اجتماع باريس حول سوريا يطالب بهدنة شاملة.. والعودة إلى محادثات جنيف

روسيا والولايات المتحدة تؤكدان عزمهما على مضاعفة الجهود من أجل الوصول إلى تسوية سياسية

وزير الخارجية الأميركي جون كيري عند وصوله إلى مقر الخارجية الفرنسية لحضور اجتماع باريس الخاص بسوريا أمس (رويترز)
وزير الخارجية الأميركي جون كيري عند وصوله إلى مقر الخارجية الفرنسية لحضور اجتماع باريس الخاص بسوريا أمس (رويترز)
TT

اجتماع باريس حول سوريا يطالب بهدنة شاملة.. والعودة إلى محادثات جنيف

وزير الخارجية الأميركي جون كيري عند وصوله إلى مقر الخارجية الفرنسية لحضور اجتماع باريس الخاص بسوريا أمس (رويترز)
وزير الخارجية الأميركي جون كيري عند وصوله إلى مقر الخارجية الفرنسية لحضور اجتماع باريس الخاص بسوريا أمس (رويترز)

استبقت روسيا والولايات المتحدة الأميركية بساعات قليلة اجتماع باريس لمجموعة «النواة الصلبة» الداعمة للمعارضة السورية، ببيان أكدا فيه عزمهما على «مضاعفة الجهود من أجل الوصول إلى تسوية سياسية للنزاع في سوريا»، فيما تدهور مجددا الوضع الميداني، خصوصا في منطقة حلب التي شهدت العشرات من الغارات الجوية وعمليات القصف المتبادلة ما جعل الهدنة الهشة أصلا غير موجودة.
وقال مصدر دبلوماسي فرنسي رفيع المستوى لـ«الشرق الأوسط»، إن توقيت الإعلان قبل ساعة واحدة من بدء اجتماع باريس، أمس، «لم يكن مجانا، بل إنه يفيد بأن الضغوط السياسية يمكن أن تفعل فعلها». وأجمع وزير الخارجية الفرنسية ومسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي ووزير الخارجية الألماني وآخرون على الإشادة بالبيان الأميركي - الروسي وما تضمنه من التزامات. ووصفته فيديريكا موغيريني بأنه «إيجابي جدا». بيد أن الوزير الفرنسي عد أن ما يهم هو التنفيذ «لا أن يبقى البيان حبرا على ورق». وفهمت باريس والدول المشاركة في الاجتماع أن البيان بمعنى ما رسالة مباشرة موجهة للمجتمعين الذين يهدفون أساسا إلى الضغط السياسي على روسيا والولايات المتحدة الأميركية من أجل الوصول إلى هذه «الإنجازات».
وعلمت «الشرق الأوسط» أن المجتمعين طلبوا من منسق الهيئة العليا للمفاوضات أن يعمل على إبعاد مقاتلي المعارضة المعتدلة عن مواقع «النصرة»، وهو قد التزم بذلك.. بيد أن هذه المصادر عدت أن أمرا كهذا «ليس سهل التنفيذ» بالنظر لتداخل المواقع والأفراد. وأشارت موغيريني في تصريح لها عقب الاجتماع إلى أن هذا المطلب «ليس روسيا فحسب، بل جاء من كل الأطراف المشاركة في الاجتماع».
ما الذي حققه اجتماع باريس؟ الجواب جاء من جان مارك إيرولت ومن وزير الخارجية السعودي عادل الجبير الذي قال للصحافة، إن مجموعة باريس «أكدت دعمها للمعارضة السورية ودعمها لرياض حجاب، والتزامها بالوصول إلى حل وفق بيان (جنيف واحد) والقرار (2254) لا مكان فيه للأسد». وأضاف الجبير أن المجتمعين «بحثوا في آخر الوسائل لدعم المعارضة السورية». أما بشأن الثنائية الروسية - الأميركية، فقد أعلن الجبير في كلام دبلوماسي يحمل كثيرا من المعاني أن الوزير كيري «جزء من المجموعة، وعندما يتحدث إلى الوزير لافروف فكأنه يمثل المجموعة»، مما يعني ضمنا أنه يتعين عليه الالتزام بما قررته هذه المجموعة. ولخص الوزير السعودي الموقف بأن الجميع يطالب بأن يلتزم النظام وحلفاؤه بوقف النار وإدخال المساعدات الإنسانية من غير شروط، والبت في موضوع إنشاء المجلس الانتقالي للسلطة من أجل بناء سوريا الموحدة من غير الأسد. وأضاف الجبير: «نحن كلنا ملتزمون بهذا الاتجاه».
بدت «كلمة السر» الطاغية في اجتماع باريس دعم المعارضة وتوفير الأسباب والحجج لكي تعود إلى طاولة المحادثات في جنيف. وأفصح الوزير الفرنسي عن هذا الجانب بتأكيده رغبة الجميع بعودتها إلى جنيف، ليضيف بعدها مباشرة، أنه «من الصعب عليها تفسير هذه العودة من غير حصول تقدم ميداني».
وفي هذا السياق، طالب إيرولت بـ«ضمانات ملموسة» للمحافظة على الهدنة، وسلامة المدنيين، وبالطبع إيصال المساعدات الإنسانية، وأيضا الانطلاق في المسار السياسي، وكلها نقاط جاء عليها البيان الروسي - الأميركي. لكن إيرولت لم يحدد الجهة التي يفترض أن تكون مصدرها. وقالت أوساطه لـ«الشرق الأوسط» إن المقصود هو اجتماع فيينا لمجموعة الدعم لسوريا الذي سيلتئم في العاصمة النمساوية في 17 مايو (أيار) الحالي، حيث يفترض أن تبرز هذه الضمانات بشكل ملموس وحسي من الراعيين الأساسيين. وبانتظار هذا الاستحقاق، قال إيرولت إن الهدف المشترك للمجتمعين الذين اطلعوا مباشرة من الوزير كيري على فحوى البيان ومتضمناته وتفاصيله، هو أن «تحترمه جميع الأطراف بشكل كامل». بيد أن أوساطا من المعارضة السورية التي اتصلت بها «الشرق الأوسط» لم تكن «بادية الارتياح» لما حصل في باريس رغم التأكيدات والوعود. وبعد أن كان مقررا أن يبلغ حجاب الطرف الفرنسي برغبته في الحديث إلى الصحافة، عاد بعدها ليلغي الموعد من غير الكشف عن الأسباب.
ووفر الاجتماع فرصة للوزراء المجتمعين وممثلي البلدان الحاضرة للتلاقي والاجتماعات الجانبية في صالونات وزارة الخارجية. وقد وصل كيري متأخرا ربع ساعة عن الموعد، ثم عاد إلى الوزارة للقاء ثنائي مع إيرولت، فعشاء عمل.
رغم أهمية الاجتماع وما يشكله من فرص لتبادل الرأي وتوحد المواقف، فإن الوزير إيرولت لم يفته التأكيد على أنه «لا يحل محل اجتماع فيينا ومجموعة الدعم»، وأن أحد الأغراض التي سعى إليها هو «التحضير» لفيينا؛ حيث ستحضر روسيا وإيران التي كانت الغائب الأكبر عن تصريحات الوزير الفرنسي والآخرين. بيد أن مصدرا فرنسيا برر هذا الغياب بالقول إن «ما تقبله روسيا لا يمكن أن ترفضه إيران».
أما الأمر الآخر الذي شدد عليه إيرولت، فهو «ترسيم الطريق» كما فهمته مجموعة باريس من حيث تبريد الجبهات والبحث عن هدنة شاملة محترمة، والتأكد من وصول المساعدات الإنسانية، والعودة إلى محادثات جنيف وإعادة إطلاق المسار السياسي عبر عملية الانتقال المعروفة، والتي أحد أهدافها، بحسب الوزير الفرنسي، وضع حد للحرب وتلافي تفكك بنى الدولة السورية.
وفي حديث صحافي صباح أمس، عد إيرولت أن كيري «يعي تماما أننا في طريق مسدود» وأن «المفاوضات (محادثات جنيف) لا يمكن أن تستمر ما دام النظام ينتهك الهدنة ويقصف المستشفيات ومخيمات اللاجئين، وأن المعارضة هي التي تستهدف في حلب وليس (داعش)». وفهم هذا الكلام على أنه «انتقادات مباشرة لطريقة الوزير كيري في إدارة الأزمة ثنائيا مع موسكو» وفق ما قالته مصادر دبلوماسية أوروبية لـ«الشرق الأوسط» أمس، في معرض تقويمها لاجتماع باريس. وأضافت هذه المصادر أن الدول المجتمعة «أرادت إسماع صوتها ورؤيتها للوزير الأميركي» وتأكيد «حضورها ودورها في الملف السوري وعدم رغبتها في تسليم إدارته للثنائي كيري - لافروف»، بسبب تخوفها من «عدم انخراط أميركي كاف» في مآل هذه الأزمة و«غياب الحزم» في التعاطي مع الطرف الروسي.
وفي هذا السياق، أكد إيرولت أن ما يريده المجتمعون هو أن «تمارس موسكو ضغوطات أكبر على نظام الأسد». لكنه رفض مقولة أن يكون الرئيس الروسي فلاديمير بوتين هو «من يقرر» في سوريا، بل برر التوجه إليه مباشرة لأنه «الجهة التي نتفاوض معها»، وضمنا، الجهة التي تؤثر على قرارات النظام.
بيد أن الهدف الأول للاجتماع كان، بحسب الخارجية الفرنسية، الوقوف إلى جانب المعارضة السورية وشد أزرها وتوفير الشروط والأسباب التي تجعلها تعود إلى طاولة المحادثات في جنيف، بعد أن علقت مشاركتها في الجولة الثالثة منها بسبب انتهاكات الهدنة، وندرة وصول المساعدات الإنسانية، ورفض وفد النظام في العاصمة السويسرية الخوض في عملية الانتقال السياسي. وتعد دعوة حجاب للمشاركة في الاجتماع دليلا على رغبة المؤتمرين في الاستماع لما تقوله المعارضة وتطلبه على كل الأصعدة المادية والإنسانية والتسليحية.
واغتنم إيرولت المناسبة ليحدد ثلاثة أهداف لاجتماع مجموعة الدعم لسوريا يوم 17 مايو الحالي في فيينا الذي تتشارك في رئاسته واشنطن وموسكو، وهي: وقف عمليات القصف، ووصول المساعدات الإنسانية، واستئناف المفاوضات السياسية. كذلك لخص إيرولت رؤية المجموعة للحل السياسي «وفق قرار مجلس الأمن»، «2254»، الذي ينص على «مرحلة انتقالية» من أجل تجنب تكرار حالة العراق. وما بدا مهمًا في نظرة الوزير الفرنسي لهذه المرحلة أنه ربطها بـ«تقاسم للسلطات» بما في ذلك القوات المسلحة وأجهزة المخابرات وكتابة دستور جديد وإجراء انتخابات «ثم بالطبع رحيل الأسد عن السلطة»، مما يعني القبول ببقائه وفق شروط محددة أثناء المرحلة الانتقالية، وهو ما ترفضه المعارضة. وبحسب الوزير الفرنسي، فإن «الجميع متفقون على ضرورة رحيل الأسد بما في ذلك الروس، وأنا متأكد من ذلك».
وكان الاجتماع الذي انطلق في مقر الخارجية الفرنسية بحضور وزراء وممثلين عن 10 دول (فرنسا والولايات المتحدة الأميركية وألمانيا وإيطاليا والمملكة السعودية وقطر وتركيا ممثلة بوزراء خارجيتها، والإمارات العربية المتحدة بوزير الدولة للشؤون الخارجية، فيما مثل موظفون كبار بريطانيا والأردن). وحضرت فيديريكا موغيريني، مسؤولة الشؤون الخارجية في الاتحاد الأوروبي، فيما مثل الدكتور رياض حجاب الهيئة العليا للمفاوضات المنبثقة عن مؤتمر الرياض.



مصر وسوريا تعززان تقاربهما من بوابة إعادة الإعمار والتعاون الاقتصادي

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي مع نظيره السوري أسعد الشيباني خلال لقاء بنيويورك في سبتمبر الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي مع نظيره السوري أسعد الشيباني خلال لقاء بنيويورك في سبتمبر الماضي (الخارجية المصرية)
TT

مصر وسوريا تعززان تقاربهما من بوابة إعادة الإعمار والتعاون الاقتصادي

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي مع نظيره السوري أسعد الشيباني خلال لقاء بنيويورك في سبتمبر الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي مع نظيره السوري أسعد الشيباني خلال لقاء بنيويورك في سبتمبر الماضي (الخارجية المصرية)

تسعى مصر وسوريا إلى البناء على خطوات التقارب بينهما، وذلك بتعزيز التعاون الثنائي، وتوسيع الشراكات الاقتصادية والتجارية بينهما، وذلك بعد زيارات ولقاءات على مستويات مختلفة جرت خلال الأسابيع الماضية.

وأكد وزير الخارجية المصري، بدر عبد العاطي «حرص بلاده للمساهمة الفاعلة في دعم جهود إعادة الإعمار في سوريا»، وأشار خلال اتصال هاتفي مع نظيره السوري، أسعد الشيباني، إلى «أهمية البناء على نتائج الزيارة التي قام بها الوفد الاقتصادي المصري إلى دمشق قبل عدة أسابيع، ومتابعة تنفيذ مخرجاتها بما يحقق مصالح البلدين»، وفق بيان لـ«الخارجية» المصرية الخميس.

واستضافت دمشق في شهر يناير (كانون الثاني) الماضي، أول «ملتقى اقتصادي واستثماري» مصري - سوري، بمشاركة 26 من قيادت الغرف التجارية المصرية والمال والأعمال، بهدف بناء شراكات فاعلة بين الغرف التجارية للبلدين، واستكشاف آفاق التعاون في مجالات التجارة والصناعة والخدمات والبنية التحتية وإعادة الإعمار.

وقال اتحاد الغرف التجارية بمصر، وقتها، إن «الملتقى يهدف إلى خلق تحالفات سورية مصرية أوروبية، من خلال اتحاد غرف البحر الأبيض وتنمية الصادرات السورية إلى أفريقيا من خلال اتحاد الغرف الأفريقية».

وناقش وزير الخارجية المصري، مع نظيره السوري، «سبل دفع وتطوير العلاقات في مختلف المجالات، لا سيما على الصعيدين الاقتصادي والتجاري»، حسب الخارجية المصرية.

وبموازاة ذلك، بحث وزير الاقتصاد والصناعة نضال الشعار، مع القائم بأعمال السفير المصري في دمشق السفير أسامة خضر، الأربعاء، «سبل تطوير العلاقات والشراكات الاقتصادية»، وحسب وكالة الأنباء السورية، «تناول الطرفان فرص توسيع الشراكات الاقتصادية، وتعزيز التبادل التجاري»، إلى جانب «تطوير التعاون في مختلف القطاعات».

وأكد الشعار «أهمية تعزيز العلاقات الاقتصادية بين سوريا ومصر، والعمل على تفعيل مجالات التعاون بما يخدم المصالح المشتركة، ويدعم حركة الأسواق بين البلدين».

الملتقى الاقتصادي السوري - المصري بدمشق خلال شهر يناير الماضي (اتحاد الغرف التجارية بمصر)

ويرى مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير يوسف الشرقاوي، أن «التقارب المصري السوري تحكمه جوانب اقتصادية بالأساس خلال الفترة الحالية»، وأشار إلى أن «هناك اتفاقيات تجارية بين البلدين في حاجة إلى التفعيل من أجل تعزيز التعاون»، وأكد على أن «القاهرة لم تتوقف عن دعم دمشق سياسياً واقتصادياً».

وأضاف في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، أن «التعاون الاقتصادي يشكل نافذة لدعم التقارب بين مصر وسوريا، وتحسين التفاهم السياسي»، وقال إن «الأوضاع في المنطقة العربية تفرض التواصل والتنسيق المستمر مع جميع الأطراف»، مشيراً إلى أن «القاهرة حريصة على دعم استقرار وسيادة سوريا ودول الجوار لها، خصوصاً لبنان».

وحسب بيان «الخارجية» المصرية، تناول اتصال عبد العاطي والشيباني، الأوضاع بالغة الخطورة بسبب التصعيد العسكري الذي تشهده المنطقة، وأشار وزير الخارجية المصري، إلى «الجهود المصرية والإقليمية المبذولة لاحتواء التوتر وخفض التصعيد المتعلق بالتطورات الأخيرة المرتبطة بإيران».

وهناك تقدم في التعاون الاقتصادي والتجاري بين مصر وسوريا، وفق رئيس الغرف التجارية بالقاهرة، أيمن العشري، منوهاً بأن «الحكومة السورية تقدم تسهيلات كثيرة للمستثمرين المصريين».

وأشار العشري - كان ضمن الوفد التجاري الذي زار دمشق في يناير الماضي - في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن «الغرف التجارية السورية بدأت في استيراد منتجات مصرية، خصوصاً في مواد البناء»، وقال إن «هناك تعويلاً من الجانب السوري على الخبرات والشركات المصرية في جهود إعادة الإعمار». وأشار إلى أن «هناك طلباً على المنتجات الغذائية المصرية، وتعمل الغرف التجارية على تلبية احتياجات السوق السورية».

مصر وسوريا نحو البناء على خطوات التقارب عبر تعزيز التعاون الاقتصادي وتطوير العلاقات (اتحاد الغرف التجارية بمصر)

وكان الرئيس السوري أحمد الشرع التقى وفد رجال الأعمال المصريين خلال زيارتهم إلى دمشق في يناير الماضي، وتحدث بإيجابية عن العلاقات المصرية السورية، ووجه الشكر للقاهرة «على الاستقبال الحافل للاجئين السوريين خلال فترة الحرب»، وقال إن «هذا ليس غريباً على طباع إخوتنا المصريين».

وفي ذلك الحين، وجّه الشرع دعوة إلى مجتمع الأعمال والشركات المصرية للانخراط في مشاريع إعادة إعمار سوريا، وفي قطاعات اقتصادية أخرى مثل الزراعة والطاقة.

وأكد الرئيس السوري في ذلك الحين، أن الشركات المصرية هي «الأولى للمساهمة في إعادة إعمار سوريا»، عادّاً أن سوريا تحتاج «إلى الاستفادة من الخبرات الكبيرة والعظيمة الموجودة داخل مصر، حتى تعود إلى مواكبة التطور الذي حصل خلال السنوات الماضية، لأن سوريا كانت غائبة قليلاً عن مشهد التطور والنمو الاقتصادي بسبب الحرب».

وقدّر «البنك الدولي» تكلفة إعادة الإعمار في سوريا بنحو 216 مليار دولار، وتشمل التكلفة التقديرية 75 مليار دولار للمباني السكنية، و59 مليار دولار للمنشآت غير السكنية، و82 مليار دولار للبنية التحتية.


قلق يمني من صدمات اقتصادية بسبب الحرب الإقليمية

مخاوف يمنية من أن يؤدي استهداف منشآت الطاقة في الخليج إلى أزمات وقود ترفع تكلفة الاستيراد (رويترز)
مخاوف يمنية من أن يؤدي استهداف منشآت الطاقة في الخليج إلى أزمات وقود ترفع تكلفة الاستيراد (رويترز)
TT

قلق يمني من صدمات اقتصادية بسبب الحرب الإقليمية

مخاوف يمنية من أن يؤدي استهداف منشآت الطاقة في الخليج إلى أزمات وقود ترفع تكلفة الاستيراد (رويترز)
مخاوف يمنية من أن يؤدي استهداف منشآت الطاقة في الخليج إلى أزمات وقود ترفع تكلفة الاستيراد (رويترز)

على الرغم من استقرار أسعار كثير من السلع الأساسية، فإن اليمنيين يترقبون بقلق بالغ تأثيرات خطرة جراء التطوراتِ العسكرية في المنطقة، واستهدافِ مصادر الطاقة وخطوط نقلها، وانعكاس ذلك على اقتصاد بلدهم الذي يعاني الهشاشة، ويعدّ الأكبر اعتماداً على الواردات والأقل قدرة على امتصاص الصدمات.

ومثلما يهدد استهداف منشآت الطاقة وخطوط نقلها ضمن العمليات العسكرية المتبادلة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من الجهة الأخرى، الاقتصاد العالمي بمزيد من الأزمات، فإن اليمن يقع في مركز دائرة الخطر؛ حيث تسود مخاوف واسعة من تضخم فاتورة الاستيراد، وتوسع حجم الفجوة المالية التي تؤرق السلطات والسكان.

ويستورد اليمن نحو 90 في المائة من غذائه؛ مما يرجح احتمال تأثر القدرة الشرائية للسكان بسرعة بأي اضطراب في أسواق الطاقة أو طرق التجارة الدولية.

واشتكى أمين مهيم، وهو مهندس نظم معلومات، من ارتفاع أسعار كثير من السلع، التي تُستهلك بوصفها هدايا في المناسبات، خلال الأيام الماضية، رغم انقضاء إجازة العيد، وهو الذي توجه إلى الأسواق، أخيراً، مفترضاَ انخفاض أسعارها.

الجزء الأكبر من غذاء اليمنيين يأتي عبر الاستيراد مما يجعل البلد عرضة لتأثر النقل بالحرب (أ.ف.ب)

وبين مهيم لـ«الشرق الأوسط» أنه اضطر إلى السفر إلى قريته بمحافظة لحج بعد عيد الفطر؛ بسبب ارتباطاته المهنية خلال الإجازة، وحين عرج على الأسواق لشراء هدايا وأغذية غير أساسية، مثل الزبيب والمكسرات، ليحملها إلى أقاربه، فوجئ بفوارق سعرية كبيرة عمّا كانت عليه قبيل العيد، وسط تبريرات الباعة بأن الحرب فرضت تكاليف نقل كبيرة على الاستيراد.

وبينما يبدي عشرات التجار والمستوردين وسائقي النقل مخاوفهم من عدم القدرة على السيطرة على الأسعار خلال الأسابيع المقبلة، أكد مصدر مسؤول في وزارة النقل أن جميع المعنيين بنقل وتوريد السلع أُبلغوا بعدم زيادة الرسوم الخاصة بما تُسمى «مخاطر الحرب»؛ «لأن اليمن لم يتأثر، حتى الآن، بشكل مباشر بالعمليات العسكرية الدائرة في المنطقة».

بوادر غلاء

المصدر الحكومي، الذي فضل التحفظ على هويته؛ لعدم امتلاكه صلاحية الحديث لوسائل الإعلام، أوضح أن السلع الأساسية المتوجهة إلى اليمن «لم تتأثر إلا بشكل محدود بسبب عدم مرورها بطرق التجارة التي تقع ضمن دائرة الحرب، على عكس سلع أخرى توقفت في موانئ خليجية، مثل الملابس والأجهزة الإلكترونية».

متطلبات المعيشة في اليمن تتأثر بقوة جراء أي أزمة في الوقود (رويترز)

إلا إنه رفض التعليق بشأن إمكانية أن يَظهر تأثير كبير أو خطير في الفترة المقبلة، مطالباً بعدم إثارة فزع السكان.

ولم تشهد أسعار الوقود أي زيادة في اليمن، إلا إن الشركات التجارية وشركات النقل تتذرع بارتفاع تكلفة النقل الخارجي والتأمين البحري بفعل تهديدات الملاحة العالمية وارتفاع أسعار الوقود؛ بسبب استهداف منشآت الطاقة في دول الخليج وإغلاق إيران مضيق هرمز.

ويقول عاملون في قطاع النقل البحري إن شركات الشحن تفرض عادة رسوماً إضافية تُعرف بـ«رسوم مخاطر الحرب» عندما ترتفع التوترات في الممرات البحرية القريبة من مناطق الصراع.

ويرتبط الموقع الجغرافي لليمن مباشرة بالتوترات التي تطول الملاحة البحرية في المنطقة، بالنظر إلى الإطلالة على مضيق باب المندب؛ أحد أهم الممرات البحرية في العالم، الذي تمرّ نسبة مهمة من تجارة الطاقة العالمية عبره، حيث يؤثر سريعاً أيُّ تصاعد في المخاطر الأمنية بالبحر الأحمر على تكاليف الشحن والتأمين على السفن المتجهة إلى الموانئ اليمنية.

التطورات العسكرية الإقليمية تهدد الإصلاحات الحكومية اليمنية لدعم استقرار العملة المحلية (أ.ف.ب)

ويدعو يوسف سعيد أحمد، أستاذ الاقتصاد في جامعة عدن، إلى مواصلة دعم وتعضيد السياسات الاحترازية التي يتبعها «البنك المركزي»، والتي من شأنها الوقاية من الآثار المباشرة للحرب الدائرة في المنطقة على الاقتصاد اليمني.

وحذر في حديثه لـ«الشرق الأوسط» من انعكاس التطورات الاقتصادية للحرب الحالية على حجم الموارد الخارجية، وتأثر أسعار الصرف سلباً، «خصوصاً أن الحرب ما زالت مستمرة، واليمن مرتبط بالاقتصاد الخليجي، خصوصاً السعودي، سواء أكان من جهة الدعم أم تحويلات المغتربين، وهما متغيران من المحتمل أن يتركا آثارهما على البلاد».

اختلال الميزان التجاري

يبدي كثير من المسؤولين الحكوميين والسكان والتجار اليمنيين قلقاً من احتمالية ظهور سوق سوداء للوقود في حال تأخر وصول شحنات النفط إلى الموانئ اليمنية، أو تأثرت البلاد بارتفاع أسعاره عالمياً، هذا إلى جانب احتمال ارتفاع أسعاره محلياً في أي وقت.

الأسواق اليمنية شهدت ارتفاع أسعار بعض السلع بحجة ازدياد تكلفة النقل البحري (أ.ف.ب)

ويتوقع فارس النجار، المستشار الاقتصادي في مكتب الرئاسة اليمنية، أن تؤدي أي صدمة خارجية، مثل ارتفاع أسعار الطاقة أو اضطراب سلاسل الإمداد، إلى تأثيرات مضاعفة، «فزيادة بنسبة ما بين 10 و12 في المائة ستضيف في فاتورة الاستيراد ما بين 1.5 و1.8 مليار دولار سنوياً».

ويشير إلى أن قيمة الواردات اليمنية خلال العام ما قبل الماضي «بلغت نحو 15.5 مليار دولار، مقابل صادرات لم تتجاوز ملياراً؛ مما يعكس اختلالاً واضحاً في الميزان التجاري واعتماداً كبيراً على التحويلات والمنح لتغطية فجوة تمويلية ضخمة».

إلا إنه يتفاءل بالتجربة الأخيرة لإدارة السياسات الاقتصادية التي يمكن أن تحد من حدة الصدمات، «بعد أن أدت إجراءات (البنك المركزي)، وتنظيم الاستيراد، إلى استقرار سعر الصرف وتحسين الإيرادات غير النفطية للحكومة بنحو 50 في المائة، وإن كان تحسناً هشاً بسبب غياب الموارد السيادية».

اقتصاد اليمن يفتقر إلى أهم موارده وهو إيرادات النفط الذي استهدف الحوثيون منشآت تصديره (رويترز)

ومنذ سنوات أدى توقف صادرات النفط، بفعل اعتداءات الجماعة الحوثية، إلى حرمان الحكومة من أهم مصدر للإيرادات، وتتضاعف تكلفة هذا التوقف حالياً بسبب ارتفاع أسعار الوقود عالمياً.

ويقدر خبراء مطلعون على السجلات الرسمية أن نحو 70 في المائة من إيرادات الحكومة كانت تأتي من النفط، في وقت يعاني فيه نحو 22 مليون يمني من انعدام الأمن الغذائي، وفق تقديرات أممية؛ مما يجعل أي ارتفاع جديد في أسعار الوقود أو الغذاء عبئاً إضافياً على ملايين الأسر.


تصعيد حوثي في البيضاء واعتقالات عقب كمين قبلي

الحوثيون داهموا القرى في محافظة البيضاء واعتقلوا عشرات المدنيين (رويترز)
الحوثيون داهموا القرى في محافظة البيضاء واعتقلوا عشرات المدنيين (رويترز)
TT

تصعيد حوثي في البيضاء واعتقالات عقب كمين قبلي

الحوثيون داهموا القرى في محافظة البيضاء واعتقلوا عشرات المدنيين (رويترز)
الحوثيون داهموا القرى في محافظة البيضاء واعتقلوا عشرات المدنيين (رويترز)

شنّت الجماعة الحوثية حملة اعتقالات واسعة شملت عشرات المدنيين في محافظة البيضاء (جنوب شرقي صنعاء) عقب مقتل عشرة من عناصرها في كمين استهدف إحدى دورياتها، في تطور يعكس تصاعد المواجهة مع أبناء القبائل في مناطق سيطرتها.

جاء ذلك بالتوازي مع إعلان القوات اليمنية الحكومية إحباط تهريب شحنة أسلحة وطائرات مسيّرة في محافظة حضرموت كانت متجهة إلى مناطق سيطرة الجماعة الحوثية.

وأفادت مصادر محلية في البيضاء لـ«الشرق الأوسط» بأن أبناء القبائل في منطقتي المناسح وحمة صرار، التابعتين لمديرية «ولد ربيع»، نفذوا هجوماً استهدف دورية أمنية حوثية على الطريق الرئيسي، كانت تقل عشرة من عناصر الجماعة، بينهم مشرفون ميدانيون، ما أدى إلى مقتلهم جميعاً.

وحسب المصادر، جرى تنفيذ العملية باستخدام عبوات ناسفة، بعد رصد دقيق لتحركات الدورية، في سياق حالة احتقان متصاعدة تشهدها المديرية، نتيجة ما يصفه السكان بانتهاكات متكررة تشمل الاعتداء على الممتلكات والمزارع، والتضييق على الأنشطة الدينية، في إطار محاولات فرض توجهات فكرية ومذهبية.

كمية من الأسلحة صادرتها قوات درع الوطن في وادي حضرموت (إعلام عسكري)

وفي أعقاب الهجوم، دفعت الجماعة الحوثية بتعزيزات عسكرية كبيرة إلى مديرية ولد ربيع، ضمت عشرات العربات والمسلحين، ونفذت حملة مداهمات واسعة في قرى المناسح وحمة صرار وسيلة الجراح، أسفرت عن اعتقال عشرات المدنيين، بذريعة البحث عن المتورطين في الكمين.

وقال مدير مديرية رداع المعين من الحكومة الشرعية، منيف الذهب، إن المعتقلين جرى اقتيادهم إلى مركز قضاء رداع، حيث انضموا إلى محتجزين آخرين من أبناء المنطقة، كانوا قد اعتُقلوا في حملات سابقة على خلفية حوادث مشابهة، ما يعزز مخاوف السكان من تصاعد سياسة العقاب الجماعي.

إحباط تهريب أسلحة

بالتزامن مع هذه التطورات، أعلنت قوات الطوارئ اليمنية إحباط محاولة تهريب شحنة أسلحة وطائرات مسيّرة كانت في طريقها إلى الجماعة الحوثية، في عملية نوعية نُفذت بمحافظة حضرموت.

وذكر المركز الإعلامي للفرقة الأولى أن الشحنة ضُبطت داخل شاحنة نقل كبيرة كانت محمّلة بسلال من الخضراوات، حيث أخفيت الأسلحة والذخائر والطائرات المسيّرة بإحكام أسفل الحمولة، في محاولة للتمويه وتفادي نقاط التفتيش.

وأوضح أن العملية أسفرت عن ضبط السائق والتحفظ على المضبوطات، تمهيداً لإحالتهما إلى الجهات المختصة لاستكمال الإجراءات القانونية، مشيراً إلى أن هذه العملية تعكس مستوى متقدماً من الجاهزية الأمنية والقدرة على تفكيك شبكات التهريب.

وتأتي هذه الضبطية ضمن سلسلة إجراءات تهدف إلى قطع خطوط الإمداد العسكري للجماعة الحوثية، التي تعتمد، وفق تقديرات حكومية، على شبكات تهريب معقدة لإيصال الأسلحة النوعية، بما في ذلك الطائرات المسيّرة، إلى مناطق سيطرتها.

هيكلة الأمن في عدن

في سياق موازٍ، تكثف الحكومة اليمنية جهودها لإعادة تنظيم المنظومة الأمنية في المناطق المحررة، حيث عقدت اللجنة المكلفة بهيكلة ودمج التشكيلات الأمنية اجتماعاً مشتركاً مع قيادة أمن عدن، بحضور قيادات بارزة من وزارة الداخلية والمؤسسات العسكرية.

وناقش الاجتماع احتياجات شرطة عدن من الموارد البشرية والآليات، إلى جانب آليات دمج التشكيلات الأمنية التي لا تزال خارج إطار الوزارة، بما يسهم في توحيد القرار الأمني وتحديد الاختصاصات بشكل واضح.

لجنة دمج وهيكلة الوحدات الأمنية تلتقي قيادة أمن عدن (الإعلام الأمني)

وأكد المشاركون أن هذه الخطوة تمثل مساراً استراتيجياً لبناء جهاز أمني متكامل، قادر على مواجهة التحديات الأمنية وتعزيز الاستقرار، خصوصاً في ظل التهديدات المستمرة التي تواجهها البلاد.

كما شددوا على أهمية رفع مستوى التنسيق بين مختلف الوحدات، والعمل بروح الفريق الواحد، بما يعزز كفاءة الأداء الأمني، ويعيد ثقة المواطنين بمؤسسات الدولة.

ويرى مراقبون أن نجاح جهود الدمج والهيكلة يمثل عنصراً حاسماً في تثبيت الاستقرار في المدن المحررة، ومنع أي اختلالات أمنية قد تستغلها الجماعات المسلحة أو الشبكات الإجرامية.