تحديات اليمنيين الصعبة وخياراتهم الممكنة.. رؤية استشرافية

دولة «نصف فيدرالية» بصلاحيات واسعة تضمن مصالح الجميع

تحديات اليمنيين الصعبة وخياراتهم الممكنة.. رؤية استشرافية
TT

تحديات اليمنيين الصعبة وخياراتهم الممكنة.. رؤية استشرافية

تحديات اليمنيين الصعبة وخياراتهم الممكنة.. رؤية استشرافية

* كانت مطالب الحراك الجنوبي عقلانية ومعتدلة ولم تكن راديكالية.. إذ رفعت مطالب مشروعة من أبرزها إعادة تقييم العلاقة وتحديدها بين الشمال والجنوب في كيان بلد موحد إضافة إلى ضرورة المساواة والعدل في استثمار الموارد وتوزيعها.. والمسارعة في الإصلاح والمشاركة الشاملة السياسية والعسكرية والإدارية وإعادة الهيكلة الإدارية والإجراءات والقوانين

* إجبار الرئيس علي صالح على التنازل عن السلطة وتفويض نائبه جنب اليمن مصادمات عسكرية وزعزع بعض أساسيات النظام القديم

* الحراك الجنوبي استفاد من انتفاضة الشمال وكشف عن قدرة قوية في حشد الاحتجاج والتظاهر في الجنوب من أجل تثبيت مشروعية مطالبه

* مبادرة مجلس التعاون الخليجي أسست لخارطة طريق تضمن انتقال اليمن سلميا من أزمته وأخطارها إلى وضع جديد آمن ومستقر

يمكن القول إن اليمن في شماله وجنوبه كان دوما عرضة لعدم الاستقرار، لأكثر من قرنين من الزمن، ولكن بعد سيطرة العثمانيين على الحجاز ونجد (1811 - 1818)، في عهد محمد علي باشا، والي مصر (1805 - 1843)، وقعت بعض أجزاء اليمن تحت النفوذ العثماني في عام 1818. فأعلنت الإمامة الزيدية، في صنعاء، ولاءها للعثمانيين. وعندما أعلن محمد علي استقلاله عن الدولة العثمانية عام 1831، تعرض شمال اليمن إلى السيطرة المباشرة للحكم المصري فيما بين 1833 - 1839. ومع تقدم قوات محمد علي في اليمن في الثلاثينات من القرن التاسع عشر، سارعت بريطانيا إلى احتواء النفوذ المصري في تلك الفترة، وتحذير محمد علي من تقدم قواته تجاه الجنوب. وفي النهاية، قامت بريطانيا بمحاصرة عدن في عام 1838، ولم تلبث أن احتلتها بالقوة، وذلك بعد مقاومة عنيفة دامية في أوائل عام 1839. ومنذ هذه السنة امتدت السيطرة البريطانية سريعا إلى الأجزاء الباقية في جنوب الجزيرة العربية، وذلك على الكيانات التي عرفت فيما بعد بـ«المحميات التسع»، حسب التسمية البريطانية الاستعمارية. وتنفيذا لقرارات مؤتمر لندن عام 1840، قامت بريطانيا بزعامة تحالف دولي، وأجبرت محمد علي بالانسحاب من جميع المناطق التي سيطر عليها في المشرق العربي، بما في ذلك اليمن، وفي الوقت ذاته أعيد محمد علي إلى حظيرة الدولة العثمانية، واليا على مصر، ولكن بصلاحيات محدودة واسمية.
وعلى أي حال، فيما بين أعوام 1840 - 1871، ظل النفوذ العثماني اسميا أو شبه معدوم في اليمن، الذي بات عرضه للنزاعات المحلية وتنافس أئمة الزيدية على السلطة فيه، بينما كان الاستعمار البريطاني يتمدد بقوة في الجنوب. وبعد افتتاح قناة السويس عام 1869، تمكنت الدولة العثمانية من تجهيز حملة كبيرة، بقيادة أحمد مختار باشا، الذي سيطر على المخلاف السليماني في عام 1871، ثم على اليمن في عام 1872. وفي هذه المرة أصبح اليمن تحت الحكم العثماني المباشر، ويدار من قبل الولاة والقادة العثمانيين أنفسهم، ومع هذا أبقت الدولة العثمانية منصب الإمامة الزيدية في صنعاء، بصورة شكلية من أجل كسب نوع من الولاء والشرعية.
ومهما يكن من أمر، منذ عام 1872 شب نزاع مرير بين الدولة العثمانية وبريطانيا حول مسألة تبعية الكيانات - المحميات - في جنوب الجزيرة العربية، ولم تهدأ الأوضاع إلا في مطلع القرن العشرين عندما أذعنت الدولة العثمانية لبريطانيا ووقعت معها برتوكولات أعوام 1903، 1904، 1905، التي أشارت إلى مدى تبعية مناطق الدولتين بصورة عامة ملتبسة. والأكثر سوءا، تبنت الدولتان الأجنبيتان هذه البروتوكولات وألحقتها في الاتفاقية الإنجليزية - العثمانية في أغسطس (آب) عام 1914، وذلك قبيل نشوب الحرب العالمية الأولى بعدة شهور.
ومع نهاية الحرب العالمية 1918م وانهيار الدولة العثمانية أصبح اليمن - الشمالي - مستقلا عن أي نفوذ أجنبي، بل إن كلا من الإمام يحيى حميد الدين (1918 - 1948)، والإمام أحمد يحيى حميد الدين (1948 - 1962) لم يتنازلا إطلاقا عن مطالبهما مع بريطانيا عن كيانات الجنوب، كما لم يعترفا في البرتوكولات واتفاقية 1914 بين الدولة العثمانية وبريطانيا، التي تعتبر الدولتين أجنبيتين وليس لهما شرعية، ولا يحق لهما التصرف والتفاوض على الممتلكات والأراضي اليمنية.
وعلى الرغم من الضغوط والإغراءات البريطانية المتزايدة على الإمام يحيى من أجل التخلي عن المطالبة بالجنوب، إلا أنه لم يتراجع. ووصل الطرفان إلى حل مؤقت، حسب الاتفاقية البريطانية اليمنية لعام 1934، التي أكدت في مادتها الثالثة على المحافظة على الوضع الراهن في مناطق الطرفين حتى يصل الجانبان إلى تسوية نهائية في فترة سريان الاتفاقية، وهي 40 سنة بدءا من تاريخ توقيعها.
بعد نهاية الحرب العالمية الثانية (1945)، وتطور حركة الاستقلال الوطني في الجنوب، سخر الإمامان جهودا سياسية وعسكرية وإعلامية كبيرة لدعم المقاومة الوطنية للاستعمار البريطاني، وأصبحت صنعاء مركزا للقيادة والأحزاب والفئات المنفية المناهضة له. ومع نهاية سلطة الإمامة في ثورة 1962، وعلى الرغم من الحرب الأهلية الداخلية، ظل اليمن يساعد المقاومة السياسية والمسلحة ضد بريطانيا حتى نال اليمن الجنوبي استقلاله بعد انسحاب بريطانيا في أواخر عام 1967.
وهكذا، بدلا من أن يكون عام 1967 فاتحة عهد جديد، ثار نزاع شديد بين الدولتين حول مسائل الحدود والمناطق التي تركها الإرث الاستعماري الطويل، ثم تطور إلى صراع مرير نتيجة التباين الجذري في التوجهات السياسية والآيديولوجية بين جمهورية اليمن العربية من جهة، وجمهورية اليمن الديمقراطية ذات الحكم الاشتراكي الراديكالي من جهة ثانية، خاصة خلال عقدي السبعينات والثمانينات. وقد ظلت الخلافات على أشدها بين قيادات الحزب الاشتراكي الحاكم، ولم تلبث أن قادت إلى صراع دموي شديد على زمام السلطة في يناير (كانون الثاني) عام 1986. أما الشطر الشمالي، فلم يكن أفضل حالا، إذ كان عرضة لسلسلة من الانقلابات والاغتيالات. وفي النهاية، وبعد اغتيال الرئيس أحمد الغشمي في يونيو (حزيران) 1978، رشح مجلس الشعب في يوليو (تموز) 1978، علي عبد الله صالح (1978 - 2011) رئيسا للجمهورية، وظل في السلطة لأكثر من 33 عاما، تمكن خلالها من تحقيق إنجازات رئيسة بارزة، وفي الوقت عينه، شهد عهده الكثير من الفساد والمظالم.
فقد جرت في عهده انتخابات وتعددية وحريات ومجلس نواب ودستور.. إلخ، بدرجة أو بأخرى، وبغض النظر عن مدى حقيقتها أو شكليتها. وكذلك تمكن الرئيس صالح من تحقيق الوحدة بين الشطرين في عام 1990، وحل كثير من قضايا الحدود التاريخية العالقة بين اليمن وجيرانها، إريتريا وعمان والسعودية، وتوسع في علاقات اليمن العربية والإقليمية والدولية. لكنه مع مرور الوقت، انفرد بالسلطة، ونما في عهده الاستبداد، وتعددت المحسوبيات، وتنوعت مراكز القوى، وانتشر الفساد والاستغلال الفاحش في الأوساط السياسية والاقتصادية والعسكرية والأمنية كافة. وبدلا من استثمار الكفاءات العلمية والمهنية، أصبحت كثير من الوظائف، خاصة في المناصب القيادية، تخضع إلى الأهواء والولاءات الشخصية والعائلية وأصحاب المصالح من ذوي المال والنفوذ، كما ذهبت معظم الإعانات والمساعدات الخارجية إلى جيوب الفئات المتنفذة المختلفة، وأصبح نشاط القطاع الخاص محتكرا إلى حد كبير من قبل هذه الفئات.
وعموما، سارعت الحكومتان في صنعاء وعدن إلى الاتفاق على صيغة وحدة اندماجية في 22 مايو (أيار) 1990. ويعود هذا التوجه إلى أسباب داخلية وخارجية أملتها طبيعة الظروف الخاصة لكل من الدولتين. لكن سرعان ما برزت مشكلات كبيرة بين القيادتين السياسيتين الشمالية (المؤتمر) والجنوبية (الاشتراكي)، تطورت سريعا 1994، مع اندلاع حرب أهلية قصيرة بين الشطرين انتصر فيها الشمال، إلا أن هذا الانتصار السريع لم يكن الفصل الأخير في الصراع بين الطرفين. ومنذ تلك اللحظة ظهرت رؤيتان أساسيتان ومتعارضتان؛ الأولى أن الحرب عززت الوحدة الوطنية بين الشطرين، وقضت على طموحات الانفصال، والثانية أنها قد قضت بتداعياتها اللاحقة، على مشروعية الوحدة وآفاقها المستقبلية، وقادت إلى احتلال الشمال للجنوب.
وكانت الرؤية الثانية تعبر عن الشعور السائد لدى معظم سكان الجنوب. فقد تضررت الفئات الاجتماعية كثيرا في الشطر الجنوبي بشكل خاص، مع تزايد استفراد سلطة الرئيس علي صالح ونظامه، والتخوف من احتمالات المستقبل. لقد لجأ نظام صنعاء إلى تسريح معظم القوات الجنوبية من الخدمة، وأجرى مناقلات رئيسة في القوات الأخرى، وتغييرات طالت قياداتها العسكرية والأمنية، إضافة إلى عدم صرف المستحقات والتقاعد وإنكارها. وعلى الرغم من أن الشطر الجنوبي كان أفضل تعليما وخبرة ومهنية وأكثر تطورا ومدنية من الشمال، فقد استحوذ الشماليون على المناصب الإدارية والوظيفية في المحافظات الجنوبية، وسيطروا على كثير من النشاطات والموارد الاقتصادية. وكذلك تدهورت البنية التحتية والخدمات العامة، وساءت الأوضاع المعيشية والسكنية والصحية والتعليمية، وهكذا انتشر الفساد والمحسوبية وعدم الأمن والاستقرار، وازداد الفقر والتذمر والنقمة في أجزاء اليمن كافة. وأخذ الكثيرون من سكان الجنوب يتمنون عودة النظام الاشتراكي السابق، الذي انتقدوه في الماضي.
لهذا لم يكن مستغربا أن تثور المطالبات والاحتجاجات منذ زمن في محافظات كثيرة، وأن يتزايد الاحتقان السياسي والاقتصادي والاجتماعي والديني، الذي أدى بدوره إلى ظهور التطرف والعنف بصورة غير مسبوقة، خاصة بعد أحداث 11 سبتمبر (أيلول) 2001 وتداعياتها المتسارعة دوليا وإقليميا، وبعد لجوء كثير من أنصار «القاعدة» في أفغانستان إلى اليمن فيما بعد، وتحالف النظام مع الولايات المتحدة عسكريا وأمنيا في مواجهة الإرهاب، إلا أن تلك العلاقات الخاصة بين الولايات المتحدة ونظام علي صالح أصبحت مثار شبهة وذريعة سياسية أخرى لتعبئة المقاومة ضد النظام نفسه. في هذا السياق، لم يأتِ اندلاع التمرد في محافظة صعدة الشمالية في عام 2004، معقل الحوثيين، مصادفة، حيث تطورت الأحداث إلى مواجهات وقعت خلالها، خمس حروب بين الحوثيين والقوات الحكومية منذ عام 2004. وبدأ يظهر بعض الداعين إلى إحياء الزيدية وإمامتها والعودة إلى المحافظة على المنظومة الزيدية وبعض شعائرها التاريخية القديمة، خاصة تلك المغالية من بعض أئمة الزيدية في قرون ماضية.
ومما زاد من التأثير الحوثي أن محافظة صعدة تعرضت للإهمال والتهميش في نواحٍ كثيرة، كما أن الحروب المتكررة والقصف الجوي والعنف الذي مارسته السلطة أدى إلى تدمير القرى والطرق والبنية التحية وزيادة المظالم.
أما المحافظات الشمالية، فقد تدهورت أوضاعها وكثر فيها النهب والسلب والاختطاف وتهريب الأسلحة، وانخراط القبائل في هذا النزاع وتنافس الميليشيات على الموارد والمساعدات من الحكومة.. إلخ. وكذلك أحاط بالمشكلة اليمنية البعد الدولي والإقليمي، مع تنامي النفوذ الإيراني وتدخل طهران الواضح في الشؤون اليمنية.
ومنذ عام 2007، أصبحت حركة الاحتجاج أوسع انتشارا وشعبية في الجنوب، وعرفت منذ ذلك الحين، بالحراك الجنوبي، وهو تحالف حركات سياسية واجتماعية قديمة وجديدة. وللحق، ففي البداية كانت مطالب الحراك الجنوبي عقلانية ومعتدلة، ولم تكن راديكالية، إذ رفعت مطالب مشروعة، من أبرزها إعادة تقييم العلاقة وتحديدها بين الشمال والجنوب في كيان بلد موحد، إضافة إلى ضرورة المساواة والعدل في استثمار الموارد وتوزيعها، والمسارعة في الإصلاح والمشاركة الشاملة السياسية والعسكرية والإدارية، وإعادة الهيكلة الإدارية والإجراءات والقوانين.
وعلى الرغم من وعود حكومة صنعاء الكثيرة، فإنها لم تتخذ أي مبادرات إصلاحية أو حتى جزئية. وتدريجيا انجرت حكومة صنعاء إلى القسوة والقمع الشديدين ضد خصومها تحت مبررات مختلفة. ومع تزايد القمع والإنكار ازدادت شعبية الحراك الجنوبي، وبدأت الأصوات تتعالى كثيرا وتطالب بالانفصال.
ومن دون شك، فقد أفادت انتفاضة الشمال الحراك الجنوبي، الذي كشف عن قدرته القوية في حشد الاحتجاج والتظاهر في الجنوب من أجل تثبيت مشروعية مطالبه، حيث استفادوا من مواقف كثير من النشطاء الشباب، وأطراف قوية في أحزاب اللقاء المشترك من الشمال والجنوب الذين يأملون في تجاوز الانقسام الوطني. وإذا كانت الانتفاضة في الشمال فرصة استراتيجية للحراك الجنوبي لا يمكن التفريط بها، ففي المقابل، ساعد الوضع الجديد على انفتاح بعض الأطراف الشمالية والجنوبية، ومهّد لنوع من الثقة وكسر الحواجز وتبادل وجهات النظر ومناقشة الخيارات الممكنة كافة حول مستقبل اليمن عموما، والجنوب خصوصا.
وفي النهاية، ومع استمرار الانتفاضة وصمودها، وبدعم من مجلس الأمن والولايات المتحدة والدول الأعضاء بالاتحاد الأوروبي، قام مجلس التعاون لدول الخليج العربي في فبراير (شباط) 2012، بمبادرة سياسية شاملة ومتماسكة من أجل إنقاذ اليمن من خطر الصراع وتقرير مستقبله، لكي تصبح خارطة طريق تضمن انتقال اليمن من أزمته وأخطارها إلى وضع جديد آمن ومستقر بصورة سلمية. وقد شملت الاتفاقية تفاصيل كثيرة ومحددة، من أبرزها تنحي الرئيس علي عبد الله صالح من السلطة، ومنحة الحصانة من الملاحقة القضائية في الداخل، كما وضعت وثيقة تنفيذية حول مرحلة انتقالية محددة في خطواتها ومراحلها ضمن أطر زمانية (Benchmarks). وهكذا، وبموجب آلية التنفيذ برعاية الأمم المتحدة لخارطة الطريق، صار على الحكومة أن تُخضع قوات الأمن كافة للقيادة المدنية، وأن تنجز مشروعا للدستور وتصلح النظامين الانتخابي والقضائي، وأن تضع قانونا للعدالة الانتقالية، وإجراء انتخابات عامة في عام 2014. وكذلك قضت الاتفاقية بتفويض علي صالح كامل السلطة إلى نائبه، عبد ربه منصور هادي، وتشكيل حكومة إجماع وطنية، تضم حزب المؤتمر الشعبي الحاكم وأحزاب اللقاء المشترك، وإطلاق حوار وطني يضم جميع الأطراف لمعالجة مظالم كل المجموعات، وإضافة إلى تشكيل لجنة عسكرية وأمنية تعمل على معالجة الانقسام والتوتر داخل القوات العسكرية والأمنية.
وافق علي صالح بعد شهور من المماطلة على الاتفاقية، ووقعها في نوفمبر (تشرين الثاني) 2011، مع تفويض السلطة لنائبة عبد ربه هادي، ثم أُجريت انتخابات رئاسية حيث انتخب عبد ربه هادي رئيسا - بلا منافس - لليمن في 21/ 2/ 2012. وقد حدد الرئيس هادي لحكومته مدة سنتين، على أن تعمل على تنفيذ أمور رئيسة، من أبرزها إطلاق مؤتمر حوار وطني، وإعادة الهيكلة العسكرية والأمنية، وتحقيق العدالة الانتقالية، ومعالجة القضايا السياسية والاقتصادية، ووضع دستور جديد يحظى بإجماع وطني قبل انتخابات فبراير (شباط) 2014. وعلى أي حال، فمن المؤكد أن إجبار الرئيس علي صالح على التنازل عن السلطة وتفويض نائبه جنّب اليمن مصادمات عسكرية، أو حتى حربا أهلية على أسوأ تقدير، كما زعزع بعض أساسيات النظام القديم. ومن دون شك، فإن المرحلة الانتقالية، على الرغم من تعثرها وانتخاب رئيس جديد، قد فتحت الإمكانية لفرصة نادرة وثمينة لن تتكرر، وبالتالي يمكن أن تتيح صياغة قواعد وعلاقات جديدة تحفظ مصالح جميع الأطراف، في إطار يمن موحد.
وفي الحقيقة، فإن البرنامج الذي أعلنه الرئيس عبد ربه هادي وحكومته، كان طموحا ومثيرا للإعجاب، ولكن تنفيذه يتطلب توفر مناخ ملائم وشروط صعبة وكثيرة. وعموما، وأيا كانت الآمال المعقودة، فقد بدأ مؤتمر الحوار الوطني في 18 مارس (آذار) 2013، تحت مظلة عامة تضم فئات متعددة ومختلفة من الشمال والجنوب. غير أن ثمة مشكلات عدة قد تعترض المرحلة الانتقالية، هي:
أولا: الوضع الاقتصادي الفاسد والمتهالك لعقود طويلة، خاصة في السنوات الأخيرة بعد اندلاع الانتفاضة والاحتجاجات.
ثانيا: تؤكد التجارب أن الشعوب بعد كل ثورة أو تغيير تساورهم آمال واسعة بحل مشكلاتهم بصورة مباشرة، وإذا لم يحدث هذا يُصاب الناس بالإحباط بسرعة، ثم يتراجع حماسهم بقوة، ولا تلبث أن تنكفئ كل فئة أو طرف إلى وضعها السابق، وهنا فإن اليمن في هذه الحالة ليس استثناء. وفي اعتقاد الكاتب، فإنه إذا نجحت الدول المانحة في اتخاذ إجراءات كبيرة وعاجلة في الاستجابة لمعالجة أهم مشكلات الظروف المعيشية والإنسانية خلال الفترة الراهنة من المرحلة الانتقالية، فإن غالبية الشعب سوف يكون مستعدا للصبر والانتظار لإنجاز التسوية السياسية.
ثالثا: على الرغم من سعي الرئيس هادي في المناقلة والتغيير في القيادات العسكرية والأمنية، مثل أبناء علي صالح وعائلته وذويه، وكذلك الفريق علي محسن الأحمر من عائلة الأحمر القوية، فإن مراكز الجانبين قوية وباقية في الأجهزة العسكرية والأمنية، كما يسيطر الفريقان منذ زمن على كثير من الموارد والثروات والأنشطة الاقتصادية. ولهذا فإن كل فريق قد يسعى لحفظ مصالحه السابقة، وربما يستطيع أي طرف أن يستغل موارده لتقويض مصالح الآخر مما يؤدي إلى المقاومة والممانعة في إعادة الهيكلة في الأجهزة العسكرية، من حيث دمج الفرق والمناقلات والصرف عن الخدمة وحل بعض الفرق الخاصة.
رابعا: ما زالت تحديات الحراك الجنوبي والحوثيين قائمة، وبالطبع لكل طرف أسبابه من نواحٍ عديدة، فالنزعة الانفصالية تتزايد في الجنوب، كما وسع الحوثيين سلطتهم ومناطقهم في الشمال، وما زال الجانبان ينظران بكثير من الشك إلى نجاح المرحلة الانتقالية، ولهذا لا بد أن تُبنى جسور التواصل والثقة، مهما كانت سعة الخلاف.
خامسا: ومع سوء الأوضاع والفراغ الأمني المتزايد لأكثر من عقد من الزمن، أصبحت كثير من المناطق، خاصة البعيدة، مسرحا لـ«القاعدة» وأنصارها، علاوة على انتشار أنصار الشريعة، وهم مزيج من «القاعدة» وسلفيين ومتطرفين. ومع سوء الأمن في المدن الرئيسة، مثل صنعاء وتعز والحديدة، فإن المناطق الأخرى، مثل أبين ومآرب والجوف وحضرموت، باتت أكثر سوءا وإهمالا.
سادسا: ومما يزيد الطين بله، تصاعد النقمة ضد العمليات الأميركية واستخدام الطائرات من دون طيار (Drones) في قصف أي هدف مشتبه فيه، مما ينتج عنه كثير من الدمار العشوائي الوحشي الذي يذهب ضحيته المئات من الأبرياء. وساهم ذلك، إلى حد كبير، في تقوية مواقع «القاعدة» وادعاءات المتطرفين، وظهور جماعات مسلحة معارضة للنظام في صنعاء، ترفض التدخل الأميركي، كما أصبحت هذه الجماعات ترتبط بصورة أو بأخرى مع «القاعدة» والفئات الجهادية، نتيجة لتقاطع بعض المصالح والأهداف، على الرغم من أنها أصلا مدفوعة بعوامل سياسية واجتماعية أكثر من عقائدية دينية.
سابعا: مما يظهر - حتى الآن - في مؤتمر الحوار الوطني، أن الممارسات والمناقشات الحزبية التقليدية ما زالت تسيطر على هذه الفئات، ويشعر كثير من الإصلاحيين والنشطاء أن المصالح السياسية الخاصة لحزب المؤتمر الشعبي وأحزاب اللقاء المشترك، أصبحت تطغى على المصلحة العليا العامة، وأن الطرفين يسعيان للمحافظة على دولة شديدة المركزية، مع إضافة واجهات تجميلية من أجل تسويق مشاريعهم. بينما ينظر بعض الجنوبيين أن مثل هذه الممارسات تحابي الأطراف التقليدية الشمالية، مما يسهم في تزايد الشكوك حول المرحلة الانتقالية، وحالة الانقسام بين الشمال والجنوب. وبعبارة أخرى فإن التسوية ظلت تجري بصورة رئيسة من قبل نخب قديمة ذات تأثير ونفوذ، حيث شارك جزء كبير منها بالسلطة، وكانوا أصلا مسؤولين عن مشكلات البلاد في السابق.
ثامنا: التنفيذ وكيف؟ ما زال التنفيذ يفتقر إلى آلية المساءلة والمحاسبة الجدية التي يمكن أن تتابع سجل الالتزامات والخطوات وتنفيذها، وكذلك الانتهاكات لأي اتفاق من أي طرف. وهذه مسؤولية يمنية من جهة، وكذلك دول مجلس التعاون والأمم المتحدة والأطراف العربية والدولية من جهة ثانية.
ما العمل؟ على الرغم من التحديات والضغوط المتزايدة فإن المرحلة الانتقالية سوف تبقى الفرصة الوحيدة التي لن تتكرر من أجل العمل بإصلاحات جذرية في الهيكل العسكري والأمني والسياسي والإداري للدولة اليمنية، ولهذا فإن العمل يتطلب جانبين رئيسين متكاملين ومتلازمين لنجاح المرحلة الانتقالية.
الجانب الأول: الهيكلة العسكرية والأمنية:
1 - من المعروف أن الجيش اليمني والأجهزة العسكرية ليسا احترافيين في ظل عقيدة عسكرية وطنية، وكذلك الحال في الأجهزة الأمنية التي أصبحت كلها أشبه بإقطاعيات شخصية، ولهذا فإنها تتطلب إعادة هيكلة، وتلك عملية حساسة وبالغة الصعوبة، لأنها تهدد بشكل مباشر مصالح ومحسوبيات متراكمة، وولاءات ومراكز قوى متجذرة. وهذه العملية تتطلب وسائل عديدة، من أبرزها إحداث تنقلات واسعة، ليس فقط بالقادة السابقين بل الأوساط الوسطى، وكذلك دمج بعض الفرق المنقسمة، بل وحل بعضها. وفي هذه الحالة، فإن المسألة ليست تدوير مناصب، بل ينبغي أن تكون متوازنة وشاملة دون تحيز لهذا الطرف أو ذاك، ولا تكون متسرعة حتى لا تسبب ردود أفعال عنيفة، لأن مراكز القوى القديمة قادرة على أن تقاوم وتخرب جهود الإصلاح.
2 - تعزيز الاحترافية في القطاعين العسكري والأمني وفرض الانضباط، وتأكيد الهوية المؤسسية الموحدة، واحترام التراتيبية من أسفل إلى أعلى، حتى وزير الدفاع والداخلية، إلى رئيس الجمهورية، وكذلك إدماج رجال القبائل وبعض الميليشيات في الأجهزة الأمنية دون تشجيع للعصبية القبلية، والعمل بطريقة أو بأخرى لإخراج التجمعات القبلية المسلحة من المدن. ومن الضرورة تطبيق الإجراءات والقوانين تدريجيا، من دون تحيز في التوظيف والصرف والخدمة والتنقلات والرواتب والتقاعد... إلخ.
الجانب الثاني: الهيكلة السياسية والإدارية والقانونية:
1 - في البداية لا بد من الاعتراف بكثير من ديناميات تكوين المجتمع اليمني - في شماله وجنوبه - سواء القديمة أو تلك المستجدة، وذلك من حيث فهم التركيب الاجتماعي والانتماء القبلي، وخلفية التعدد المذهبي والتسامح الديني الذي كان سائدا طيلة عهود، إضافة إلى الأعراف والعادات الإيجابية السائدة التي قد تساعد على حل النزاعات واستيعاب الخصوم... إلخ. وفي ضوء هذا، يمكن النقاش والإقرار بالمظالم المشروعة في حالة الجنوب أو الحوثيين أو غيرهم، والعمل على إصلاح العلاقات الودية دون كيل الاتهامات، والاعتراف بأن الجميع كانوا مسؤولين على حد سواء في الماضي.
2 - إعادة هيكلة المؤسسات الإدارية وضمان الرقابة المدنية، بحيث تكون الإجراءات والقرارات بأيدي المؤسسات المدنية في ظل القانون، وليس بأيدي المحسوبية والفئوية. ويجب تبادل كل وجهات النظر عن معايير وقواعد الدولة الجديدة الوليدة، حتى وإن كانت متباينة ومتعارضة، والتأكيد أن يخرج كل طرف كاسبا لرؤيته، وليس خاسرا أو مستضعفا، حتى يتسنى لكل طرف تسويق التسوية وإقناع أنصاره بالمصالح المكتسبة.
3 - ومن المهم جدا التأكيد على أولوية رئيسة، ذلك أنه من أصعب العقبات غياب عقد سياسي شامل، حتى الآن، ولكن إذا تم تجاوز معظم التحديات المذكورة خلال العملية الانتقالية، فإنه يصبح من الممكن صياغة دستور وطني جديد واضح القواعد والمعالم، ينظم كل العلاقات والحقوق والواجبات السياسية والاقتصادية والإدارية لكل أجزاء اليمن ضمن إجماع سياسي شامل وموحد.
لا شك أن كل هذا يتطلب جهدا كبيرا وتنازلات ومفاوضات مرهقة وحكمة وحسن إدارة لأزمة اليمن، وتلك مسؤولية تقع أولا على اليمنيين أنفسهم، وتقع، ثانيا، على الدول الداعمة لوحدة اليمن واستقراره، وعلى رأسها السعودية ودول مجلس التعاون الخليجي، إضافة إلى الأمم المتحدة والمجتمع الدولي.
خيارات وسيناريوهات:
بشكل عام، يظهر للمراقب إمكانية حصول أربعة احتمالات في التوجهات الرئيسة في المرحلة الانتقالية، وهي:
الأول: المحافظة على الوحدة القائمة بين الشطرين واستمرار المركزية والتقسيمات الإدارية السابقة، مع تحسين أداء الأجهزة السياسية والعسكرية والاقتصادية والإدارية.
والثاني: المحافظة على الوحدة والمركزية والتقسيمات السابقة مع إعطاء صلاحيات كبيرة للمحافظات.
والثالث: دولة فيدرالية من إقليمين؛ الشمال والجنوب.
والرابع: انفصال الجنوب واستقلاله عن الشمال.
على الرغم مما ذُكر في السابق، أو غيره من فساد ومشكلات وتحديات في الماضي والحاضر، يمكن المراهنة على حل لأزمة اليمن، بما يكفل أمنه واستقراره ووحدته ويضمن مصالح الجميع. وتقوم هذه النظرة على معطيات تاريخية سياسية وثقافية واجتماعية عدة، ولعل أبرز ما يمكن التذكير به ما يلي:
1 - كما ذُكر سابقا، طيلة العهود التاريخية لقد عرف اليمن شماله وجنوبه بالتسامح الديني والتعدد المذهبي، بل إن بعض فروع القبيلة الواحدة قد تختلف مذهبية أفرادها، ولكن تظل الانتماءات العصبية القبلية الرابط الرئيس للفروع كافة.
2 - أيضا عُرف اليمن شماله وجنوبه بمعاداته للأجنبي ومقاومته الشديدة، التي لا تكل ولا تلين، ولعل أبرز الشواهد التاريخية يتمثل في مقاومة اليمن الشمالي للنفوذ العثماني على مدى أربعة قرون، وكذلك النضال السياسي والمسلح في الجنوب ضد الاستعمار البريطاني.
3 - وأيا كانت الانتقادات للنظام اليمني السابق، سواء في فترة الانتفاضة أو قبلها، فقد أثبت أنه كان أقل قمعية ووحشية، بدرجة كبيرة، من غيره من الأنظمة العربية التي هبت عليها رياح التغيير، مثل دول الربيع العربي، وبرهن على أن لديه قابلية للتكيف داخليا، وتلك المرونة، من دون شك لم تأتِ من فراغ، مهما كانت الضغوط الخارجية، بل مستمدة من تراث تاريخي.
4 - وإذا كان المجتمع اليمني يوصف تكوينه بالقبلي من الناحية التاريخية، فقد ظهرت أجيال يمنية شابة جديدة خلال العقود الأخيرة، لها إدراك واعٍ لأهمية الروابط السياسية والفكرية في علاقاتها أكثر من الرابط القبلي أو المذهبي. ولعل أبرز شاهد في هذا الصدد تلك المشاركة من الكمّ الهائل من الشباب - رجالا ونساء - والنشطاء في حشود الانتفاضة اليمنية، وكل هؤلاء من أحفاد قبائل مختلفة.
الحل؟ يمكن تصور الخيار التالي: ربما يكمن أفضل حل أو خيار في قيام دولة نصف فيدرالية - أو شبه فيدرالية - تبدد المخاوف والشكوك وتضم عدة أقاليم - وليس محافظات - مع تفويض صلاحيات أمنية ومدنية وإدارية واقتصادية واسعة، وذلك في ظل عقد سياسي (دستور) جديد وشامل ينظم جميع الحقوق والواجبات والعلاقات. ومن دون شك فإن هذا الطرح يحتاج إلى نقاش وتفاصيل ومفاوضات وتنازلات من الفئات اليمنية من جهة، ويتطلّب من الدول الإقليمية والعربية والدولية الداعمة لوحدة اليمن، وكذلك من المجتمع الدولي والدول المانحة، أن تبذل جهودها لإنجاح التسوية السياسية في المرحلة الانتقالية.
* قسم التاريخ، جامعة الملك سعود



حلم كردستان في لحظة اختبار: «غدر» قوى خارجية أم نهاية وهم؟

متظاهرة كردية متضامنة مع الأكراد السوريين خلال مظاهرة في مدينة فرانكفورت الألمانية (د.ب.إ)
متظاهرة كردية متضامنة مع الأكراد السوريين خلال مظاهرة في مدينة فرانكفورت الألمانية (د.ب.إ)
TT

حلم كردستان في لحظة اختبار: «غدر» قوى خارجية أم نهاية وهم؟

متظاهرة كردية متضامنة مع الأكراد السوريين خلال مظاهرة في مدينة فرانكفورت الألمانية (د.ب.إ)
متظاهرة كردية متضامنة مع الأكراد السوريين خلال مظاهرة في مدينة فرانكفورت الألمانية (د.ب.إ)

عبارة «ليس للأكراد أصدقاء سوى الجبال» لا تأتي من فراغ، هي سردية المناطق الجبلية التي احتمى فيها الأكراد للبقاء على مدى قرون، منذ العصر العثماني إلى الدول القومية الحديثة (تركيا وإيران والعراق وسوريا). هو السيناريو الذي وجد فيه الأكراد أنفسهم مراراً وتكراراً؛ وعود بالحماية أو الحكم الذاتي قبل أن تتركهم القوى الخارجية عرضة للخطر عند تغير مصالحها الجيوسياسية.

مع سقوط مشروع «روجافا» في شمال شرقي سوريا، هل قضى النفوذ التركي المتجدد بدعم إقليمي على حلم كردستان؟

قراءة هذا التحوّل في سوريا انطلاقاً من الأحداث الأخيرة يحتاج إلى سياق تاريخي لتطورات اللحظة الآنية في هذا الشرق الأوسط المضطرب.

في شهر مارس (آذار) الماضي، التقى في مرات نادرة ممثلو الأقاليم الأربعة لكردستان في قاعة بلدية ديار بكر أو آمد، حيث تطرقت الكلمات إلى «القمع التاريخي في الذاكرة الجماعية، كما أحلام الدولة الكردية». كان عام 2025 مرحلة واعدة للحراك الكردي. منطقة جنوب كردستان (شمال العراق) ثابتة في حكمها الذاتي، ومنطقة شمال كردستان (جنوب شرقي تركيا) كانت تترقب مبادرة عبد الله أوجلان لإنهاء نزاع حزب العمال الكردستاني مع أنقرة كنقطة تحوّل للاعتراف بكامل حقوق أكراد تركيا، خطوة كان الأمل في أن يتسرّب تأثيرها على غرب كردستان (شمال سوريا) التي كانت تترقب فرصة سقوط نظام بشار الأسد لتكريس مشروعها، فيما منطقة شرق كردستان (شمال غربي إيران) بقيت وحدها من دون أفق في المدى المنظور.

مظاهرة للأكراد في جنوب شرق تركيا للمطالبة بإطلاق سراح رئيس حزب «العمال الكردستاني» عبد الله أوجلان عقب دعوته في 27 فبراير 2025 لحل الحزب (أ.ب)

الآمال الكبيرة التي طبعت أجواء من شارك في هذه النقاشات تغيرت مع خسارة منطقة الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا، وخطر حصر أكراد سوريا بين تهديد تركيا من جهة، وحليف أنقرة في دمشق من جهة أخرى.

أما المظاهرات المستمرة في إيران فتوفر فرصاً وتحديات في الوقت نفسه. القوى الكردية الإيرانية، مثل الحزب الديمقراطي الكردي الإيراني، تنتظر هذه اللحظة منذ عقود، بعد مواجهات مع شاه إيران ونظام الثورة الإسلامية. يلجأ المقاتلون الأكراد من إيران وتركيا إلى جبل قنديل على الحدود الإيرانية - العراقية، ضمن سلسلة جبال زاغروس، هذه المنطقة الوعرة التي تقصفها دورياً القوات الجوية التركية والمدفعية الإيرانية، كما بدأت مؤخراً المسيّرات الإيرانية فوق جبل قنديل.

تقاطع تركي- إيراني وتنافس كردي - كردي

هناك محاولة تركية لإيجاد تقاطع مصالح مع طهران، ليس حول إسرائيل والملف النووي فقط، بل حول الأكراد الذين تعتبرهم الحكومة التركية الخطر الأكبر على أمنها القومي. أشارت وكالة «رويترز» إلى أن الاستخبارات التركية حذّرت «الحرس الثوري» الإيراني من أن المقاتلين الأكراد يحاولون العبور من جبل قنديل إلى الداخل الإيراني لاستغلال فرصة الاضطرابات. وبالتالي مع قدرات قتالية محدودة وغياب أي دعم ذي مصداقية من القوى الخارجية، يتعامل المقاتلون الأكراد مع أولويتين؛ خطر في شمال سوريا لم ينتهِ بشكل كامل، وفرصة في شمال غربي إيران لم تتبلور بعد.

هذه الدينامية الجديدة تقلق الحراك الكردي الذي يلجأ تاريخياً إلى رصّ الصفوف عند الشعور بالخطر. خلال ذروة احتمالات المواجهة بين الحكومة السورية و«قسد»، قال قيادي كردي في تركيا لـ«الشرق الأوسط»: «نحن نمر بأوقات عصيبة»، فيما أكّد قيادي كردي في العراق: «بروز الوحدة الوطنية الكردية سيكون خلاصنا».

الزعيم الكردي مسعود بارزاني خلال استقباله سفير الولايات المتحدة لدى تركيا توماس برَّاك في مدينة بيرمام (مصيف صلاح الدين) بمحافظة أربيل السبت (الحزب الديمقراطي الكردستاني)

لا بد من قراءة تاريخية لوضع ما يحدث اليوم في سياق التاريخ الحديث للحراك الكردي. الدينامية الأهم التي ترخي بظلالها هي التنافس التاريخي بين عبد الله أوجلان ومسعود بارزاني، والتي تغيرت طبيعتها مع دخول رجب طيب إردوغان إلى صدارة المشهد الكردي عام 2003. على الرغم من المصالحة غير المباشرة بين القيادتين التاريخيتين للأكراد، التي وفّرتها ظروف مبادرة سلام أوجلان ودعوة ممثل برزاني من ديار بكر في مارس الماضي إلى إطلاق سراحه، فإن هذه العلاقة ليست مستقيمة بعد. قائد «قسد» مظلوم عبدي أثبت جدارته في التنظيم والميدان، لكنه لم يجد بعد حيثية كافية تعطيه شرعية ترقى إلى مستوى القيادات التاريخية للأكراد، وبالتالي حاول كل من برزاني وأوجلان استمالته أو بالأحرى التأثير على مجرى قراراته في لحظات تحوّل مفصلية لمصير «روجافا»، خصوصاً بعد سقوط نظام بشار الأسد نهاية العام الماضي.

المبعوث الأميركي إلى سوريا توم برَّاك وقائد «قوات سوريا الديمقراطية» (قسد) مظلوم عبدي (حساب مظلوم عبدي عبر منصة «إكس»)

فيما سعى أوجلان لربط مسار السلام بين حزب العمال الكردستاني والحكومة التركية عبر عرض تسهيل تسوية بين الحكومة السورية و«قسد»، دخل برزاني على الخط، حيث دعا مظلوم عبدي إلى أربيل في يناير (كانون الثاني) 2025 ونصحه بفتح قنوات مع دمشق، وتطمين تركيا على حدودها، وهذا ما حصل مع اتفاق 10 مارس بين الشرع وعبدي. أكراد تركيا ينظرون إلى برزاني على أنه تحت تأثير إردوغان، ولا سيما ذهابه عام 2013 إلى ديار بكر، ليساعده في الحصول على تأييد الأصوات الكردية في الانتخابات الرئاسية عام 2014. برزاني دعا مؤخراً إلى خروج مقاتلي حزب العمال الكردستاني من سوريا لتسهيل الحلّ، فيما يقول أوجلان إنه قادر على إقناع مظلوم عبدي بالاندماج في القوى النظامية السورية. حكومة إردوغان لعبت على هذا التباين عبر القول إن حزب العمال الكردستاني يعيق الاتفاق بين الشرع وعبدي. التململ بين أكراد سوريا حيال ربط قضيتهم بمصير أوجلان تصاعد مؤخراً، في وقت أصبح فيه برزاني محور مفاوضات الأميركيين مع «قسد». لكن رغم التهويل، احتمالات الحرب المفتوحة بين حكومة الشرع و«قسد» كانت محدودة بسبب مبادرة أوجلان للسلام، التي فتحت قنوات اتصال مباشرة وغير مسبوقة بين الاستخبارات التركية و«قسد»، ولأن كلاً من الحكومة التركية وحزب العمال الكردستاني يدركان تبعات هذه الحرب المفتوحة على الداخل التركي.

مظاهرة كردية في ديار بكر مناهضة لدخول القوات السورية إلى المناطق الكردية في الشمال الشرقي للبلاد (أ.ف.ب)

إيبرو غوناي، المتحدثة المشتركة للعلاقات الخارجية في حزب المساواة وديمقراطية الشعوب (DEM)، الذي يلعب دوراً رئيسياً في التفاوض بين أوجلان والحكومة التركية، استنكرت لـ«الشرق الأوسط» استهداف الأحياء الكردية في حلب نهاية العام الماضي، واصفة الأمر بأنه «بمثابة مؤامرة دولية» فور توقيع الاتفاق في باريس بين حكومة الشرع وإسرائيل. واعتبرت غوناي أن وزير الخارجية التركي هكان فيدان «كان يتصرف بأنه وزير داخلية دمشق»، وأنه تم نقل كميات كبيرة من المدرعات العسكرية التركية وبنادق المشاة إلى حكومة الشرع. وعن تأثير ما حصل في شمال شرقي سوريا على مسار السلام في تركيا، تقول غوناي إن ما حصل في سوريا تسبب «في حالة من عدم الثقة العميقة، وعزز التصور بأن هذه العملية ستنتهي بتجريد الكرد من وضعهم السياسي داخل تركيا أيضاً». لكنها أكدت في المقابل أن مبادرة أوجلان قائمة ومستمرة، كما جهود الحكومة التركية في هذا السياق، «لكن يجب أن نتحدث عن آلية عمل متعثرة أو بطيئة في البرلمان»، لأن «حلّ حزب العمال الكردستاني، وتهيئة ظروف السلام الدائم، لن يكونا ممكنين إلا من خلال ترتيبات قانونية حاسمة».

مسلّح كردي في مدينة الحسكة السورية لدى دخول القوات الحكومية إليها في 2 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

تاريخ من الوعود والتخلي

بالفعل، الأحلام الكردية بالتحرر تتبلور، لكن لا تدوم طويلاً. 3 سنوات تحديداً فصلت بين معاهدة سيفر عام 1920، التي وعدت بكردستان مستقلة على أنقاض الإمبراطورية العثمانية، وبين معاهدة لوزان عام 1923، التي أغفلت فكرة حقّ الأكراد في تقرير مصيرهم، وعززت حدود تركيا الحديثة. جمهورية مهاباد الكردية، التي تأسست في شمال غربي إيران عام 1946، استمرت 11 شهراً فقط حتى حصول تسوية بين موسكو وطهران، أدّت إلى انسحاب الجيش السوفياتي من شمال غربي إيران تحت الضغوط الدولية. مصطفى البارزاني كان رئيس أركان الجيش في جمهورية مهاباد، التي ولد فيها ابنه مسعود في نفس يوم تأسيسها، قبل أن يذهب إلى العراق عام 1958 بعد سقوط مشروع الجمهورية.

بعدها توالت دوامة النضال والتخلي المتكرر. في ذروة الحرب الباردة، كانت اتفاقية الجزائر عام 1975 التي تخلى فيها الأميركيون والإسرائيليون والإيرانيون عن دعم الانتفاضة الكردية العراقية، مقابل اعتراف بغداد بوسط نهر شط العرب كحدود، ليسحب فجأة شاه إيران مساعدته لأكراد العراق، ويتركهم لقدرهم بوجه نظام صدام حسين.

رجل يمر أمام جدارية لأنصار «قسد» في القامشلي تُظهر علمها وصورة لزعيم «حزب العمال الكردستاني» السجين في تركيا عبد الله أوجلان (أ.ف.ب)

أوجلان كان طالباً جامعياً بميول ماركسية، أسس حزب العمال الكردستاني عام 1978، قبل أن يلجأ إلى سوريا بعد انقلاب عام 1980 في تركيا، فيما ورث مسعود برزاني قيادة الحزب الديمقراطي الكردستاني عام 1979. بعد تشجيع واشنطن الأكراد للإطاحة بنظام صدام حسين في ربيع عام 1991، لم تتدخل القوات الأميركية الرابضة على الحدود العراقية لوقف القتل الجماعي للأكراد، الذي كان بداية عدم الثقة الكردية بواشنطن. بعدها كان استفتاء إقليم كردستان عام 2017، الذي أدّى إلى حملة عسكرية للحكومة المركزية في بغداد بدعم إيراني أنهت مفاعيل الاستفتاء، وأخرجت مسعود برزاني من الحكم. فيما خسر أوجلان قيمته الاستراتيجية بعد انتهاء الحرب الباردة، وضعف نظام حافظ الأسد اقتصادياً. بعد اتفاق أضنة بين أنقرة ودمشق عام 1998، قطعت الحكومة السورية العلاقة مع حزب العمال الكردستاني، وطردت أوجلان من سوريا بعد التهديد التركي بعمل عسكري. أغلقت كل العواصم الكبيرة أبوابها أمام لجوء أوجلان لتفادي مواجهة مع تركيا، فيما كانت واشنطن مشغولة بالعراق والبلقان، وبالتالي صمتها كان بمثابة تفويض سمح باعتقال أوجلان في كينيا عام 1999.

مقاتلان من «قسد» على مشارف الحسكة لدى دخول القوات السورية إليها في 2 فبراير 2026 (أ.ب)

انتهاء حلم «روجافا»

الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا دامت أكثر من 10 سنوات، مع اعتماد دستور مؤقت وفيدرالية، مقارنة مع 11 شهراً لجمهورية مهاباد. تعلّمت «قسد» من تجارب النضال الكردي؛ بنت مؤسسات، وحاربت «داعش»، وسعت لاكتساب الشرعية الدولية. ومع ذلك اصطدمت بالجدار نفسه. هذا ليس فشلاً، بل الواقع البنيوي في الشرق الأوسط، لا تستمر المشاريع المسلحة غير الحكومية إلا عندما تتوافق بشكل دائم مع المصالح الجوهرية للقوى العظمى، و«قسد» لم تصل إلى هذه المرحلة، لأن الاستقلال الذاتي من دون سيادة أمر مؤقت. هذا التحول كان بمثابة العودة إلى الواقعية بعيداً عن النزعة العسكرية الرومانسية، مع تركيز أكبر على الصمود السياسي بدل السيطرة الميدانية.

ما انتهى فعلياً هو الغموض الاستراتيجي لمشروع «قسد»، أي الحكم الذاتي والحماية الخارجية بحكم الأمر الواقع. انتهت فكرة حق تقرير المصير من دون تأمين حقوق غير قابلة للتراجع، ما عزّز ميزان القوى بشكل كبير لصالح حكومة الشرع. الاتفاق ينهي الكيان شبه الفيدرالي، ويخفض التطلعات إلى البقاء الثقافي والنفوذ المحلي، ويحوّل أفق «قسد» من معركة وجودية إلى خضوع مُدار. حصول الأكراد على الحقوق في مرسوم الرئيس الشرع كان لحظة تاريخية، لكنها تبدو موجهة لإرضاء الأميركيين أكثر مما هي خطوة تفتح صفحة تاريخية جديدة بين العرب والكرد في سوريا.

ما حدث مؤخراً ليس النكسة الأهم لمشروع «روجافا». أول اقتطاع للمشروع الكردي في سوريا كان عبر العملية العسكرية التركية عام 2018 في المنطقة ذات الأغلبية الكردية في عفرين الحدودية بموافقة ضمنية روسية. نقطة التحول الثانية كانت مع العملية العسكرية التركية عام 2019، التي سيطرت فيها على مدن حدودية، مثل تل أبيض ورأس العين، ما أدّى إلى قطع الأراضي المتصلة سابقاً للإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا على طول الحدود، وأعطت القوات الأميركية الضوء الأخضر غير المباشر عبر الانسحاب، كما توصلت أنقرة إلى ترتيبات أمنية مع موسكو ملأت الفراغ الأميركي.

أعضاء من «العمال الكردستاني» خلال مراسم لإحراق الأسلحة أقيمت في جبل قنديل في 11 يوليو 2025 استجابة لنداء أوجلان (أ.ف.ب)

الفصل الأخير

التحول الأخير كان الأكثر توقعاً. دور «قسد» كان مضخماً من ناحية الديموغرافية والسيطرة الجغرافية في دير الزور والرقة، وانتهى مع تغيير العشائر لولاءاتها، وبالتالي التخلي الأميركي لم يكن دراماتيكياً، كما يمكن أن يكون في الحسكة، خط المواجهة الأخير. بعد قرار ترمب الانسحاب المفاجئ من سوريا في مايو (أيار) الماضي 2018، ذهبت «قسد» إلى موسكو قبل أن يتراجع البيروقراطيون في واشنطن عن قرار الانسحاب، وأبلغ البنتاغون «قسد» بأن تقاربها مع موسكو يعني التخلي الأميركي عن دعمها. لم يكن حينها قد نضجت فكرة تخلي واشنطن عن «قسد»، لكن سقوط الأسد سرّع وتيرة الأحداث.

غزو العراق وصعود «داعش» عزّزا فرص الحكم الذاتي لأكراد العراق، لكن الصمت الأميركي حيال استفتاء كردستان عام 2017 أعطى الضوء الأخضر لإنهاء فرص نجاحه من دون التخلي عن الدور الأميركي في العراق، ومكتسبات الأكراد منذ سقوط نظام صدام حسين. التجربة السورية كانت مغايرة، لأنه ليس هناك اهتمام أميركي بلعب دور في سوريا. استخدم الأميركيون الأكراد لمحاربة «داعش» ومنع موسكو من السيطرة على سوريا، وبعد انتهاء خطر «داعش» وانسحاب روسيا، انتهى دورهم بالنسبة لواشنطن.

أعطى الأميركيون الضوء الأخضر، شرط عدم اندلاع العنف وعدم الاقتراب من الحسكة، موسكو أخلت القاعدة الروسية في القامشلي بشكل نهائي. فهم مظلوم عبدي الرسالة. التطمينات من البنتاغون التي كانت تصل إلى «قسد» بعدم فرض أي اتفاق أو التدخل بين حكومة الشرع و«قسد» تبددت.

يقول قيادي كردي في سوريا لـ«الشرق الأوسط» إن بداية التحوّل في الموقف الأميركي خلال الاتصالات معهم كانت خلال معركة حي الشيخ مقصود حين حسم البيت الأبيض القرار. بمجرد أن تسحب الدولة الخارجية الحماية، ولا سيما الغطاء الجوي الأميركي، يصبح الأكراد عرضة للخطر. تاريخياً، تتأرجح الحركات الكردية بين لحظات ثورية عند انهيار أنظمة ولحظات بقاء عند استعادة الدول سلطتها، هذا الاتفاق في سوريا يشير إلى الانتقال إلى مرحلة البقاء، الطموحات لا تختفي، بل تدخل في ثبات.


مظهر «مار آ لاغو»... سياسات ترمب ترسم معايير الجمال في دوائر السلطة

الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع زوجته ميلانيا خلال العرض الأول للوثائقي الخاص بها بعنوان «ميلانيا» (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع زوجته ميلانيا خلال العرض الأول للوثائقي الخاص بها بعنوان «ميلانيا» (رويترز)
TT

مظهر «مار آ لاغو»... سياسات ترمب ترسم معايير الجمال في دوائر السلطة

الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع زوجته ميلانيا خلال العرض الأول للوثائقي الخاص بها بعنوان «ميلانيا» (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع زوجته ميلانيا خلال العرض الأول للوثائقي الخاص بها بعنوان «ميلانيا» (رويترز)

في نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، لم تكن سوزان لامبرت، وهي كوميدية وصانعة محتوى على «تيك توك» تتوقع أن يدخل مصطلح «وجه مار آ لاغو» (Mar a Lago Face) قاموس المصطلحات الحديثة. كان هدفها مجرد التندّر على مظهر كثير من مؤيدي الرئيس دونالد ترمب، الذين لاحظت أنهم يلتزمون بأسلوب محدد في الشكل، وقررت أن تجرِّبه بنفسها في فيديو ساخر. انتشر الفيديو وأصبح المصطلح معتمداً على الإنترنت بوصفه رمزاً بصرياً للانتماء السياسي والولاء لحركة «اجعل أميركا عظيمة مجدداً» (MAGA). الاسم له دلالاته لأنه مشتق من «Mar a Lago»، النادي الخاص لدونالد ترمب في بالم بيتش بولاية فلوريدا، وأصبح مقراً لاستضافة مناسباته الرسمية والاجتماعية، وارتبط أخيراً بـ«وثائق أبستين» التي كشف عنها.

ويتميّز مظهر (مار آ لاغو) بماكياج كثيف، وبشرة برونزية وحواجب محددة، وشفاه لامعة وممتلئة وخدود بارزة وشعر مصفف بشكل مصقول، بحسبما تشرح الدكتورة ماريا أنجيلو خطّار، وهي طبيبة تجميل متقدمة ومؤسسة عيادة ألتاديرما، لـ«الشرق الأوسط». وتضيف: «رغم فخامته الظاهرية، فإن هذا الأسلوب يعكس فلسفة تقليدية في التجميل، لكنه هنا يميل أكثر إلى توجيه رسالة عن الهوية السياسية والمكانة الاجتماعية».

كيمبرلي غيلفويل الخطيبة السابقة لدونالد جونيور والمذيعة السابقة في شبكة فوكس نيوز وأحد أبرز وجوه النخبة المحيطة بترمب (أ.ب)

نادي «النخبة الترمبية»

في نوفمبر 2025، وبعد شهر تقريباً من اغتيال الناشط السياسي المحافظ تشارلي كيرك، ظهرت أرملته إيريكا كيرك، أمام الملأ لتُعلن أن مهمته لم تمُت معه، وأنها «أقوى وأكثر جُرأة». كانت رسالتها واضحة. اختلط فيها الشخصي بالسياسي؛ ملامح مرتبة بعناية: شفاه مرسومة بشكل تبدو أكثر امتلاء واكتنازاً، ورموش كثيفة وشعر عسلي لا تتزحزح فيه شعرة واحدة من مكانها. لم تكن هذه مجرد صورة لامرأة تريد أن تبدو متماسكة بعد رحيل زوجها؛ بل هو مظهر لامرأة تريد أن تجد لنفسها مكاناً في نادي ترمب النخبوي، الذي بات يفرض صورة محددة تُميّز بوضوح بين الأنوثة والذكورة، وتعيد تعريف الأدوار الجندرية كما يراها ترمب نفسه.

هذا التمايز السياسي بين الأحزاب وانعكاسه على المظهر، النسائي تحديداً، ليس جديداً. كان دائماً يُرصد في تفاصيل بسيطة مثل لون ربطة العنق أو قصة الشعر، إلا أنه في عهد ترمب، يُجسد سياساته الخاصة ورؤيته الشخصية للنجاح سيما وأنه لا يخفي إعجابه بالجمال والمظهر الحسن، الذي يعتبره سمة نجاح ويمتدح به حتى رؤساء الدول.

ومنذ اليوم الأول من ولايته الثانية، وقَّع ترمب أمراً تنفيذياً بعنوان «الدفاع عن المرأة من التطرف الآيديولوجي بين الجنسين، وإعادة الحقيقة البيولوجية إلى الحكومة الأميركية الفيدرالية». بموجب هذا القرار، أصبحت الحكومة الفيدرالية تعترف فقط بجنسين بيولوجيين: الذكر والأنثى وتستبعد الاعتراف بهويات جندرية أخرى كانت بدأت تحجز لنفسها مكاناً في الفضاء العام والقوانين. كان قراراً يُعبر عن رغبة في تثبيت الفروقات وتوضيحها أكثر، وهو المنطق نفسه الذي يستجيب له مظهر «مار آ لاغو»، الذي يُعزز الأنوثة في أقصى حالاتها الحسية، وسمات الرجولة المتمثلة في فك عريض وذقن بارز.

وجه «وجه مار آ لاغو» لا يقتصر على السيدات... هنا مات غيتز الذي رشّحه ترمب لمنصب المدعي العام للولايات المتحدة (أ.ب)

لا أحد يولد بوجه «ماغا»

بحسب إيما غولدينغ وهي جراحة تجميل في بريطانيا، فإن أحداً لا يولد بـ«وجه مار آ لاغو»؛ فهذه ليست وجوهاً طبيعية بقدر ما هي «أقنعة فاخرة»، على ما تقول الطبيبة. وتضيف في حديث لـ«الشرق الأوسط»: «عندما يتكرر الأسلوب نفسه لدى مجموعة ما، كما هي الحال في واشنطن، فإنه يشير إلى الانتماء الاجتماعي أكثر من التفضيل الشخصي، وبالتالي يصبح الجمال بمثابة زي رسمي، يفقد فيه الفرد خصوصيته، لا سيما عندما يلجأ البعض إلى إجراءات لا تناسب وجهه».

لحسن حظ (ربما)، تمتلك هذه المجموعة من الأشخاص إمكانات تخولهم الاستعانة بأمهر جراحي التجميل، للحصول على «المظهر الحسن» بالمفهوم «الترمبي»، بحسب غولدينغ.

إلا أن نظرة ترمب للمرأة لم تتغير في أي مرحلة من مراحل حياته؛ ففي عام 2003، مثلاً وحتى قبل أن يدخل المجال السياسي، صرح في لقاء صحافي قائلاً: «أحب النساء الجميلات، والنساء الجميلات يحببنني». هذه الآراء لا تزال تثير حفيظة الناشطات النسويات ومجموعة كبيرة من نساء العالم، ومع ذلك لم يُغير قناعته بأن الجمال جزء من حضور الشخص وقيمته الاجتماعية، بل يمكن أن يُعزز النجاح ويؤدي إليه. وهكذا أصبح الجمال الخارجي في محيط ترمب بمثابة «استراتيجية سياسية».

ترمب جونيور وخطيبته السابقة كيمبرلي غويلفويل (أ.ب)

بطاقة لمراكز النفوذ

جيسيكا ديفيون، وهي محررة جمال أكدت في مقال، أنه لم يعُد يخفى أن الإقبال الجماعي على هذا المظهر هو آلية لتحسين فرص الوصول إلى مراكز النفوذ داخل هرم السلطة الحالي. واستشهدت بمجموعة من الحالات؛ مثل ملكة الجمال السابقة وحاكمة داكوتا الجنوبية، كريستي نويم، التي تم تعيينها وزيرة للأمن الداخلي، والتي أشارت بعض وسائل الإعلام، إلى أنها خضعت لعملية تقويم أسنان، إضافة إلى إجراءات أخرى من أجل تحسين فرصها للحصول على المنصب.

شخصيات أخرى في محيط الرئيس ترمب، مثل كارولين ليفيت، المتحدثة الصحافية للبيت الأبيض، ولارا ترمب، من بين من لا يمكن أن تجد لهن صورة واحدة بملامح لم تخضع لجلسات ماكياج ثقيل، إن لم يكنّ قد خضعن لمشرط أو حقن جراح. وقد يكون لافتاً أن اللجوء لهذه العمليات هو لتعزيز الشباب وإطالة عمر نضارته في الوجوه، لكن نموذج «المرأة الترمبية» يسعى لأن تبدو أكبر من عمرها الحقيقي، بعقد أحياناً، كما لو أنها والمنصب الذي تشغله، يستمدان المصداقية والنفوذ أو «الوقار» من التقدم النسبي في السن، فيكفي أن نتذكر أن ليفيت نفسها لم تبلغ الثلاثين من عمرها بعد.

كارولاين ليفيت المتحدثة باسم البيت الأبيض (أ.ف.ب)

لكن ما يحسب لهذه الشريحة أن هذا الاهتمام، وإن كان مبالغاً فيه، يشير إلى شخصية تتميز بالانضباط والصبر والطموح الجارف، لما تتطلبه من وقت وجهد والتزام بمظهر و«ماكياج الفتاة المحافظة»، كما اصطلح على تسميته.

ارتباط هذا المظهر بالرئيس ترمب لا يُلغي مسؤولية جهات أخرى في نشره والترويج له. وسائل التواصل الاجتماعي كان لها دور مهم في ذلك، لا سيما منصة «تيك توك»، وذلك من خلال دروس عن كيفية وضع ماكياج يخفي كل العيوب ويرسم ملامح الوجه بـ«الكونتورينغ» بشكل جديد تماماً، تكتسب فيه الشفاه اكتنازاً والخدود بروزاً والجفون ارتفاعاً، وما شابه.

قبل «تيك توك» ومنذ ما يقارب العقد تقريباً، كان لـ«إنستغرام» دور مماثل في الموضة. بات يفرض أسلوباً خاصاً وألواناً متوهجة ونقشات متضاربة حتى تكتسب الصورة المنشورة جاذبية أكبر ويرتفع التفاعل، الأمر الذي جعل المصممين ينصاعون لهذه المتطلبات رغم أنوفهم.

شركات مثل «ميتا» و«أمازون» وغيرهما، تعمل بدورها على دعم محتويات ترتكز على كل ما هو واضح ومباشر في هذا المجال، بغض النظر عن مصداقيته ما دام سيرفع التفاعل ويشعل النقاشات.

بين نيويورك وواشنطن

في خضم هذه الحرب التنافسية على ما تتطلبه بيئة ترمب في واشنطن من ذكاء سياسي ومهارة في المناورات الإعلامية واستغلال الصورة للتألق، تدخل راما دواجي، سيدة نيويورك الأولى، لتقدم خياراً راقياً مبطناً بالهدوء، في مشهد يقوم على التصالح مع الذات شكلاً ومضموناً. فراما فنانة من أصول سورية، أكدت أنه يمكنها معانقة العالم بكل ثقافاته، من دون أن تذوب فيه أو تخضع لما هو متوقع منها فقط، لتنال الرضا ويتم تقبّلها. منذ أول ظهور لها، استمدت قوتها من حضور طبيعي وقناعة داخلية، لم تحتَجْ فيهما إلى رفع الخدود وملء الشفاه وإطالة الشعر. أسلوبها المتماسك والمتوازن أثلج صدور الناشطات النسويات والمرأة المستقلة، وقالت ببلاغة صامتة، إن المرأة ليست مضطرة لأن تذوب في عالم الرجل، أو أن تتسلح بالأنوثة الطاغية لكي تنجح. جمالها الطبيعي وهي تقف إلى جانب زوجها زهران ممداني، عمدة نيويورك، بقصة شعرها القصيرة، وأزيائها التي تعكس هويتها وطموحاتها الفنية والإنسانية أكثر مما تُبرز أنوثتها، كانت السلاح القوي له في حملته الانتخابية وبعد فوزه.

هذا لا يعني أن راما دواجي بدأت أسلوباً جديداً. كل ما في الأمر أنها أعادت الأمور إلى نصابها بأن ذكّرتنا بقيم إنسانية قديمة ناضلت بنات جنسها من أجلها، وأسهمت في نجاحها في تبوؤ مناصب عالية كانت حكراً على الرجل. حضورها في المشهد الحالي يعيد الاعتبار لامرأة تؤمن بأن قيمتها تكمن في عقلها أولاً وشكلها ثانياً، على أنهما وجهان لعملة واحدة؛ فرغم اعتمادها على بساطة المظهر، لا يمكن إنكار أن جمالها الطبيعي يمثل عملة ذهبية وورقة رابحة أكسبتها جماهيرية.

راما دواجي وزهران ممداني في حفل تنصيبه عمدة نيويورك (أ.ب)

«هوليوود» تعود لطبيعتها

قبل ظهور راما، ظهرت في عالم الأناقة موجة ترفع شعار الفخامة الهادئة. أي أناقة بعيدة كل البعد عن استعراض الجاه. تبدو الأزياء في ظاهرها عادية وبسيطة، لكنها باهظة الثمن لجودة خاماتها وحرفيتها العالية. شملت هذه الموجة تخلي نجمات في «هوليوود» عن «الفيلرز» والإجراءات التقليدية.

تشرح الدكتورة ماريا أنجيلو: «عدد كبير من الناس يدرك الآن أن العلاجات المبالغ فيها قد تؤثر سلباً على توازن ملامح الوجه وصفاء البشرة مع مرور الوقت. والاتجاه المستقبلي للصناعة حالياً ليس الإعلان عن العلاج، بل أن يعطي نتائج هادئة تحمي الوجه على المدى الطويل».

اللافت في هذا التحول أن الصورة التي يعتمدها كثير من النجمات في مناسبات السجاد الأحمر حالياً، تتجنب مبالغات من شأنها أن تُسقطهن في خانة «اليمين المتطرف»، رغم أن بعض هذه الاختيارات تبدو متطرفة من زاوية أخرى. أبرز مثال على هذا ظهور نجمة الإغراء السابقة باميلا أندرسون، في عدة مناسبات ومحافل بوجه خالٍ من الماكياج تماماً. ربما يكون هذا مبالغاً فيه، إلا أنه أكسبها كثيراً من الإعجاب. وربما يكون له الفضل في إعادتها إلى الواجهة بعد سنوات من الغياب. نجمات أخريات عبّرن عن تفضيلهن لأساليب تجميلية أقل تدخلاً، واعترفن بتذويب «الفيلر» وندمهن على ما قمن به سابقاً من إجراءات تقليدية.

هذه الحركة المعاكسة، التي تميل إلى كل ما هو طبيعي يهمس بالجاه والذوق، سواء في مجال الأزياء أو الجمال، رفعت رايتها مجموعة من النجمات، نذكر منهن غوينيث بالترو.

في عام 2023، حضرت محاكمتها في قضية حادث تزلج، رفعها عليها رجل يتهمها بالتسبب في إصابته في حادث تزلج قبل 7 سنوات. لم تفُز بالترو بالبراءة فحسب؛ بل أيضاً بأناقتها. طوال جلسات المحكمة، وتحت أنظار وسائل الإعلام العالمية، كانت تحضر بأزياء بسيطة في ظاهرها، من حيث التصاميم والألوان ووجه شبه خالٍ من الماكياج. لكن كان واضحاً أن كل إطلالة كانت بتوقيع علامة راقية مثل «ذي رو» و«سيلين» و«لورو بيانا»، وغيرها من العلامات التي تخاطب الأثرياء والذواقة، من دون الحاجة لاستعمال شعارات صاخبة.

وليست غوينيث بالترو وحدها من تتبنى هذا الاتجاه، فهناك شريحة كبيرة من النجمات وسيدات المجتمع والطبقات الأرستقراطية، تفضل الثراء الصامت، باعتباره نقيضاً لاستعراض الثروة، وهو ما يُنظر إليه غالباً بوصفه سمة من سمات حديثي النعمة.

الممثلة سيدني سويني، التي كانت في بدايتها لا تميل إلى استعمال الماكياج، وصرحت كثيراً بأنها لم تكن تعرف أي شيء عن كيفية وضعه، تداولت وسائل التواصل حديثاً صورها على السجادة الحمراء بأحمر شفاه قوي، وقصة شعر أنثوية.

اشتعلت المواقع بالجدل واحتدمت التعليقات بأنها تُعبّر عن ميول يمينية محافظة، ليتحول مرة أخرى ذوق خاص ورغبة في التألق في مناسبة مهمة، إلى إشكالية ثقافية وسياسية تعكس ثقافة عامة تقوم على إلقاء الأحكام من دون تحري الدقة.

وزيرة الأمن الداخلي الأميركية كريستي نويم في مؤتمر صحافي في لاس فيغاس (أ.ب)

ماذا بعد ترمب؟

السؤال الذي قد يطرحه البعض ما إذا كان وجه «مار آ لاغو» سيستمر بعد نهاية عهد دونالد ترمب، أم أنه سيضعف بعد خروجه من الساحة.

الجواب مفتوح لكل الاحتمالات، كونه غُرس في بيئات أخرى وليس فقط ضمن التيار السياسي. لورين سانشيز زوجة الملياردير جيف بيزوس مؤسس «أمازون»، واحدة من زوجات مليارديرات، يتعمدن ترسيخ صورة الأنثى بالمفهوم الحسي المثير لتربطها بالسلطة والثراء والقوة في العصر الحديث.

تُعلّق الدكتورة ماريا أنجيلو على الأمر، بقولها إن «المظهر الخارجي يعكس عموماً الرغبة في الحصول على الثقة والسيطرة وفرض الذات، وفي أوقات عدم اليقين أو الشعور بعدم الثقة، يمنح أيضاً شعوراً بالأمان والطمأنينة». وتتابع: «المظهر هنا يميل أكثر إلى توجيه رسالة عن المكانة الاجتماعية، لهذا ورغم أن هذا النوع من المظهر يعكس القوة وربما يمنح الطمأنينة، لا يمكن التوصية به بشكل عام، لأنه يعتمد على السياق بشكل كبير. فما يُعدّ ثقة في بيئة معينة أو زمن ما، قد يبدو مبالغاً فيه أو قديماً في آخر. لهذا يجب أن تخدم الخيارات الجمالية الفرد، وليس البيئة التي يوجد فيها، أو الزمن الذي يعيش فيه فقط».

في نهاية المطاف، يبقى السؤال الأبرز ليس أي من الاتجاهين سيفوز أو يدوم؛ بل ما إذا كان مظهر «مار آ لاغو» بعد اقترانه بالحزب الجمهوري وسياسات ترمب ونظرته للمرأة، قد خلق مسافة بصرية وسياسية تزيد من تحفظ الليبراليين والوسطيين والديمقراطيين تجاه أحزاب اليمين ونسائه.


عوامل ساعدت دمشق على حسم معركة «قسد»

مواكب سيارات تابعة للحكومة السورية تدخل مدينة الحسكة في الشمال الشرقي 2 فبراير 2026 (أ.ف.ب)
مواكب سيارات تابعة للحكومة السورية تدخل مدينة الحسكة في الشمال الشرقي 2 فبراير 2026 (أ.ف.ب)
TT

عوامل ساعدت دمشق على حسم معركة «قسد»

مواكب سيارات تابعة للحكومة السورية تدخل مدينة الحسكة في الشمال الشرقي 2 فبراير 2026 (أ.ف.ب)
مواكب سيارات تابعة للحكومة السورية تدخل مدينة الحسكة في الشمال الشرقي 2 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

شكَّلت المعركة التي أطلقها الحكومة السورية ضد «قوات سوريا الديمقراطية (قسد)» تحوّلاً استراتيجياً أعاد رسم خريطة السيطرة في شمال وشرق سوريا خلال فترة قصيرة. فبخطوة مفاجئة، بدأت العمليات من غرب الفرات، حيث سيطرت القوات الحكومية على دير حافر ومسكنة، قبل أن تمتد شرقاً لتنتهي بالسيطرة الكاملة على مدينة الرقة، المدينة الاستراتيجية لـ«قسد».

وتزامن هذا التقدم مع انتفاضة عشائرية واسعة في مناطق سيطرة التنظيم، لا سيما في أرياف الرقة ودير الزور وأجزاء من ريف الحسكة، حيث طردت العشائر قوات «قسد» من مساحات واسعة، قبل أن تلتقي مع وحدات الجيش السوري. وجاءت هذه التطورات بعد أيام من إخراج مقاتلي «قسد» من حيي الشيخ مقصود والأشرفية في مدينة حلب، في مؤشر مبكر على انهيار منظومة نفوذ التنظيم عسكرياً.

وقال مستشار الرئاسة السورية لشؤون العشائر، جهاد عيسى الشيخ، لـ«الشرق الأوسط» أن حسم المعركة مع «قوات سوريا الديمقراطية» جاء نتيجة تضافر عدة عوامل، في مقدمتها العامل العسكري، موضحاً أن قوات الجيش السوري التي خاضت المعركة كانت مجهزة باحترافية عالية ومدرّبة بشكل مكثف على هذا النوع من الحروب، سواء على مستوى قيادة الأركان وإدارة العمليات أو على مستوى الأفراد الذين خاضوا عشرات المعارك المماثلة خلال سنوات الثورة.

وأشار الشيخ إلى أن «العامل الشعبي» شكّل عنصراً حاسماً أيضاً في مسار المعركة، لافتاً إلى وجود حالة رفض واسعة داخل مناطق سيطرة «قسد» لسياساته، بسبب ما وصفها بـ«الممارسات العنصرية وفرض التجنيد الإجباري على النساء والأطفال والشباب، إضافةً إلى عدم مراعاة التنظيم قيم وعادات المجتمع السوري وعدم احترامه لشيوخ ورموز القبائل». وأضاف أن «قسد» عمد إلى الاستئثار بخيرات المناطق التي تسيطر عليها من دون تقديم أي خدمات حقيقية، سواء على صعيد البنية التحتية أو التنمية وتطوير المناطق.

مجموعة من المعتقلين في مخيم «الهول» بعد سيطرة الحكومة السورية عليه عقب انسحاب «قسد» في الحسكة بسوريا (رويترز)

ورقة «مكافحة الإرهاب»

وأوضح المستشار أن العامل الثالث تمثَّل في تفكيك العوامل التي وضعت «قسد» في موقعه هذا وسحب غطاء «محاربة الإرهاب» من يده، مما أدى إلى تجريده من الدعم الدولي.

وفيما يتعلق بدور القبائل والعشائر، قال الشيخ إن العمل بدأ بإعادة تنظيم دور القبائل العربية ورسم موقعها الصحيح بوصفها مكوّناً مهماً من مكونات المجتمع السوري، ودورها الأساسي في حفظ المجتمع وضمان السلم الأهلي.

في السياق، رأى الباحث فراس فحام أن العامل الأساسي في كسب المعركة لصالح حكومة دمشق لم يكن عسكرياً فقط، بل كان سياسياً ودبلوماسياً أيضاً. وأوضح لـ«الشرق الأوسط» أن الدبلوماسية السورية والتحالفات الإقليمية، خصوصاً مع دول المنطقة انعكست دعماً مباشراً لخطوة الحكومة في بسط سيطرتها على كامل الأراضي السورية.

وأشار فحام إلى أن تغير السياسة الأميركية في سوريا في عهد دونالد ترمب شكّل عاملاً حاسماً، لافتاً إلى أن التوجه الأميركي الجديد يدفع باتجاه الاستقرار في الشرق الأوسط، وأن هذا المسار يمر عبر تمكين الحكومة السورية وتعزيز قوتها داخلياً.

وأكد أن الولايات المتحدة باتت ترى في الحكومة السورية شريكاً ضرورياً لفرض الاستقرار ومنع عودة النفوذ الإيراني في المنطقة، معتبراً أن هذا التحول يفسر تراجع أهمية «قسد» لدى واشنطن. وأضاف أن «قسد» يشكَّل أساساً لتلبية حاجات أمنية أميركية، تتعلق بمكافحة الإرهاب وتأمين موطئ قدم للولايات المتحدة في سوريا ومواجهة النفوذ الروسي، مشيراً إلى أن هذه المصالح باتت اليوم متحققة عبر الحكومة السورية، مما أفقد التنظيم وظيفته بالنسبة إلى الأميركيين.

مظاهرة لأكراد سوريين في مدينة القامشلي للمطالبة بحقوقهم الدستورية 1 فبراير 2026 (رويترز)

إنهاء التنظيمات الـ«ما دون الدولة»

وأشار إلى وجود توجه دولي واضح لإنهاء ظاهرة التنظيمات المسلحة دون الدولة، والاعتماد على الحكومات المركزية، موضحاً أن «قسد» فشل في قراءة هذا التحول، لا سيما الموقف الأميركي، مما جعل تعاطيه مع آلية الاندماج غير مُرضٍ للأطراف الفاعلة في الملف السوري، ودفع نحو دعم بسط سيطرة دمشق على كامل البلاد.

في سياق متصل، أوضح فحام أن الحكومة السورية استفادت بشكل كبير من نقمة العشائر العربية على «قسد»، نتيجة ممارساته خلال السنوات العشر الماضية، وحرمان السكان المحليين من إدارة شؤونهم ومواردهم، والسيطرة على حقول النفط. ولفت إلى أن العشائر كانت سابقاً تفاضل بين «قسد» ونظام الأسد، وغالباً ما اختارت «قسد» بوصفه أقل ضرراً وخطراً، إلا أن سقوط النظام دفع العشائر إلى التطلع إلى الانخراط في الدولة، مشيراً إلى أن بوصلتها اتجهت مؤخراً نحو دمشق، بما في ذلك عشائر كانت تملك قوات عسكرية تقاتل إلى جانب «قسد»، مثل «قوات الصناديد» التابعة لقبيلة شمر، التي فتحت منذ أشهر قنوات تواصل مع الحكومة السورية.

في المقابل، حذَّر فحام من مخاطر محتملة لتشكل مقاومة كردية على غرار ما حدث في تركيا، مشيراً إلى أن أطرافاً إقليمية، قد تجد مصلحة في وجود تمرد كردي ضد حكومة دمشق، إضافةً إلى تيارات داخل «قسد» مرتبطة بحزب العمال الكردستاني، ترى في هذا السيناريو وسيلة للحفاظ على نفوذها. ورأى أن هذا الأمر قد يشكل تحدياً أمنياً خطيراً، حتى في حال التوصل إلى تفاهمات سياسية بين قيادة «قسد» ودمشق.