56 ساعة برفقة الجيش الروسي في سوريا

تحذير خاص وجه إلى الصحافيين الأميركيين حال كتابتهم عن الروس بصورة رديئة

عناصر من الجيش الروسي في قاعدة حميميم بريف اللاذقية على الساحل السوري يهيئون مقاتلة سو-34 استعدادا للقيام بمهمة قصف بالقنابل بداية الشهر الحالي (إ ف ب)
عناصر من الجيش الروسي في قاعدة حميميم بريف اللاذقية على الساحل السوري يهيئون مقاتلة سو-34 استعدادا للقيام بمهمة قصف بالقنابل بداية الشهر الحالي (إ ف ب)
TT

56 ساعة برفقة الجيش الروسي في سوريا

عناصر من الجيش الروسي في قاعدة حميميم بريف اللاذقية على الساحل السوري يهيئون مقاتلة سو-34 استعدادا للقيام بمهمة قصف بالقنابل بداية الشهر الحالي (إ ف ب)
عناصر من الجيش الروسي في قاعدة حميميم بريف اللاذقية على الساحل السوري يهيئون مقاتلة سو-34 استعدادا للقيام بمهمة قصف بالقنابل بداية الشهر الحالي (إ ف ب)

في عطلة نهاية الأسبوع الماضي، تلقيت اتصالاً من وزارة الخارجية الروسية يعرض علي المشاركة في جولة صحافية تستمر ثلاثة أيام برفقة الجيش الروسي داخل سوريا. كما تلقيت تحذيرًا خاصًا موجها إلى الصحافيين الأميركيين العاملين بالخارج، حيث أخبرني مسؤول بالوزارة إنه حال كتابتي عن الروس بصورة رديئة، فإن تلك «ستكون رحلتك الأولى والأخيرة».
الواضح أن المؤسسة العسكرية الروسية تعكف حاليًا على صياغة صورة جديدة لها صديقة للإعلام (أو على الأقل متسامحة تجاه الإعلام). ومن بين الأمور الجديدة التي أقرتها المؤسسة إصدار بيانات موجزة متلفزة، وسلسلة من متاجر الملابس تعرض سترات جلدية وقمصان للأطفال تحمل رموزًا وطنية. إلا أن الحدث الصحافي الأكثر طموحًا على الإطلاق، أخيرا، فتمثل في تنظيم أوركسترا مسرح مارينسكي حفلاً موسيقيًا لأعمال بروكوفيف وباخ على مسرح مدرج مدينة تدمر التي جرت استعادتها مؤخرً من قبضة تنظيم داعش. وكانت تلك تجربة رائعة بكل المقاييس على الصعيد الدعائي، حيث زاوجت بين التراث الثقافي والطموحات العسكرية الروسية.
وربما كان هذا السبب وراء فتح الروس الأبواب هذه المرة، حيث دعوا صحافيين من «واشنطن بوست» و«نيويورك تايمز»، بجانب الأطقم التلفزيونية المعتادة من «سي إن إن» و«بي بي سي». وجرى حشد أكثر من 100 صحافي دولي، مساء الثلاثاء الماضي، بجانب مراسلين روس، في طائرة تتبع وزارة الدفاع الروسية، في رحلة من موسكو إلى قاعدة حميميم الجوية في سوريا، عابرة بذلك بحر قزوين والعراق وإيران. وفي الطريق، جرى سحب جوازات سفرنا. وبعد بزوغ الفجر بقليل، هبطنا داخل سوريا.
وعلى امتداد باقي الرحلة، كان يجري نقلنا بحافلة من مكان لآخر من دون سابق إنذار، وكان من المفترض منا أن ندون ملاحظاتنا سريعًا، ثم نعود إلى الحافلة. ولم يتوافر لدينا مرشدين يمكن الرجوع إليهم سوى مضيفينا الروس، لذا لم يكن بمقدورنا فعل سوى تذكر أن كل ما نراه هو ما ترغب المؤسسة العسكرية الروسية منا رؤيته.
وتمثلت أول نقطة في جولتنا في القاعدة الجوية ذاتها التي جرى ترميمها سرًا من جانب القوات الروسية قبل أن تظهر الطائرات الحربية الروسية في سماء سوريا فجأة في سبتمبر (أيلول) الماضي. ورغم بساطة القاعدة، فإنها كانت نظيفة ومثيرة للإعجاب. وبدا الأفراد الروس داخل كل المحطات التي توقفنا عندها على أهبة الاستعداد، مع توافر ملعب لكرة اليد، ومساحة لممارسة تمرينات رياضية، وخيمة لتوفير دعم نفسي للجنود، وأخرى لمناقشة الأخبار السياسية، وثكنات وقاعة لتناول الطعام مخصصة للجنود.
وقد خصصت الزيارات الإعلامية بصورة أساسية للتلفزيون، وسرعان ما انتقلنا من خيمة لأخرى، بحيث تتمكن الكاميرات من التقاط صور متنوعة. ولدى سؤالهم عن الحياة داخل القاعدة، حوّل الكثير من الجنود سؤال المراسل إلى ضابط قال إن الجنود يخدمون في نوبات تستمر كل منها ثلاثة شهور، ويتوافر أمامهم وقت كاف للراحة والاسترخاء، مع تنظيم حفلات موسيقية في عطلات نهاية الأسبوع.
وعلى الممرات، شاهدنا قرابة اثنتي عشر طائرة ثابتة الجناحين، بينها قاذفات «سو24» و«سو34»، إضافة إلى مقاتلات «سو35» النفاثة الروسية. ولا تزال القاعدة الروسية تعج بالحركة، مع شن ما يصل إلى 20 غارة يوميًا، رغم إعلان الرئيس الروسي فلاديمير بوتين النصر وسحب القوات، في مارس (آذار) الماضي.
وتتولى هذه الطائرات تنفيذ مهام قتالية بالمناطق الخاضعة لسيطرة «داعش»، حسبما أخبرنا إيغور كوناشينكوف، المتحدث العسكري الرسمي الروسي. وخلال الفترة التي قضيناها داخل القاعدة، أقلعت نحو 10 طائرات، جاء انطلاق معظمها بمجرد أن انتظمت صفوفنا على الممر. وتلقي بعض قاذفات «سو24» قنابل ثقيلة قبل الهبوط، بينما تعود أخرى إلى القاعدة وهي لا تزال تحمل حمولتها من القنابل.
وسألنا كوناشينكوف عن مستشفى حلب المدعوم من منظمة «أطباء بلا حدود»، التي ذكرت تقارير أنه تعرضت للقصف الشهر الماضي، ما أسفر عن مقتل 55 على الأقل. وعرض كوناشينكوف أمامنا صورا من القمر الصناعي التقطت في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، قال إنها تثبت أن المستشفى لم يتعرض للقصف على الإطلاق، مشيرًا إلى أن «التقارير الإخبارية التي تتحدث عن سقوط ضحايا هناك مفبركة». وعندما طلبنا منه تقدير أعداد الضحايا غير المقصودين والمدنيين من جراء الضربات الجوية الروسية بوجه عام، راوغ كوناشينكوف في الإجابة، قائلاً إن الضربات الروسية لم تؤذ مدنيين. واستمر الشد والجذب قرابة ربع الساعة حتى بدأ المؤتمر الصحافي.
واستغرق الأمر منا أكثر من أربع ساعات في السيارة على امتداد طرق ساحلية حتى وصلنا للفندق الذي نقيم فيه في الطرف الشمالي الغربي من سوريا، اللاذقية على وجه التحديد. وكان الفندق من فئة الخمس نجوم، ويطل على البحر المتوسط بأمواجه الرائعة. ولدى الجلوس هناك، يسهل على المرء نسيان أن ثمة حربا مستعرة بالبلاد.
ونمنا لبضع ساعات، ثم غادرنا اليوم التالي في السابعة صباحًا متجهين إلى تدمر. وكانت هناك شائعات حول عقد حفل موسيقي بالمسرح المدرج في تدمر، وأن صديق فلاديمير بوتين، عازف الكمنجة المدعو سيرغي رولدوغين، سيكون حاضرًا. يذكر أن رولدوغين يملك حسابات مصرفية عملت كقناة لنقل مئات الملايين من الدولارات، تبعًا لما كشفته تسريبات أوراق بنما الأخيرة.
ومع غياب خدمة الإنترنت، وعدم وجود شبكة للهاتف المحمول، قضينا الجزء الأكبر من الرحلة بالحافلة إلى المدينة التي استمرت سبع ساعات في التطلع إلى المدن التي مررنا عليها في الطريق، بحثًا عن مؤشرات على وجود حياة، والإمعان في الإجراءات الأمنية لرحلتنا، فقد أغلقت الطرق وتقاطعاتها على امتداد عشرات الأميال لضمان أمن قافلتنا، والتي تضمنت سيارات «همفي» وناقلات أفراد مدرعة. وفوق رؤوسنا، حلقت أربع مروحيات على الأقل.
وبدا كل هذا معدًا من أجل الحفلة الموسيقية التي كان من المقرر إقامتها في المساء، لكن المسؤولين رفضوا التأكيد على أية تفاصيل. داخل تدمر، جرى توجيهنا سريعًا عبر الحطام، وذكر مسؤولون روس أن عملية تقدير الخسائر التي لحقت بالمدينة لا تزال مستمرة.
وخلال جولتنا، كان بإمكاننا سماع دوي انفجارات للمدفعية بالقرب منا (وقيل لنا إن خط المواجهة يقع على بعد قرابة 10 أميال من النقطة التي كنا بها).
وكان من المقرر إذاعة الحفل الموسيقي إلى كل منزل روسي عبر تلفزيون الدولة الرسمي، لكن من أجل الوصول إلى منازل الغرب، كان الكرملين بحاجة إلينا. وأقيم الحفل بمشاركة المايسترو الشهير فاليري غيرغيفو، وكذلك رولدوغين.
وانتهى الأمر برمته في غضون ساعة. وبعد صدور عدد من التصريحات الرسمية، عدنا إلى الحافلة لنمر عبر الصحراء في رحلة جديدة لمدة سبع ساعات على امتداد الساحل حتى الفندق الذي نقيم فيه في اللاذقية. وفي مساء اليوم التالي، عدنا إلى موسكو جوًا على متن طائرة انطلقت بعد وصولنا سوريا بـ56 ساعة بالضبط.

*خدمة «واشنطن بوست» خاص بـ«الشرق الأوسط»



العليمي يطلب من لبنان وقف منصّات الحوثيين الإعلامية

اجتماع يمني - لبناني في ميونيخ هيمن عليه ملف منصات الحوثيين الإعلامية في بيروت (سبأ)
اجتماع يمني - لبناني في ميونيخ هيمن عليه ملف منصات الحوثيين الإعلامية في بيروت (سبأ)
TT

العليمي يطلب من لبنان وقف منصّات الحوثيين الإعلامية

اجتماع يمني - لبناني في ميونيخ هيمن عليه ملف منصات الحوثيين الإعلامية في بيروت (سبأ)
اجتماع يمني - لبناني في ميونيخ هيمن عليه ملف منصات الحوثيين الإعلامية في بيروت (سبأ)

في مستهل الحراك الدبلوماسي الذي بدأه رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي في ميونيخ على هامش مؤتمر الأمن الدولي، التقى رئيس الوزراء اللبناني نواف سلام، وناقش معه نشاط المنصات الإعلامية التابعة للجماعة الحوثية، مطالباً بوقفها باعتبارها جزءاً من المعركة التي تقودها الجماعة ضد اليمن والمنطقة.

اللقاء، الذي عكس تقارباً في الرؤى بين البلدين بشأن مفهوم الدولة الوطنية واحتكارها للسلاح، حمل رسائل سياسية واضحة تتعلق بضرورة منع استخدام أراضي الدول العربية كمنصات لخدمة مشاريع الميليشيات أو تهديد أمن الدول الأخرى.

ونقل الإعلام الرسمي اليمني أن العليمي أكد أن نشاط المنصات الإعلامية التابعة للحوثيين في بيروت لا يمثل مجرد عمل إعلامي تقليدي، بل يشكل جزءاً من منظومة متكاملة تستخدمها الجماعة لتعزيز خطابها السياسي والتعبوي، وتبرير هجماتها ضد اليمن ودول المنطقة، بما في ذلك تهديد الملاحة الدولية في البحر الأحمر.

رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني بدأ تحركاته في ميونيخ بلقاء رئيس وزراء لبنان (سبأ)

وشدد على أن استمرار هذه الأنشطة يتعارض مع مبدأ النأي بالنفس الذي تتبناه الدولة اللبنانية، مؤكداً أن وقف أي نشاط إعلامي مرتبط بالميليشيات ينسجم مع سيادة لبنان ومع علاقاته العربية، ويمنع تحويل أراضيه إلى ساحة للصراع الإقليمي.

وبحسب رؤية القيادة اليمنية، فإن المعركة ضد الحوثيين لم تعد عسكرية فقط، بل أصبحت أيضاً معركة سرديات إعلامية وتأثير سياسي عابر للحدود.

ازدواجية السلاح

أفادت المصادر الرسمية اليمنية بأن العليمي أشار إلى أن ما يواجهه لبنان من ازدواجية السلاح يشبه في جوهره الأزمة اليمنية الناتجة عن انقلاب الحوثيين المدعومين من إيران على مؤسسات الدولة.

وأكد رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني أن دعم الجماعات المسلحة خارج إطار الدولة أدى في البلدين إلى إضعاف المؤسسات وتعطيل التنمية وإطالة أمد الأزمات.

عناصر حوثيون خلال مظاهرة في صنعاء أمام السفارة الأميركية (إ.ب.أ)

وبحسب المصادر نفسها، أثنى العليمي على الخطوات التي اتخذتها الحكومة اللبنانية لحصر السلاح بيد الدولة وتكليف الجيش بإنفاذ ذلك، واصفاً إياها بأنها خطوة سيادية تعيد الاعتبار لمبدأ احتكار قرار السلم والحرب.

وفي إطار مشاركته بالمؤتمر، يسعى العليمي إلى حشد دعم دولي أكبر للحكومة اليمنية، خصوصاً في مواجهة التهديدات البحرية والإرهاب والتهريب، مع عرض التحولات التي شهدتها البلاد مؤخراً بدعم سعودي، والجهود الرامية لتوحيد القرار الأمني والعسكري وتعزيز حضور الدولة.


شراكة يمنية - سعودية لتعزيز البنية التحتية ودعم التعافي

وزير الأشغال العامة في الحكومة اليمنية حسين العقربي مع السفير السعودي محمد آل جابر (سبأ)
وزير الأشغال العامة في الحكومة اليمنية حسين العقربي مع السفير السعودي محمد آل جابر (سبأ)
TT

شراكة يمنية - سعودية لتعزيز البنية التحتية ودعم التعافي

وزير الأشغال العامة في الحكومة اليمنية حسين العقربي مع السفير السعودي محمد آل جابر (سبأ)
وزير الأشغال العامة في الحكومة اليمنية حسين العقربي مع السفير السعودي محمد آل جابر (سبأ)

في خطوة تعكس تصاعد الزخم التنموي في المناطق اليمنية المُحرَّرة، وقّعت الحكومة الشرعية و«البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن» مذكرة تعاون جديدة تهدف إلى رفع كفاءة البنية التحتية للطرق وتحسين حركة التنقل ودعم النشاط الاقتصادي والتجاري، ضمن مسار أوسع يستهدف تعزيز الاستقرار وإعادة بناء القطاعات الحيوية المتضررة جراء سنوات الصراع.

وجاء توقيع مذكرة التعاون بين وزير الأشغال العامة والطرق في الحكومة اليمنية حسين العقربي، ومحمد آل جابر سفير السعودية لدى اليمن والمشرف العام على «البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن»، ليؤكد انتقال التعاون من مرحلة التدخلات الإسعافية إلى مرحلة التنمية المستدامة، القائمة على بناء القدرات المؤسسية وتحسين جودة الخدمات الأساسية.

وأوضح البرنامج السعودي، في بيان رسمي، أن الاتفاقية ستسهم في استدامة صيانة وتشغيل الطرق ورفع كفاءتها الفنية، عبر تنفيذ حزمة من المبادرات تشمل توفير موازين حديثة للمركبات لضبط الحمولات الزائدة التي تُعدُّ أحد أبرز أسباب تدهور الطرق، إضافة إلى تقديم الدعم الفني والاستشاري في مجالات تأهيل وتشغيل شبكات النقل، وتعزيز قدرات صندوق صيانة الطرق بالتعاون مع الجهات السعودية المختصة.

وتتضمَّن المشروعات المطروحة توسعة وإعادة تأهيل عدد من الطرق الحيوية، أبرزها طريق العبر الاستراتيجي وطريق هيجة العبد، إلى جانب مشروعات أخرى في محافظات يمنية عدة، بإجمالي أطوال تجاوزت 200 كيلومتر، وهو ما يُتوقع أن ينعكس مباشرة على تقليل تكاليف النقل وتحسين انسيابية الحركة التجارية بين المحافظات.

بوابة التعافي

تزامناً مع توقيع الاتفاقية، ناقش عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني طارق صالح، مع وزير الأشغال العامة العقربي أولويات عمل الوزارة خلال المرحلة المقبلة، في إطار رؤية حكومية تضع البنية التحتية في صدارة أدوات التعافي الاقتصادي والاجتماعي.

وخلال اللقاء، شدَّد طارق صالح على الدور المحوري الذي تضطلع به وزارة الأشغال في تثبيت الاستقرار داخل المناطق المُحرَّرة، عادّاً أن إعادة تأهيل الطرق الدولية والرابطة بين المحافظات تمثل عاملاً أساسياً في تخفيف معاناة المواطنين وتحسين حركة التجارة والإمدادات.

واستعرض الوزير العقربي الخطوط العريضة لخطة الوزارة لعام 2026، والتي تركز على إعادة تأهيل شبكة الطرق الاستراتيجية والمنافذ الحيوية، إلى جانب استكمال المشروعات المتعثرة وتحسين المشهد الحضري للمدن، بما يعكس حضور الدولة ويعزِّز ثقة المواطنين بالمؤسسات الحكومية.

عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني طارق صالح مع وزير الأشغال العامة (سبأ)

وأكد طارق صالح أهمية رفع كفاءة صندوق صيانة الطرق، مع ضرورة اعتماد معايير شفافة في إدارة الموارد وتنفيذ المشروعات، مشيراً إلى أن المرحلة الحالية تتطلب مستوى عالياً من الكفاءة التنفيذية لتحقيق نتائج ملموسة على الأرض، خصوصاً في ظل التحديات الاقتصادية والإنسانية التي تواجه البلاد.

ويرى مراقبون أن التركيز على البنية التحتية للنقل في اليمن يمثل خطوةً استراتيجيةً، إذ ترتبط الطرق بشكل مباشر بسلاسل الإمداد وأسعار السلع والخدمات، ما يجعل تطويرها مدخلاً عملياً لتحريك الاقتصاد المحلي وتعزيز فرص الاستثمار.

شراكة تنموية

التحركات التنموية لم تقتصر على قطاع النقل، إذ شهدت الفترة ذاتها لقاءات موسعة بين المسؤولين اليمنيين و«البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن»؛ لتعزيز التعاون في قطاعات متعددة، من بينها الصحة، والتعليم، والطاقة، والمياه، والزراعة.

وفي هذا السياق، التقى عضو مجلس القيادة الرئاسي ومحافظ حضرموت سالم الخنبشي، السفير محمد آل جابر، حيث جرى التأكيد على عمق العلاقات بين اليمن والسعودية، والإشادة بالدعم السعودي المستمر على المستويات العسكرية والإنسانية والتنموية.

عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني محافظ حضرموت سالم الخنبشي في مقر البرنامج السعودي بالرياض (سبأ)

وأكد آل جابر - بحسب الإعلام الرسمي اليمني- أن بلاده تمضي في تقديم دعم شامل لليمن سياسياً واقتصادياً وتنموياً، مع التركيز على الحلول القائمة على الحوار بما يحقِّق الأمن والاستقرار والتنمية المستدامة للشعب اليمني.

وخلال زيارة الخنبشي لمقر البرنامج السعودي، اطّلع على المشروعات المُنفَّذة ضمن تدخلات تنموية شاملة تشمل قطاعات التعليم والصحة والطاقة والنقل والزراعة والثروة السمكية، إضافة إلى مبادرات تستهدف تحسين الخدمات الأساسية في محافظة حضرموت وعدد من المحافظات المُحرَّرة.

وقدَّم مسؤولو البرنامج عرضاً مفصلاً حول طبيعة المشروعات القائمة، والتي صُمِّمت وفق احتياجات المواطنين الأساسية، مع التركيز على تعزيز البنية التحتية ورفع كفاءة الخدمات العامة بما يدعم الاستقرار المجتمعي.

وفي قطاع الصحة، بحث وزير الصحة العامة والسكان اليمني قاسم بحيبح مع فريق فني من البرنامج السعودي الخطوات التنفيذية لإنشاء صندوق الصحة، الذي يُنظر إليه بوصفه أحد المشروعات الاستراتيجية الهادفة إلى ضمان استدامة تمويل الخدمات الطبية وتحسين جودة الرعاية الصحية.

وزير الصحة في الحكومة اليمنية قاسم بحيبح (سبأ)

واستعرض الاجتماع - وفق المصادر الرسمية - الترتيبات الفنية والإجرائية الخاصة بتأسيس الصندوق وآليات الحوكمة والشفافية في إدارة موارده، بما يضمن توجيه التمويل وفق أولويات القطاع الصحي واحتياجاته الفعلية.

وأكد بحيبح أن إنشاء صندوق الصحة يمثل خطوةً مفصليةً لتعزيز الاستقرار المالي للمرافق الصحية، خصوصاً في ظل الضغوط الكبيرة التي يواجهها النظام الصحي، مشيداً بالدعم السعودي الذي أسهم في تنفيذ مشروعات حيوية شملت تطوير البنية التحتية والتجهيزات الطبية وبناء القدرات البشرية.


تقرير دولي يرصد تحسّن المناطق اليمنية المحررة بدعم سعودي

دعم سعودي لليمن ضمن برامج الاستقرار الاقتصادي (إكس)
دعم سعودي لليمن ضمن برامج الاستقرار الاقتصادي (إكس)
TT

تقرير دولي يرصد تحسّن المناطق اليمنية المحررة بدعم سعودي

دعم سعودي لليمن ضمن برامج الاستقرار الاقتصادي (إكس)
دعم سعودي لليمن ضمن برامج الاستقرار الاقتصادي (إكس)

حذّر تقرير دولي حديث من استمرار تفاقم أزمة انعدام الأمن الغذائي في اليمن، خصوصاً في المناطق الخاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، رغم مؤشرات تحسن نسبي في الاستقرار السياسي والاقتصادي بالمناطق الواقعة تحت إدارة الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً، مدعوماً باستئناف الدعم المالي السعودي.

وأكد التقرير أن اليمن لا يزال يواجه واحدةً من أعقد الأزمات الإنسانية عالمياً، في ظل استمرار النزاع الاقتصادي وتعثر مصادر الدخل وانخفاض مستويات التمويل الدولي.

وأوضح التقرير الصادر عن شبكة أنظمة الإنذار المبكر بشأن المجاعة أن استعادة الحكومة اليمنية سيطرتها على عدد من المحافظات الشرقية والجنوبية، إلى جانب الدعم المالي الذي قدمته السعودية، أسهما في تقليص مستوى عدم الاستقرار السياسي خلال الأشهر الأخيرة.

كما ساعدت هذه التطورات في تحقيق تحسن محدود في المؤشرات الاقتصادية، خصوصاً من خلال دعم بند الرواتب والموازنة العامة، الأمر الذي انعكس على القدرة الشرائية لبعض الأسر.

مشروع مدينة الملك سلمان الطبية التعليمية في المهرة (إكس)

وأشار التقرير إلى أن استمرار الدعم المالي الخارجي يوفر فرص عمل قصيرة الأجل ويساعد في ضخ سيولة نقدية داخل الاقتصاد المحلي، إلا أن هذا التحسن يظل هشاً ومؤقتاً، نظراً لارتباط التعافي الاقتصادي بإعادة تشغيل قطاع النفط واستئناف الصادرات، وهو سيناريو لا يبدو قريباً في ظل استمرار التوترات الأمنية والهجمات على البنية التحتية الاقتصادية.

تحديات مستمرة

على الرغم من المؤشرات الإيجابية المحدودة، أكد التقرير أن الحكومة اليمنية لا تزال تواجه تحديات هيكلية معقدة، أبرزها ضعف الموارد العامة، وتأخر صرف الرواتب في بعض القطاعات، واستمرار الانقسام الاقتصادي بين مناطق الحكومة ومناطق الحوثيين. وبيّن أن هذه العوامل تعوق ترجمة التحسن السياسي إلى نتائج اقتصادية مستدامة تنعكس مباشرة على الأمن الغذائي للسكان.

وأضاف أن مخاطر زعزعة الاستقرار لا تزال قائمة نتيجة التوترات الداخلية والصراع الاقتصادي القائم، ما يجعل التحسن الحالي عرضة للانتكاس في أي وقت.

توقف عمليات أممية حرم ملايين اليمنيين الخاضعين للحوثيين من المساعدات (الأمم المتحدة)

كما أن استمرار القيود على النشاط الاقتصادي وتراجع الاستثمارات يحدان من قدرة الحكومة على توسيع برامج الحماية الاجتماعية أو تحسين الخدمات الأساسية، وفق ما أورده التقرير.

وتوقعت الشبكة الدولية استمرار انتشار انعدام الأمن الغذائي الحاد على نطاق واسع في اليمن حتى نهاية مايو (أيار) المقبل، مع بقاء شريحة كبيرة من السكان في المرحلة الثالثة من التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي، وهي مرحلة «الأزمة»، حيث تواجه أسرة واحدة على الأقل من كل خمس أسر فجوات كبيرة في استهلاك الغذاء، مصحوبة بارتفاع معدلات سوء التغذية الحاد.

الأكثر تضرراً

في المقابل، أظهر التقرير أن المناطق الواقعة تحت سيطرة الحوثيين ستبقى الأكثر تضرراً من الأزمة الغذائية، خصوصاً في محافظات الحديدة وحجة، إضافة إلى أجزاء من محافظة تعز التي تشهد تقاسماً للسيطرة بين الطرفين.

ووفقاً للتقديرات، ستظل هذه المناطق ضمن مستوى «الطوارئ» (المرحلة الرابعة)، ما يعني أن أسرةً من كل خمس أسر ستواجه فجوات غذائية شديدة قد تؤدي إلى ارتفاع معدلات سوء التغذية الحاد وزيادة مخاطر الوفيات.

وأرجع التقرير هذا التدهور إلى الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية الحيوية للمواني الواقعة تحت سيطرة الحوثيين، إلى جانب اضطرابات الحركة التجارية وتراجع الأنشطة الاقتصادية المرتبطة بالمواني، وهو ما أدى إلى انخفاض الطلب على العمالة وتآكل مصادر دخل الأسر الفقيرة.

وأشار إلى أن بطء تعافي القطاعات المدرة للدخل دفع العديد من الأسر إلى تبني استراتيجيات تكيف قاسية، من بينها تقليص الوجبات الغذائية أو اللجوء إلى التسول والعمل غير المستقر لتأمين الحد الأدنى من الاحتياجات المعيشية.

وفي السياق ذاته، أكدت تقارير أممية متقاطعة أن الأزمة الإنسانية في اليمن لا تزال ذات آثار مدمرة، خصوصاً على النساء والفتيات، حيث يؤدي النزاع والانهيار الاقتصادي وتقليص التمويل الإنساني إلى زيادة معدلات النزوح وانعدام الأمن الغذائي وارتفاع وفيات الأمهات، إضافة إلى تراجع خدمات الحماية والرعاية الصحية.

ورغم استمرار الجهود الإنسانية، أفادت بيانات صندوق الأمم المتحدة للسكان بأن تدخلاته خلال عام 2025 وصلت إلى نحو 2.1 مليون شخص، فإن فجوة تمويلية بلغت 44.5 مليون دولار أجبرت الصندوق على إغلاق نحو 40 في المائة من خدماته، ما ترك نحو مليوني امرأة وفتاة من دون رعاية صحية أساسية.

ويستنتج التقرير أن اليمن يقف أمام مفترق حاسم؛ فبينما أسهم الدعم المالي السعودي والاستقرار النسبي في مناطق الحكومة في تخفيف حدة الأزمة جزئياً، فإن استمرار الانقسام الاقتصادي وتعثر النشاط التجاري في مناطق سيطرة الحوثيين يهددان بتفاقم انعدام الأمن الغذائي، ما لم تُتخذ خطوات اقتصادية وسياسية أوسع تعيد تنشيط الاقتصاد وتضمن تدفق المساعدات الإنسانية دون عوائق.