مقتل رفاعي طه مسؤول «الجماعة الإسلامية» المصرية في غارة درون أميركية

أسلاميو لندن: مؤلف كتاب {ذروة سنام الإسلام} الذي صادرته أسكوتلنديارد .. «نال ما تمناه» في سوريا

رفاعي طه (أبو ياسر) مسؤول الجماعة الإسلامية المصرية («الشرق الأوسط»)
رفاعي طه (أبو ياسر) مسؤول الجماعة الإسلامية المصرية («الشرق الأوسط»)
TT

مقتل رفاعي طه مسؤول «الجماعة الإسلامية» المصرية في غارة درون أميركية

رفاعي طه (أبو ياسر) مسؤول الجماعة الإسلامية المصرية («الشرق الأوسط»)
رفاعي طه (أبو ياسر) مسؤول الجماعة الإسلامية المصرية («الشرق الأوسط»)

كشف أصوليون في لندن عن مقتل رفاعي طه (أبو ياسر) مسؤول الجماعة الإسلامية المصرية في غارة «درون «أميركية على إدلب أول من أمس». وألقت السلطات المصرية القبض على طه حين كان في مطار دمشق عابرا أثناء رحلة بين السودان وأفغانستان عام 2001 ومنذ ذلك الوقت لم يخرج إلى النور إلا بعد ثورة يناير. وتبنت واشنطن أول من أمس الغارة الجوية التي أدت أمس إلى مقتل المتحدث باسم «جبهة النصرة» (فرع تنظيم القاعدة في سوريا) ونجله و20 متشددا آخرين بمحافظة إدلب بشمال شرقي البلاد، وفق ما أعلنته وزارة الدفاع الأميركية «البنتاغون». وأعلنت وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون) مسؤوليتها عن الغارة الجوية التي أدت إلى مقتل عدد من قيادات «جبهة النصرة»، ذراع تنظيم القاعدة في سوريا، حيث خسرت المتحدث الرسمي باسمها و20 متطرفا على الأقل من «القاعدة» في قصف جوي على ريف إدلب.
من جهته قال الدكتور هاني السباعي مدير مركز المقريزي للدراسات بلندن لـ«الشرق الأوسط» أنه عرف أبو ياسر (رفاعي طه) عن قرب خلال محاكمتها في قضية الجهاد الكبرى عام 1981 في أعقاب مقتل الرئيس الراحل أنور السادات، وقال كان الجميع يظن أنه يعيش في إسطنبول، ولم يكن يتوقع أحد أنه دخل إلى سوريا للانضمام إلى «جبهة النصرة» ذراع «القاعدة».
وأوضح السباعي أن رفاعي طه (أبو ياسر) «نال ما تمنى»، فقد كان يتوق إلى الموت في أفغانستان، بعد تأسيسه معسكر «خلدن» في أفغانستان، لتدريب الأصوليين أيام القتال ضد الروس، واعتقل في سوريا ورحل إلى مصر، وخرج من السجن أيام الرئيس المخلوع محمد مرسي، ثم سافر إلى تركيا ومنها إلى الداخل السوري، حيث «لقي ربه»، في غارة «درون» أميركية على سيارة دفع رباعي.
وحسب أصوليين في لندن فإن طه هو مؤلف كتاب «إماطة اللثام عن بعض أحكام ذروة سنام الإسلام» الصادر في لندن عام في 2001، ثم طاردته شرطة اسكوتلنديارد بسبب تحريضه على العنف ضد الأميركيين أينما وجدوا. ويقول طه في كتابه إنهم «كفار معتدون صائلون على أرضنا وأعراضنا ويجب قتلهم في أي أرض كانوا وبأي طريقة أمكن ذلك، وأن ذلك واجب على كل مسلم قادر عليه، ولا يحتاج إلى إذن أحد، فإنه فرض عين لا يسقط عمن قدر عليه». وكان رفاعي طه المكنى «أبو ياسر» يتردد بين عدة دول (أفغانستان - إيران - سوريا - السودان)، وفي إحدى هذه الرحلات كان مقبلاً من الخرطوم مارًا بسوريا لكن قوات الأمن السورية اعتقلته عام 2001، وحاولت وساطات التدخل لإطلاق سراحه، ونظرًا لبطء الإجراءات فقد ظل في أحد السجون بدمشق إلى أن وقعت أحداث سبتمبر (أيلول) 2001، ومن ثم أسرعت السلطات السورية بتسليمه إلى مصر ومن ثم فقد فوتت على الجهات الوسيطة فرصة إطلاق سراحه.
وحسب موقع علي الإنترنت للمطلوبين في قضايا العنف الديني للحكومة المصرية فإن رفاعي طه كان يسافر بثلاثة جوازات سفر مزورة، أحدها سوداني باسم صلاح علي كامل يحمل رقم 838610، والآخران مصريان باسمي عبد الحي أحمد عبد الوهاب صادر من إسلام آباد عام 1992، وعصام علي محمد عبد الله برقم 1046403.
وقال رفاعي في حوار سابق مع «الشرق الأوسط»: «كنت موجودا في إيران، فهي استضافت قيادات الجماعة فترة من الزمان بعد فشل حادث اغتيال مبارك في أديس أبابا، وقالوا لنا أنتم سنة ونحن شيعة، ونريد أن يكون بيننا مشاريع مشتركة».
ويعتبر طه، الذي سبق وحكم عليه بالإعدام أيضا، أحد أربعة من قيادات الجماعة الإسلامية الذين كانوا محبوسين على ذمة قضية «العائدون من ألبانيا»، إلى أن قضت محكمة جنايات بني سويف الأسبوع الماضي، ببراءتهم. كما يعتبر أحد أبرز مؤسسي تنظيم الجماعة الإسلامية، ورئيس مجلس شورى الجماعة في الخارج.
ومنذ قضية اغتيال الرئيس الراحل أنور السادات سنة 1981، وحبسه في مدينة الأقصر بالصعيد، وهروبه عام 1987 إلى خارج البلاد، عاش طه مطاردا ومتنقلا بين عدة بلدان منها أفغانستان (أيام الجهاد ضد السوفيات)، والسودان وإيران، وغيرها.
ويقول مقربون من طه في لندن: «إن رفاعي حكم عليه بالسجن خمسة أعوام في قضية اغتيال السادات، وبالإعدام في قضية (العائدون من أفغانستان)، وهو حكم صادر غيابيًا من محكمة عسكرية».
وكان طه أحد المؤسسين على بيان «الجبهة العالمية لقتال اليهود والصليبيين» مع أسامة بن لادن وأيمن الظواهري في قندهار عام 1998. ولكنه تراجع بعد ضغوط من الجماعة الإسلامية المصرية.
وقال طه في حوار سابق مع «الشرق الأوسط» إنه لم يحصل على حريته بسبب قرار بالعفو الرئاسي، وإنما بسبب حكم من المحكمة التي برأته من التهم التي كانت موجهة إليه. ونجحت الحكومة المصرية في اعتقال الكثير من قيادات «الجماعة الإسلامية» داخل البلاد، وتسلم قياديين آخرين من دول عربية وأوروبية بينها السعودية والكويت والإمارات وألبانيا وغيرها. ولم يقم التنظيم الأصولي بأي هجوم منذ مذبحة السياح في مدينة الأقصر في شهر نوفمبر (تشرين الثاني) عام 1997، التي راح ضحيتها 58 سائحًا معظمهم ألمان وسويسريون ويابانيون.
وكشف الإسلامي المصري هاني السباعي أنه ضمن الشروط التي طرحت على رفاعي طه قبيل مغادرته سجن طره أن يكتب رسالة يدين فيها العمليات التي قامت بها «الجماعة الإسلامية» منذ مقتل السادات 1981 وأحداث أسيوط، وأن يدين كذلك مذبحة الأقصر عام 1997 وكل العمليات التي قامت بها «الجماعة الإسلامية» ضد السياح.
وتعتبر «الجماعة الإسلامية» هي أكبر جماعة أصولية متشددة في مصر وكانت متحالفة مع جماعة أخرى هي «الجهاد» عام 1981 عندما أطلق أتباع لـ«الجهاد» في الجيش الرصاص على السادات أثناء استعراض عسكري في إطار احتفالات حرب السادس من أكتوبر (تشرين الأول) 1981، وكان يحضره الرئيس المصري.
وقال المتحدث باسم البنتاغون ماثيو آلن إن «الولايات المتحدة ضربت آلية، ما أدى إلى مقتل عدد من مسلحي القاعدة»، مضيفا أن «نتائج هذه الغارة في طور التقييم».
جانبه، أفاد مدير المرصد رامي عبد الرحمن أن «أبو فراس السوري الناطق الرسمي باسم جبهة النصرة ونجله وما لا يقل عن 20 عنصرا من تنظيم جند الأقصى وجبهة النصرة ومتطرفين من فصائل أخرى من جنسيات أوزبكية لقوا مصرعهم جراء استهداف طائرات حربية مقرًا لجند الأقصى شرق قرية كفرجالس شمال غربي مدينة إدلب ونقطتين أخريين لجند الأقصى وجبهة النصرة بريف إدلب الشمالي». ولم يتمكن المرصد حتى الآن من تحديد ما إذا كانت هذه الغارات روسية أو لسلاح الجو السوري. وأوضح عبد الرحمن أن «عدد الذين لقوا مصرعهم مرشح للارتفاع جراء وجود عدد من الجرحى بعضهم في حالات خطرة».
وتأتي هذه الغارات بعد يومين من سيطرة النصرة على بلدة العيس في ريف حلب الجنوبي المحاذي لإدلب التي قتل فيها 12 عنصرا على الأقل مما يسمى «حزب الله» الشيعي اللبناني المتحالف مع النظام السوري.
ومنذ عام 2015 تسيطر النصرة وحلفاؤها على محافظة إدلب. وعلى غرار تنظيم داعش فإن «جبهة النصرة» مستثناة من الهدنة المطبقة جزئيا في سوريا بين النظام والمعارضة منذ 27 فبراير (شباط).



66 عاماً على استقلال الصومال... الفيدرالية تواجه «خطر الانقسام»

خطر الانقسام يحيط بالصومال في ذكرى الاستقلال (رويترز)
خطر الانقسام يحيط بالصومال في ذكرى الاستقلال (رويترز)
TT

66 عاماً على استقلال الصومال... الفيدرالية تواجه «خطر الانقسام»

خطر الانقسام يحيط بالصومال في ذكرى الاستقلال (رويترز)
خطر الانقسام يحيط بالصومال في ذكرى الاستقلال (رويترز)

تحلّ الأربعاء ذكرى مرور 66 عاماً على استقلال الصومال واتحاد شمالها مع جنوبها، بينما تواجه الحكومة الفيدرالية ضغوطاً عديدة وخلافات جذرية مع ولايتي «بونتلاند» و«غوبالاند» بسبب الانتخابات وصلاحيات الأقاليم، إلى جانب انفصال إقليم «أرض الصومال» والاعتراف الإسرائيلي به وتداعياته.

تلك الخلافات التي تحيط بالفيدرالية في الصومال تحمل مزيداً من المخاطر، خاصة خطر الانقسام، بحسب خبير في الشأن الأفريقي والصومالي تحدث لـ«الشرق الأوسط»، داعياً إلى إطلاق حوار وطني سريع يُعلي من قيمة المصالح الوطنية ويتجنب المصالح الشخصية.

وأفادت وكالة الأنباء الصومالية الرسمية، الثلاثاء، بأن «جمهورية الصومال الفيدرالية، قيادةً وشعباً، تحيي ذكرى أعياد الاستقلال والوحدة الوطنية»، مؤكدة أنها «تشكل ملحمة مستمرة من الكفاح ضد الكيانات الاستعمارية التي توافدت على سواحل شرق أفريقيا».

ووفق الوكالة، «تُوجت الجهود الوطنية بنيل الأقاليم الشمالية استقلالها في 26 يونيو (حزيران) 1960، حيث رُفع أول علم صومالي حرّ في حديقة الحرية بمدينة هرجيسا. وبعد 4 أيام فقط، وتحديداً في الأول من يوليو (تموز) 1960، نالت الأقاليم الجنوبية استقلالها، ليعلَن في اليوم ذاته عن التحام الشطرين الشمالي والجنوبي وتأسيس الجمهورية الصومالية الأولى، في مشهد جسّد أسمى قيم التلاحم والوحدة والسيادة».

وتفقَّد وزير الإعلام والثقافة والسياحة، عبد الفتاح قاسم محمود، الثلاثاء، سير استعدادات الاحتفالات الرسمية والشعبية بذكرى يوم الاستقلال والوحدة الوطنية، مؤكداً أن «المواطنين مستعدون تماماً للحفاظ على مكتسبات الاستقلال وسيادة الدولة، ولن يسمحوا بأي محاولات تهدف إلى تقسيم البلاد أو تفريق وحدة شعبها، وسيقفون سداً منيعاً أمام أي مساعٍ تهدف إلى تجزئة الوطن أو النيل من نسيجه الاجتماعي».

الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود (وكالة الأنباء الصومالية)

ويرى المحلل السياسي الصومالي، عبد الولي جامع بري، أن تشديد مقديشو الرسمي على رفض المساس بوحدة البلاد يعكس أن قضية الوحدة «أصبحت من أبرز التحديات السياسية في المرحلة الحالية، خاصة أن النظام الفيدرالي يواجه ضغوطاً حقيقية». واستدرك: «لكن ذلك لا يعني أن الانقسام أصبح حتمياً، مع الإقرار بأن خطره لا يزال قائماً».

وكان الصومال قد فقد في 18 مايو (أيار) 1991 إقليماً مهماً هو «أرض الصومال» الذي انفصل مستغلاً أزمات داخلية غرقت فيها البلاد جراء حرب أهلية. وفي ديسمبر (كانون الأول) 2025، اعترفت إسرائيل بالإقليم وسط رفض صومالي وعربي واسع.

وداخلياً لا يزال التوتر قائماً بين الحكومة الفيدرالية وولاية بونتلاند التي صدر عنها على مدار عام أكثر من موقف مخالف لتوجُّهات الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود، ورفضت الحوار معه، وانضم رئيسها عبد الله سعيد دني إلى «مجلس مستقبل الصومال المعارض» الذي يطالب برحيل النظام.

وأعلنت سلطات «بونتلاند»، في بيان، قبل أيام، أنها لم تعد جزءاً من الجيش الوطني الصومالي، إلى حين التوصل إلى اتفاق بشأن جميع نقاط الخلاف مع الحكومة الفيدرالية.

وفي مايو الماضي، أعلن دني عدم الاعتراف بشرعية الرئيس حسن شيخ بعدما مدّد البرلمان ولايته عاماً إضافياً إلى مايو 2027 في إطار تعديل الدستور.

ولا يزال الخطر يتصاعد مع اشتباكات مسلحة بين موالين للمعارضة والشرطة في أعقاب احتجاجات دعا لها معارضون رفضاً لاستمرار الرئيس في منصبه أو إجراء انتخابات بالاقتراع المباشر بدلاً من النظام القبلي المتبع منذ عقود.

كما أن هناك توتراً قائماً بين «ولاية غوبالاند» بجنوب الصومال والحكومة الفيدرالية، بدأ في 2024 عقب قرار الإقليم تعليق العلاقات والتعاون معها، بعد خلافات زادت وتيرتها بعد إجراء الانتخابات الرئاسية، وفوز أحمد مدوبي بولاية ثالثة، وعدم اعتراف مقديشو بفوزه.

ويُرجع المحلل السياسي عبد الولي جامع أسباب الواقع المتردي في ذكرى استقلال الصومال إلى استمرار الخلافات بين الحكومة الفيدرالية وبعض الولايات حول توزيع الصلاحيات والموارد، وتباين الرؤى بشأن استكمال الدستور وتقاسم السلطة، واستمرار التهديدات الأمنية التي تعيق بناء مؤسسات الدولة، واستمرار أزمة انفصال «أرض الصومال» وتداعياتها بعد تدخل إسرائيل واعترافها بالإقليم الانفصالي.

وهو يعتقد أن فرص تجاوز هذه التحديات لا تزال قائمة إذا توفرت الإرادة السياسية، وذلك من خلال «إطلاق حوار وطني شامل بين الحكومة الفيدرالية والولايات، واستكمال الدستور، بما يحدد بوضوح صلاحيات كل مستوى من مستويات الحكم، وبناء الثقة بين المؤسسات الفيدرالية وحكومات الولايات، وإعطاء الأولوية للمصلحة الوطنية على الخلافات السياسية».

ويخلص برى إلى أن مستقبل الفيدرالية في الصومال يبقى مرتبطاً بقدرة القيادات السياسية على إدارة الخلافات عبر الحوار والتوافق، مؤكداً أنها إذا نجحت في ذلك فبالإمكان أن تتحول الفيدرالية إلى عامل استقرار ووحدة، «أما إذا استمرت الخلافات دون حلول مؤسسية، فقد تزداد مخاطر الانقسام السياسي، حتى إن لم يؤدِ ذلك بالضرورة إلى تفكك الدولة».


تصدُّع في التحالفات القبلية يثير قلق الحوثيين

حشود قبلية توافدت إلى منطقة الريان في محافظة الجوف اليمنية لمؤازة زعيم قبلي (إعلام محلي)
حشود قبلية توافدت إلى منطقة الريان في محافظة الجوف اليمنية لمؤازة زعيم قبلي (إعلام محلي)
TT

تصدُّع في التحالفات القبلية يثير قلق الحوثيين

حشود قبلية توافدت إلى منطقة الريان في محافظة الجوف اليمنية لمؤازة زعيم قبلي (إعلام محلي)
حشود قبلية توافدت إلى منطقة الريان في محافظة الجوف اليمنية لمؤازة زعيم قبلي (إعلام محلي)

أثارت تحركّات قبلية يقودها منشقون عن الجماعة الحوثية قلقاً متزايداً داخل الجماعة من اتساع دائرة التمرد في مناطق سيطرتها، لا سيما في المناطق القبلية التي تمثل الركيزة الأساسية لعمليات التجنيد والحشد العسكري.

ووفق مصادر قبلية وأخرى سياسية تحدثت إليها «الشرق الأوسط»، فإن الجماعة الحوثية تخشى أن تؤدي هذه التحركات إلى تراجع نفوذها داخل الحاضنة القبلية التي اعتمدت عليها طوال سنوات الحرب، عبر شبكة من المصالح والعلاقات التي نسجتها مع عدد من زعماء القبائل والوجاهات الاجتماعية لضمان استمرار سيطرتها.

ولهذا أمرت الجماعة الحوثية بتنظيم وقفات قبلية في أكثر من منطقة تحت مبرر الجاهزية لأي معركة، في رسائل موجهة إلى التجمعات القبلية المنشقة.

وخلال الأيام الماضية، أعلن الزعيم القبلي حمد بن فدغم، أحد أبناء قبيلة دهم في محافظة الجوف، انشقاقه عن الحوثيين، بعد تعرضه -حسب روايته- للاعتقال والتعذيب والإهانة داخل سجون الجماعة.

تجمعات قبلية في منطقة الريان بمحافظة الجوف دعماً لبن فدغم (إعلام محلي)

وأطلق الرجل دعوة إلى أبناء القبائل للوقوف إلى جانبه والثأر لما تعرض له، الأمر الذي قوبل باستجابة لافتة، حيث توافد رجال قبائل من مناطق مختلفة إلى منطقة الريان بمحافظة الجوف لإعلان تضامنهم معه.

ويعد بن فدغم من أبرز الشخصيات القبلية التي لعبت دوراً في حشد المقاتلين لصالح الحوثيين خلال السنوات الماضية، وهو ما منح انشقاقه أهمية خاصة، بوصفه يأتي من داخل الدائرة القبلية التي اعتمدت عليها الجماعة في ترسيخ نفوذها.

رواية بن فدغم

خلال تجمع قبلي أعقب وصوله إلى المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة اليمنية، ظهر بن فدغم متأثراً وهو يروي تفاصيل اعتقاله، قبل أن يعلن نصب قطاعات مسلحة تستهدف تاجر السلاح المعروف فارس مناع، المنتمي إلى محافظة صعدة، متهماً إياه بالوقوف وراء عملية اعتقاله واحتجازه داخل أحد السجون السرية التابعة للحوثيين في صنعاء.

كما اتهم بن فدغم مناع بالاستيلاء على فيلا في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء تعود لامرأة تزعم أنها ابنة من زوجة سرية للرئيس العراقي الراحل صدام حسين، مشيراً إلى أن مناع كان يستأجر العقار لسنوات قبل أن يرفض إخلاءه بعد اندلاع الحرب.

الزعيم القبلي حمد بن فدغم خلال إعلانه الانشقاق عن الحوثيين (إعلام محلي)

وحسب الرواية المتداولة، بدأت القضية عندما لجأت تلك المرأة إلى قبيلة دهم طالبةً مساعدة بن فدغم لاستعادة ممتلكاتها. وعلى أثر ذلك توجه الرجل إلى صنعاء للقاء قيادات حوثية مطالباً بإعادة الفيلا إليها، غير أن الجماعة رفضت طلبه، مؤكدةً أن المرأة مواطنة يمنية وتنتمي إلى إحدى الأسر في مديرية أرحب شمال صنعاء. وبعد فترة وجيزة، جرى اعتقال بن فدغم وإيداعه السجن لنحو خمسين يوماً، قبل أن يفر لاحقاً إلى خارج مناطق سيطرة الحوثيين.

امتداد الخلاف إلى أرحب

لم تتوقف تداعيات القضية عند حدود محافظة الجوف، بل امتدت إلى مديرية أرحب شمال صنعاء، حيث أثارت خلافات داخل الأوساط القبلية. فقد نفى القيادي الحوثي فارس الحباري، خلال اجتماع قبلي، صحة الرواية التي تقول إن المرأة تنتمي إلى إحدى الأسر في المديرية، إلا أن حديثه قوبل باعتراض من الزعيم القبلي عبد الواحد الجرادي، أحد أبرز وجهاء المنطقة، ليتحول النقاش إلى مشادة كلامية كادت تتطور إلى مواجهة مسلحة، قبل أن يتدخل الحاضرون لاحتواء الموقف.

وأفادت مصادر قبلية بأن الحوثيين اعتقلوا عدداً من الأشخاص الذين كانوا موجودين في الاجتماع، بعد قيامهم بتصوير المشادة التي اندلعت بين الطرفين، في خطوة عكست حساسية الجماعة تجاه أي خلافات قبلية قد تتحول إلى مادة للتداول على نطاق واسع.

وقفات قبلية نظمتها الجماعة في مناطق سيطرتها لإظهار التأييد (إعلام محلي)

وتكتسب مديرية أرحب، التي ترتبط جغرافياً بمحافظتي عمران والجوف، أهمية خاصة للحوثيين، إذ تضم أحد أبرز المراكز العقائدية التي أنشأتها الجماعة عقب تمددها من محافظة صعدة باتجاه العاصمة صنعاء عام 2014. كما تضم المنطقة عدداً من العناصر العقائدية التي تلقت تدريبات داخل اليمن وخارجه منذ تسعينات القرن الماضي وبدايات الألفية الجديدة، عبر برامج تدريب في سوريا ولبنان وإيران.

وعُرفت هذه المناطق ذات الثقل القبلي بوجود علاقات تاريخية بين عدد من مشايخها وأسلاف الحوثيين، في إطار التنافس التقليدي مع قبيلة حاشد، التي وقفت في مراحل مختلفة إلى جانب النظام الجمهوري في مواجهة المشروع الإمامي. وأعاد الحوثيون إحياء تلك التحالفات منذ اندلاع تمردهم على السلطة المركزية عام 2004، قبل أن تتعزز بصورة أكبر مع سيطرتهم على العاصمة صنعاء، حيث تولى عدد من شيوخ القبائل مناصب ونفوذاً داخل منظومتهم مقابل استمرار ولائهم لها.

وفي مواجهة هذه التحركات، شن مؤيدو الحوثيين هجوماً حاداً على بن فدغم وتجمعات القبائل المساندة له، ووجهوا مسؤولي المحافظات الخاضعة لهم بتنظيم وقفات قبلية منذ أيام في عدد من المحافظات، بهدف إظهار أن الجماعة ما زالت تمتلك حاضنة قبلية، ولو كانت من خارج عمقها التقليدي، وخشية تصاعد النقمة القبلية مما تعرض له الزعيم القبلي.

وحرصت وسائل إعلام الجماعة على القول إن هذه التجمعات جاءت استجابة لدعوة زعيم الحوثيين للاستعداد لما تسمى «معركة تحرير فلسطين».

Your Premium trial has ended


انقطاع الرواتب يفاقم معاناة اليمنيين في مناطق سيطرة الحوثيين

ملايين اليمنيين يفتقدون الخدمات ويعيشون تحت طائلة الفقر (الشرق الأوسط)
ملايين اليمنيين يفتقدون الخدمات ويعيشون تحت طائلة الفقر (الشرق الأوسط)
TT

انقطاع الرواتب يفاقم معاناة اليمنيين في مناطق سيطرة الحوثيين

ملايين اليمنيين يفتقدون الخدمات ويعيشون تحت طائلة الفقر (الشرق الأوسط)
ملايين اليمنيين يفتقدون الخدمات ويعيشون تحت طائلة الفقر (الشرق الأوسط)

مع أول خيوط الفجر، ينهض محمود من فراشه قبل أن يستيقظ أطفاله وهو لا يملك خُطة واضحة لليوم، لكنه يعرف شيئاً واحداً يتمثل في العودة إلى المنزل ومعه ما يكفي لشراء الخبز.

يقول محمود، وهو أب لـ5 أولاد، ويقطن منزلاً بالإيجار شمال صنعاء، لـ«الشرق الأوسط»، إنه كان قبل سنوات موظفاً حكومياً، يتسلم راتبه نهاية كل شهر، ويُخطط لمصروف أسرته بهدوء. ويضيف: «لكن اليوم، لم يعد التقويم يعني لي شيئاً. فالأيام تتشابه، والشهر يبدأ وينتهي دون أن يصل الراتب الذي كان يُمثل شريان الحياة الوحيد لعائلتي».

ويعيش أكثر من مليون موظف حكومي يمني، يعيلون ملايين أفراد أسرهم في مناطق سيطرة الحوثيين، مُنذ سنوات دون رواتب، ما دفع كثيراً منهم إلى استنزاف مدخراتهم، وبيع ممتلكاتهم، والاعتماد على الأعمال اليومية أو الديون لتأمين الحد الأدنى من احتياجات الحياة.

آلاف الأسر اليمنية تعاني حرماناً شديداً في استهلاك الغذاء (الأمم المتحدة)

ويضطر محمود إلى الخروج كل صباح بحثاً عن أي عمل، سواء في نقل البضائع، أو إصلاح باب منزل، أملاً في العودة بما يسد رمق أسرته. ويقول: «خلال الأيام التي لا أجد فيها عملاً، أعود بخطوات بطيئة، محاولاً أن أبدو طبيعياً أمام أطفالي»، مضيفاً أنه لا يريد أكثر من راتبه؛ لا ليصبح غنياً، بل ليعيش بكرامة ويستطيع توفير مُتطلبات أولاده دون أن يطرق أبواب الناس.

رواتب غائبة ومعيشة تتآكل

ليست أسرة محمود استثناءً، فهناك عائلات كثيرة في العاصمة المختطفة صنعاء وبقية مدن سيطرة الجماعة الحوثية، تعيش كل يوم القصة نفسها؛ موظفون بلا رواتب، وأمهات يقتسمن ما تبقى من الطعام، وأطفال يكبرون على مفردات لم يكن ينبغي أن يعرفوها مبكراً؛ كالدين، والتقشف، وتأجيل الأحلام.

من جهتها، تجلس أم عبد الله، وهي والدة أحد الموظفين الحكوميين الذي لم يتقاضَ راتبه مُنذ سنوات، داخل منزل متواضع في أحد أحياء صنعاء، وهي تعيد ترتيب قائمة المصروفات للمرة العاشرة خلال الشهر. تقول: «لم نعد نسأل ماذا سنشتري؛ بل ماذا سنحذف من احتياجاتنا. اللحوم باتت مناسبة نادرة، والدواء مؤجل حتى إشعار آخر».

بائعة متجولة تحمل ألعاباً قابلة للنفخ في أحد شوارع صنعاء حيث العاصمة المختطفة (إ.ب.أ)

وتؤكد أن السؤال لم يعد متى سيأتي الراتب، بل كيف ستُؤمَّن وجبة الغد، مشيرة إلى أن الوظيفة التي أفنى فيها ولدها سنوات عمره لم تعد توفر لهم شيئاً، وأن استمرار هذه الحال يجعلهم أمام واقع يزداد صعوبة عاماً بعد آخر، مع تراكم الديون واستنزاف ما تبقى من مصادر الدخل.

وتُفيد زوجة موظف حكومي آخر بريف صنعاء بأن أصعب ما يواجهها ليس الفاقة بحد ذاتها؛ بل سؤال طفلها: «متى سنأكل الدجاج مرة أخرى؟» دون أن تجد جواباً مقنعاً.

وتُشير إلى أنه لم يعد يتوفر في مطبخهم سوى القليل من الأرز والدقيق وبعض الشاي والسكر، أما الفاكهة فأصبحت رفاهية، وحتى البيض لم يعد ضيفاً دائماً على المائدة.

وتقول إن الأسرة باتت تكتفي بتقليص الوجبات وتأجيل شراء كثير من الاحتياجات الأساسية، في محاولة للاستمرار وسط ظروف معيشية تزداد قسوة.

تحذيرات من تفاقم الجوع

على وقع هذه المعاناة، كشفت مصادر إغاثية أن مئات الآلاف من الموظفين العموميين في مناطق سيطرة الحوثيين يواصلون مواجهة أوضاع معيشية متدهورة جراء استمرار غياب الرواتب، ما دفع كثيراً من الأسر إلى الاعتماد على الديون والأعمال اليومية لتأمين احتياجاتها.

وبينت المصادر أن عشرات آلاف الأسر أصبحت عاجزة عن توفير الحد الأدنى من القوت الضروري، وأن العاملين في عدد من المؤسسات الخاضعة لسيطرة الجماعة ما زالوا يطالبون بصرف رواتبهم بصورة منتظمة، في وقت انعكست فيه الأزمة على الحق في الغذاء والصحة ومستوى المعيشة اللائق.

يمنيون في صنعاء يصطفون على رصيف شارع في انتظار الحصول على عمل (الشرق الأوسط)

وأجبر حرمان مئات الآلاف من الموظفين الحكوميين من رواتبهم على مدى سنوات، على اللجوء إلى الديون وبيع الممتلكات، بينما اضطر الأطفال إلى ترك الدراسة والانخراط في سوق العمل لمساندة ذويهم.

وفي خضم هذا الحرمان، حذرت منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة (الفاو) وبرنامج الأغذية العالمي، في تقرير مشترك، من تفاقم أزمة الجوع في اليمن، حيث صنفت البلاد ضمن أخطر «بؤر الجوع الساخنة» في العالم، في ظل استمرار النزاعات وتدهور الأوضاع الاقتصادية والانخفاض الحاد في تمويل العمليات الإنسانية.

وأوضح التقرير أن ملايين الأشخاص يواجهون خطر الانزلاق إلى مستويات كارثية من انعدام الأمن الغذائي، بسبب تداخل الصراع المسلح مع الأزمات الاقتصادية والمناخية، لافتاً إلى أن اليمن لا يزال من بين أكثر الدول عرضة لتفاقم أزمة الغذاء على مستوى العالم.

وأكد أن تراجع تمويل برامج المساعدات الإنسانية يزيد من حدة الأزمة، مشيراً إلى انخفاض التمويل المخصص للاستجابة الغذائية بنحو 60 في المائة بين عامي 2022 و2025، وهو ما يحد من قدرة المنظمات الدولية على توفير المساعدات المنقذة للحياة، ويضاعف مخاطر سوء التغذية، خصوصاً بين الأطفال والنساء.