قليلون في التاريخ الأدبي حلوا التناقض، الذي قد يكون قاتلا بأشكال مختلفة، بين الأدب والحياة. وقد يكون من أشهرهم شكسبير وغوته، اللذان توفرت لهما الشروط الحياتية واللحظة التاريخية الملائمة لتحقيق ذلك الانسجام النادر بين الذات والموضوع. ولكن أغلبية الكتاب، قدامى ومعاصرين، يعانون من هذه الإشكالية الكبرى، التي قد تنتهي بخسارة أو، في الأقل، على حساب أحدهما الآخر.
يتتبع لويس غروس في كتابه «ما يدرك» - ترجمته للعربية ترجمة موفقة إلى حد بعيد د. زينب بنيابة، وصدر عن «كلمة» - هذه الإشكالية الكبرى عند الألماني فرانز كافكا، والبرتغالي فرناندو بيسوا والإيطالي تشيزاري بافيزي، هذه الشخصيات، التي تكون ربما بين الشخصيات الأدبية الأكثر انتماء في القرن العشرين. وباستثناء بافيزي، غير المعروف جيدا خارج بلده إيطاليا، وحتى فيها عرف بعد موته، يعرف القارئ العربي الكثير عن كافكا وإلى حد ما بسوا، ولكن ميزة كتاب غروس أنه يجمع في دراسته المقارنة هذه الأجزاء المتناثرة في السيرة الذاتية والنتاج الأدبي، ويقدمها ككل واحد، قارئا في دواخلهم، مفسرا نصوصهم، التي تعكس قدرا كبيرا من سيرهم الذاتية، وفلسفتهم في علاقتهم مع الحياة والوجود والآخر، وخاصة المرأة.
إنه كتاب يذكرنا في كثير من جوانبه بـ«اللامنتمي» لكولن ويلسون، الذي كتب فيه عن نيتشه، وكامي، وباربوس، وتي إي لورنس،، وإتش جي ويلز، وفان كوخ، وإرنست همنغواي، وراقص الباليه الروسي فاسلاف نجنسكي، ليس باعتبارهم شخصيات غير سوية، بل كمخلوقات أكثر حساسية منا، فهم يرون أكثر مما نرى، ويحسون بالغربة في واقع لا يتطابق مع رؤاهم، أو ليس كما يريدونه أن يكون، فينسحبون من المجتمع إلى زواياهم الخاصة، تماما مثل شخصية بطل هنري بابوس في رواية «الجحيم» الذي يطل على العالم من خلال ثقب في جدار الغرفة. ولكنه يرى ما لم يره الآخرون.
ولكن كافكا وبيسوا وبافيزي ذهبوا أبعد من ذلك. فهم لم يكونوا يعانون من «مشكلة الهدف في الحياة»، مثل اللامنتمي النموذجي، بل كان الهدف واضحا بالنسبة لهم: الأدب، وما غير ذلك فهو باطل، وقبض ريح. والأدب هنا هو نقيض للحياة التي نعرفها بمتطلباتها المعروفة التي ترهق الروح، وتقتل الشعر: «إذا ما تركت الأدب يومًا، سوف أتوقف عن الكتابة.. ليس الأمر عندي ميلا إلى الكتابة. فأنا لا أميل عنها إلى ما هو أدبي: أنا بذاتي الأدب. إن الميول يمكن اجتثاثها أو كبتها. لكن هذا هو أنا بذاتي». يقول كافكا. ونقيض الأدب بالنسبة له، هو الحب والزواج والعائلة. ومات بيسوا ولم يترك أبناء ولا أملاكا ولا وصية، ولم يكن لديه انتماء سياسي أو ديني ولا عمل ثابت. لكن في شهادة وفاته، خطت كلمة «كاتب» فقط. ويكتب بافيزي وهو بعد في التاسعة عشرة من عمره: «لست رجل السير الذاتية. لن أترك سوى بضعة كتب حيث سأقول كل ما لدي أو جله. أنا الذي لا يعيش إلا بين الكتب، ولا يرى إلا كتبا، يعشق الكتب، ينام ويأكل ويفعل ذلك دائما برفقة الكتب».
ولوضع جدار بينهم وبين الواقع، الذي تجسده المرأة الأرضية، الملموسة، حارسة الطبيعة وحافظتها، لجأ الثلاثة إلى الرسائل، الموجهة في الحقيقة لذواتهم أكثر ما تكون موجهة للآخر، الذي سيصبح، في النهاية، أشبه ما يكون بالغياب. تصير المرأة شبحا يغذي الخيال، وبالتالي الأدب. ولكن عملية الانفصام عن الحياة لا تتوقف عند ذلك، إذ سيصبح الكاتب نفسه شبحا. سيوصي كافكا صديقه ماكس برود أن يحرق كتبه، وسيخلق بيسوا، في نزوعه الدائم لفقدان شخصيته، وبالتالي الوجود كله، شعراء وهميين بأسماء وهويات وجنسيات حتى أجنبية، ويخترع لهم سيرا حياتية، ويدخلهم في علاقات عاطفية مع نساء وهميات.
لم يحل الانسجام القاتل بين الأدب والحياة عند هذه النفوس الحساسة سوى الموت. رحل الثلاثة مبكرين جدا. قهر المرض كافكا، وهزم الإدمان بيسوا، أما بافيزي فقد اختفى تماما بإرادته من الوجود الثقيل، تاركا قصاصة صغيرة يقول فيها: «لقد قمت بمهمتي العامة. وفعلت كل ما بوسعي أن أفعله. عملت، وقدمت شعرا للناس، وتقاسمت هموم الكثيرين منهم».
9:11 دقيقه
الحياة حين تناقض الأدب
https://aawsat.com/home/article/624051/%D8%A7%D9%84%D8%AD%D9%8A%D8%A7%D8%A9-%D8%AD%D9%8A%D9%86-%D8%AA%D9%86%D8%A7%D9%82%D8%B6-%D8%A7%D9%84%D8%A3%D8%AF%D8%A8
الحياة حين تناقض الأدب
الحياة حين تناقض الأدب
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة


