في ظل واحدة من أكبر خطط الحفاظ على التراث التي أقرتها حتى الآن، تستعد الهند لترميم أقدم مساجدها داخل ولاية كيرالا. وقد افتتح الرئيس الهندي براناب مخرجي أخيرًا المرحلة الأولى من المشروع.
يعرف المسجد باسم مسجد «تشيرامان جوما»، ويقدر عمره بـ1400 عام، ويحمل في طياته رسالة تفيد بأن الإسلام قدم إلى هذه البلاد عبر سبيل سلمي في القرن السابع الميلادي على أيدي تجار عرب، قبل قدوم المغول الذين قدموا للهند في القرن الثاني عشر من ناحية الشمال الغربي.
كانت أنظار المجتمع الدولي قد تركزت على المسجد أخيرًا عندما قدم رئيس الوزراء الهندي ناريندر مودي هدية إلى خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز آل سعود، خلال زيارته في أبريل (نيسان) الماضي المملكة العربية السعودية، تمثلت في نموذج مصنوع من الذهب لمسجد «تشيرامان جوما» التاريخي.
* الأسطورة القائمة وراء المسجد
يعود اسم مسجد «تشيرامان جوما» إلى تشيرامان بيرومال، آخر ملوك التشرائيين الذين حكموا كيرالا. وتشير القصص المحلية المتداولة حول المسجد إلى أنه عندما قدم تجار عرب مسلمون إلى كيرالا وحيوا الجميع بتحية الإسلام (السلام عليكم) وتعاملوا معهم بلطف ولين وعلى نحو متحضر، أبدى تشيرامان بيرومال، الملك الهندوسي الذي حكم جنوب الهند في القرن السابع الميلادي اهتمامه بدينهم. وبالفعل، شرح له التجار العرب المبادئ الأساسية للإسلام وتعاليم النبي. وسرعان ما سافر الملك إلى شبه الجزيرة العربية واعتنق الإسلام. وقد سجل كثير من المؤرخين هذه الحقيقة في كتاباتهم. على سبيل المثال، أشار حميد الله في كتابه «محمد رسول الله» إلى بعض المخطوطات القديمة المحفوظة في مكتبة الهند بلندن.
وتوفي الملك الهندي في صلالة بعمان قبل أن يتمكن من العودة إلى كيرالا، ولا تزال مقبرته هناك إلى يومنا هذا، وتحمل اسمه القديم، بجانب اسمه الجديد الذي اتخذه بعد الإسلام - تاج الدين.
وقبل وفاته، كتب بعض الخطابات يطلب فيها من الحكام المحليين الذين سلم إليهم زمام الحكم في إمبراطوريته، تقديم كل عون ممكن لبعض التجار العرب الذين كانوا ينوون زيارة الهند. ولا تزال بعض هذه الخطابات محفوظة اليوم في أحد متاحف كيرالا.
وبالفعل، التزم حكام كيرالا بتنفيذ ما ورد بالخطابات، خصوصًا أن جزءًا من عائلة تشيرامان الهندوسية الحاكمة اعتنق الإسلام، بجانب قطاع كبير من المواطنين العاديين. وعليه، جرى بناء مسجد تشيرامان بيرومال.
ويشير المسجد إلى أن دخول الإسلام إلى الهند جاء سلسًا، وتمتع المسلمون بدعم جميع السكان المحليين بغض النظر عن دياناتهم، الأمر الذي لا يزال قائمًا إلى يومنا هذا.
وتحمل بوابة المسجد نقشًا باللغة العربية - الماليالامية تاريخ 5 هجرية، مما يجعل هذا المسجد أقدم مسجد في الهند وأحد أقدم مساجد العالم.
* أحفاد الملك تشيرامان بيرومال المعاصرون
يعد راجا فالياتهامبورام، 90 عامًا، من أحفاد الملك تشيرامان بيرومال، وهو المسؤول عن المسجد. ورغم أنه يعتنق الهندوسية، فإنه فخور بانتمائه إلى تشيرامان بيرومال، الذي قال عنه: «لم يكن ملكًا فحسب أو أحد أسلافي، وإنما كان أول هندي يعتنق الإسلام. لقد كان الشخص الذي أهدى الإسلام إلى الهند، وكذلك أول مسجد على الإطلاق داخل شبه القارة الهندية». من جهته، يتولى فالياتهامبورام إدارة جميع شؤون المسجد، وأوضح أن المسجد لا يزال محتفظًا بهيكله المعماري الأصلي.
من ناحية أخرى، من المقرر تصوير فيلم يرصد حياة تشيرامان بيرومال، من بطولة الممثل ماموتي. وقد أعلن الممثل: «عرض علي أحد المخرجين المشاركة في فيلم عن حياة تشيرامان بيرومال، وأن أقوم بدور البطولة به، وذلك بالتعاون مع جمعية الفيلم العمانية». جدير بالذكر أن ماموتي سبقت له المشاركة فيما يزيد على 360 فيلمًا هنديًا على امتداد مشواره الفني خلال أكثر من ثلاثة عقود.
* المسجد يفتح أبوابه أمام غير المسلمين
في إشارة إلى التناغم الثقافي داخل الهند، يفتح المسجد أبوابه أمام الأشخاص من جميع الديانات، ويحرص كثير من أتباع الديانات الأخرى على زيارته على مدار العام.
ويقيم كثير من الهنود احتفالهم ببدء المسيرة التعليمية لأطفالهم داخل المسجد، انطلاقًا من اعتقادهم بأن هذا يحمل فألاً طيبًا ويبشر بنجاح أطفالهم في التعليم. وخلال رمضان، غالبًا ما يقيم غير المسلمين مآدب لإفطار إخوانهم المسلمين.
أما فيما يتعلق بالشكل المعماري، فإن المسجد في صورته الأصلية لم يضم أي مآذن أو قبة، رغم كون العنصرين الآن من الملامح التقليدية المميزة للتصميم المعماري للمساجد. وفي وقت لاحق، أدخل في تصميمه عنصري المئذنة والقبة.
وعلى غرار التصميم التقليدي للمعابد القديمة، توجد أمام المسجد بركة صغيرة. ويتميز من الداخل بمصباح زيتي قديم، من المعتقد أن عمره يعود إلى 1000 عام. واستمر استخدام هذا المصباح الذي يتدلى في منتصف المسجد حتى العام الماضي، ثم قررت إدارة المسجد التوقف عن إضاءته. واعتاد أفراد من مختلف الديانات إحضار زيت للمصباح نوعًا من الهدية. إلا أن إدارة المسجد توقفت عن قبول الزيوت، وقررت بدلاً من ذلك قبول تبرعات لشراء زيت لإضاءته.
* مشروع الترميم
مر المسجد الأصلي بكثير من أعمال الترميم، ورغم هذا ظل الهيكل الأصلي للمسجد، بما في ذلك المنبر المصنوع من خشب الورد ويحمل نقشًا ورسومًا متشابكة وأعمال زخرفة ملولبة، والسقف الخشبي والمصباح التقليدي وبركة الماء القديمة من دون مساس.
أيضًا، يضم المسجد متحفًا صغيرًا. وفي قلب المتحف، يوجد صندوق زجاجي، يمثل هيكلاً مصغرًا للمسجد حسب شكله منذ 400 عام ماضية. كما يضم المتحف بعض الأعمال الفنية الأخرى تنتمي لعصور سابقة، وكذلك الأحجار حمراء اللون التي جرى استخدامها في البناء في فترة سابقة ولم تعد شائعة اليوم، بجانب صندوق للتبرعات يعود لأكثر من 1000 عام مضت.
من المعتقد أن المسجد جرى تجديده أو أعيد بناؤه للمرة الأولى في القرن الـ11، ثم جاءت المرة الثانية بعد نحو 300 عام. علاوة على هذا، جرت عدة عمليات توسعة خلال العقود الأخيرة.
وفي تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، قال د. محمد سيد، رئيس لجنة مسجد تشيرامان: «يعد مسجد تشيرامان جوما أثرًا ثقافيًا، وينبغي الحفاظ عليه في صورته الأصلية. وسنعمل على استعادة ما جرى هدمه من المسجد منذ القرن الـ15 حتى اليوم. وسنتولى ترميم البركة القديمة والأسقف والقطع الفنية والمنبر، بحيث تعود لصورتها الأصلية في إطار المشروع».
وأضاف أن عملية الترميم برمتها ستجرى على 4 مراحل، مع الالتزام بصرامة بوثائق معمارية تاريخية مرتبطة بالمسجد. وقد نال المشروع موافقة وزارة الآثار الهندية، ومن المتوقع أن تبلغ تكلفته 300 مليون روبية هندية. وستتولى الحكومة الهندية دفع جزء من التكلفة، بينما تسعى لجنة إدارة المسجد إلى توفير جزء آخر عبر التبرعات من الخارج.
من جهته، قال المهندس المعماري المشارك بالمشروع، بيني كوريياكوزي: «يتميز المسجد بطابع تاريخي قوي. وعلى مدار الزمن، كان هناك كثير من الإضافات التي دخلت عليه لكنها لا تتوافق مع طابعه التاريخي، بهدف توسعته. وسنعمل على إزالة جميع الإضافات القبيحة وتعزيز سعته على نحو يتواءم مع هيكله التاريخي».
ومن المقرر أن يضم المسجد في نسخته المعدلة قاعتين تحت الأرض للصلاة، تتسعان لـ6000 شخص، بالاعتماد على الأفكار المعمارية التقليدية السائدة في كيرالا.
وذكرت إدارة المسجد أنها تخطط لإجراء جولة لجمع تبرعات في الشرق الأوسط بحلول سبتمبر (أيلول) المقبل.
والمعروف أن هذا المسجد يحتل مكانة خاصة في تاريخ الإسلام في الهند، ومن المقرر إقامة متحف تراثي به بجانب مكتبة رقمية. وسيعمل المتحف على تصوير التاريخ الثقافي للمسلمين في كيرالا، بينما ستضم المكتبة الرقمية أعمالاً فنية وأدبية مسلمة.
كما ستخصص إدارة المسجد جزءًا من المتحف للرئيس الهندي السابق إيه. بي. جيه. عبد الكلام، أحد أبناء كيرالا، الذي توفي عام 2015. والمعروف أن المسجد زارته كوكبة من المشاهير، بينها عدد من رجال الدين من شتى بقاع الأرض.

مشهد من مسلسل «ضرب نار» (أرشيفية)
بوستردعائي لمسلسل «تحت الوصاية» (أرشيفية)
مشهد من مسلسل «ستهم» (أرشيفية)
