظة على الوضع الراهن في مناطق الطرفين حتى يصل الجانبان إلى تسوية نهائية في فترة سريان الاتفاقية، وهي 40 سنة بدءا من تاريخ توقيعها.
بعد نهاية الحرب العالمية الثانية (1945)، وتطور حركة الاستقلال الوطني في الجنوب، سخر الإمامان جهودا سياسية وعسكرية وإعلامية كبيرة لدعم المقاومة الوطنية للاستعمار البريطاني، وأصبحت صنعاء مركزا للقيادة والأحزاب والفئات المنفية المناهضة له. ومع نهاية سلطة الإمامة في ثورة 1962، وعلى الرغم من الحرب الأهلية الداخلية، ظل اليمن يساعد المقاومة السياسية والمسلحة ضد بريطانيا حتى نال اليمن الجنوبي استقلاله بعد انسحاب بريطانيا في أواخر عام 1967.
وهكذا، بدلا من أن يكون عام 1967 فاتحة عهد جديد، ثار نزاع شديد بين الدولتين حول مسائل الحدود والمناطق التي تركها الإرث الاستعماري الطويل، ثم تطور إلى صراع مرير نتيجة التباين الجذري في التوجهات السياسية والآيديولوجية بين جمهورية اليمن العربية من جهة، وجمهورية اليمن الديمقراطية ذات الحكم الاشتراكي الراديكالي من جهة ثانية، خاصة خلال عقدي السبعينات والثمانينات. وقد ظلت الخلافات على أشدها بين قيادات الحزب الاشتراكي الحاكم، ولم تلبث أن قادت إلى صراع دموي شديد على زمام السلطة في يناير (كانون الثاني) عام 1986. أما الشطر الشمالي، فلم يكن أفضل حالا، إذ كان عرضة لسلسلة من الانقلابات والاغتيالات. وفي النهاية، وبعد اغتيال الرئيس أحمد الغشمي في يونيو (حزيران) 1978، رشح مجلس الشعب في يوليو (تموز) 1978، علي عبد الله صالح (1978 - 2011) رئيسا للجمهورية، وظل في السلطة لأكثر من 33 عاما، تمكن خلالها من تحقيق إنجازات رئيسة بارزة، وفي الوقت عينه، شهد عهده الكثير من الفساد والمظالم.
فقد جرت في عهده انتخابات وتعددية وحريات ومجلس نواب ودستور.. إلخ، بدرجة أو بأخرى، وبغض النظر عن مدى حقيقتها أو شكليتها. وكذلك تمكن الرئيس صالح من تحقيق الوحدة بين الشطرين في عام 1990، وحل كثير من قضايا الحدود التاريخية العالقة بين اليمن وجيرانها، إريتريا وعمان والسعودية، وتوسع في علاقات اليمن العربية والإقليمية والدولية. لكنه مع مرور الوقت، انفرد بالسلطة، ونما في عهده الاستبداد، وتعددت المحسوبيات، وتنوعت مراكز القوى، وانتشر الفساد والاستغلال الفاحش في الأوساط السياسية والاقتصادية والعسكرية والأمنية كافة. وبدلا من استثمار الكفاءات العلمية والمهنية، أصبحت كثير من الوظائف، خاصة في المناصب القيادية، تخضع إلى الأهواء والولاءات الشخصية والعائلية وأصحاب المصالح من ذوي المال والنفوذ، كما ذهبت معظم الإعانات والمساعدات الخارجية إلى جيوب الفئات المتنفذة المختلفة، وأصبح نشاط القطاع الخاص محتكرا إلى حد كبير من قبل هذه الفئات.
وعموما، سارعت الحكومتان في صنعاء وعدن إلى الاتفاق على صيغة وحدة اندماجية في 22 مايو (أيار) 1990. ويعود هذا التوجه إلى أسباب داخلية وخارجية أملتها طبيعة الظروف الخاصة لكل من الدولتين. لكن سرعان ما برزت مشكلات كبيرة بين القيادتين السياسيتين الشمالية (المؤتمر) والجنوبية (الاشتراكي)، تطورت سريعا 1994، مع اندلاع حرب أهلية قصيرة بين الشطرين انتصر فيها الشمال، إلا أن هذا الانتصار السريع لم يكن الفصل الأخير في الصراع بين الطرفين. ومنذ تلك اللحظة ظهرت رؤيتان أساسيتان ومتعارضتان؛ الأولى أن الحرب عززت الوحدة الوطنية بين الشطرين، وقضت على طموحات الانفصال، والثانية أنها قد قضت بتداعياتها اللاحقة، على مشروعية الوحدة وآفاقها المستقبلية، وقادت إلى احتلال الشمال للجنوب.
وكانت الرؤية الثانية تعبر عن الشعور السائد لدى معظم سكان الجنوب. فقد تضررت الفئات الاجتماعية كثيرا في الشطر الجنوبي بشكل خاص، مع تزايد استفراد سلطة الرئيس علي صالح ونظامه، والتخوف من احتمالات المستقبل. لقد لجأ نظام صنعاء إلى تسريح معظم القوات الجنوبية من الخدمة، وأجرى مناقلات رئيسة في القوات الأخرى، وتغييرات طالت قياداتها العسكرية والأمنية، إضافة إلى عدم صرف المستحقات والتقاعد وإنكارها. وعلى الرغم من أن الشطر الجنوبي كان أفضل تعليما وخبرة ومهنية وأكثر تطورا ومدنية من الشمال، فقد استحوذ الشماليون على المناصب الإدارية والوظيفية في المحافظات الجنوبية، وسيطروا على كثير من النشاطات والموارد الاقتصادية. وكذلك تدهورت البنية التحتية والخدمات العامة، وساءت الأوضاع المعيشية والسكنية والصحية والتعليمية، وهكذا انتشر الفساد والمحسوبية وعدم الأمن والاستقرار، وازداد الفقر والتذمر والنقمة في أجزاء اليمن كافة. وأخذ الكثيرون من سكان الجنوب يتمنون عودة النظام الاشتراكي السابق، الذي انتقدوه في الماضي.
لهذا لم يكن مستغربا أن تثور المطالبات والاحتجاجات منذ زمن في محافظات كثيرة، وأن يتزايد الاحتقان السياسي والاقتصادي والاجتماعي والديني، الذي أدى بدوره إلى ظهور التطرف والعنف بصورة غير مسبوقة، خاصة بعد أحداث 11 سبتمبر (أيلول) 2001 وتداعياتها المتسارعة دوليا وإقليميا، وبعد لجوء كثير من أنصار «القاعدة» في أفغانستان إلى اليمن فيما بعد، وتحالف النظام مع الولايات المتحدة عسكريا وأمنيا في مواجهة الإرهاب، إلا أن تلك العلاقات الخاصة بين الولايات المتحدة ونظام علي صالح أصبحت مثار شبهة وذريعة سياسية أخرى لتعبئة المقاومة ضد النظام نفسه. في هذا السياق، لم يأتِ اندلاع التمرد في محافظة صعدة الشمالية في عام 2004، معقل الحوثيين، مصادفة، حيث تطورت الأحداث إلى مواجهات وقعت خلالها، خمس حروب بين الحوثيين والقوات الحكومية منذ عام 2004. وبدأ يظهر بعض الداعين إلى إحياء الزيدية وإمامتها والعودة إلى المحافظة على المنظومة الزيدية وبعض شعائرها التاريخية القديمة، خاصة تلك المغالية من بعض أئمة الزيدية في قرون ماضية.
ومما زاد من التأثير الحوثي أن محافظة صعدة تعرضت للإهمال والتهميش في نواحٍ كثيرة، كما أن الحروب المتكررة والقصف الجوي والعنف الذي مارسته السلطة أدى إلى تدمير القرى والطرق والبنية التحية وزيادة المظالم.
أما المحافظات الشمالية، فقد تدهورت أوضاعها وكثر فيها النهب والسلب والاختطاف وتهريب الأسلحة، وانخراط القبائل في هذا النزاع وتنافس الميليشيات على الموارد والمساعدات من الحكومة.. إلخ. وكذلك أحاط بالمشكلة اليمنية البعد الدولي والإقليمي، مع تنامي النفوذ الإيراني وتدخل طهران الواضح في الشؤون اليمنية.
ومنذ عام 2007، أصبحت حركة الاحتجاج أوسع انتشارا وشعبية في الجنوب، وعرفت منذ ذلك الحين، بالحراك الجنوبي، وهو تحالف حركات سياسية واجتماعية قديمة وجديدة. وللحق، ففي البداية كانت مطالب الحراك الجنوبي عقلانية ومعتدلة، ولم تكن راديكالية، إذ رفعت مطالب مشروعة، من أبرزها إعادة تقييم العلاقة وتحديدها بين الشمال والجنوب في كيان بلد موحد، إضافة إلى ضرورة المساواة والعدل في استثمار الموارد وتوزيعها، والمسارعة في الإصلاح والمشاركة الشاملة السياسية والعسكرية والإدارية، وإعادة الهيكلة الإدارية والإجراءات والقوانين.
وعلى الرغم من وعود حكومة صنعاء الكثيرة، فإنها لم تتخذ أي مبادرات إصلاحية أو حتى جزئية. وتدريجيا انجرت حكومة صنعاء إلى القسوة والقمع الشديدين ضد خصومها تحت مبررات مختلفة. ومع تزايد القمع والإنكار ازدادت شعبية الحراك الجنوبي، وبدأت الأصوات تتعالى كثيرا وتطالب بالانفصال.
ومن دون شك، فقد أفادت انتفاضة الشمال الحراك الجنوبي، الذي كشف عن قدرته القوية في حشد الاحتجاج والتظاهر في الجنوب من أجل تثبيت مشروعية مطالبه، حيث استفادوا من مواقف كثير من النشطاء الشباب، وأطراف قوية في أحزاب اللقاء المشترك من الشمال والجنوب الذين يأملون في تجاوز الانقسام الوطني. وإذا كانت الانتفاضة في الشمال فرصة استراتيجية للحراك الجنوبي لا يمكن التفريط بها، ففي المقابل، ساعد الوضع الجديد على انفتاح بعض الأطراف الشمالية والجنوبية، ومهّد لنوع من الثقة وكسر الحواجز وتبادل وجهات النظر ومناقشة الخيارات الممكنة كافة حول مستقبل اليمن عموما، والجنوب خصوصا.
وفي النهاية، ومع استمرار الانتفاضة وصمودها، وبدعم من مجلس الأمن والولايات المتحدة والدول الأعضاء بالاتحاد الأوروبي، قام مجلس التعاون لدول الخليج العربي في فبراير (شباط) 2012، بمبادرة سياسية شاملة ومتماسكة من أجل إنقاذ اليمن من خطر الصراع وتقرير مستقبله، لكي تصبح خارطة طريق تضمن انتقال اليمن من أزمته وأخطارها إلى وضع جديد آمن ومستقر بصورة سلمية. وقد شملت الاتفاقية تفاصيل كثيرة ومحددة، من أبرزها تنحي الرئيس علي عبد الله صالح من السلطة، ومنحة الحصانة من الملاحقة القضائية في الداخل، كما وضعت وثيقة تنفيذية حول مرحلة انتقالية محددة في خطواتها ومراحلها ضمن أطر زمانية (Benchmarks). وهكذا، وبموجب آلية التنفيذ برعاية الأمم المتحدة لخارطة الطريق، صار على الحكومة أن تُخضع قوات الأمن كافة للقيادة المدنية، وأن تنجز مشروعا للدستور وتصلح النظامين الانتخابي والقضائي، وأن تضع قانونا للعدالة الانتقالية، وإجراء انتخابات عامة في عام 2014. وكذلك قضت الاتفاقية بتفويض علي صالح كامل السلطة إلى نائبه، عبد ربه منصور هادي، وتشكيل حكومة إجماع وطنية، تضم حزب المؤتمر الشعبي الحاكم وأحزاب اللقاء المشترك، وإطلاق حوار وطني يضم جميع الأطراف لمعالجة مظالم كل المجموعات، وإضافة إلى تشكيل لجنة عسكرية وأمنية تعمل على معالجة الانقسام والتوتر داخل القوات العسكرية والأمنية.
وافق علي صالح بعد شهور من المماطلة على الاتفاقية، ووقعها في نوفمبر (تشرين الثاني) 2011، مع تفويض السلطة لنائبة عبد ربه هادي، ثم أُجريت انتخابات رئاسية حيث انتخب عبد ربه هادي رئيسا - بلا منافس - لليمن في 21/ 2/ 2012. وقد حدد الرئيس هادي لحكومته مدة سنتين، على أن تعمل على تنفيذ أمور رئيسة، من أبرزها إطلاق مؤتمر حوار وطني، وإعادة الهيكلة العسكرية والأمنية، وتحقيق العدالة الانتقالية، ومعالجة القضايا السياسية والاقتصادية، ووضع دستور جديد يحظى بإجماع وطني قبل انتخابات فبراير (شباط) 2014. وعلى أي حال، فمن المؤكد أن إجبار الرئيس علي صالح على التنازل عن السلطة وتفويض نائبه جنّب اليمن مصادمات عسكرية، أو حتى حربا أهلية على أسوأ تقدير، كما زعزع بعض أساسيات النظام القديم. ومن دون شك، فإن المرحلة الانتقالية، على الرغم من تعثرها وانتخاب رئيس جديد، قد فتحت الإمكانية لفرصة نادرة وثمينة لن تتكرر، وبالتالي يمكن أن تتيح صياغة قواعد وعلاقات جديدة تحفظ مصالح جميع الأطراف، في إطار يمن موحد.
وفي الحقيقة، فإن البرنامج الذي أعلنه الرئيس عبد ربه هادي وحكومته، كان طموحا ومثيرا للإعجاب، ولكن تنفيذه يتطلب توفر مناخ ملائم وشروط صعبة وكثيرة. وعموما، وأيا كانت الآمال المعقودة، فقد بدأ مؤتمر الحوار الوطني في 18 مارس (آذار) 2013، تحت مظلة عامة تضم فئات متعددة ومختلفة من الشمال والجنوب. غير أن ثمة مشكلات عدة قد تعترض المرحلة الانتقالية، هي:
أولا: الوضع الاقتصادي الفاسد والمتهالك لعقود طويلة، خاصة في السنوات الأخيرة بعد اندلاع الانتفاضة والاحتجاجات.
ثانيا: تؤكد التجارب أن الشعوب بعد كل ثورة أو تغيير تساورهم آمال واسعة بحل مشكلاتهم بصورة مباشرة، وإذا لم يحدث هذا يُصاب الناس بالإحباط بسرعة، ثم يتراجع حماسهم بقوة، ولا تلبث أن تنكفئ كل فئة أو طرف إلى وضعها السابق، وهنا فإن اليمن في هذه الحالة ليس استثناء. وفي اعتقاد الكاتب، فإنه إذا نجحت الدول المانحة في اتخاذ إجراءات كبيرة وعاجلة في الاستجابة لمعالجة أهم مشكلات الظروف المعيشية والإنسانية خلال الفترة الراهنة من المرحلة الانتقالية، فإن غالبية الشعب سوف يكون مستعدا للصبر والانتظار لإنجاز التسوية السياسية.
ثالثا: على الرغم من سعي الرئيس هادي في المناقلة والتغيير في القيادات العسكرية والأمنية، مثل أبناء علي صالح وعائلته وذويه، وكذلك الفريق علي محسن الأحمر من عائلة الأحمر القوية، فإن مراكز الجانبين قوية وباقية في الأجهزة العسكرية والأمنية، كما يسيطر الفريقان منذ زمن على كثير من الموارد والثروات والأنشطة الاقتصادية. ولهذا فإن كل فريق قد يسعى لحفظ مصالحه السابقة، وربما يستطيع أي طرف أن يستغل موارده لتقويض مصالح الآخر مما يؤدي إلى المقاومة والممانعة في إعادة الهيكلة في الأجهزة العسكرية، من حيث دمج الفرق والمناقلات والصرف عن الخدمة وحل بعض الفرق الخاصة.
رابعا: ما زالت تحديات الحراك الجنوبي والحوثيين قائمة، وبالطبع لكل طرف أسبابه من نواحٍ عديدة، فالنزعة الانفصالية تتزايد في الجنوب، كما وسع الحوثيين سلطتهم ومناطقهم في الشمال، وما زال الجانبان ينظران بكثير من الشك إلى نجاح المرحلة الانتقالية، ولهذا لا بد أن تُبنى جسور التواصل والثقة، مهما كانت سعة الخلاف.
خامسا: ومع سوء الأوضاع والفراغ الأمني المتزايد لأكثر من عقد من الزمن، أصبحت كثير من المناطق، خاصة البعيدة، مسرحا لـ«القاعدة» وأنصارها، علاوة على انتشار أنصار الشريعة، وهم مزيج من «القاعدة» وسلفيين ومتطرفين. ومع سوء الأمن في المدن الرئيسة، مثل صنعاء وتعز والحديدة، فإن المناطق الأخرى، مثل أبين ومآرب والجوف وحضرموت، باتت أكثر سوءا وإهمالا.
سادسا: ومما يزيد الطين بله، تصاعد النقمة ضد العمليات الأميركية واستخدام الطائرات من دون طيار (Drones) في قصف أي هدف مشتبه فيه، مما ينتج عنه كثير من الدمار العشوائي الوحشي الذي يذهب ضحيته المئات من الأبرياء. وساهم ذلك، إلى حد كبير، في تقوية مواقع «القاعدة» وادعاءات المتطرفين، وظهور جماعات مسلحة معارضة للنظام في صنعاء، ترفض التدخل الأميركي، كما أصبحت هذه الجماعات ترتبط بصورة أو بأخرى مع «القاعدة» والفئات الجهادية، نتيجة لتقاطع بعض المصالح والأهداف، على الرغم من أنها أصلا مدفوعة بعوامل سياسية واجتماعية أكثر من عقائدية دينية.
سابعا: مما يظهر - حتى الآن - في مؤتمر الحوار الوطني، أن الممارسات والمناقشات الحزبية التقليدية ما زالت تسيطر على هذه الفئات، ويشعر كثير من الإصلاحيين والنشطاء أن المصالح السياسية الخاصة لحزب المؤتمر الشعبي وأحزاب اللقاء المشترك، أصبحت تطغى على المصلحة العليا العامة، وأن الطرفين يسعيان للمحافظة على دولة شديدة المركزية، مع إضافة واجهات تجميلية من أجل تسويق مشاريعهم. بينما ينظر بعض الجنوبيين أن مثل هذه الممارسات تحابي الأطراف التقليدية الشمالية، مما يسهم في تزايد الشكوك حول المرحلة الانتقالية، وحالة الانقسام بين الشمال والجنوب. وبعبارة أخرى فإن التسوية ظلت تجري بصورة رئيسة من قبل نخب قديمة ذات تأثير ونفوذ، حيث شارك جزء كبير منها بالسلطة، وكانوا أصلا مسؤولين عن مشكلات البلاد في السابق.
ثامنا: التنفيذ وكيف؟ ما زال التنفيذ يفتقر إلى آلية المساءلة والمحاسبة الجدية التي يمكن أن تتابع سجل الالتزامات والخطوات وتنفيذها، وكذلك الانتهاكات لأي اتفاق من أي طرف. وهذه مسؤولية يمنية من جهة، وكذلك دول مجلس التعاون والأمم المتحدة والأطراف العربية والدولية من جهة ثانية.
ما العمل؟ على الرغم من التحديات والضغوط المتزايدة فإن المرحلة الانتقالية سوف تبقى الفرصة الوحيدة التي لن تتكرر من أجل العمل بإصلاحات جذرية في الهيكل العسكري والأمني والسياسي والإداري للدولة اليمنية، ولهذا فإن العمل يتطلب جانبين رئيسين متكاملين ومتلازمين لنجاح المرحلة الانتقالية.
الجانب الأول: الهيكلة العسكرية والأمنية:
1 - من المعروف أن الجيش اليمني والأجهزة العسكرية ليسا احترافيين في ظل عقيدة عسكرية وطنية، وكذلك الحال في الأجهزة الأمنية التي أصبحت كلها أشبه بإقطاعيات شخصية، ولهذا فإنها تتطلب إعادة هيكلة، وتلك عملية حساسة وبالغة الصعوبة، لأنها تهدد بشكل مباشر مصالح ومحسوبيات متراكمة، وولاءات ومراكز قوى متجذرة. وهذه العملية تتطلب وسائل عديدة، من أبرزها إحداث تنقلات واسعة، ليس فقط بالقادة السابقين بل الأوساط الوسطى، وكذلك دمج بعض الفرق المنقسمة، بل وحل بعضها. وفي هذه الحالة، فإن المسألة ليست تدوير مناصب، بل ينبغي أن تكون متوازنة وشاملة دون تحيز لهذا الطرف أو ذاك، ولا تكون متسرعة حتى لا تسبب ردود أفعال عنيفة، لأن مراكز القوى القديمة قادرة على أن تقاوم وتخرب جهود الإصلاح.
2 - تعزيز الاحترافية في القطاعين العسكري والأمني وفرض الانضباط، وتأكيد الهوية المؤسسية الموحدة، واحترام التراتيبية من أسفل إلى أعلى، حتى وزير الدفاع والداخلية، إلى رئيس الجمهورية، وكذلك إدماج رجال القبائل وبعض الميليشيات في الأجهزة الأمنية دون تشجيع للعصبية القبلية، والعمل بطريقة أو بأخرى لإخراج التجمعات القبلية المسلحة من المدن. ومن الضرورة تطبيق الإجراءات والقوانين تدريجيا، من دون تحيز في التوظيف والصرف والخدمة والتنقلات والرواتب والتقاعد... إلخ.
الجانب الثاني: الهيكلة السياسية والإدارية والقانونية:
1 - في البداية لا بد من الاعتراف بكثير من ديناميات تكوين المجتمع اليمني - في شماله وجنوبه - سواء القديمة أو تلك المستجدة، وذلك من حيث فهم التركيب الاجتماعي والانتماء القبلي، وخلفية التعدد المذهبي والتسامح الديني الذي كان سائدا طيلة عهود، إضافة إلى الأعراف والعادات الإيجابية السائدة التي قد تساعد على حل النزاعات واستيعاب الخصوم... إلخ. وفي ضوء هذا، يمكن النقاش والإقرار بالمظالم المشروعة في حالة الجنوب أو الحوثيين أو غيرهم، والعمل على إصلاح العلاقات الودية دون كيل الاتهامات، والاعتراف بأن الجميع كانوا مسؤولين على حد سواء في الماضي.
2 - إعادة هيكلة المؤسسات الإدارية وضمان الرقابة المدنية، بحيث تكون الإجراءات والقرارات بأيدي المؤسسات المدنية في ظل القانون، وليس بأيدي المحسوبية والفئوية. ويجب تبادل كل وجهات النظر عن معايير وقواعد الدولة الجديدة الوليدة، حتى وإن كانت متباينة ومتعارضة، والتأكيد أن يخرج كل طرف كاسبا لرؤيته، وليس خاسرا أو مستضعفا، حتى يتسنى لكل طرف تسويق التسوية وإقناع أنصاره بالمصالح المكتسبة.
3 - ومن المهم جدا التأكيد على أولوية رئيسة، ذلك أنه من أصعب العقبات غياب عقد سياسي شامل، حتى الآن، ولكن إذا تم تجاوز معظم التحديات المذكورة خلال العملية الانتقالية، فإنه يصبح من الممكن صياغة دستور وطني جديد واضح القواعد والمعالم، ينظم كل العلاقات والحقوق والواجبات السياسية والاقتصادية والإدارية لكل أجزاء اليمن ضمن إجماع سياسي شامل وموحد.
لا شك أن كل هذا يتطلب جهدا كبيرا وتنازلات ومفاوضات مرهقة وحكمة وحسن إدارة لأزمة اليمن، وتلك مسؤولية تقع أولا على اليمنيين أنفسهم، وتقع، ثانيا، على الدول الداعمة لوحدة اليمن واستقراره، وعلى رأسها السعودية ودول مجلس التعاون الخليجي، إضافة إلى الأمم المتحدة والمجتمع الدولي.
خيارات وسيناريوهات:
بشكل عام، يظهر للمراقب إمكانية حصول أربعة احتمالات في التوجهات الرئيسة في المرحلة الانتقالية، وهي:
الأول: المحافظة على الوحدة القائمة بين الشطرين واستمرار المركزية والتقسيمات الإدارية السابقة، مع تحسين أداء الأجهزة السياسية والعسكرية والاقتصادية والإدارية.
والثاني: المحافظة على الوحدة والمركزية والتقسيمات السابقة مع إعطاء صلاحيات كبيرة للمحافظات.
والثالث: دولة فيدرالية من إقليمين؛ الشمال والجنوب.
والرابع: انفصال الجنوب واستقلاله عن الشمال.
على الرغم مما ذُكر في السابق، أو غيره من فساد ومشكلات وتحديات في الماضي والحاضر، يمكن المراهنة على حل لأزمة اليمن، بما يكفل أمنه واستقراره ووحدته ويضمن مصالح الجميع. وتقوم هذه النظرة على معطيات تاريخية سياسية وثقافية واجتماعية عدة، ولعل أبرز ما يمكن التذكير به ما يلي:
1 - كما ذُكر سابقا، طيلة العهود التاريخية لقد عرف اليمن شماله وجنوبه بالتسامح الديني والتعدد المذهبي، بل إن بعض فروع القبيلة الواحدة قد تختلف مذهبية أفرادها، ولكن تظل الانتماءات العصبية القبلية الرابط الرئيس للفروع كافة.
2 - أيضا عُرف اليمن شماله وجنوبه بمعاداته للأجنبي ومقاومته الشديدة، التي لا تكل ولا تلين، ولعل أبرز الشواهد التاريخية يتمثل في مقاومة اليمن الشمالي للنفوذ العثماني على مدى أربعة قرون، وكذلك النضال السياسي والمسلح في الجنوب ضد الاستعمار البريطاني.
3 - وأيا كانت الانتقادات للنظام اليمني السابق، سواء في فترة الانتفاضة أو قبلها، فقد أثبت أنه كان أقل قمعية ووحشية، بدرجة كبيرة، من غيره من الأنظمة العربية التي هبت عليها رياح التغيير، مثل دول الربيع العربي، وبرهن على أن لديه قابلية للتكيف داخليا، وتلك المرونة، من دون شك لم تأتِ من فراغ، مهما كانت الضغوط الخارجية، بل مستمدة من تراث تاريخي.
4 - وإذا كان المجتمع اليمني يوصف تكوينه بالقبلي من الناحية التاريخية، فقد ظهرت أجيال يمنية شابة جديدة خلال العقود الأخيرة، لها إدراك واعٍ لأهمية الروابط السياسية والفكرية في علاقاتها أكثر من الرابط القبلي أو المذهبي. ولعل أبرز شاهد في هذا الصدد تلك المشاركة من الكمّ الهائل من الشباب - رجالا ونساء - والنشطاء في حشود الانتفاضة اليمنية، وكل هؤلاء من أحفاد قبائل مختلفة.
الحل؟ يمكن تصور الخيار التالي: ربما يكمن أفضل حل أو خيار في قيام دولة نصف فيدرالية - أو شبه فيدرالية - تبدد المخاوف والشكوك وتضم عدة أقاليم - وليس محافظات - مع تفويض صلاحيات أمنية ومدنية وإدارية واقتصادية واسعة، وذلك في ظل عقد سياسي (دستور) جديد وشامل ينظم جميع الحقوق والواجبات والعلاقات. ومن دون شك فإن هذا الطرح يحتاج إلى نقاش وتفاصيل ومفاوضات وتنازلات من الفئات اليمنية من جهة، ويتطلّب من الدول الإقليمية والعربية والدولية الداعمة لوحدة اليمن، وكذلك من المجتمع الدولي والدول المانحة، أن تبذل جهودها لإنجاح التسوية السياسية في المرحلة الانتقالية.
* قسم التاريخ، جامعة الملك سعود



أميركا واللقاحات: هل ينتصر مجتمع الشك على دولة العلم؟

عاملان من الصليب الأحمر بلباس عازل يحملان نعش طفل توفى جراء إصابته بـ«إيبولا» في الكونغو الديموقراطية في 24 مايو الحالي (رويترز)
عاملان من الصليب الأحمر بلباس عازل يحملان نعش طفل توفى جراء إصابته بـ«إيبولا» في الكونغو الديموقراطية في 24 مايو الحالي (رويترز)
TT

أميركا واللقاحات: هل ينتصر مجتمع الشك على دولة العلم؟

عاملان من الصليب الأحمر بلباس عازل يحملان نعش طفل توفى جراء إصابته بـ«إيبولا» في الكونغو الديموقراطية في 24 مايو الحالي (رويترز)
عاملان من الصليب الأحمر بلباس عازل يحملان نعش طفل توفى جراء إصابته بـ«إيبولا» في الكونغو الديموقراطية في 24 مايو الحالي (رويترز)

في بلد يملك بعضاً من أضخم المختبرات الطبية في العالم، وأقوى شركات الدواء، وأكبر منظومات البحث والتطوير، يبدو التردد الأميركي المتصاعد حيال اللقاحات مفارقة صادمة. فالولايات المتحدة التي قادت سباقات إنتاج اللقاحات، ودفعت أحياناً نحو تسريع ترخيص علاجات وأدوية قبل دول غربية أخرى أكثر تحفظاً، تجد نفسها اليوم أمام عودة أمراض تشبه أمراض البلدان النامية، ويُفترض أنها صارت من ذاكرة الطب الوقائي في البلدان المتطورة. عودة الحصبة إلى الانتشار الواسع، وتجدد المخاوف من «إيبولا» وفيروسات أخرى مثل «هانتا»، لا تعكس أزمة وبائية فحسب، بل تكشف أيضاً أزمة ثقة بين العلم والمجتمع، وبين الدولة والمواطن، وبين السياسة والمؤسسات الصحية.

طفلان أميركيان ينظران عبر الزجاج إلى والدهما المصاب بـ«إيبولا» في غرفة الحجر الصحي في أحد مستشفيات برلين في 21 مايو الحالي (رويترز)

تزداد المفارقة حدّة اليوم في عهد إدارة الرئيس دونالد ترمب، إذ يتزامن القلق من موجات وبائية جديدة مع اتهامات للإدارة بأنها أضعفت أدوات الوقاية داخل الولايات المتحدة وخارجها. وهو ما تجلَّى بالفعل منذ عودة ترمب إلى البيت الأبيض، عبر تقليص المساعدات الصحية الخارجية، وتفكيك أجزاء من بنية الوكالة الأميركية للتنمية الدولية (يو إس إيد)، والانسحاب من منظمة الصحة العالمية، وتخفيض أدوار مراكز مكافحة الأمراض والوقاية منها.

وفي الداخل، جاء تسليم وزارة الصحة والخدمات الإنسانية إلى روبرت إف. كينيدي جونيور، المعروف بتاريخ طويل من التشكيك في اللقاحات، ليحوّل النقاش الصحي إلى مواجهة سياسية وثقافية مفتوحة. وهذه ليست مجرد مسألة طبية، بل هي اختبار لمعنى الحرية الفردية حين يصبح قرار شخص واحد بعدم تلقي اللقاح خطراً على طفل رضيع، أو مريض سرطان، أو مجتمع بأكمله.

موكب يرافق سيارة إسعاف نقلت مسعفاً أميركياً أصيب بـ«إيبولا» في جمهورية الكونغو الديمقراطية وتم نقله إلى برلين لإسعافه (رويترز)

عودة «الحصبة»: إنذار مبكر

يجمع الأطباء وعلماء الأمراض على أن «الحصبة» لا تحتاج إلى كثير من الثغرات كي تعود. فهي من أكثر الأمراض المعدية انتشاراً، ويكفي تراجع محدود في معدلات التلقيح كي تتحول حالة وافدة إلى بؤرة محلية.

ووفق بيانات مراكز مكافحة الأمراض والوقاية منها، سجَّلت الولايات المتحدة حتى 14 مايو (أيار) 2026 ما مجموعه 1893 إصابة مؤكدة بالحصبة في 40 ولاية أو نطاقاً صحياً، مع 27 تفشياً جديداً خلال العام، وارتباط 93 في المائة من الحالات بتفشيات قائمة. كما سجلت البلاد في عام 2025 ما مجموعه 2288 إصابة مؤكدة و48 تفشياً، مقارنة بـ285 إصابة فقط في عام 2024. هذه الأرقام لا تعني مجرد زيادة إحصائية، بل تشير إلى أن «درع المناعة الجماعية» بات مثقوباً في مناطق متعددة.

تزداد خطورة المؤشر لأن الولايات المتحدة كانت أعلنت القضاء على الانتقال المحلي المستمر للحصبة منذ عام 2000. لكن القضاء لا يعني اختفاء الفيروس من العالم، بل يعني أن النظام الصحي قادر على منع تحوله إلى سلسلة انتقال داخلية. وعندما تتراجع معدلات التطعيم، تسقط هذه القدرة.

ويشير مجلس العلاقات الخارجية إلى أن دولاً عدة فقدت أو باتت مهددة بفقدان وضع القضاء على الحصبة، بينها كندا ودول أوروبية وآسيوية، وأن الولايات المتحدة والمكسيك تواجهان خطر مراجعة وضعهما من منظمة الصحة للبلدان الأميركية.

طبيبة تشير إلى لقاحات ضد الحصبة بعد انتشار الوباء في لوبوك تكساس الأميركية في 5 مارس 2025 (رويترز)

وهنا المعيار العلمي واضح: يحتاج المجتمع إلى تلقيح نحو 95 في المائة من أفراده ضد الحصبة لتحقيق المناعة الجماعية. واللقاح نفسه ليس موضع شك علمي جدي؛ فمراكز مكافحة الأمراض تقول إن جرعة واحدة من لقاح الحصبة والنكاف والحصبة الألمانية فعالة بنسبة 93 في المائة ضد الحصبة، وترتفع الفعالية إلى 97 في المائة بعد جرعتين. لكن المشكلة لا تكمن في توفر المعرفة، بل في تآكل الثقة بها.

بلد العلم... ومجتمع الشك

الانقسام الأميركي حول اللقاحات ليس جديداً، لكنه اتخذ بعد وباء «كوفيد - 19» طابعاً أكثر حزبية، مع تآكل الثقة في الإرشادات المتغيرة وتحول المعرفة الطبية إلى مادة في حرب ثقافية. في مراحل سابقة، كانت معارضة اللقاحات توجد داخل مجموعات دينية محافظة، أو تيارات «الطب الطبيعي»، أو أوساط ليبرالية قلقة من شركات الأدوية. لكن الوباء أعاد توزيع الخريطة: صارت الكمامة واللقاح والإغلاق وإلزامية التطعيم إشارات هوية سياسية، لا مجرد أدوات للصحة عامة فقط.

في استطلاع أجرته «بوليتيكو» عبر مؤسسة «بابليك فيرست» وشمل 3851 بالغاً، برزت شريحة واسعة من الأميركيين تشكك في سلامة اللقاحات، وتؤيد تقليل عدد الجرعات، وتميل إلى اعتبار حق الفرد في تقرير ما يدخل جسده أهم من منع انتشار المرض. كما أشار الاستطلاع إلى أن قرابة نصف البالغين يرون أن علم اللقاحات لا يزال موضع نقاش، أو أن فرض اللقاحات يسبب ضرراً.

أميركية تحمل لافتة كتب عليها «أمهات ماها»: «فلنجعل أميركا صحية من جديد» خلال تجمع في واشنطن العاصمة في 22 أبريل 2025 (رويترز)

هذا المزاج لا ينفصل عن صعود حركة «لنجعل أميركا صحية مجدداً» المرتبطة سياسياً بكينيدي جونيور. فالحركة تمزج بين نقد شركات الدواء، والقلق من الأغذية المصنعة، والشك في المبيدات، ومعارضة جزء من سياسات اللقاحات. هذه التركيبة تمنحها جاذبية مزدوجة: فهي تخاطب ناخبين محافظين يرفضون تدخل الدولة، وناخبين غير محافظين يرتابون من نفوذ الشركات. لكن الخطر يظهر حين يتحول نقد مشروع للمصالح الدوائية إلى إنكار للأدلة العلمية الأساسية.

كينيدي يقحم السياسة في جدول التطعيم

تعيين كينيدي على رأس وزارة الصحة لم يكن تفصيلاً إدارياً. فالرجل بنى جزءاً كبيراً من حضوره العام على التشكيك في سلامة اللقاحات، رغم أن الادعاءات الأكثر شهرة عن علاقة اللقاحات بالتوحد دُحضت علمياً مراراً. ومع دخوله الوزارة، انتقل الخطاب من هامش القناعات السياسية إلى مركز القرار الصحي.

تقول «رويترز» إن مجموعات مرتبطة بحركة كينيدي دفعت باتجاه مشروعات قوانين مناهضة لإلزامية اللقاحات في ولايات عدة، لكن هذه المشروعات مُنيت بهزائم واسعة بعدما حشدت منظمات طبية وصحية، بينها الأكاديمية الأميركية لطب الأطفال، ضدها. اللافت أن هذه الهزائم حصلت حتى في ولايات جمهورية، ما يشير إلى أن القاعدة المحافظة ليست كتلة واحدة معادية للقاحات، وأن كثيراً من الناخبين يميزون بين الاعتراض على البيروقراطية وبين تفكيك متطلبات التطعيم المدرسي.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب ووزير الصحة المثير للجدل روبرت كينيدي متحدثاً عن أثر عقار تايلنول على الحوامل والتسبب في توحّد الأطفال وهو ما دحضته الأبحاث العلمية (رويترز)

ومع ذلك، لا يمكن التقليل من الأثر السياسي للتشكيك الرسمي. فحين يسمع المواطن رسائل متناقضة من الدولة نفسها، يضعف الامتثال الطوعي. وحين يصبح وزير الصحة نفسه رمزاً لتيار يشكك في اللقاحات، فإن كل تفشٍّ جديد يتحول إلى معركة تأويل: هل السبب هو الهجرة والسفر العالمي؟ أم تراجع الثقة؟ أم خفض التمويل؟ أم الإعلام؟ في الواقع، كل هذه العوامل قد تتداخل، لكن القيادة الصحية مسؤولة عن تقليل الالتباس لا زيادته.

بين حرية الجسد وواجب الدولة

السؤال القانوني في قلب النقاش الأميركي هو: إلى أي حد تستطيع الدولة إلزام الفرد بإجراء طبي لحماية الآخرين؟ التاريخ الدستوري الأميركي يجيب من حيث المبدأ منذ قضية «جاكوبسون ضد ماساشوستس» عام 1905، حين أيَّدت المحكمة العليا سلطة الولاية في فرض التطعيم ضد الجدري باعتباره ممارسة مشروعة لـ«سلطة الشرطة» لحماية الصحة العامة. وتعود القضية إلى رفض القسّ السويدي هننغ جاكوبسون الامتثال لقانون في ولاية ماساشوستس يفرض التطعيم ضد الجدري أو دفع غرامة صغيرة. فطعن في القانون باسم الحرية الفردية، لكن المحكمة العليا رأت أن حق الفرد يتراجع عندما يهدد رفضه الصحة العامة. ورغم أن الحكم لم يقل إن الدولة تستطيع أن تفعل ما تشاء بجسد المواطن، لكنه أكد أن الحرية الفردية ليست مطلقة عندما يترتب على ممارستها خطر مباشر على المجتمع.

وزير الصحة الأميركي روبرت كينيدي متحدثاً في مؤتمر «ماها»: «فلنجعل أميركا صحية من جديد» في واشنطن العاصمة يوم 12 نوفمبر 2025 (رويترز)

منذ ذلك الوقت، قامت سياسات التطعيم المدرسي في الولايات المتحدة على منطق مشابه: لا تجبر الدولة عادة كل شخص بالقوة الجسدية على أخذ اللقاح، لكنها تربط الالتحاق بالمدارس العامة أو بعض الوظائف أو الأماكن الحساسة بمتطلبات صحية من بينها أن يكون المرء قد حصل على اللقاحات التي تُعد أساسية. وفي المقابل، أبقت الولايات على استثناءات طبية، وأحياناً دينية أو فلسفية. غير أن اتساع هذه الاستثناءات يحولها من ضمانة حقوقية إلى ثغرة وبائية. فالقانون لا يحمي الفرد من الدولة فقط، بل يحمي الضعفاء أيضاً من قرارات الآخرين.

هنا يكمن التوتر الأميركي العميق. فثقافة الحرية الفردية تجعل كثيرين يرون اللقاح قراراً شخصياً خالصاً، لكن الأمراض المعدية لا تعترف بهذا الفصل. رفض اللقاح ليس كرفض علاج لا يؤثر إلا في صاحبه؛ إنه قرار قد يفتح طريق العدوى أمام مجتمع كامل. لذلك، تصبح مسؤولية الدولة مزدوجة: أن تشرح وتقنع وتبني الثقة أولاً، وأن تستخدم الإلزام المتدرج عندما يهدد التردد الصحة العامة.

«إيبولا» يفضح الهشاشة

إذا كانت الحصبة تكشف ثغرات الداخل، فإن «إيبولا» يكشف هشاشة الجدار الخارجي للأمن الصحي الأميركي. التفشي الحالي في الكونغو وأوغندا، المرتبط بسلالة «بونديبوغيو» النادرة، أثار قلقاً خاصاً، لأنه لا يوجد لقاح مرخص أو علاج نوعي ضدها، بخلاف بعض سلالات «إيبولا» الأخرى. وأعلنت منظمة الصحة العالمية في 16 مايو (أيار) 2026 أن التفشي يشكل طارئة صحية عامة ذات قلق دولي، مع تأكيد حالات في الكونغو وأوغندا، ووجود مئات الحالات المشتبه بها ووفيات عديدة.

عمّال الصليب الأحمر يعقّمون محيط مستشفى بعد تسلّم جثة أحد المصابين بـ«إيبولا» في ولاية إيتوري في جمهورية الكونغو الديمقراطية في 21 مايو الحالي (رويترز)

كما أن طبيعة المنطقة تضيف المنطقة خطراً مضاعفاً. فإيتوري ومنطقة شرق الكونغو ليستا مجرد رقعة صحية، بل مساحة نزاع، وتعدين، وحركة حدودية، وضعف مؤسسات، وانعدام ثقة بين السكان والسلطات. وفي مثل هذه البيئات، لا يكفي إرسال معدات وقاية أو إنشاء عيادات عزل. فالاستجابة الفعالة تحتاج إلى تتبع مخالطين، ودفن آمن، ومختبرات، وعاملين محليين موثوقين، وشبكات إنذار مبكر. أي أن الأمن الصحي يبدأ قبل ظهور الحالة الأولى في مطار أميركي.

هنا تتصاعد الاتهامات لسياسات إدارة ترمب. فقد نقلت وسائل إعلام أميركية بينها «أكسيوس» و«بوليتيكو» و«واشنطن بوست» تحذيرات خبراء من أن تفكيك برامج «يو إس إيد»، والانسحاب من منظمة الصحة العالمية، وتقليص دور مراكز مكافحة الأمراض في برامج عالمية، وجهت ضربة لبنية الرصد والاستجابة. كما نقلت عن لجنة الإنقاذ الدولية قولها إن خفض التمويل ترك المنطقة «مكشوفة بشكل خطير»، وإن ارتفاع الحالات يعكس أن أنظمة المراقبة بدأت تلاحق حالات تفشٍ كان جارياً على الأرجح منذ فترة.

إدارة ترمب ترد بأنها موَّلت عيادات علاجية وأرسلت معدات وتشغل تنسيقاً بين الوكالات. لكن الاعتراض الجوهري، بحسب خبراء، هو أن الاستجابة المتأخرة لا تعوض دائماً عن الوقاية المبكرة. في الأوبئة، الساعة الأولى قد تساوي أسابيع لاحقة من الجهد.

دمى من البالونات على شكل بيل غيتس ومدير عام «الصحة العالمية» تادروس جبريوس يحملان حقناً رفعها معارضون لسياسات المنظمة حيال الاستعداد للأوبئة أمام مبنى الجمعية العامة في جنيف في 19 مايو 2025 (أ.ف.ب)

«الحرية الطبية» والتكلفة الجماعية

تعتمد الحركات المناهضة للتلقيح الملزم على لغة جذابة: «حرية طبية»، و«حق الاختيار»، و«شفافية»، و«مقاومة نفوذ شركات الدواء». ولا يمكن إنكار أن جزءاً من هذه الأسئلة مشروع. تاريخ الدواء لا يخلو من تضارب مصالح، ومن تسويق عدواني، ومن إخفاقات رقابية. كما أن وباء «كوفيد-19» ترك في الذاكرة الأميركية شعوراً بالارتباك بسبب تبدل الإرشادات، والقيود الاجتماعية، والصراع بين العلماء والسياسيين.

لكن المشكلة تبدأ حين تُستخدم أخطاء المؤسسات لتقويض الطب الوقائي كله. فإصلاح الرقابة على شركات الدواء لا يعني إسقاط اللقاحات. والمطالبة بشفافية بيانات السلامة لا تعني مساواة الدراسات العلمية المُحكمة بمنشورات التضليل التي أغرقت وسائل التواصل الاجتماعي في ذلك الوقت. كما أن القلق من تسرع بعض الترخيص لا يبرر تجاهل لقاحات ثبتت فعاليتها لعقود. والكلفة هنا لا تقع بالتساوي. فالعائلات القادرة قد تؤخر اللقاح لكنها تملك أطباء ومعلومات ووسائل علاج. أما المجتمعات الفقيرة، والمدارس المكتظة، والمناطق الريفية، والمهاجرون، والأطفال غير المؤهلين طبياً للتطعيم، فيدفعون الثمن الأكبر. لذلك، فإن تراجع التطعيم ليس مجرد خيار فردي، بل يعمّق اللامساواة الصحية، بحسب الخبراء.

اللقاحات تحمي من تفشي الأوبئة والأمراض (أ.ف.ب)

دولة عظمى أمام سؤال الثقة

القضية في النهاية ليست ما إذا كانت الولايات المتحدة تملك العلم؛ فهي تملكه لا شك. وليست ما إذا كانت تملك المال؛ فهي تملكه أيضاً، وإن اختلفت أولويات الإنفاق. السؤال هو ما إذا كانت تملك الثقة العامة اللازمة لتحويل العلم إلى سلوك جماعي.

لقد أظهرت هزائم مشروعات القوانين المناهضة للقاحات في ولايات عدة أن المجتمع الأميركي لم ينقلب بالكامل على التطعيم، وأن هناك مقاومة مؤسسية وشعبية لتفكيك متطلبات الصحة العامة. لكن أرقام الحصبة، وصعود الخطاب المشكك، وتسييس وزارة الصحة، وتراجع البنية العالمية للرصد، كلها تقول إن النظام الصحي الأميركي دخل مرحلة أكثر هشاشة.

طفل يتلقى جرعة من لقاح «كوفيد - 19» في بنسلفانيا أميركا في 11 سبتمبر 2025 (رويترز)

الأوبئة لا تبدأ عادة ككارثة شاملة. تبدأ بثغرة صغيرة: عائلة لم تطعم أطفالها، مقاطعة انخفضت فيها التغطية، عيادة أُغلق تمويلها، مختبر فقد موظفيه، أو رسالة سياسية زرعت الشك في لحظة حرجة. ومن هذه الثغرات تتسع الدائرة.

لذلك، لا تكفي العودة إلى خطاب تقني عن «سلامة اللقاح». المطلوب عقد اجتماعي صحي جديد: شفافية أكبر، ورقابة أقوى على شركات الدواء، واعتراف بأخطاء مرحلة «كوفيد»، وخطاب علمي أقل تعالياً، وحزم قانوني عندما يتحول الرفض الفردي إلى خطر عام. فأميركا لا تواجه نقصاً في اللقاحات بقدر ما تواجه نقصاً في الثقة، وهذه، في زمن الأوبئة، قد تكون العدوى الأخطر.


مستشفيات سوريّة تحولت أقبية تعذيب وتصفية: «تشرين العسكري» نموذجاً

لافتة الاستقبال عند مدخل مستشفى المزة العسكري - 601 في دمشق حيث جرت عمليات تعذيب وتصفية والتقطت صور قيصر (الشرق الأوسط)
لافتة الاستقبال عند مدخل مستشفى المزة العسكري - 601 في دمشق حيث جرت عمليات تعذيب وتصفية والتقطت صور قيصر (الشرق الأوسط)
TT

مستشفيات سوريّة تحولت أقبية تعذيب وتصفية: «تشرين العسكري» نموذجاً

لافتة الاستقبال عند مدخل مستشفى المزة العسكري - 601 في دمشق حيث جرت عمليات تعذيب وتصفية والتقطت صور قيصر (الشرق الأوسط)
لافتة الاستقبال عند مدخل مستشفى المزة العسكري - 601 في دمشق حيث جرت عمليات تعذيب وتصفية والتقطت صور قيصر (الشرق الأوسط)

جمعت «الشرق الأوسط» شهادات مؤلمة لناجين من عمليات «تصفية متعمّدة» كانت ترتكب بحقّ موقوفين معارضين في مشفى تشرين العسكري بدمشق ومشافٍ عسكرية أخرى خلال سنوات الثورة السورية، ورووا كيف كانت تتم عمليات التعذيب وأساليب القتل، وأبرزها «كسر العنق».

وأوقفت السلطات الأمنية السورية عشرات قيد التحقيق على خلفية تلك الجرائم، فيما لا يزال معظم المسؤولين عنها ومرتكبيها فارّين. وذكرت «الشبكة السورية لحقوق الإنسان» أن المعطيات التي جمعتها تفيد بوجود شبكات منظمة من الأطباء والممرضات ورجال الأمن الضالعين في هذه الجرائم، وتشمل عمليات استئصال الأعضاء والقتل المباشر.

يأتي ذلك وسط استمرار صدمة، يعيشها غالبية السوريين منذ مطلع الشهر الحالي، بعد نشر مقاطع فيديو وصور مسرّبة توثق تعذيب معتقلين داخل عدد من المواقع، من بينها مستشفى تشرين.

مدخل مستشفى تشرين العسكري قبل إعادة تسميته «مشفى دمشق العسكري» (أ.ف.ب)

أكبر تجمّع طبي

افتتح مشفى تشرين العسكري، الواقع في حي برزة شمال شرقي دمشق عام 1982، كأكبر تجمع طبي في سوريا، متضمناً أبنية حديثة، ويستقبل المدنيين كما العسكريين. وأصبح المشفى أحد أفضل المراكز التخصصية، إذ يضم أكثر من 36 قسماً وشعبة طبية تخصصية، وأجهزة حديثة خصوصاً لغسيل الكلى، وكادراً يناهز عدده 1600 بين أطباء وممرضين وإداريين وحراس.

وتتألف الهيكلية الإدارية في المستشفى من المدير العام، وهو ضابط برتبة عميد، ونائبين له، غالباً برتبة عميد أو عقيد، أحدهما للشؤون الفنية والطبية، وآخر للشؤون الإدارية، وضابط الأمن تتراوح رتبته من نقيب حتى عقيد، ورؤساء الشعب والأقسام برتب من مقدم حتى عميد، والأطباء الاختصاصيون والمقيمون من ملازم أول حتى عقيد، والكادر التمريضي، وهؤلاء ضباط صف، إضافة إلى العاملين من مجندين وعرفاء.

وبلغ عدد المشافي والمستوصفات العسكرية في عهد النظام السابق نحو 30 تابعة لـ«إدارة الخدمات الطبية العسكرية»، وموزعة على 14 محافظة، وأبرزها مستشفيات «تشرين» و«601» و«حرستا» في دمشق وريفها، ومشافي حلب وحمص واللاذقية.

ومنذ تسريب المقاطع المصورة والصور القديمة التي تبين أن المشافي العسكرية، ومنها تشرين، تحولت إلى «مسالخ بشرية» في عهد النظام السابق، يطالب الأهالي بالكشف عن أسماء مرتكبي الجرائم وإلقاء القبض عليهم ومحاسبتهم، وكشف مصير أحبتهم.

وعلمت «الشرق الأوسط» أنه تم توقيف نحو 40 طبيباً قيد التحقيق بينهم 3 رؤساء أقسام وشعب طبية، لكن وزارتي الدفاع والداخلية لم تردّا على أسئلة «الشرق الأوسط» حول الكوادر الطبية المتورطة وعدد من جرى توقيفهم.

سوريون يبحثون عن ذويهم المفقودين بين جثث عُثر عليها في سجن صيدنايا ونقلت إلى مشرحة مستشفى المجتهد في دمشق (أ.ف.ب)

قسم التصفية

كان الطبيب محمود رهبان ضابطاً برتبة عقيد ضمن «إدارة الخدمات الطبية العسكرية» السابقة، وهو من سكان دمشق، وتنقل خلال فترة خدمته في عدة مراكز طبية ومشافي عسكرية، آخرها «مشفى حلب». وتحدث رهبان لـ«الشرق الأوسط»، كيف تحولت مبانٍ من المستشفيات العسكرية، ومنها «تشرين»، في سنوات الثورة إلى فروع أمنية مصغّرة لا تتبع إدارة المستشفى، وإنما يفرز لها عناصر من الشرطة العسكرية يشرفون عليها.

والمبنى الصغير في مستشفى تشرين، كما في مستشفى حلب، مستقل كلياً عن المبنى العام الذي يعمل فيه الأطباء، ويأتيه المواطنون العاديون للعلاج.

وخلال السنوات الأولى للثورة، عمل رهبان برفقة مجموعة من الناشطين على إدخال أدوية ومواد طبية إلى حيي برزة والقابون، وكان ناشطاً ضمن تنسيقية مساكن برزة للثورة السورية واتحاد تنسيقيات دمشق.

وتم اعتقال رهبان بتهمة «تمويل أعمال إرهابية»، وأحيل إلى «محكمة الإرهاب»، ثم أودع سجن «صيدنايا» السيئ الصيت. وبعد توقيف استمر 75 يوماً أخلي سبيله، بقرار «منع محاكمة لعدم كفاية الأدلة»، بعدما دفع رهبان رشاوي كبيرة للمحققين وقاضي التحقيق للإفراج عنه.

ويشير رهبان إلى أنه عند مرض المعتقلين يتم إحالة غالبيتهم إلى «القسم الخاص» في مشفى تشرين. ويقول: «المعاملة كانت سيئة جداً، إذ كنا نتعرض للضرب بقوة، ونوصف بالإرهابيين والخونة من قبل الأطباء والكوادر الطبية الذين كان همّهم في بداية الثورة إظهار ولائهم المطلق للنظام».

عناصر من الدفاع المدني و«الخوذ البيضاء» يكتشفون مقابر جماعية في سوريا حيث تعرض أكثر من 100 ألف شخص للتعذيب والقتل منذ عام 2013 (أ.ف.ب)

تصفية بكسر الأعناق

على رغم شدة التعذيب في تلك المستشفيات، وخصوصاً «تشرين»، فإن هناك من قدر له أن ينجو منها، مثل العميد محمد منصور عمار، الذي كان يخدم في مطار «السين» العسكري بريف دمشق، مع انطلاق الثورة عام 2011، وجرى اعتقاله في صيدنايا بين 2014 و2022 بتهمة «تزويد الإرهابيين بالمعلومات».

يذكر عمار لـ«الشرق الأوسط»، أنه تم تحويله إلى مستشفى تشرين 6 مرات خلال تلك السنوات. ويقول: «في كل مرة يكون عدد المحولين نحو 20 موقفاً، ولكن لا يعود منا أكثر من 3».

ويروي عمار كيف كانت تجري التصفيات، ويقول: «عناصر مفرزة الشرطة العسكرية جميعهم من (القبضايات)، يختارون كل يوم 10 معتقلين، ويأمرونهم بالاستلقاء على ظهورهم، ثم يأتي العنصر ويدوس بقوة على عنق الموقوف ليفارق الحياة بدقائق، بينما يجبرون من هم على قيد بتجميع الجثث عند باب المفرزة».

ويلفت إلى عدم الاكتراث الذي كان يبديه الطبيب الشرعي، ويقول: «لم يكن يدخل إلى المفرزة أو يعاين المرضى، بل يكتفي بسؤال المساعد من الباب بقرف عن عدد الجثث لتسجيلها». ويؤكد عمّار أنه خلال 4 مراجعات لمشفى تشرين شهد «تصفية نحو 45 موقوفاً بكسر أعناقهم».

صور مفقودين عُلقت على جدران مستشفى المزة العسكري - 601 في دمشق (الشرق الأوسط)

من الناجين أيضاً «إبراهيم علي الحمدان»، الذي كان برتبة ملازم أول مجند في جيش النظام السابق بدرعا، وانشق منتصف 2012، ليتم اعتقاله في دمشق في أغسطس (آب) 2012.

ويتحدث الحمدان لـ«الشرق الأوسط» بمرارة عن تعذيب شديد تعرض له على مدار شهر ونصف شهر في مشفى «حرستا». ويقول: «أرهق جسمي من التعذيب طوال 3 أسابيع، وقال لي مساعد اسمه (أبو الليث): هناك توصية من رئيس الفرع بذبحك... لأنك عوايني (مخبر) للجيش الحر». ويضيف: «جاءت لجنة طبية إلى القسم، وعندما كشف عليّ الطبيب وجد قدميّ متقيحتين من شدة الضرب، فقام بشقّ الورم بمشرط دون أي بنج أو معقمات، وراح يضغط عليهما».

ووفق الحمدان، أتى أبو الليث في أحد الأيام بموقوف، وكان معه طبيب وعنصران، وقاموا بتعذيبه بشدة لساعات، وبعدما استراحوا قليلاً عادوا لتعذيبه حتى منتصف الليل، ليفارق الحياة مع الفجر.

في يوليو (تموز) 2013، تم تحويل الحمدان إلى سجن صيدنايا. وخلال فترة اعتقاله تمت إحالته 47 مرة إلى «مشفى تشرين»، حيث بقي في إحدى المرات نحو 4 أشهر، وكان مصاباً بعدة أمراض.

يقول الحمدان: «أعطوني مصلاً فأصبت بارتفاع حرارة شديد، وشعرت أنني أفارق الحياة، حتى استفرغت دماً، بينما الأطباء يتحدثون بأنني قد أموت».

وبسبب حالته طلب طبيب نقل الحمدان إلى قسم العناية المشددة، لكن مدير القسم الطبي ردّ بالقول: «سيبقى بالنظارة حتى يموت... العناية المشددة لجرحى الحرب، وليست للخونة».

ويؤكد الحمدان، الذي خرج من «صيدنايا» أواخر عام 2020 بعد قضاء محكوميته، أن «المشفى كان مكاناً للإجهاز على المعتقلين، وليس معالجتهم، فخلال 4 أشهر لقّنت الشهادة لـ40 شخصاً قبل وفاتهم».

المدير التنفيذي لـ«رابطة معتقلي ومفقودي سجن صيدنايا»، دياب سرّية، يقول: «ليس من الممكن ضمن المعطيات والظروف الحالية التأكد من أي أرقام للضحايا في مستشفى تشرين العسكري. لكنّنا نقدّر أعداد من دخلوا سجن صيدنايا بين عامي 2011 و2021 بنحو 39 ألف معتقل، بقي منهم نحو 6 آلاف على قيد الحياة». ويلفت سرّية في تقرير نشر عام 2023 إلى أن «جزءاً غير يسير ممن فقدوا حياتهم تم تحويلهم إلى مستشفى تشرين العسكري أحياءً، ثم ماتوا هناك»، موضحاً أنه «استطعنا توثيق 80 حالة فقط لأشخاصٍ عادوا من المستشفى إلى سجن صيدنايا على قيد الحياة، وذلك من أصل 1160 حالة موثقة داخل السجن».

الطبيب السوري المتهم بارتكاب جرائم ضد الإنسانية يخبئ وجهه عند دخوله قاعة المحكمة بفرانكفورت (أ.ف.ب)

مصير الجناة

في السياق، يوضح الطبيب رهبان أن «إدارة الخدمات الطبية العسكرية» القديمة جرى «حلّها بالكامل، ومعظم المتورطين في تلك الجرائم على الأرجح هربوا خارج البلاد».

ويعدّ مدير إدارة الخدمات الطبية العسكرية السابق اللواء الطبيب عمار سليمان الذي كانت تربطه علاقة وثيقة مع بشار الأسد، المسؤول الأول عن عمليات التصفية التي كانت تحصل في تلك المشافي. ويرجح رهبان أن يكون سليمان «هرب إلى خارج البلاد، بينما جرى بعد شهرين أو 3 أشهر من التحرير توقيف العميد الطبيب نزار إسماعيل الذي كان يشغل مناصب نائب مدير (الإدارة)، ورئيس فرع الإمداد، ورئيس الفرع العلاجي فيها.

وتفيد معلومات بأن رئيسة قسم الضباط في (الإدارة) العقيد (لبنى علي)، هربت ليلة التحرير من مكتبها إلى بلدتها، ثم إلى خارج البلاد. أما ضابط أمن (الإدارة) العميد مازن إسكندر، فلا توجد أي معلومات عنه».

ووفق رهبان، كان اللواء الطبيب مفيد درويش، الذي شغل منصب مدير المشفى حتى سقوط النظام، يعلم بكل تفاصيل ما يجري في المستشفى، سواء في المبنى العام أو المبنى المعزول الخاص بالمعتقلين المرضى، ولكن تعامله كان سيئاً للغاية حتى مع الكادر الطبي العامل في المبنى العام (المدني). وبقي درويش في البلاد لفترة بسيطة بعد التحرير، ومن ثم غادر إلى الإمارات، في حين هناك أطباء جرى توقيفهم، ومن ثم إخلاء سبيلهم، منهم ضابط الأمن في مشفى تشرين، العميد الطبيب هاني سلوم.

وبالنسبة لرؤساء الأقسام والشعب الطبية في المبنى العام، يقول رهبان إنه «لم تكن لهم علاقة بما كان يجري في المبنى المنعزل»، لافتاً إلى أن أغلبيتهم أجروا تسوية وضع ومنحوا وثيقة تسوية بعد التأكد من أنهم غير متورطين بالدماء وعدم وجود ادّعاء شخصي بحقّهم، مع وضع إشارات منع سفر على أسمائهم في المنافذ البرية والجوية والبحرية، ومن يريد السفر عليه تقديم طلب لوزارة الدفاع، ويسمح له بذلك لمرة واحدة لمدة 3 أشهر بعد إجراء دراسة أمنية عنه.

توزيع أدوار ومهام

كان دور شعبة الطبابة الشرعية في المستشفى توثيق وفاة المعتقلين وإصدار شهادات وفاة، لكن رئيسها كان يدعي في شهادة الوفاة أنها نتيجة «توقف القلب والتنفس» أو «الوهط القلبي الدوراني»، بعد أن قضى هؤلاء فعلياً تحت التعذيب.

ومنذ عام 2011 حتى التحرير في ديسمبر (كانون الأول) 2024، كان العميد الطبيب أكرم فارس الشعار من ريف حماة يرأس شعبة الطبابة الشرعية بمستشفى تشرين، وكانت تضم أيضاً نائبه العميد إسماعيل كيوان من مدينة السويداء، والمقدم أيمن خلو، والملازم منقذ شموط، إضافة إلى 7 ضباط صف ممرضين وإداريين.

وبينما يتحدث رهبان عن توقيف الشعار، يلفت إلى أن أيمن خلو موقوف منذ فترة على خلفية قضية جنائية لا علاقة لها بمستشفى تشرين، في حين فرّ إسماعيل كيوان إلى مناطق سيطرة رجل الدين الدرزي حكمت الهجري في محافظة السويداء جنوب البلاد.

ومع حلّ «إدارة الخدمات الطبية العسكرية» القديمة، تشير معلومات «الشرق الأوسط» إلى أن من عادوا من طاقم الكوادر الطبية القديمة من أطباء وممرضين «يعدّ على أصابع اليد»، بينما يمارس عدد من الأطباء ممن لم يتورطوا بجرائم مهنتهم في عيادات خاصة، في حين غادر قسم آخر إلى دول غربية وإقليمية وعربية.

وتجري حالياً بوتيرة متسارعة عملية إخلاء مساكن الجاهزية التابعة لمستشفى تشرين من قبل شاغليها وتسليمها، تنفيذاً لقرار أصدرته بداية مايو (أيار) الحالي وزارة الدفاع، وحددت فيه مدة شهر للتنفيذ اعتباراً من تاريخ إصداره.

شبكة قتل وتعذيب منظمة

«الشبكة السورية لحقوق الإنسان» لا تملك حتى الآن رقماً موثقاً بالكامل لعدد الأطباء والعناصر الطبية المتورطين في عمليات التصفية داخل مشفى تشرين تحديداً. وما يمكن تأكيده، وفق منهجية التوثيق التي تعتمدها الشبكة، أن المشفى كان يضم شبكة منظمة من أطباء وممرضين وضباط أمن تعاونوا في عمليات القتل والتعذيب، ولم تكن الانتهاكات صادرة عن أفراد منفردين.

ويقول مديرها فضل عبد الغني لـ«الشرق الأوسط» إن «المعطيات التي جمعتها الشبكة تفيد بوجود شبكات من الأطباء والممرضات ورجال الأمن الضالعين في هذه الجرائم، بما يشمل عمليات استئصال الأعضاء إلى جانب القتل المباشر».

وتشير المعطيات المتاحة إلى 3 فئات: الأولى تضم المعتقلين الذين تمكنت السلطات الأمنية الجديدة من القبض عليهم، والثانية تضم الفارين خارج سوريا، والثالثة تضم من بقوا داخل البلاد في وضع قانوني غير محسوم، مشيراً إلى أن بعض العناصر من الكوادر الطبية لا يزالون في مساكن المشفى أو في مناطق مختلفة داخل سوريا، وهو ما كشفته العملية الأمنية التي نُفِّذت مؤخراً في مساكن الممرضين التابعة للمشفى. وعدّ عبد الغني أن فرار جزء من هؤلاء يمثل تحدياً جدياً أمام مسار المحاسبة، ما يستدعي تنسيقاً دولياً فورياً لإصدار نشرات الإنتربول ومذكرات توقيف دولية بحقّ المشتبه بهم.

الناشطة السورية ياسمين المشعان تحمل صور ضحايا نظام الأسد أمام محكمة في ألمانيا يوم 13 يناير 2022 (أ.ف.ب)

ولفت عبد الغني إلى أنه جرى إلقاء القبض على متورطين، غير أن أعداد هؤلاء لا تزال محدودة قياساً بحجم الجرائم الموثقة، ومن أبرز ما وثّقته المصادر الرسمية السورية إعلان وزارة الداخلية في أواخر 2025 اعتقال 5 عناصر سابقين من الكوادر الطبية والقضائية العسكرية الأمنية الأخيرة في مساكن الممرضين مطلع مايو 2026، واحتجاز عدد من العاملين السابقين.

وكانت محكمة ألمانية أصدرت حكمها في 16 يونيو (حزيران) 2025 بالسجن مدى الحياة بحق الطبيب السوري علاء موسى المتهم بارتكاب جرائم ضد الإنسانية، من بينها تعذيب معتقلين في مستشفيات عسكرية في سوريا.


حرب إيران في ميدان العراق... مشاهد لاكتمال نفوذ الفصائل

عنصر من «الحشد الشعبي» على دراجة نارية في دورية غرب البلاد (موقع الهيئة)
عنصر من «الحشد الشعبي» على دراجة نارية في دورية غرب البلاد (موقع الهيئة)
TT

حرب إيران في ميدان العراق... مشاهد لاكتمال نفوذ الفصائل

عنصر من «الحشد الشعبي» على دراجة نارية في دورية غرب البلاد (موقع الهيئة)
عنصر من «الحشد الشعبي» على دراجة نارية في دورية غرب البلاد (موقع الهيئة)

«إذا تحتم عليك السقوط، كن نيزكاً». عبارة خطت على جدارية داخل المنطقة الخضراء في بغداد. إلى جانبها رسمٌ لمقاتلين بلا ملامح، يرتدون خوذاً، ويحملون بنادق. يبدو أنهم مستعدون للقتال في جبهات مختلفة.

على الأغلب، يمر بجوار هذه الجدارية كبار المسؤولين والضباط في بغداد وهم في طريقهم إلى مكاتبهم في مباني الحكومة، بمن فيهم قادة فصائل في «الحشد الشعبي». وبعد مرور نحو شهرين على الحرب الأميركية–الإيرانية، يتبين أن كثيرين منهم لا يرغبون في أن يكونوا نيازك تسقط.

قبل يوم من الحرب، كنت أحاول إجراء مقابلات في بغداد. المسؤولون العراقيون الذين التقيتهم كانوا منهمكين في اجتماعات «طارئة». أحدهم قال إن الموظفين في وزارة الهجرة العراقية شاركوا في نقاشات عن حالة «إنذار محتملة»، في «إشارة مقلقة جداً» من وجهة نظره.

اهتزت بغداد صباح 28 فبراير (شباط) 2026 على وقع غارات في طهران. في المساء قيل لنا إن صورة لجثمان المرشد الإيراني علي خامنئي وصلت إلى هواتف قادة في «الإطار التنسيقي» قبل ساعات من إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترمب نبأ مقتله. ثم بدأت واحدة من أغرب الليالي في العاصمة العراقية.

في بغداد، يظهر صنفان من حلفاء طهران يقفان على طرفي نقيض. بدا أنهما يتجهزان لتصفية حسابات ظلت صامتة منذ سنوات، أو يستعدان لولادة جديدة؛ ولادة تعيد نفسها مرات ومرات، منذ 2003.

متظاهر يحمل علم إيران خلال محاولة اقتحام متظاهرين بوابة المنطقة الخضراء في مارس 2026 (الشرق الأوسط)

«هؤلاء يوالون خامنئي حقاً»؟

اليوم الثاني من الحرب. المنطقة الخضراء في حالة استنفار. شوارع مغلقة، وحواجز، ونقاط تفتيش، رجال أمن يتحققون من الذين لا يحملون رخصة دخول المنطقة الحكومية. لم يفرض حظر تجول، لكنك عملياً تتجول في حظر غير معلن.

عند المساء، أقامت حركة «عصائب أهل الحق» بزعامة قيس الخزعلي مجلس عزاء للمرشد علي خامنئي. تجمع العشرات قرب جسر الجمهورية وسط بغداد. رافقهم موكب من سيارات «شيفروليه تاهو» الرائجة لدى شريحة واسعة من سياسيين، ومسؤولين، وقيادات في الجماعات المسلحة. حمل المتظاهرون لافتات رثاء خامنئي تحت نصب الحرية التاريخي، يحميهم طوق من عناصر الأمن، ودون احتكاك.

حركة المرور طبيعية على الجسر. السيارات تعبر بانسيابية نحو المدخل الشرقي للمنطقة الخضراء، سوى تجمع محدود لمراسلي محطات حزبية تمولها فصائل لها نفوذ في الحكومة يجرون مقابلات مع «المعزين بمقتل خامنئي». تضامن صامت، لم يتأخر الوقت قبل أن يتفرق.

عام 2019، المسرح نفسه كان دموياً حين قُتل وأصيب مئات الشبان الذين خرجوا في احتجاجات شبه يومية ضد الفساد، والنفوذ الإيراني في بغداد، بشعار «إيران برا برا». لا يسمع صوت هؤلاء بعد مرور 7 سنوات، و40 يوماً من الحرب، بعضهم انخرط تماماً في أحزاب التحالف الحاكم.

على بعد 4 كيلومترات من العزاء الصامت، كان الوضع عنيفاً وصاخباً عند الجسر المعلق المؤدي إلى المدخل الغربي من المنطقة الخضراء. العشرات يندفعون نحو حواجز الأمن غير مبالين. يريدون الوصول إلى السفارة الأميركية. شاهدت شباناً يبكون بحرقة، ويحدقون في المارة، ويتحققون من أولئك الذين لا يبدو عليهم الحزن. كأنهم يسألون: «أيعقل ألا تحزن؟».

للوهلة الأولى بدا الاحتجاج ارتجالياً. وجوه خائفة كما هي غاضبة. ثمة من يقذف الحجارة على عناصر الأمن الذين يغلقون مدخل الجسر بالحواجز الفولاذية، وعربات كبيرة تحمل مدافع المياه. آخرون يحملون أعلاماً إيرانية، ويهتفون ضد ترمب «قاتل المرشد».

اخترقت جرافة كبيرة الحشد نحو الحاجز، خلفها سحابة سوداء، وموجة غبار، وملثمون يحملون العصي. بدأ إطلاق الرصاص الحي وقنابل الغاز المسيل للدموع. استقرت الجرافة عند سياج خرساني، وتعطل محركها دون اختراق الحصن الأمني، فصار الهتاف مدوياً أكثر.

سألت متظاهراً عما سيفعله في حال كان الطريق مفتوحاً نحو سفارة واشنطن. قال: «لا أعرف. لا يهم. حتى لو ألقيت بنفسي على دبابة». كان يستغرب السؤال فحاول تنبيهي: «قتلوا قائدنا... إنه ولينا. هل تعرف ما يعنيه هذا؟». خلال الليل، أعلنت السلطات إصابة العشرات من الطرفين، المحتجين وقوات الأمن.

الحال أنهما كانا في صف واحد قبل أيام، حكومة وفصائل. المتظاهرون أيضاً، عند الجسرين، كانا في خندق واحد قبل مقتل خامنئي. «الفصائل» و«المقاومة» و«الحشد الشعبي» في الأيام اللاحقة فتحت الطرق والسماء للمسيرات، والغارات الأميركية.

باستثناء هذين الصنفين من حلفاء إيران، وقد بدا أنهما يحتكران المجال العام في بغداد، كانت شريحة من العراقيين الشيعة ترى في الحرب فرصة لإعلان انتقاد النفوذ الإيراني في البلاد، لكن «حملة تخويف كممت أفواههم»، كما يقول ناشطون تحدثنا معهم.

خلال الحرب، حرض مقربون من إيران على محاسبة معارضيها في العراق. في مواقع التواصل الاجتماعي انتشرت صور لشكاوى ضد هؤلاء، بعضهم اعتقلته الأجهزة الأمنية، لكن المحاكم لم تتعاطَ مع هذه الشكاوى بعد. عدا هذا كان هناك مدونون ينشرون صور مؤثرين تحت عنوان «سيأتي يوم حسابكم».

في الميدان، شنت مجموعات مسلحة تحت مظلة ما يعرف بـ«المقاومة الإسلامية في العراق» عشرات الهجمات منذ الساعات الأولى بعد مقتل خامنئي. استخدام تسمية «المقاومة» كان واحداً من أساليب «الحرس الثوري» والفصائل العراقية للتمويه على المنفذين الأصليين، بينما كثير من قادة الفصائل وجدوا أنفسهم مضطرين للمشي على حبل رفيع خلال الحرب، إذ طالما تعهدوا بالاندماج في الدولة، و«حصر السلاح» بيدها.

يقول قيادي في فصيل مسلح إنه لم «يكن متأكداً طيلة أسابيع الحرب على إيران إن كان أتباعه من المسلحين قد شاركوا في الهجمات على الأميركيين، وعلى إقليم كردستان». ليس من المؤكد أنه لا يعرف حقاً.

خلال مقابلات مع شخصيات أمنية وسياسية عراقية وغربية، حاولنا فهم كيف يضبط قادة الفصائل المسلحة في العراق، ومن خلفهم «الحرس الثوري»، الانتقال السلس لهذه المجموعات بين المؤسسات الحكومية، والميليشيات، وكيف شكلت الحرب ضوءاً كاشفاً على مساحات مظلمة من النفوذ الإيراني في البلاد.

ثمة فرضيات مختلفة عن نجاح هذه العملية، لكن المرجح أن إيران تمسك بـ«عصب النخاع» بين الجميع في الحكومة، والمسلحين خارج سلطتها. وما بينهما صراع مرير، وقد يكون مميتاً، على الموارد، والنفوذ.

عناصر من «الحشد الشعبي» خلال انتشارهم في منطقة زراعية قرب بغداد (موقع الهيئة)

الميليشيات بوصفها «إقطاعية»

تشق السيارة طريقها ببطء على كتف نهر صغير في أحد الحقول الشاسعة جنوبي بغداد. على مد البصر تتناثر أكوام من الطابوق، ومواد البناء في قلب الريف.

منذ عقود، كان السكان هنا يزرعون الحبوب، والخضراوات، ويبيعون محاصيلهم للحكومة، أو الأسواق المحلية. بعضهم كان من الذين انتفعوا من برامج الإصلاح الزراعي منذ الستينات، قبل أن تتدهور خلال الحرب العراقية-الإيرانية في الثمانينات، وتنقرض تدريجياً منذ الغزو الأميركي للبلاد عام 2003.

يصف أحد الوجهاء في جنوب بغداد، ويبلغ من العمر 70 عاماً، وضع الحقول الآن: «كأننا نعود بالزمن بطريقة عنيفة إلى زمن الإقطاعيات. هناك زحف من إقطاعيين جدد (...)، الأمر لا يقتصر على نزاع ملكيات؛ بل سلطة غير مرئية تتحكم بالموارد».

رغم أن الرجل يتجنب ذكر أي تفاصيل تتعلق بالكيفية التي خسر فيها أرضه قبل نحو 7 سنوات، وتمتد على مساحة شاسعة على الطريق بين بغداد وبابل (جنوباً)، لكن مصادر تصف الأمر بأنه «متاهة من عمليات متعددة من الاحتيال تحميها بيروقراطية حكومية اخترقتها بإتقان الفصائل المسلحة».

يقول الرجل إن «هذه الأراضي غابة استثمارات، تختفي في ظلالها منشآت تابعة لجماعات مسلحة». يضيف: «أعرفهم. سيبدون لك ودودين للغاية، لكن مع الحرب الأخيرة أصبحوا شديدي التوتر، والارتياب».

تبدو استراتيجية الفصائل في الاستحواذ على هذه الأراضي أبعد من كونها «دجاجة تبيض ذهباً» كما يصفها مسؤولان -سابق وحالي- في وزارة الزراعة العراقية، لكنها على المدى البعيد «ابتلاع مستمر للجغرافيا لصالح نفوذ إيران السياسي».

يقول قيادي شيعي في أحد الفصائل: «كل شبرٍ يتراجع عنه (حزب الله) في جنوب لبنان، تعوّضه إيران بكيلومترات في العراق».

لكن الفصائل تتصادم وهي في طريق تقدمها نحو هذه الأراضي. غالباً ما يفلت زمام الأمور إلى احتكاك، أو اشتباكات. في يوليو (تموز) 2025 قُتل شرطي، ومدني، وعنصر من «كتائب حزب الله» بعد مواجهة عنيفة بين قوة حكومية والفصيل الذي اقتحم دائرة زراعة بغداد في منطقة «الدورة» جنوبي العاصمة لمنع تنصيب مدير جديد لها. كانت العملية في الحقيقة غطاء لـ«تدوير للنفوذ بين الجماعات المسلحة»، كما يقول القيادي الشيعي.

في أعقاب الاشتباكات قالت الحكومة إن مسؤول الدائرة المعنية بتنظيم عقود الأراضي الزراعية متورط، قبل إقالته من منصبه، في «تزوير عقود أدى إلى سلب أراضٍ زراعية من أصحابها الشرعيين».

تبدو رواية الحكومة متماسكة، لكنها لا تعكس كل الصورة. تقول مصادر مختلفة، حكومية وفصائلية، إن اشتباكات دائرة الزراعة لم تكن سوى الحلقة الأخيرة من عمليات سياسية سبقتها بأشهر لتبديل نفوذ الفصائل على هذه الأراضي. يقول أحد المصادر: «الأمر ببساطة إدارة الصراع على الموارد بين الميليشيات».

لم يكن هذا الاحتكاك هو الأول من نوعه خلال السنوات الماضية. فمنذ عام 2020 اعتقلت مديرية أمن «الحشد الشعبي»، وهي المظلة الرسمية لجميع الفصائل المسلحة في العراق، قادة ميليشيات سبق أن كان لهم دور في محاربة تنظيم «داعش»، وأغلقت مكاتب لهم في العاصمة بغداد. كما حدث مع «سرايا طليعة الخراساني» برئاسة علي الياسري، ونائبه حميد الجزائري، وفصيل «جيش المختار» الذي يقوده رجل يدعى واثق البطاط. سبقهما في ذلك اعتقال شخص يدعى حمزة الشمري كان عنصراً محورياً في أنشطة سياحية بين بغداد وبيروت، واتهم بتهريب الأموال، وتجارة المخدرات، ومصادر عديدة تحدثت عن صلاته الوثيقة بميليشيات عراقية.

وسجلت حوادث على أنها «حرق حقول دواجن في الكوت، ومستشفى في بابل، ومطاعم في بغداد، وشركات صغيرة في البصرة»، هي في الحقيقة أعراض جانبية لاحتكاك بين الجماعات المسلحة، وفق شهادات رجل أمن، ومسؤول محلي، وعنصر في فصيل مسلح.

يقول قيادي شيعي مقرب من الفصائل إن «بعض الجماعات المسلحة تعمل كحافظة مالية لصالح (الحرس الثوري) الإيراني، لكنها حين تحصل على أموال تفوق حصة الراعي الأصلي يجري معاقبتها، وإزالتها من اللعبة».

من وجهة نظر نيك غازيتي، وهو باحث أميركي متخصص في الجماعات المسلحة في الشرق الأوسط، وعمل سابقاً في العراق، فإن «حوادث الاشتباك أو الاعتقال التي تطفو على سطح الميليشيات العراقية بين فترة وأخرى تعود إلى أحد أمرين: صراع محموم على الموارد، أو عقوبة ينفذها (الحرس الثوري) بحق قيادات، أو أفراد خرجوا عن طاعته».

عناصر من القناصة خلال تدريب في معسكر تابع لـ«الحشد الشعبي» (موقع الهيئة)

إدارة التوسع

ينظر إلى عدد من قادة هذه الجماعات على أنهم متمردون على «الحرس الثوري». أقرب الأمثلة التي تستخدم للإشارة إلى هؤلاء هو أوس الخفاجي الذي يقود فصيل «أبو الفضل العباس»، إذ شارك في معارك ضد تنظيم «داعش» في محافظتي صلاح الدين، والأنبار، لكن «لسانه صار خشناً مع طهران».

وكانت قوة من «أمن الحشد الشعبي» اعتقلت الخفاجي في يوليو 2019، وأغلقت مقراً له وسط بغداد بذريعة أنه «وهمي». بعد 4 أشهر أفرج عن الرجل، وصرح بأن سبب اعتقاله هو انتقاده للمشروع الإيراني في العراق، ومعارضته لقتل المحتجين الشباب في أكتوبر (تشرين الأول) 2019.

يميل هشام داود، وهو باحث في المركز الوطني الفرنسي للبحث العلمي، إلى أن الاحتكاكات المتكررة بين الفصائل ليست مجرد صراعات عرضية على النفوذ، أو الموارد، بل هي، في جوهرها، تعبير عن تحولات داخلية عميقة في بنية هذه القوى، وعن انتقالها من طور «التشكّل» إلى طور «إعادة التموضع» داخل الدولة، والمجتمع، لكنه يشدد على أن «أول ما ينبغي تثبيته أن هذه الفصائل -وخاصة الولائية منها لإيران- لا تعمل في فراغ، ولا تمتلك حرية مطلقة في تشكيل الواقع وفق إرادتها».

ويقول سجاد سالم، وهو نائب سابق في مجلس النواب، إن الفرضية التي تساعدنا على فهم احتكاكات الفصائل تتمثل في إدراك عمق الصراع على الموارد الاقتصادية، لأن النفوذ لا يتعلق فقط بقادة هذه الجماعات، بل بشبكة واسعة تعمل تحت هؤلاء، وتضم وجهاء اجتماعيين، وقبليين، وتجاراً، وجيشاً من الموظفين من الكوادر الوسيطة في القطاع العام، وكل هؤلاء لديهم مصالح متحركة، «وكلما تقاطعت لمعت شرارة عنف، وعادة ما يحل (الحرس الثوري) الخلافات».

مثلما يضبط إيقاع التنافس، يقوم «الحرس الثوري» بقطف الثمار من تمدد الميليشيات على الأرض العراقية، إذ تتسع «المحافظ المالية» بوصفها موارد أساسية لإيران، وفي الوقت نفسه بناء المنشآت العسكرية الضرورية للتمدد الإقليمي.

إن هذه المناطق كانت ضرورية لإنشاء «معسكرات تدريب استضافت مقاتلين من جنسيات مختلفة من بلدان محور المقاومة خلال السنوات الماضية، إلى جانب مخازن صواريخ، ومسيرات، وسجون خاصة، ومراكز تحقيق مع معارضي إيران، ومراكز قيادة عملياتية»، وفق قياديين في مجموعتين مسلحتين.

يقول أحد هذين الرجلين: «كل منشأة عسكرية كانت محاطة بحقول ومشاريع استثمارية، ومنتجعات سياحية ينشط فيها مجتمع أفراد الفصائل، ودوائر متعددة من منتفعين منهم».

في الحرب الأخيرة، انكشفت الميزة الميدانية لهذا التوسع الجغرافي، إذ استخدمت منشآت انطلقت منها هجمات صاروخية، أو بالمسيرات من داخل حقول جنوب وغرب البلاد في مناطق قريبة من الشريط الحدودي مع دول الخليج العربي التي تعرضت لعشرات الهجمات بالمسيرات، والصواريخ، وفي محيط بغداد القريبة تم الهجوم على أهداف أميركية داخل العاصمة، وفي الشمال في نينوى وكركوك، القريبتين من أهداف في إقليم كردستان.

حياة الفصائل... تاريخ الدمج

الأسبوع الثاني من الحرب. مشرعون، ومسؤولون حكوميون، وضباط في أجهزة أمن مختلفة ينضمون إلى مجالس عزاء، وجنازات رمزية للمرشد الإيراني علي خامنئي الذي لم يشيع في بلاده حتى اليوم. على الأرجح، كانت المناسبة هي الزمان والمكان اللذين يجتمع فيهما المتنافسون دون احتكاك. هدنة بين صنفين لحليف واحد؛ بين مندمج في الدولة، وآخر ينتظر في «المقاومة». في النهاية يبدو أن الجميع في نفس القارب.

اختفت المنطقة الرمادية في الفضاء العام العراقي؛ لا يقوى كثيرون على إظهار الآراء الوسطية. أخبرني مدون معروف على منصة «إكس» أنه حضر جلسة نظمتها السفارة الإيرانية في بغداد، وسمع دبلوماسياً إيرانياً يوبخ ناشطاً عراقياً لم يكتب شيئاً «دفاعاً عن إيران».

ليس بعيداً عن هذا المناخ، ما تعرض له رئيس «منظمة بدر» هادي العامري حين هاجمه أعضاء قبيلة جنوب البلاد يشاع أنها على صلات عضوية بفصائل مسلحة، وجزء من شبكة الولاء للمرشد الإيراني.

لا تبدو الفصائل الشيعية التي بدأت تدمج في السياسة أنها مرضي عنها في إيران. لقد ازداد الحنق الإيراني عليها مع تصاعد الغارات المتبادلة خلال الحرب. في 17 مارس 2026، انتقد محمد أسد قصير، وهو مدير مكتب المرشد الإيراني في لبنان، «المواقف المترددة لقادة (الإطار التنسيقي) بشأن دعم الجمهورية الإسلامية في إيران».

في الانتخابات التي جرت في نوفمبر (تشرين الثاني) 2025، فاز ممثلون عن الفصائل المسلحة بأكثر من 100 مقعد في مجلس النواب، كما تقول تقديرات متداولة في الصحافة المحلية. منذ ذلك الحين بدأت نيران الطبخ تشتعل في أفران تشكيل الحكومة، غالبية الفصائل تتصارع على حصصها في الوزارات، وكلمتها مدوية في هوية المرشح لرئاستها.

يقول قيادي شيعي إن «ممثلي الفصائل لا يحتكرون القرار السياسي داخل (الإطار التنسيقي)، لكن بإمكانهم كسر إرادة الطرف الذي لا يمثل مصالحهم».

تزامنت الحرب مع أوسع عملية اندماج للفصائل المسلحة في مؤسسات الدولة الرسمية، بشقيها التنفيذي والتشريعي، وهي الأكبر التي يشهدها العراق منذ سقوط نظام صدام حسين عام 2003. لطالما حدث الأمر نفسه مرة على الأقل كل خمس سنوات، ولكن على نحو أقل وطأة.

يقول مسؤول شيعي في «التحالف الوطني» -وهو المظلة السابقة التي شكلت حكومتي نوري المالكي- إن الدولة هي النهاية الطبيعية لجماعات المقاومة، «ليس بالضرورة أن يكون ذلك تنفيذاً لرغبة الأميركيين المنزعجين من السلاح المنفلت». يضيف: «لقد بدأ الأمر مع الأميركيين وانتهى إلينا (...) نحن شركاء في هذا دون قصد».

تعود أول عملية دمج للميليشيات في الدولة إلى يونيو (حزيران) 2004 حين أصدر بول بريمر، الحاكم الأميركي «المدني» على العراق حينها، القرار 91 الذي سمح للميليشيات بالاندماج في الدولة تحت عنوان حظرها. لقد أنشأ القرار ما يمكن اعتباره لحظة تأسيس لـ«المنطقة الرمادية» التي ازدهر فيها النفوذ الإيراني في السنوات اللاحقة.

تعامل القرار مع الميليشيات كما لو أنها شركات أمنية، على حد تعبير ضابط متقاعد في الداخلية يقيم اليوم خارج البلاد. يقول: «كان الفصيل ينتقل إلى الوزارات كما لو أنه أبرم عقداً استثمارياً، لكنه في الجوهر اختراق سياسي».

أسرار لعبة الدمج

مع كل موجة دمج، تظهر أذرع جديدة خارج الإطار الرسمي، لتستمر دورة إعادة توزيع النفوذ بين الداخل المؤسسي والخارج المسلح، مصحوبة باحتكاكات تعكس عملية نمو تنافسية.

يوضح الباحث هشام داود أن «بعض هذه الفصائل تشكّل مباشرة بعد 2003، في حين نشأ قسم آخر عبر انشطارات متتالية داخل فضاء التيار الصدري، بزعامة مقتدى الصدر، الذي مثّل في بداياته حاضنة واسعة لتيارات متباينة قبل أن تتفكك إلى تشكيلات مستقلة، ومتناحرة».

ما بين عامي 2005 و2010 حدث الاختراق المؤسسي الأول، حين دخلت جماعات -مثل «منظمة بدر» و«جيش المهدي»- كانت تابعة للتيار الصدري في وزارة الداخلية، ووكالات إنفاذ القانون، وبموازاة صعود نفوذها السياسي. في تلك المرحلة، لم يكن المشهد محصوراً بفصائل آيديولوجية فقط، بل ظهرت أيضاً جماعات محلية الطابع، يقول داود إنها «أقرب إلى تجّار حرب، نشأت من تحولات اجتماعية، حيث تداخلت العصبية العشائرية مع الاقتصاد غير الرسمي، لتنتج تشكيلات ذات طابع مافيوي».

بدأت ملامح «دولة داخل الدولة» في الفترة التي سبقت احتلال تنظيم «داعش» لثلث العراق، وكان نوري المالكي رئيس الوزراء حينها قد أبرم اتفاقاً مع واشنطن لسحب قواتها، لتبدأ الفصائل مرحلة جديدة من النشاط، مثل «عصائب أهل الحق»، بينما شكّلت بالتوازي أجنحة مسلحة جديدة.

يلفت داود إلى نمط ثالث من الفصائل «برز بعد الانسحاب الأميركي، لا قبله، ونشأ بدعم مباشر من الدولة، وتمويلها، خاصة في سياق تصاعد التوترات الطائفية بين 2011 و2014، وتزامناً مع الأزمة السورية»، موضحاً أن «خصوصية هذه الفصائل أنها لم تتكوّن خارج الدولة، بل إلى جانبها، وتغذت منذ البداية على مواردها، ما جعلها أكثر ارتباطاً بمنطق الريع، وأقل استقلالية من حيث القرار».

حدثت الشرعنة الكبرى في الفترة 2014–2017، حيث سمحت الحرب ضد «داعش» للمنتصرين الذين قدموا آلاف الضحايا في سبيل استعادة الأراضي بالحصول على إدماج قانوني، واعتراف منقطع النظير، سياسياً واجتماعياً، رغم خروقات رافقت عمليات هذه الفصائل.

ويعزز داود هذه الصورة بقوله إن هذه المرحلة «مثّلت انتقالاً إلى هيمنة رمزية، ومادية، مستندة إلى دور الفصائل في (إنقاذ الدولة)، خصوصاً عبر مؤسسة (الحشد الشعبي)، ما منحها شرعية مضاعفة».

في السنوات الأخيرة، تمددت الفصائل المسلحة إلى كل شيء تقريباً في الدولة. أصبح نفوذها حاكماً في الوزارات، والمنافذ الحدودية، ومن مظلتها تخرج عقود تجارية، واستثمارات، وولدت شبكات تمويل محلية. تضخم عدد المنتسبين إلى مستويات غير مسبوقة، كما يشير داود، «ما جعلها تتحول إلى قوة اجتماعية–اقتصادية، لا مجرد تشكيل عسكري».

يقول كثيرون من أنصار تحالف «الإطار التنسيقي» إن الحديث عن نفوذ الجماعات المسلحة داخل الدولة «مبالغات صنعتها سرديات إقليمية»، إلا أن الحرب الأخيرة بين الولايات المتحدة وإيران ألغت الحدود الفاصلة بين الميليشيات والدولة.

يقول النائب السابق سجاد سالم إن «الميليشيات هي التي تحكم العراق (...)، هذا مبدأ أساسي للنفوذ الإيراني، حتى وإن كان رئيس الحكومة شخصية مقبولة دولياً، وإقليمياً».

في النهاية سيبدو أن الفصائل تدحرجت مثل كرة ثلج صغيرة داخل الدولة قبل عشرين عاماً، وباتت تكبر كلما اندمجت في الدولة. من وجهة نظر سالم، فإن ما حدث يثبت خطأ التصور الأميركي «أن منح السلطة يمكنه تهذيب سلوك الفصائل، ويحد من النفوذ الإيراني».

لقد بلغ هذا التصور مرحلة متقدمة مع وصول محمد شياع السوداني إلى رئاسة الحكومة العراقية عام 2022، حين «تخيلت واشنطن أن بغداد ستقوم بعملية توطين ناعمة للسلاح المنفلت في الدولة»، على حد تعبير مسؤول حكومي سابق.

دمج الفصائل العراقية في الدولة شكل «قصة نجاح» «الحرس الثوري» الإيراني في بغداد. يقول نيك غازيتي إن «العراق هو البيئة المثالية لظهور الفصائل، وربما هي فرصة مثالية لـ(الحرس الثوري)، خصوصاً مع دمجها داخل مؤسسات الدولة العراقية».

بالنسبة لغازيتي، فإن «(الحرس الثوري) يقوم عملياً بتهيئة كادر من موظفي الدولة عقائدياً قبل دمجه في الحياة العامة داخل مؤسسات الدولة العراقية، ما يضمن الولاء شبه المطلق بناء على أسس عقائدية، ومادية أيضاً».

يقول هشام داود: «في هذا السياق، يمكن فهم صعود السوداني بوصفه تعبيراً عن التوازن الفصائلي–السياسي. شبكات نفوذ، وقدرة مالية على استيعاب مطالب الفصائل ذات المصالح المتداخلة».

هذه المصالح «ترسل أحياناً حقائب أموال للمعترضين على صفقة التوازن، حتى لو كانوا في طهران»، وفق تعبير قيادي شيعي.

رئيس الحكومة العراقية محمد السوداني يتوسط نوري المالكي وقيس الخزعلي خلال اجتماع في بغداد (أرشيفية - أ.ف.ب)

تغيير الجلود... المزيد من المكاسب؟

طيلة أسابيع الحرب تعرضت المنطقة الخضراء إلى مئات الهجمات بالصواريخ، والمسيرات، واستهدفت غالبيتها السفارة الأميركية، ومنشآت حكومية. وبينما كانت واشنطن تتوقع من حكومة محمد شياع السوداني حفظ قواعد الاشتباك المعتادة خلال حرب الـ12 يوماً في يوليو 2025، تحطمت العلاقة بينهما على صخرة الفصائل الصلبة.

لقد ساعدت هذه الحرب على فك الالتباس العراقي بشأن الجماعات الخارجة عن الدولة، إذ تتمركز في داخلها. ومنذ أشهر كان السوداني يكافح للظفر بولاية ثانية في المنصب، مستنداً إلى كتلة نيابية فائزة في الانتخابات التشريعية الأخيرة بنحو 45 مقعداً، أكثر من نصفها فصائل مسلحة موالية لإيران.

يقود السوداني كتلة «الإعمار والتنمية» أكبر الفائزين الشيعة، وهو تحالف غير متجانس يضم أحزاباً، وجماعات مسلحة، بينهم فالح الفياض الذي يترأس هيئة «الحشد الشعبي»، وأحمد الأسدي قائد «كتائب جند الإمام»، وحيدر الغراوي قائد ميليشيا «أنصار الله الأوفياء». بات ينظر إليهم كجزء من القوة الإيرانية الضاربة التي نفذت هجمات في العراق خلال الحرب.

كيف تندمج هذه الفصائل في المؤسسات الحكومية، وتنفذ في الوقت نفسه هجمات ضد إراداتها؟ ثمة تفسيرات مختلفة، لكن النتيجة واحدة.

في شهادة لمسؤول سابق في الحكومة العراقية، يقول إن قوة حكومية اعتقلت خلية صغيرة تضم مسلحين متخصصين بنصب وإطلاق المسيرات بعد وقت قصير من تنفيذها لهجوم على السفارة الأميركية.

أثناء التحقيق مع هؤلاء، تقدم زعيم إحدى الفصائل بـ«طلب غريب» إلى الحكومة: «أحتاج إلى معلومات عن أحد أعضاء الخلية (...)، إنه عضو في فصيلي، لكنني لم أكلفه بهذه المهمة».

في العراق، كان هذا الأمر واحداً من ألغاز ابتكرتها الجماعات الشيعية في العراق. ثمة هيكل سياسي–اقتصادي للفصيل المسلح يندمج في الدولة، بينما تبقى النخبة القتالية خارج الدولة، «تقاوم الدولة نفسها».

كان التصور الأولي، بحسب مصادر متقاطعة، يفيد بأن «الحرس الثوري» يشكل «قوة ضاربة من نخبة مقاتلين ينتمون لفصائل متعددة يعملون تحت إمرته، وينفذون هجمات دون العودة إلى الزعماء المحليين»، لكن الصورة الأكثر قرباً من الواقع تفيد بأن الضباط الإيرانيين، لا سيما النشطاء في قوة «القدس» الإقليمية، يديرون مجموعات خاصة داخل كل فصيل.

يتفق سجاد سالم مع هذا التصور. يقول إن «إيران تتعامل مع كل ميليشيا عراقية على حدة. داخل كل منها مجاميع تتبع إيران، وليس لقائدها المحلي». ويضيف: «تتعامل إيران مع (حزب الله) في لبنان أو الحوثي في اليمن كمشهد واحد بصورة مركزية، إلا في العراق، يدار النفوذ بالتجزئة».

في أبريل 2025، قالت جماعات شيعية إن «الحرس الثوري» طلب منها «القيام بما يلزم» لتجنب الصراع مع الولايات المتحدة، بما في ذلك تسليم سلاحها الثقيل. وفي مارس 2026 (آذار)، قالت جماعات أخرى إنها وافقت على هدنة تشمل وقف الهجمات على السفارة الأميركية.

والحال أنه مع وجود المجموعات الخاصة داخل هذه الفصائل، والتي تتبع هرمياً «الحرس الثوري»، يمكن لزعماء الفصائل إبرام اتفاقات تشمل تسليم السلاح، ووقف الهجمات، وحصد مكاسبها السياسية، دون أن يعني ذلك شيئاً على الأرض.

لا يمكن إغفال عقوبة وزارة الخزانة الأميركية منتصف أبريل (نيسان)، حين اتهمت «عصائب أهل الحق» باستخدام مسيرات إيرانية في مهاجمة القوات الأميركية في شمال العراق عبر قيادي في الفصيل يدعى صفاء عدنان.

منذ مشاركته القوية في حكومة محمد شياع السوداني، يحاول قيس الخزعلي تغيير لغته السياسية، والإيحاء بأنه قادر أيضاً على تغيير جوهره، لكن «إلى أي حد يمكن اعتبار العملية أكثر من تغيير جلد»، على حد تعبير مسؤول سابق في الخارجية الأميركية كان مهتماً بمراقبة «التحولات المثيرة في سيرة الرجل الذي انشق من تيار مقتدى الصدر عام 2006».

جدارية وشعار مجهول في أحد شوارع المنطقة الخضراء ببغداد (الشرق الأوسط)

اليوم التالي للحرب في العراق

منذ إعلان وقف النار وانطلاق مفاوضات متعثرة بين واشنطن وطهران، يمارس الأميركيون ضغوطاً خشنة لتغيير جوهر الحكم في بغداد، رغم أن سجاد سالم يرى أن الحرب أظهرت «من يحكم بغداد بالفعل»، في إشارة إلى الفصائل، ومهما كانت نتائج المفاوضات في إسلام آباد، فإن «طهران ربحت بغداد بالكامل».

مع ذلك، يتصور الباحث هشام داود «اليوم التالي» للحرب، في حال تعزز نفوذ القوى الفصائلية، بأن الدولة المركزية في العراق «لن تتجه نحو الانهيار الكامل، ولا نحو التماسك الصلب، بل نحو نموذج انتقالي من دولة مركزية تحتكر الريع، لكنها موزعة فعلياً بين شبكات نفوذ متعددة».

وفرضت الرسائل الأميركية الضاغطة على الأحزاب الشيعية مسارات محسوبة لتشكيل الحكومة الجديدة، وتدفع باتجاه ربح المعركة مع الإيرانيين عبر تحييد «الحشد الشعبي» من المؤسسة الحاكمة، لكن طهران تبدي ممانعة قوية حتى الآن.

هذا هو الاختبار الحقيقي لقادة «الإطار التنسيقي»، إذ يصلون إلى مفترق الطرق بين حماية نفوذهم المتنامي ضمن صفقة جديدة ليست بعيدة المتغيرات الإقليمية، أو حماية السلاح بوصفه السبيل لجني مكاسب جديدة.

ويقترح نيك غازيتي أنموذجاً كلاسيكياً، حين تحولت الميليشيات الأميركية التي نشأت في فترة حرب الاستقلال عام 1776 إلى «حرس وطني» للولايات المتحدة، لكنه يجد صعوبة في مقاربتها عراقياً بسبب «السردية العقائدية للجماعات الشيعية».

ولأن «العقيدة ليست كل شيء في العراق»، كما يقول مسؤول سياسي بارز في «الإطار التنسيقي»، فإن التحول المحتمل لجماعات «الحشد الشعبي» سيكون هجيناً بين المصلحة والولاء.

ويقول هشام داود إن «شكل الدولة القادمة، لن يكون دولة ما بعد ميليشيا، بل دولة تعيد تعريف نفسها بإدارة مساحة الفصائل –وليس بإلغائها- داخل النظام السياسي».

في بغداد ينظر إلى التحالف الحاكم على أنه خصم لا يتوقف عن القتال، ولا ينزع السلاح، ويريد عقد صفقات سياسية مع محيطه، كما هي الصورة الأوسع في المنطقة؛ لا حرب ولا سلام بين الولايات المتحدة وإيران. وسيبدو الجنود في جدارية «السقوط المحتم للنيازك» في المنطقة الخضراء لوحة تعبيرية عن قادة «الإطار التنسيقي»، يحملون بنادق لحماية مكاسبهم، لكنهم لا ينوون إطلاق النار.