ليس هناك أفضل من فصل الصيف للحديث عن مخاطر سمك القرش. ستيفن سبيلبرغ فعل ذلك. ففي العشرين من هذا الشهر سنة 1974 قامت يونيفرسال بعرض فيلمه «Jaws» تجاريًا. الفيلم الشهير حول سمكة قرش تهاجم منتجعًا ساحليًا صغيرًا وتفتك بالسابحين والسابحات قبل أن يتمكن 3 رجال منها. دخل التاريخ من 3 أبواب: أول نجاح تجاري للمخرج الذي اعتبر عبقريًا، وأول مرّة يتم فيها تغيير قانون العروض الصيفية من مجرد إعادة عرض أفلام سبق عرضها إلى اعتباره موسمًا مهمًا لجذب الجمهور ما لبث أن اتسع وصار عماد هوليوود.
الباب الثالث هو أن نجاحه أثار الصيادين فانطلقوا يصطادون أسماك القرش الخطرة منها وغير الخطرة. موجة من البحث عن عدو لا يمنع القانون من قتله. في الوقت نفسه صاغ الفيلم حكايات أخرى مشابهة: هناك 3 أجزاء لاحقة من هذا الفيلم، وأخرى منفصلة دارت أيضًا عن أسماك قرش نهمة، وإن لم يكن فليكن الخوف من تماسيح (أحدها يجتاز البحر من الشمال إلى الساحل الشرقي!) أو على الأقل لتكن أسماك البيرانا التي لا تمزح حين تهاجم إنسانًا أو حيوانًا: تأكله بأكمله في سرعة كبيرة ولا تترك منه سوى هيكله.. هنا كان يوجد جون!
هذا الأسبوع، وبعد 41 سنة على اندلاع ظاهرة «جوز» يأتينا فيلم جديد لا يقل، في الواقع، تشويقًا. عنوانه «مياه ضحلة». لكن في حين أن فيلم سبيلبرغ تحدث عن هجوم القرش على ساحل يؤمه مئات الأميركيين، فإن «مياه ضحلة» (The Shallows) يدور حول ممثلين فقط: فتاة شابة وسمكة قرش أبيض.
الحبكة بسيطة. الفيلم ماهر في توظيفها لساعة ونصف الساعة من الأحداث المثيرة: امرأة شابة (بليك لايفلي التي شوهدت أخيرًا في دور مساند في فيلم وودي ألن «كافيه سوسيتي» وقبل ذلك في فيلم بن أفلك «البلدة» The Town) تقرر الذهاب إلى ساحل هادئ ومنعزل تمارس فيه هواية «السيرف». ترتدي ثياب البحر وترتمي فوق لوحتها الخاصة بالرياضة وتترك الأمواج ترفعها وتهبط بها ثم ترفعها من جديد. فجأة تكتشف أنها ليست وحيدة وأن ما يرفعها ليست الأمواج وحدها بل سمكة قرش ضخمة في المياه ذاتها. بطلتنا تهرع إلى الساحل، لكن ليس الساحل الذي وصلت إليه بسيارتها، بل إلى قطعة أرض صغيرة تبعد نحو 180 مترًا عن أرض الأمان. طريقتها الوحيدة هي السباحة عائدة إلى الشاطئ المقابل. لكن كيف لها ذلك والسمكة تنتظر وليمتها؟
وحدها والقرش
«مياه ضحلة» (للمخرج خوام كوليت - سيرا الذي حقق بفاعلية فيلمين تشويقيين من بطولة ليام نيسون هما «مجهول» عام 2011، و«بلا توقف» عام 2014) هو أحد 3 أفلام تنطلق نهاية هذا الأسبوع في عروض عالمية مفتوحة.
الفيلمان الآخران أكبر شأنًا وحجمًا وتوقعًا. في موسم صيف ما زال يفضل فيه معظم النساء اللجوء إلى سواحل البحر، لم ينجز ما عرض من أفلام خلال الأسابيع السابقة ما راهنت عليه الاستوديوهات الأميركية من إقبال. «كابتن أميركا: حرب أهلية» تكلف 250 مليون دولار وسجل 250 مليون دولار أقل مما كان يُنتظر منه، إذ توقف عداده على 400 مليون دولار أو يكاد. أسوأ منه نتيجة «أليس خلال المنظار» (Alice Through The Looking Glass) الذي استثمرت فيه ديزني 170 مليونًا (غير كلفة الدعاية والإعلام) لكنه سجل حتى الآن أرقامًا متواضعة في معظم الأسواق التي افتتح فيها. أما «رجال إكس: أبوكاليبس» فقد سطا قليلاً على المراكز الأولى حول العالم لكنه لن ينجز، حسب مواقع خبراء، أي نتائج تثير الفرح.
في المجمل إيراد موسم الصيف منذ أن بدأ هذا العام في الشهر الماضي وحتى الآن هو أقل بنسبة 20 في المائة عما سجلته الفترة ذاتها في العام الماضي.
لذلك فإن الرهان كبير على هذين الفيلمين اللذين سينطلقان للعروض حول العالم في الرابع والعشرين من هذا الشهر، وهما «ولاية جونز الحرة» أو (Free State of Jones) و«يوم الاستقلال: انبعاث».
وهما من DNA مختلف: الأول دراما تقع أحداثها خلال الحرب الأهلية الأميركية في القرن التاسع عشر وخالية من معالم الصنعة التكنولوجية غالبًا، والثاني ينتمي إلى المستقبل كونه خيالاً علميًا قائمًا على معارك متواصلة بين أهل الأرض وأهل الفضاء، ولذلك سيحفل بالمؤثرات التقنية الحديثة.
إرث باق
«ولاية جونز الحرة» مجتزأ من وقائع حقيقية: خلال الحرب الأهلية بين الاتحاديين والانفصاليين التي كادت أن تقسم الولايات المتحدة إلى قسمين، رفض مزارع من الجنوب الانفصالي اسمه نيوت نايت (ويقوم به ماثيو ماكونوهي) الامتثال إلى سياسة الانفصاليين والانضمام إلى قتال القوات الاتحادية. عوض ذلك، قرر أن قوات الشمال على حق في النزاع القائم حول حقوق السود ورغبتها في منع العبودية التي كان يمارسها الجنوبيون كتقليد راسخ. وقراره ذاك تبعه حمل السلاح مع مزارعين بيض وسود على حد سواء وتشكيل ميليشيا في مقاطعة من ولاية ميسيسيبي اسمها جونز. بعد معارك بينه وزمرته وبين الجيش الجنوبي تمت له السيطرة على تلك المقاطعة وإعلانها ولاية مستقلة عن ولاية ميسيسيبي.
الإخراج هنا لغاري روس الذي أسس أركان سلسلة «ألعاب الجوع» عندما أخرج الجزء الأول منه سنة 2012. وتشير وثائق الفيلم إلى أن 7000 فرد تقدموا بطلب الظهور في عداد المجاميع (أو كما يسمونهم سينمائيًا «Extra») من بينهم رجل كريستوفر ديفيد مكنايت الذي هو حفيد من سلالة الثائر نيوت نايت نفسه.
بعض الأحقاد القديمة لا تزال تنهش في صدور البعض حول هذه الشخصية. قبل سنوات وضع شخص باسم رودي ليفيريت كتابًا بعنوان «أسطورة ولاية جونز الحرّة» حاول فيه تصوير نيوت نايت كرجل عصابات وأنه لم يكن محاربًا في سبيل قضية تحرير العبيد. لاحقًا ما تبين أن رودي ما هو إلا حفيد الضابط أموس ماكليمور الذي قاتل نيوت نايت بعدما أرسلته القيادة الجنوبية لمجابهته. المعركة بينهما انتهت بمقتل الضابط.
أما «يوم الاستقلال: الانبعاث» فله تاريخ مختلف تمامًا.
محطته الأولى كانت فيما يعتبر الآن الجزء الأول. ففي 25 من يونيو (حزيران) سنة 1996 (أي قبل عشرين سنة كاملة) قام مخرج من مدرسة سبيلبرغ اسمه رولاند إيميريش بعرض فيلمه «يوم الاستقلال» بميزانية لم تزد حينها على 75 مليون دولار تضاعفت إلى 811 مليون دولار من الإيرادات حول العالم.
دمار شامل
على عكس «إي تي» و«لقاءات قريبة من النوع الثالث»، لم يكن على إيميريش أن يعتبر أن أهل الفضاء أشخاص مسالمون حطوا على الأرض للتواصل مع نخبة من مواطنيها. بل عاد إلى المسطرة القديمة في الخمسينات التي كانت تعتبر هؤلاء غزاة قاهرين ينوون الشر والسيطرة ويفتكون بالبشر والمدن بواسطة أسلحتهم الإشعاعية المتقدّمة.
الجمهور أحب هذه الردّة إلى الأمس والثنائي الذي قام بالبطولة (ول سميث وجف غولدبلوم) أضافا إلى رصيدهما نجاحًا واضحًا.
20 سنة والحال مختلف بعض الشيء.
خلالها قام المخرج، الذي عهد على نفسه، كما يبدو، بصُنع أفلام حذقة تقنيًا وذات أفكار موحية ومثيرة لكنها فنيًا جدباء، بتحقيق أفلام دمار أخرى: هاجم نيويورك ودمّرها في «غودزيللا» (1998) ثم أميركا بأسرها في «اليوم التالي للغد» (The Day After Tomorrow) سنة 2004. مصيرها لم يكن بعيدًا عن مصير نيويورك في الفيلم السابق.
المواجهة الجديدة تقع عندما تعود قوى الفضاء لتقهر قوى الأرض بعدما كانت هزمت قبل عشرين سنة. الهجوم الجديد أقوى من سابقه (الشكر في ذلك للتقدّم في مجال المؤثرات) لكن قوى الدفاع الأرضية من أسلحة نووية وسواها هي أيضًا أقوى.. هل ستنقذ الأرض؟
طبعًا ستفعل لكن مع نهاية الفيلم، حتى تتاح للجمهور فرصة مشاهدة نيويورك وهي تنهار تحت هجوم مركبات فضاء بحجم ولاية. في أحد المشاهد لا تنهار المباني ولا الشوارع وما فوقها من سيارات وبشر، بل يرتفعون عن الأرض كون جاذبية المركبات الفضائية المغيرة أقوى من جاذبية الأرض.
جف غولدبلوم يعود في هذا الفيلم ليلعب دوره في التحديق المستغرب. لكن ول سميث لا يفعل والسبب هو أنه طلب من شركة «فوكس» المنتجة 50 مليون دولار لقاء تمثيله هذا الفيلم والجزء التالي منه (إذا ما تم إنتاجه). هذه رفضت العرض وبحثت عن سواه بأسعار مخفضة.
بين الأفلام الثلاثة فإن «يوم الاستقلال: الانبعاث» هو الآيل لنجاح أكبر، لكن «ولاية جونز الحرة» قد يشق طريقه إلى الأوسكارات، في حين سيسبح «مياه ضحلة» بسلامة ولو لمسافة قصيرة.

