اجتماع باريس حول سوريا يطالب بهدنة شاملة.. والعودة إلى محادثات جنيف

روسيا والولايات المتحدة تؤكدان عزمهما على مضاعفة الجهود من أجل الوصول إلى تسوية سياسية

وزير الخارجية الأميركي جون كيري عند وصوله إلى مقر الخارجية الفرنسية لحضور اجتماع باريس الخاص بسوريا أمس (رويترز)
وزير الخارجية الأميركي جون كيري عند وصوله إلى مقر الخارجية الفرنسية لحضور اجتماع باريس الخاص بسوريا أمس (رويترز)
TT

اجتماع باريس حول سوريا يطالب بهدنة شاملة.. والعودة إلى محادثات جنيف

وزير الخارجية الأميركي جون كيري عند وصوله إلى مقر الخارجية الفرنسية لحضور اجتماع باريس الخاص بسوريا أمس (رويترز)
وزير الخارجية الأميركي جون كيري عند وصوله إلى مقر الخارجية الفرنسية لحضور اجتماع باريس الخاص بسوريا أمس (رويترز)

استبقت روسيا والولايات المتحدة الأميركية بساعات قليلة اجتماع باريس لمجموعة «النواة الصلبة» الداعمة للمعارضة السورية، ببيان أكدا فيه عزمهما على «مضاعفة الجهود من أجل الوصول إلى تسوية سياسية للنزاع في سوريا»، فيما تدهور مجددا الوضع الميداني، خصوصا في منطقة حلب التي شهدت العشرات من الغارات الجوية وعمليات القصف المتبادلة ما جعل الهدنة الهشة أصلا غير موجودة.
وقال مصدر دبلوماسي فرنسي رفيع المستوى لـ«الشرق الأوسط»، إن توقيت الإعلان قبل ساعة واحدة من بدء اجتماع باريس، أمس، «لم يكن مجانا، بل إنه يفيد بأن الضغوط السياسية يمكن أن تفعل فعلها». وأجمع وزير الخارجية الفرنسية ومسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي ووزير الخارجية الألماني وآخرون على الإشادة بالبيان الأميركي - الروسي وما تضمنه من التزامات. ووصفته فيديريكا موغيريني بأنه «إيجابي جدا». بيد أن الوزير الفرنسي عد أن ما يهم هو التنفيذ «لا أن يبقى البيان حبرا على ورق». وفهمت باريس والدول المشاركة في الاجتماع أن البيان بمعنى ما رسالة مباشرة موجهة للمجتمعين الذين يهدفون أساسا إلى الضغط السياسي على روسيا والولايات المتحدة الأميركية من أجل الوصول إلى هذه «الإنجازات».
وعلمت «الشرق الأوسط» أن المجتمعين طلبوا من منسق الهيئة العليا للمفاوضات أن يعمل على إبعاد مقاتلي المعارضة المعتدلة عن مواقع «النصرة»، وهو قد التزم بذلك.. بيد أن هذه المصادر عدت أن أمرا كهذا «ليس سهل التنفيذ» بالنظر لتداخل المواقع والأفراد. وأشارت موغيريني في تصريح لها عقب الاجتماع إلى أن هذا المطلب «ليس روسيا فحسب، بل جاء من كل الأطراف المشاركة في الاجتماع».
ما الذي حققه اجتماع باريس؟ الجواب جاء من جان مارك إيرولت ومن وزير الخارجية السعودي عادل الجبير الذي قال للصحافة، إن مجموعة باريس «أكدت دعمها للمعارضة السورية ودعمها لرياض حجاب، والتزامها بالوصول إلى حل وفق بيان (جنيف واحد) والقرار (2254) لا مكان فيه للأسد». وأضاف الجبير أن المجتمعين «بحثوا في آخر الوسائل لدعم المعارضة السورية». أما بشأن الثنائية الروسية - الأميركية، فقد أعلن الجبير في كلام دبلوماسي يحمل كثيرا من المعاني أن الوزير كيري «جزء من المجموعة، وعندما يتحدث إلى الوزير لافروف فكأنه يمثل المجموعة»، مما يعني ضمنا أنه يتعين عليه الالتزام بما قررته هذه المجموعة. ولخص الوزير السعودي الموقف بأن الجميع يطالب بأن يلتزم النظام وحلفاؤه بوقف النار وإدخال المساعدات الإنسانية من غير شروط، والبت في موضوع إنشاء المجلس الانتقالي للسلطة من أجل بناء سوريا الموحدة من غير الأسد. وأضاف الجبير: «نحن كلنا ملتزمون بهذا الاتجاه».
بدت «كلمة السر» الطاغية في اجتماع باريس دعم المعارضة وتوفير الأسباب والحجج لكي تعود إلى طاولة المحادثات في جنيف. وأفصح الوزير الفرنسي عن هذا الجانب بتأكيده رغبة الجميع بعودتها إلى جنيف، ليضيف بعدها مباشرة، أنه «من الصعب عليها تفسير هذه العودة من غير حصول تقدم ميداني».
وفي هذا السياق، طالب إيرولت بـ«ضمانات ملموسة» للمحافظة على الهدنة، وسلامة المدنيين، وبالطبع إيصال المساعدات الإنسانية، وأيضا الانطلاق في المسار السياسي، وكلها نقاط جاء عليها البيان الروسي - الأميركي. لكن إيرولت لم يحدد الجهة التي يفترض أن تكون مصدرها. وقالت أوساطه لـ«الشرق الأوسط» إن المقصود هو اجتماع فيينا لمجموعة الدعم لسوريا الذي سيلتئم في العاصمة النمساوية في 17 مايو (أيار) الحالي، حيث يفترض أن تبرز هذه الضمانات بشكل ملموس وحسي من الراعيين الأساسيين. وبانتظار هذا الاستحقاق، قال إيرولت إن الهدف المشترك للمجتمعين الذين اطلعوا مباشرة من الوزير كيري على فحوى البيان ومتضمناته وتفاصيله، هو أن «تحترمه جميع الأطراف بشكل كامل». بيد أن أوساطا من المعارضة السورية التي اتصلت بها «الشرق الأوسط» لم تكن «بادية الارتياح» لما حصل في باريس رغم التأكيدات والوعود. وبعد أن كان مقررا أن يبلغ حجاب الطرف الفرنسي برغبته في الحديث إلى الصحافة، عاد بعدها ليلغي الموعد من غير الكشف عن الأسباب.
ووفر الاجتماع فرصة للوزراء المجتمعين وممثلي البلدان الحاضرة للتلاقي والاجتماعات الجانبية في صالونات وزارة الخارجية. وقد وصل كيري متأخرا ربع ساعة عن الموعد، ثم عاد إلى الوزارة للقاء ثنائي مع إيرولت، فعشاء عمل.
رغم أهمية الاجتماع وما يشكله من فرص لتبادل الرأي وتوحد المواقف، فإن الوزير إيرولت لم يفته التأكيد على أنه «لا يحل محل اجتماع فيينا ومجموعة الدعم»، وأن أحد الأغراض التي سعى إليها هو «التحضير» لفيينا؛ حيث ستحضر روسيا وإيران التي كانت الغائب الأكبر عن تصريحات الوزير الفرنسي والآخرين. بيد أن مصدرا فرنسيا برر هذا الغياب بالقول إن «ما تقبله روسيا لا يمكن أن ترفضه إيران».
أما الأمر الآخر الذي شدد عليه إيرولت، فهو «ترسيم الطريق» كما فهمته مجموعة باريس من حيث تبريد الجبهات والبحث عن هدنة شاملة محترمة، والتأكد من وصول المساعدات الإنسانية، والعودة إلى محادثات جنيف وإعادة إطلاق المسار السياسي عبر عملية الانتقال المعروفة، والتي أحد أهدافها، بحسب الوزير الفرنسي، وضع حد للحرب وتلافي تفكك بنى الدولة السورية.
وفي حديث صحافي صباح أمس، عد إيرولت أن كيري «يعي تماما أننا في طريق مسدود» وأن «المفاوضات (محادثات جنيف) لا يمكن أن تستمر ما دام النظام ينتهك الهدنة ويقصف المستشفيات ومخيمات اللاجئين، وأن المعارضة هي التي تستهدف في حلب وليس (داعش)». وفهم هذا الكلام على أنه «انتقادات مباشرة لطريقة الوزير كيري في إدارة الأزمة ثنائيا مع موسكو» وفق ما قالته مصادر دبلوماسية أوروبية لـ«الشرق الأوسط» أمس، في معرض تقويمها لاجتماع باريس. وأضافت هذه المصادر أن الدول المجتمعة «أرادت إسماع صوتها ورؤيتها للوزير الأميركي» وتأكيد «حضورها ودورها في الملف السوري وعدم رغبتها في تسليم إدارته للثنائي كيري - لافروف»، بسبب تخوفها من «عدم انخراط أميركي كاف» في مآل هذه الأزمة و«غياب الحزم» في التعاطي مع الطرف الروسي.
وفي هذا السياق، أكد إيرولت أن ما يريده المجتمعون هو أن «تمارس موسكو ضغوطات أكبر على نظام الأسد». لكنه رفض مقولة أن يكون الرئيس الروسي فلاديمير بوتين هو «من يقرر» في سوريا، بل برر التوجه إليه مباشرة لأنه «الجهة التي نتفاوض معها»، وضمنا، الجهة التي تؤثر على قرارات النظام.
بيد أن الهدف الأول للاجتماع كان، بحسب الخارجية الفرنسية، الوقوف إلى جانب المعارضة السورية وشد أزرها وتوفير الشروط والأسباب التي تجعلها تعود إلى طاولة المحادثات في جنيف، بعد أن علقت مشاركتها في الجولة الثالثة منها بسبب انتهاكات الهدنة، وندرة وصول المساعدات الإنسانية، ورفض وفد النظام في العاصمة السويسرية الخوض في عملية الانتقال السياسي. وتعد دعوة حجاب للمشاركة في الاجتماع دليلا على رغبة المؤتمرين في الاستماع لما تقوله المعارضة وتطلبه على كل الأصعدة المادية والإنسانية والتسليحية.
واغتنم إيرولت المناسبة ليحدد ثلاثة أهداف لاجتماع مجموعة الدعم لسوريا يوم 17 مايو الحالي في فيينا الذي تتشارك في رئاسته واشنطن وموسكو، وهي: وقف عمليات القصف، ووصول المساعدات الإنسانية، واستئناف المفاوضات السياسية. كذلك لخص إيرولت رؤية المجموعة للحل السياسي «وفق قرار مجلس الأمن»، «2254»، الذي ينص على «مرحلة انتقالية» من أجل تجنب تكرار حالة العراق. وما بدا مهمًا في نظرة الوزير الفرنسي لهذه المرحلة أنه ربطها بـ«تقاسم للسلطات» بما في ذلك القوات المسلحة وأجهزة المخابرات وكتابة دستور جديد وإجراء انتخابات «ثم بالطبع رحيل الأسد عن السلطة»، مما يعني القبول ببقائه وفق شروط محددة أثناء المرحلة الانتقالية، وهو ما ترفضه المعارضة. وبحسب الوزير الفرنسي، فإن «الجميع متفقون على ضرورة رحيل الأسد بما في ذلك الروس، وأنا متأكد من ذلك».
وكان الاجتماع الذي انطلق في مقر الخارجية الفرنسية بحضور وزراء وممثلين عن 10 دول (فرنسا والولايات المتحدة الأميركية وألمانيا وإيطاليا والمملكة السعودية وقطر وتركيا ممثلة بوزراء خارجيتها، والإمارات العربية المتحدة بوزير الدولة للشؤون الخارجية، فيما مثل موظفون كبار بريطانيا والأردن). وحضرت فيديريكا موغيريني، مسؤولة الشؤون الخارجية في الاتحاد الأوروبي، فيما مثل الدكتور رياض حجاب الهيئة العليا للمفاوضات المنبثقة عن مؤتمر الرياض.



الحكومة اليمنية ترحب باستئناف الرحلات الجوية بين صنعاء وعمَّان

مبنى مطار صنعاء الدولي (رويترز - أرشيفية)
مبنى مطار صنعاء الدولي (رويترز - أرشيفية)
TT

الحكومة اليمنية ترحب باستئناف الرحلات الجوية بين صنعاء وعمَّان

مبنى مطار صنعاء الدولي (رويترز - أرشيفية)
مبنى مطار صنعاء الدولي (رويترز - أرشيفية)

رحَّبت الحكومة اليمنية، الجمعة، بالمبادرة الإنسانية التي أطلقها الأردن لاستئناف الرحلات الجوية بين مطارَي صنعاء وعمَّان؛ انطلاقاً من حرصه على تخفيف معاناة الشعب اليمني، مؤكدة التزامها الكامل بتوفير جميع التسهيلات اللازمة لإنجاح المبادرة.

وأعربت الحكومة، في بيان نقلته الوكالة الرسمية، عن بالغ تقديرها موقف الأردن الثابت إلى جانب اليمن على امتداد العقود الماضية، وما قدّمه من إسهامات إنسانية وسياسية مشهودة تعكس عمق العلاقات الأخوية بين البلدين وشعبيهما، وحرصه الدائم على أمن اليمن واستقراره ووحدته وسيادته وسلامة أراضيه.

وأكد البيان التزام الحكومة اليمنية الكامل بتوفير جميع التسهيلات اللازمة لإنجاح هذه المبادرة؛ «انطلاقاً من مسؤوليتها تجاه المواطنين، وإيمانها بأن حماية مصالح اليمنيين وتخفيف معاناتهم تمثلان أولوية وطنية قصوى لا تنفصل عن واجبها الدستوري في صون السيادة الوطنية»، في خطوة تمثل اختباراً حقيقياً لمدى مصداقية الحوثيين في مطالبتهم بفكّ ما يسمونه «الحصار»، حيث سيمكن، عبر هذه الرحلات، تلبية جميع الاحتياجات للشعب اليمني، سواء فيما يتعلق بنقل الركاب من وإلى البلاد أم تنفيذ الأنشطة الاقتصادية أو الإنسانية، وفق مراقبين.

ونوَّهت الحكومة بأن هذه الخطوة «تنسجم مع مبادراتها السابقة لتشغيل مطار صنعاء بصورة قانونية وآمنة عبر الناقل الوطني (الخطوط الجوية اليمنية)، إلى أي وجهة يُتَّفق عليها»، بتوفر الضمانات الكفيلة بحماية الطائرات وأطقمها، وعدم التعرض لها أو التدخل في شؤون الشركة وعملياتها الملاحية، و«بما يكفل خدمة جميع المواطنين دون تمييز، ويحفظ سيادة البلاد، واحترام القوانين الوطنية، وقواعد القانون الدولي، والاختصاص الحصري للدولة في إدارة مجالها الجوي ومطاراتها كافة».

وأعاد البيان تأكيد الحكومة أن الحوثيين «كانوا وراء إعاقة وإجهاض جميع المبادرات لتشغيل الناقل الوطني»، وأنهم ملزَمون، اليوم، بـ«الكف عن الاستمرار في هذا النهج التخريبي، والإفراج عن أموال الشركة، وأصولها المحتجَزة، وضمان سلامة طواقمها، وتمكينها من أداء واجبها في نقل جميع اليمنيين، ووقف تسخير المطارات ومقدَّرات اليمن لخدمة قيادات الميليشيات وعائلاتها، أو أجنداتها العسكرية والسياسية على حساب شعبنا».

وترفض الحكومة اليمنية تسيير رحلات عبر شركة «ماهان» الإيرانية التي ارتبطت، خلال السنوات الماضية، بعقوبات دولية تتعلق بتقديم دعم لوجستي لـ«الحرس الثوري» الإيراني، إضافة إلى سلوكها المُريب في رحلتها التي نقلت وفد الحوثيين إلى طهران مؤخراً، حيث قطعت إشارات التتبع الخاصة بها أثناء عبورها الأجواء اليمنية، مما يعكس حرصها على التخفي في ضوء حملها عناصر من «الحرس الثوري» و«حزب الله» ومُعدات عسكرية وأسلحة وأجهزة اتصالات لتعزيز قدرات الميليشيا، في خرق واضح وصريح لقرارات مجلس الأمن الدولي ذات الصلة.

وحذّرت الحكومة الحوثيين من «تفويت هذه الفرصة، والاستمرار في خطاب التعبئة والتحشيد، والزج بالشعب اليمني في مغامرات طائشة لا تخدم سوى المشروع الإيراني، بدلاً من الانخراط في خطوات مسؤولة تُعزز فرص السلام، وتصون مصالح المواطنين، وجعلها فوق كل اعتبار»، بدلاً من خدمة الأجندة الإيرانية، وتكريس استخدام اليمن ساحة للابتزاز العابر للحدود، وإعاقة إعادة تسيير الرحلات، ومفاقمة المعاناة التي مر بها الشعب اليمني، خلال السنوات الماضية، وفق مراقبين.

وجدَّد البيان تأكيد الحكومة «تمسكها بخيار السلام العادل والشامل القائم على المرجعيات الوطنية والإقليمية والدولية، ومواصلة العمل مع الأشقاء والأصدقاء من أجل إنهاء الحرب واستعادة مؤسسات الدولة»، مؤكداً أن «الدولة ستظل قادرة على الجمع بين الحزم في حماية سيادتها، والمسؤولية في الوفاء بالتزاماتها الإنسانية تجاه جميع أبناء الشعب اليمني، وتحقيق تطلعاتهم في الأمن والاستقرار والتنمية».

وأكدت الحكومة أن «القوات المسلحة والأمن ستبقى في حال جاهزية تامة، وعلى أهبة استعداد للتعامل مع أي تصعيد من جانب الميليشيات الحوثية الإرهابية، وردع أي تهديد يستهدف سيادة البلاد أو أمنها واستقرارها، والتعامل بحزم مع أي محاولات لفرض أمر واقع بالقوة».


شراكة مصر مع قبرص واليونان لم تمنع تطور علاقاتها بتركيا

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يتوسط الرئيس القبرصي نيكوس خريستودوليدس ورئيس الوزراء اليوناني كيرياكوس متسوتاكيس (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يتوسط الرئيس القبرصي نيكوس خريستودوليدس ورئيس الوزراء اليوناني كيرياكوس متسوتاكيس (الرئاسة المصرية)
TT

شراكة مصر مع قبرص واليونان لم تمنع تطور علاقاتها بتركيا

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يتوسط الرئيس القبرصي نيكوس خريستودوليدس ورئيس الوزراء اليوناني كيرياكوس متسوتاكيس (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يتوسط الرئيس القبرصي نيكوس خريستودوليدس ورئيس الوزراء اليوناني كيرياكوس متسوتاكيس (الرئاسة المصرية)

يثير التعاون المتنامي بين القاهرة وأنقرة، الذي امتد إلى مجالات الدفاع والتنسيق العسكري، تساؤلات بشأن انعكاساته على الشراكة الاستراتيجية التي تجمع مصر باليونان وقبرص منذ عام 2014، في وقت لا تزال العلاقات بين أنقرة وكل من أثينا ونيقوسيا، رهينة خلافات مزمنة حول ترسيم الحدود البحرية وملفات الطاقة في شرق المتوسط.

واعترف خبراء مصريون تحدثوا لـ«لشرق الأوسط» بأن قدرة القاهرة على تحقيق التوازن في علاقاتها الإقليمية ليست مهمة سهلة، لكنهم أكدوا أن التقارب المصري - التركي لا يستهدف قبرص واليونان، بل قد يخدم مصالحهما أيضاً، مع إمكانية اضطلاع مصر بدور في تقريب وجهات النظر، انطلاقاً من حرصها على الحفاظ على توازن علاقاتها مع الدول الثلاث.

شراكة قائمة

هناك شراكة استراتيجية قائمة بين مصر واليونان وقبرص منذ انعقاد أول اجتماع لآلية «التعاون الثلاثي» على مستوى الرؤساء في عام 2014، بوقت كانت علاقات القاهرة وأنقرة تتسم بالتوتر الشديد، على خليفة سقوط حكم «تنظيم الإخوان» عقب ثورة 30 يونيو (حزيران)، وفي ذلك الحين، كانت بعض التحليلات تفيد بأن مصر توجهت للشراكة مع قبرص واليونان لإحداث التوازن مع تركيا.

ودشنت مصر وقبرص واليونان «آلية للتعاون الثلاثي» على مستوى القمة؛ وعُقد الاجتماع الأول لها بالقاهرة في نوفمبر (تشرين الثاني) 2014، وتناوبت الدول الثلاث على استضافة اجتماعاتها بشكل دوري سنوياً، وعُقدت الجولة العاشرة منها في يناير (كانون الثاني) 2025 بالقاهرة.

وفي مطلع هذا العام، استضافت القاهرة مشاورات سياسية لوزراء خارجية مصر واليونان وقبرص، وأكد وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، «خصوصية العلاقات التي تجمع القاهرة بأثينا ونيقوسيا؛ ما أسهم في توافق الرؤى حول تأسيس آلية القمة الثلاثية بينهم»؛ وعدّ الآلية «نموذجاً يحتذى به في علاقات التعاون والتكامل الإقليمي».

اجتماع ثلاثي لوزراء دفاع مصر وقبرص واليونان بالقاهرة في يونيو 2022 (المتحدث العسكري المصري)

وكانت أحدث خطوة في مسار تنامي العلاقات بين مصر وتركيا هي توقيع الدولتين «خطاب نوايا» بشأن التعاون الدفاعي، خلال زيارة وزير الدفاع المصري أشرف سالم زاهر إلى أنقرة، الأحد الماضي، وهي الأولى من نوعها منذ الزيارة التي قام بها الرئيس عبد الفتاح السيسي عندما كان وزيراً للدفاع في 8 مايو (أيار) 2013.

حذر يوناني

وفي تقرير لها رصدت صحيفة «ekathimerini» اليونانية هذا التقارب المصري التركي المتنامي مؤكدة قي تقرير نشرته بتاريخ 15 يوليو (تموز) الحالي، «أنه وإن كان لا يهدد المصالح اليونانية بشكل مباشر حتى الآن، فهو يزيد المخاوف وسط تحولات جيوسياسية إقليمية أوسع».

عضو «المجلس المصري للشؤون الخارجية»، السفير رخا أحمد حسن، قال إن «مصر تؤكد في جميع المناسبات واللقاءات سواء مع تركيا أو اليونان وقبرص، أنه لا سبيل لحل الخلافات بينها إلا عبر الحوار والتفاوض، وتسعى لتحقيق توازن في علاقتها بالدول الثلاث».

وأضاف لـ«الشرق الأوسط» أن «مهمة مصر في تحقيق هذا التوازن ليست سهلة بسبب صعوبة الموقف نفسه؛ حيث إن تركيا لا تعترف بالقانون الدولي لأعالي البحار فيما يخص تقسيم الحدود البحرية والمنطقة البحرية الاقتصادية في شرق البحر المتوسط، بينما تصر اليونان وقبرص على تطبيقه، ومصر أيضاً موقّعة على هذا القانون الصادر عام 1982».

وتتمحور أبرز الخلافات بين تركيا من جهة واليونان وقبرص من جهة أخرى حول قضايا جيوسياسية واقتصادية معقدة، في مقدمتها النزاع القبرصي، وهو أقدم هذه الخلافات؛ إذ يعود إلى عام 1974 عندما تدخلت القوات التركية في شمال الجزيرة عقب انقلاب مدعوم من المجلس العسكري الحاكم في اليونان آنذاك. وتقول أنقرة إن تدخلها جاء لحماية القبارصة الأتراك، بينما تعده قبرص واليونان احتلالاً للجزء الشمالي من الجزيرة.

كما تشمل الخلافات نزاعات بشأن ترسيم الحدود البحرية، والمجال الجوي، والجرف القاري، والمناطق الاقتصادية الخالصة في بحر إيجه وشرق المتوسط، وهي خلافات زادت حدتها مع اكتشافات الغاز الطبيعي والتنافس على استغلال موارد الطاقة في شرق المتوسط.

مصر جسر للتقارب

الأكاديمي والباحث المصري في العلاقات الدولية بشير عبد الفتاح يرى أن «مصر اهتمت قبل عقد أو أكثر بدائرة البحر المتوسط في علاقاتها الخارجية، وركزت على قبرص واليونان، ورسّمت الحدود البحرية معهما، كما دخلت في ترتيبات أمنية ومناورات عسكرية دورية وتنسيق أمني واستراتيجي رفيع المستوى، والدولتان تقومان بدور مهم من حيث توطيد علاقات مصر مع الاتحاد الأوروبي، وفي الوقت نفسه، استعادت مصر زخم العلاقات مع تركيا بعد مدة من الخلافات السياسية».

وأوضح عبد الفتاح لـ«الشرق الأوسط» أنه «لا تناقض بين تقارب مصر مع تركيا من جهة وتقاربها مع اليونان وقبرص من جهة أخرى؛ لأن القاهرة حريصة على تنويع العلاقات، وهذا حق سيادي بالنسبة لها، وعلى عكس أي مخاوف، فمن الممكن أن تكون مصر جسراً لتحقيق التقارب بين تركيا واليونان وقبرص وحل الخلافات حول ترسيم الحدود البحرية وتقاسم ثروات شرق المتوسط».

جانب من لقاء وزير الدفاع التركي ونظيره المصري في أنقرة (وزارة الدفاع التركية)

وتنامت علاقات مصر وتركيا بشكل متسارع من عام 2023 مع عودة العلاقات بين البلدين إلى طبيعتها، وتبادل الزيارات بين الرئيسين السيسي ورجب طيب إردوغان؛ ما انعكس على التعاون العسكري خصوصاً في مجالي التدريب والتعاون في الصناعات الدفاعية.

المستشار في «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية»، عمرو الشوبكي، قال إن «التقارب المصري التركي خصوصاً في المجال العسكري، من المفهوم أنه يقلق إسرائيل، ولكنه لن يكون أبداً في مواجهة اليونان وقبرص، بل على العكس من ذلك فإنه من منطلق هذا التقارب مع تركيا، يمكن أن يكون لمصر دور كبير في تخفيف حدة التوتر بين تركيا واليونان وقبرص لما لها من علاقات قوية ومتميزة مع الدول الثلاث».

وشدد في تصريح لـ«الشرق الأوسط» على أنه من «الطبيعي أن ترصد كل من اليونان وقبرص تطورات التقارب بين مصر وتركيا نظراً لحساسية الموقف نحو تركيا، ولكن بالقطع لديهما ثقة قوية بمصر بسبب قوة العلاقات معها».


الحوثيون يربطون الدعم التعليمي بالولاء والانتماء

توزيع لوازم مدرسية على أبناء قتلى الحوثيين دون غيرهم من الفقراء في صنعاء (إكس)
توزيع لوازم مدرسية على أبناء قتلى الحوثيين دون غيرهم من الفقراء في صنعاء (إكس)
TT

الحوثيون يربطون الدعم التعليمي بالولاء والانتماء

توزيع لوازم مدرسية على أبناء قتلى الحوثيين دون غيرهم من الفقراء في صنعاء (إكس)
توزيع لوازم مدرسية على أبناء قتلى الحوثيين دون غيرهم من الفقراء في صنعاء (إكس)

تواجه المنظومة التعليمية في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية موجة جديدة من الانتقادات مع العام الدراسي الذي بدأته الجماعة صيفاً؛ إذ تتهم الجماعة بحصر توزيع المستلزمات المدرسية والإعانات النقدية على أتباعها وأسر قتلاها ومفقوديها في الجبهات، وإلزام المدارس الأهلية بتقديم إعفاءات دراسية للفئات نفسها.

جاء ذلك في وقت يتواصل فيه الجدل حول نتائج الثانوية العامة التي أعلنتها سلطات الجماعة، وسط تشكيك تربوي في معدلات النجاح المرتفعة، ومخاوف من انعكاسات تلك السياسات على العدالة التعليمية ومستقبل التعليم في اليمن.

وتأتي هذه التطورات بينما تعيش ملايين الأسر اليمنية أوضاعاً اقتصادية متدهورة، جعلت توفير الحد الأدنى من متطلبات الدراسة، من رسوم وحقائب وكتب وزي مدرسي، عبئاً يفوق قدرة كثير من العائلات، في ظل استمرار تراجع القدرة الشرائية واتساع دائرة الفقر نتيجة الحرب والأزمة الاقتصادية.

مستلزمات مدرسية يخصصها الحوثيون لمصلحة أبناء عناصرهم (فيسبوك)

وبحسب مصادر تربوية، تولت ما تسمى «هيئة الزكاة» التابعة للحوثيين توزيع الحقائب المدرسية والمعونات النقدية عبر مشرفين تابعين للجماعة، وفق آلية قالت المصادر إنها منحت الأولوية لأسر المقاتلين وأتباع الجماعة، بينما استبعدت آلاف الأسر الفقيرة التي تعجز عن توفير مستلزمات الدراسة لأبنائها.

وأثار هذا الأسلوب في التوزيع حالة استياء واسعة بين أولياء الأمور والناشطين التربويين، الذين رأوا أن المساعدات التعليمية ينبغي أن تستند إلى معايير الاحتياج الإنساني، لا إلى الاعتبارات السياسية أو الانتماءات التنظيمية.

عدم المساواة

يقول إبراهيم، وهو ولي أمر في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء، لـ«الشرق الأوسط»، إن أبناءه الثلاثة لم يحصلوا على أي دعم مدرسي رغم تسجيلهم ضمن قوائم المحتاجين، بينما شاهد توزيع الحقائب والزي المدرسي على أسر مرتبطة بالجماعة.

وأضاف أن أسرته تعاني ظروفاً معيشية صعبة، إلا أن احتياجاتها لم تؤخذ في الحسبان، معتبراً أن المبادرات الخيرية لو أشرفت بنفسها على توزيع تلك المساعدات لوصل جزء منها إلى أطفاله.

وأبدى أولياء أمور آخرون في ريف صنعاء شكاوى مماثلة، مؤكدين أن تكلفة تجهيز الأبناء للعام الدراسي تجاوزت قدراتهم المالية، في وقت اقتصرت فيه المساعدات على فئات محددة، الأمر الذي عمق شعورهم بعدم المساواة.

وفي موازاة ذلك، تحدثت مصادر إغاثية عن قيام الجهات الحوثية المختصة بالأعمال الإنسانية و«هيئة الزكاة» خلال الفترة الماضية بمصادرة كميات من الحقائب المدرسية والدفاتر والأقلام والزي المدرسي ومبالغ نقدية، كانت مخصصة من مبادرات خيرية لدعم الطلاب الفقراء مع بداية العام الدراسي.

اتهامات لجماعة الحوثي بإجبار مدارس على تجنيد الطلاب (إعلام حوثي)

كما فرضت الجماعة، وفق مصادر تربوية، على المدارس الأهلية إعفاء أبناء أتباعها وأسر قتلاها وأسر أسراها في الجبهات من الرسوم الدراسية لهذا العام، دون تقديم أي تعويضات لتلك المدارس.

وأكدت مديرة إحدى المدارس الأهلية في ضواحي صنعاء، فضلت عدم الكشف عن اسمها، أن إدارتها اضطرت لتنفيذ تلك التوجيهات خشية التعرض لإجراءات عقابية، مشيرة إلى أن الإعفاءات لم تشمل بقية الطلاب من الأسر الأشد فقراً، رغم احتياجهم الماس للدعم.

ويرى تربويون أن تحميل المدارس الخاصة أعباءً مالية إضافية دون تعويض يهدد استقرارها المالي، ويضعف قدرتها على الاستمرار في تقديم خدماتها التعليمية وسط الظروف الاقتصادية الصعبة.

نتائج الثانوية تثير التساؤلات

بالتزامن مع الجدل حول توزيع المساعدات، أثارت نتائج الثانوية العامة التي أعلنتها سلطات الجماعة الحوثية نقاشاً واسعاً في الأوساط التعليمية، بعد تسجيل نسب نجاح مرتفعة ومعدلات تجاوزت 99 في المائة لعدد من الطلاب، رغم ما يشهده القطاع التعليمي من تراجع خلال سنوات الحرب.

وأعلنت وزارة التربية في حكومة الانقلاب الحوثي غير المعترف بها أن نسبة النجاح بلغت 88.12 في المائة، من أصل أكثر من 210 آلاف طالب وطالبة تقدموا للاختبارات، وهو ما عده مختصون رقماً يثير التساؤلات في ظل واقع المدارس التي تعاني نقص المعلمين، وانقطاع الرواتب، وضعف الإمكانات، وتراجع مستوى العملية التعليمية.

الحوثيون حولوا الغش إلى عادة تُمارس بشكل طبيعي (إكس)

ويعتقد تربويون أن الظروف التي يعيشها قطاع التعليم تجعل من الصعب تفسير هذا الارتفاع الكبير في نسب النجاح دون تقديم بيانات توضح آليات التصحيح والتقييم، بما يعزز الثقة في النتائج، ويبدد الشكوك التي رافقتها.

كما أبدى عدد من المعلمين استغرابهم من المعدلات المرتفعة، مؤكدين أن مستوى التحصيل العلمي الذي لمسوه خلال العام الدراسي لا يتوافق مع النتائج المعلنة، خصوصاً في ظل الغياب المتكرر للطلاب، وضعف انتظام العملية التعليمية.

اتهامات بالغش

تذهب مصادر تربوية يمنية إلى أن ارتفاع معدلات النجاح في مناطق سيطرة الحوثيين لا يعكس تحسناً في مستوى التعليم، بل يرتبط - وفق روايتها - بانتشار حالات غش جماعي في بعض المراكز الامتحانية، إلى جانب تداول إجابات نموذجية قبل الامتحانات وفي أثناء انعقادها، وهو ما تعده سبباً رئيسياً في ارتفاع النتائج.

كما اتهم ناشطون تربويون الجماعة بإسقاط نحو 25 ألف طالب من الذكور في الثانوية العامة هذا العام، معتبرين أن ذلك يأتي ضمن سياسات تهدف إلى ممارسة ضغوط على الطلاب وإغرائهم بالالتحاق في صفوفها مقابل الحصول على فرص النجاح، وهي اتهامات لم يصدر بشأنها تعليق من سلطات الجماعة.

طلاب في صنعاء يؤدون امتحانات الثانوية العامة (أ.ف.ب)

ويروي عدد من المعلمين أنهم رصدوا تجاوزات داخل بعض المراكز الامتحانية، بينها ضعف الرقابة والسماح بتقديم مساعدات لبعض الطلاب في أثناء أداء الاختبارات، وهو ما يرون أنه يضعف مصداقية العملية الامتحانية، ويؤثر في عدالة التقييم.

وفي إحدى الحالات، قال طالب من صنعاء إنه فوجئ بحصوله على معدل 72 في المائة، رغم تغيبه عن الدراسة معظم أيام العام الدراسي بسبب اضطراره إلى العمل لمساعدة أسرته، مؤكداً أنه لم يحضر سوى فترة الامتحانات النهائية، الأمر الذي دفعه إلى التشكيك في آلية احتساب النتائج.

وفي المقابل، أعرب عدد من الطلاب المتفوقين عن استيائهم من النتائج المعلنة، مطالبين بمزيد من الشفافية في إجراءات التصحيح وإعلان الدرجات، بما يضمن الحفاظ على حقوق الطلاب، ويعزز الثقة بشهادة الثانوية العامة.