سيلفيا فندي لـ «الشرق الأوسط»: زبون اليوم يريد قطعة فريدة بغض النظر عن سعرها

الأزمة الاقتصادية لم تؤثر على الشراء فقط.. بل على طريقته أيضا

سيلفيا فانتنوريني فندي في الاستوديو الخاص بها
سيلفيا فانتنوريني فندي في الاستوديو الخاص بها
TT

سيلفيا فندي لـ «الشرق الأوسط»: زبون اليوم يريد قطعة فريدة بغض النظر عن سعرها

سيلفيا فانتنوريني فندي في الاستوديو الخاص بها
سيلفيا فانتنوريني فندي في الاستوديو الخاص بها

هناك جوع لكل ما هو مترف وفريد من نوعه رغم كل ما يقال عن الأزمة الاقتصادية وتأثيراتها على الموضة. وحسب قول سيلفيا فانتوريني فندي، مصممة إكسسوارات الدار التي أسسها جدها في بداية القرن الماضي، وخط الأزياء الرجالية، فإن «الأزمة لم تؤثر على الشراء بقدر ما أثرت على طريقته. فالناس يشترون أقل ويطمحون للأحسن، بغض النظر عن الثمن». وتتابع: «هناك كم هائل من المنتجات في الأسواق، وخزانة أي امرأة مليئة بكل ما تحتاجه، لكنها لا تزال تحلم بتلك القطعة التي لا يوجد لها مثيل، لأنها تمنحها سعادة ومتعة في الوقت ذاته. وفي أوقات الأزمات تحديدا يتحول الأمر إلى عملية عاطفية، سواء تعلق الأمر بمعطف من الفرو أو بحقيبة من جلد التماسيح». وهي على حق، إذ إن دار «فندي» من بيوت الأزياء التي لم تتأثر بالأزمة، بل العكس تماما، فإن الإقبال على منتجاتها الفاخرة زاد في السنوات الأخيرة، مما جعلها توسع نشاطاتها، وتفتتح مؤخرا «بلاتزيو فندي» الذي يمكن اعتباره أول تجربة تسوق وضيافة من نوعه في العالم.
وإذا كانت «فندي» لا تشعر بالأزمة، أو تعاني منها، فالسبب واضح وهو أن المنتجات المترفة عموما زادت حرفية وغلاء في الوقت ذاته. والدليل أن الـ«هوت كوتير» التي لم تكن تحقق أي أرباح منذ عقد من الزمن انتعشت مؤخرا، حسب اعترافات بيوت أزياء كثيرة متخصصة فيها، مما شجع بيوتًا أخرى على دخولها أو العودة إليها من جديد بعد سنوات من التركيز على الأزياء الجاهزة. وتعزز سيلفيا فندي هذا الرأي بقولها إن «زبون اليوم يريد قطعة واحدة، بغض النظر عن سعرها، على شرط أن تكون فريدة ومفصلة على مقاسه حتى تميزه عن غيره، ولا بأس أن تكون بمواصفات تُمكن من توريثها لأجيال قادمة». لهذا لا نستغرب أن تنعش هذه الثقافة في التعامل مع الموضة، مما أصبح يعرف بالتفصيل على المقاس وما يصنع حسب الطلب فيما يتعلق بالأزياء والإكسسوارات، وتحديدا حقائب اليد.
كان اللقاء مع سيلفيا، سليلة عائلة فندي العريقة، مثيرا، ليس لأن الوصول إليها صعب بل لأنها المصممة المسؤولة عن إشعال حمى حقائب اليد منذ أكثر من عشرين عاما فيما أصبح يعرف بالحقيبة «النجمة». كان ذلك عندما أبدعت حقيبة «الباغيت» التي قد توارت عن الأنظار لصالح تصاميم جديدة مثل «بيكابو» لكنها لم تغب تماما لأنها في مصاف الحقائب الأيقونية، إضافة إلى أن الدار تجددها دائما بخامات وألوان جديدة حتى تبقى متوهجة. القصة وما فيها أن سيلفيا ترفض، كما تقول، أن تبقى سجينة النجاح الواحد، وبين الفينة والأخرى تفاجئنا بتصميم جديد وأيقونة تُؤجج الرغبة فيها. لكن الأكثر إثارة في مقابلتها، اكتشاف شخصيتها وعمق ثقافتها، إذ إنها تختزل تاريخا غنيا يجري في جيناتها بحكم أنها ولدت وشبت في بيت يضج بالابتكار والإبداع. كل هذا يمكن أن يجعل أي شخص يقابلها يشعر بعقدة نقص أمامها أو على الأقل بالرهبة، لكن الطاقة التي تشع من عينيها وهي تتحدث بصوتها الهادئ لها مفعول عكسي تماما.
سيلفيا، تنتمي إلى الجيل الثالث من سلالة فندي الرومانية، وإذا طُلب من أي أحد وصفها، فإن الجواب سيكون واحدا، وهو أن مظهرها الخارجي لا يوحي بذلك البركان من الإبداع الذي يغلي بداخلها، إذ تميل إلى ارتداء أزياء كلاسيكية بخطوط بسيطة وألوان داكنة كأي امرأة تريد أن تموه عن بعض الكيلوغرامات التي اكتسبتها عبر السنوات. وليس ببعيد أن تمر أمامك من دون أن تلتفت إليها، إلا إذا كنت تعرف من هي. تقترب منها وتبدأ الحديث معها، فتتغير الصورة تماما، لأن الدفء الإيطالي الذي ينبعث من ابتسامتها يهدئ أعصابك ويحول اللقاء إلى جلسة حميمة. عندما أشير إلى لمستها الميداسية ووصفتها الناجحة، تزيد ابتسامتها اتساعا وترد بأن الكثير من الناس يسألونها هذا السؤال وربما عليها أن تكتفي منذ الآن بأن تجيبهم بأنها تتمتع بلمسة ميداس. ثم سرعان ما تستعيد تواضعها وتشرح: «إنها نوع من الكيمياء أو قد تكون متوارثة في الجينات. يمكن القول إني اكتسبت خبرة مع الوقت، أو قد تمرنت على النجاح. فعندما يذوق الواحد منا لذته، يصبح مدمنا عليه ولا يريد أن يفقد طعمه أبدا مما يجعله يجتهد أكثر. نعم حقيبة «الباغيت» حققت نجاحا باهرا، كذلك حقيبة «بيكابو»، فلا أحد يجب أن يعتمد على نجاح قطعة واحدة طوال الوقت.. فهذا غير ممكن أساسا، فضلا عن أن «عشق التحدي يجري في دم بنات فندي» في إشارة إلى والدتها وأخواتها الأربع اللواتي تقاعدن بعد أن اشترت مجموعة «إل في آم آش» الفرنسية الدار في عام 2000، وابنتها ديلفين ديليتريز، مصممة الجواهر المعروفة.
تم اللقاء في «بلاتزو فندي» الواقع على مفترق الطريق بين شارع كوندوتي و«السلالم الإسبانية» (سبانيش ستيبس)، الذي فتح أبوابه مؤخرا في حفل كبير حضره برنار أرنو، أغنى رجل في فرنسا، ومالك مجموعة «إل في آم آش»، والمصمم كارل لاغرفيلد الذي يصمم للدار خطها النسائي منذ عام 1965 فضلا عن باقة من العارضات والنجوم. كل ما في الـ«بلاتزيو» يسخر من الأزمة الاقتصادية، لأن كل ركن فيه يجسد الرفاهية بمعناها الحرفي، من معماره وواجهاته الزجاجية، التي تناديك لدخوله واستكشافه إلى مطعم «زوما» الذي يحتل طابقين في أعلى المبنى مع باب جانبي مستقل، إلى الأجنحة المخصصة لاستضافة زبائن الدار المهمين.
حتى من ليست له إمكانيات لشراء قطعة صغيرة جدا من جلد التماسيح، قد تكون مجرد حاملة مفاتيح بسيطة من دون فرو، لن يندم على دخوله، لأنه كمن دخل عالما من الأحلام، قد يكون سرياليا بالنسبة له لكنه واقع بالنسبة لغيره، مما يجعله يعيش تجربة لا تتكرر في أي محل آخر. كانت سيلفيا تبدو منسجمة مع المكان، ولم لا وهي تنتمي لأسرة أرستقراطية عريقة؟. بمجرد أن عبرت لها عن إعجابي بالديكور والمعمار، وكيف تعيش الدار حالة من الانتعاش، تنعكس على عروض أزيائها وأرباحها السنوية، حتى ردت بأن السبب يعود إلى الحرفية واحترام المهارات التقليدية، وعدم التوقف عن الاختبار وتجربة الجديد «خذي مثلا الفرو، فنحن نحاول دائما أن نغيره ونصوغه بشكل جديد، فالفرق بين نوعيته اليوم ونوعيته منذ أربعة عقود أو أكثر مختلفة تماما».
والحقيقة أن زيارة معملها الواقع في روما يؤكد كلامها. ففي الخمسينات وما قبلها، كان الفرو يرمز للجاه والثراء، وكان من الهدايا التي يقدمها الرجل للمرأة، آخذا في عين الاعتبار أنه كلما كان على شكل معطف طويل تكون الرسالة أبلغ على مكانته وجاهه. عائلة فندي، المتمثلة في والدة سيلفيا وأخواتها الأربع، كن ضد هذه الفكرة، وتمردن عليها بمساعدة كارل لاغرفيلد، خصوصًا وأن الوقت كان مواتيا للتغيير والقيام بثورتهن. فالمرأة في الستينات بدأت تتحرر وترفض كل ما يمكن أن يعيق حياتها وحركتها. وكان المعطف المصنوع من الفرو، بثقله وطوله، تجسيدا للرسمية التي تحد من نشاطاتها. وهكذا بدأت عملية تنعيمه والتخفيف من سمكه وإدخال ألوان متوهجة ونقوشات مرحة عليه. لم يمر سوى وقت وجيز حتى أصبحت «فندي» معه كأي خامة أخرى وبالتالي صياغته في تصاميم عصرية تخاطب الجيل الجديد كما القديم. لهذا عندما طرحت سيلفيا مؤخرا حلقات مفاتيح مستديرة من الفرو بعيون وحشية، انتشرت انتشار النار في الهشيم في كل أنحاء العالم، بحيث نراها الآن تتدلى من حقائب يد بألوان متنوعة لتضيف إليها لمسة شقاوة ومرح، فإنها في الحقيقة لعبت على واحدة من رموز الدار واكتفت فقط بتجديدها وكتابتها بلغة راقت لشباب اليوم.
وتشير سيلفيا إلى أن الترف بلغة «فندي» قد يكون معطفا طويلا، أو هذه القطعة الصغيرة، لأن المهم هو خلق ذلك الإحساس الذي يجتاح أي واحد منا عندما نرى منتجا ونريد امتلاكه بأي ثمن. تقول: «عندما تلح على الزبون تلك الرغبة بأنه بحاجة ماسة إلى هذه القطعة، وبأنها ستكون إضافة مهمة في خزانته، حينها فقط أعرف أني نجحت في مهمتي». وهذا تحديدا ما تنطلق منه عندما تفكر في تصميم أي قطعة. فهي تردد مع نفسها بأن المرأة لا تحتاج إلى حقيبة أخرى، لأنها تمتلك ما يكفيها منها، لتكون الخطوة الأساسية هي «صب كل فكري فيما ينقصها، وهكذا تُزرع تلك البذرة التي أبني عليها».
ولا شك أن هذه هي الوصفة التي اتبعتها في تصميم حقيبة «بيكابو» التي لا تزال تحقق مبيعات عالية، إلى حد أن الطلبات المتزايدة عليها شجعت الدار أن تُطلق خدمة «تصميمها حسب الطلب»، أي على مقاس زبوناتها النخبويات، اللواتي سيمكنهن اختيار نوعية الجلود والألوان وحتى الخيوط المستعملة لحياكتها باليد، وما شابهها من تفاصيل، حتى تأتي خاصة جدا. ولا يختلف اثنان على أن هذه الخدمة تعزز توجه الموضة الحالي الذي يميل إلى قطع راقية تطبخ على نار هادئة. فبعد أن كانت المرأة سابقا تجري وراء حقيبة «الموسم» لتركنها جانبا بمجرد ظهور أخرى في الموسم الذي يليه، أصبحت تريد ما قل ودل. بعبارة أخرى، تريد أن تستثمر في واحدة تبقى معها طويلا، ولا تمل منها مهما مر عليها من زمن. فإذا كانت حقيبة الموسم ترمز للأناقة، فإن حقيبة مترفة مصممة على مقاسها وحسب طلباتها، ترمز إلى أكثر ذلك بكثير. بالنسبة لبيوت الأزياء، فإن أهمية هذه الخدمة تكمن في خلق علاقة حميمة ومتفاعلة بينها وبين زبائنها في زمن افتقد فيه الوفاء لماركة واحدة. ما يُحسب لسيلفيا أنها لم تكتف بتوفير هذه الخدمة، بل جندت مجموعة من النساء الناجحات في مجالاتهن مثل المعمارية زها حديد، والنجمة غوينيث بالترو والمغنية أديل، والعارضة جيري هال والمراسلة الحربية كايت أيدي وغيرهن من العارضات والنجمات الشابات على تصور هذه الحقيبة من منظورهن وحسب أسلوب حياتهن، وكانت النتيجة مدهشة و«ضربة معلم»، لأن كل واحدة منهن منحتها روحا مختلفة. أديل مثلا رسمت عليها رموشها الطويلة، وجيري هول حافظت على كلاسيكيتها، بينما وضعت فيها زها حديد بصماتها المعمارية من خلال طيات متراكبة ومتدرجة. توضح سيلفيا أن خدمة «التصميم حسب الطلب» تأتي في مرحلة مهمة من تاريخ الموضة عموما ودار «فندي» خصوصا، لأن الزبون النخبوي بات يطلبها، ودار «فندي» تؤمن بعدم رد طلبه أيا كان. «نحن نرفع شعارا بأنه لا شيء مستحيل، لهذا لا نتوقف على التفكير في تطويع التقنيات المعقدة. عندما نقترحها على أي تقني أو حرفي في معاملنا فإنه لا يفكر أبدا أنها مستحيلة، بل العكس، يعتبرها بمثابة تحدٍ يحتاج منه إلى حل لا أقل ولا أكثر». وهذا ما يفسر أنه عندما طلب بعض الزبائن هذه الخدمة من الدار، لم تتأخر، ووفرت أكثر من ألف لون لصنع حقيبة «بيكابو» فضلا عن عدة أنواع من الجلود الفاخرة. وتذكرني سيلفيا بأن هذه الخدمة كانت متوفرة في مجال الفرو سابقا قبل أن تمتد إلى حقائب اليد في عام 2013 مع حقيبة «سيليريا» والآن في حقيبة «بيكابو». ينتهي اللقاء ونتبادل القبلات، لكنها تستطرد كما لو أنها تذكرت شيئا مهما لتقول بأن أحد أهم شروط التصميم حسب الطلب تدخل الزبون في اختيار الخامات والألوان ووضع بصماته الخاصة، لهذا كان لا بد من خلق مساحة حميمة يمكنه فيها القيام بالتجربة والاستمتاع بها بعيدا عن عيون الفضوليين. وإذا كانت النية أن يحمل معه القطعة، سواء كانت حقيبة أو معطفا من الفرو، عوض أن تُرسل إليه فيما بعد، بإمكانه قضاء ليلة أو أكثر في جناح من الأجنحة السبعة المتوفرة في «البلاتزو» إلى أن يجهز طلبه ويحمله معه إلى وجهته. فهذا من وجهة نظره هو الترف بمعناه الجديد.



كيف تواصل المصممون الجدد مع إرث بيوت الأزياء العريقة؟

كانت تشكيلة آندرسون لـ«ديور» طبقاً دسماً من الأشكال المبتكرة (رويترز)
كانت تشكيلة آندرسون لـ«ديور» طبقاً دسماً من الأشكال المبتكرة (رويترز)
TT

كيف تواصل المصممون الجدد مع إرث بيوت الأزياء العريقة؟

كانت تشكيلة آندرسون لـ«ديور» طبقاً دسماً من الأشكال المبتكرة (رويترز)
كانت تشكيلة آندرسون لـ«ديور» طبقاً دسماً من الأشكال المبتكرة (رويترز)

عُشاق الموضة، كما في أغنية عبد الحليم حافظ، «حائرون... يفكرون... يتساءلون في جنون»: أي عرض كان أفضل من غيره في الأسبوع الماضي؟ ما بين عرض «سكياباريللي»، الذي بلغ فيه دانييل روزبيري أقصى درجات السريالية، وأول تشكيلة «هوت كوتور» لماثيو بلايزي في «شانيل» مطبوعة بالخفة والنعومة، وصولاً إلى «ديور» حيث اجتمع الإبداع بالوفاء.

مزيح مُتنوع بدا فيه «الأسبوع» كأنه سباق أفكار أكثر منه عروضاً لفساتين وإكسسوارات تستعرض أساليب جديدة تحترم جينات كل دار... بل كشف عن ثنائية واضحة هيمنت على «الأسبوع»: سريالية كما في «سكياباريللي« في مقابل رومانسية كما تجلّت في «ديور». وفي كل الحالات، يبدو هذا الموسم كأنه يبحث عن معنى الاستمرارية.

أحجام كبيرة لكن مدروسة وتفاصيل تحفز الحواس وتوقظها كانت أكثر ما ميز تشكيلة جوناثان آندرسون (ديور)

اختلاف الأساليب جعل «أسبوعاً» كان إلى عهد قريب يخاطب شريحة قليلة جداً من النساء وراهن البعض على نهايته منذ عقد من الزمن يغلي بالأفكار... وهذا ما جعله يصمد في وجه الأزمات الاقتصادية التي مرت عليه... تجعله أحياناً يخفت، لكن جذوته لا تنطفئ. الفضل يعود هنا إلى مصممين مسكونين برغبة جامحة في الابتكار وزبونة جديدة تتوق إلى فرض ثرائها بأي ثمن.

باقة قدمها غاليانو إلى آندرسون أطلقت شرارة الإبداع في الأشكال والألوان (أ.ف.ب)

في التسعينات من القرن الماضي كانت هذه الزبونة تتوق إلى التفرد أكثر مما تتوق إلى استعراض جاهها؛ مما فتح الأبواب أمام مصممين بريطانيين لدخول الساحة الباريسية، مثل جون غاليانو والراحل ألكسندر ماكوين، وفيبي فيلو... وغيرهم. الخَضّة الفنية التي حدثت في تلك الحقبة شبيهة بما يحدث في الموسم الحالي. فنحن هنا نتابع دخول مصممين شباب بيوت أزياء كبيرة كانت في أمسّ الحاجة إلى دمائهم الفائرة لِخَضّها وإعادة الحيوية إليها، من ماثيو بلايزي في دار «شانيل» إلى جوناثان أندرسون في دار «ديور»، من دون أن ننسى الأميركي دانييل روزبيري، الذي نجح منذ أكثر من 6 سنوات في وضع بصمته على دار «سكياباريللي». فكما فعل غاليانو وماكوين في التسعينات، يتعامل روزبيري مع «سكياباريللي»، وجوناثان آندرسون وماثيو بلايزي وغيرهما مع الـ«هوت كوتور» بوصفه منصة لتفجير المخيلة. ليس من الضروري أن تقدم أزياء تقوم على الجمال وحده؛ بل بإمكانها أن توقظ مشاعر مربكة تستفز الناظر وتجعله يُفكِر أيضاً.

عهد جوناثان آندرسون الجديد

متابعة لما اقُترح خلال «الأسبوع»، ستجعل ما عُرض لـ«ربيع وصيف 2026» باقياً محفوراً في الذاكرة بوصفه من أعلى المواسم دسماً من ناحية الإبداع، أو على الأقل هذا ما يقوله كثيرون بعد عرض أول تشكيلة من هذا الخط لجوناثان آندرسون، المدير الإبداعي لـ«ديور»... كانت أقرب إلى سيمفونية تغذي كل الحواس؛ لم يخرج فيها عن الإيقاع التاريخي للدار، وفي الوقت ذاته لم يتقيد به حرفياً.

لم يخرج المصمم عن الإيقاع التاريخي للدار وفي الوقت ذاته لم يتقيد به حرفياً (ديور)

يذكر أن الإعجاب به هنا لم يقتصر على الأزياء والإكسسوارات فقط، بل كسب القلوب وامتنان شريحة كبيرة من عشاق الموضة؛ لأنه أعاد الاعتبار إلى المصمم جون غاليانو... صرَح بأنه ملهمه وقدوته وأستاذه. أما سبب الامتنان؛ فيعود إلى أن الحنين إلى عهد غاليانو هو في جوهره حنين إلى الجرأة الإبداعية والخيال الجامح. بالنسبة إلى كثيرين، دخلت «ديور» بعد خروجه في عام 2011 مغضوباً عليه، حالة استقرار تجاري، لكنها فقدت تلك الصدمة البصرية التي تعيد تعريف الـ«هوت كوتور» بوصفه مساحة للسرد التاريخي والمغامرة.

في بودكاست أجراه جوناثان آندرسون مع عمران أميد، مؤسس موقع «بيزينس أوف فاشون (Business Of Fashion)»، قال إن جون غاليانو كان ولا يزال بالنسبة إليه نجماً ساطعاً، بدليل أن اسمه كان في مرحلة من المراحل مرادفاً لاسم الدار. أما على المستوى الشخصي، فعلّق بأن غاليانو علّمه، وهو لا يزال طالباً، أن «يحلم بالحجم الكبير». بعد التخرج استمات باحثاً عن رقم هاتفه على أمل أن يتدرّب لديه. في ذلك الوقت، كان غاليانو في ذروة مجده، فيما كان هو مجرد شاب في بداية الطريق، يراقب من بعيد ويختزن تلك التجربة في ذاكرته المهنية.

كانت تشكيلته لـ«ربيع وصيف 2026» أقرب إلى سيمفونية تغذي كل الحواس (ديور)

نجح التلميذ ولم ينس مُلهمه، لا سيما أنه بات يتنفس إرثه في كل مكان داخل «ديور». عندما انتهى من تصميم مجموعته الأولى من خط الأزياء الجاهزة في العام الماضي، دعاه للأتولييه، ليعرضها أمامه ويسمع رأيه فيها. لم يتأخر غاليانو. حضر وأحضر معه كيساً مليئاً بالحلويات والسكريات من محل «تيسكو» الشعبي، وباقة سيكلامين، أو زهور «بخور مريم» مشبوكة بشريط أسود. هذه الباقة تحوَلت إلى الشرارة التي أشعلت كل شيء في مجموعة الدار لـ«ربيع وصيف 2026».

الإبداع والوفاء

باقة قدمها غاليانو لآندرسون أطلقت شرارة الإبداع في الأشكال والألوان (ديور)

يشرح جوناثان، وفق ما جاء في البيان الصحافي الذي وزعته الدار، أن مجموعته لـ«ربيع وصيف 2026»، بألوانها والتواءاتها والتفافاتها حول الجسم، ليست حنيناً أو اقتباساً حرفياً من الماضي، بل هي «عدسة تفسيرية يعاد من خلالها تفكيك الحاضر وإعادة تجميع عناصره لفتح احتمالات جديدة لتخيله»، مشيراً إلى أنه لا يحاول أن يكون بديلاً لقدوته، بل أن يكون استمراراً له. فـ«ديور»، وفق قوله، «ضخمة لا يمكن وضعها ضمن قالب نهائي، بل يجب التعامل معها على أنها عملية إبداعية مستمرة، تتغير وتتطور مع كل مصمم».

الحب بالورود والأزهار

من هذا المنظور يبدو استحضار الورود امتداداً طبيعياً لذاكرة الدار وليس مجرد خيار جمالي، إذا أخذنا في الحسبان علاقة المؤسس كريستيان ديور بالورود والأزهار. وحتى إذا نسينا، فإن عطور الدار تُذكرنا بهذه العلاقة الأبدية، كذلك أول عرض قدمه راف سيمونز للدار بعد توليه قيادتها الإبداعية بعد خروج غاليانو. غرس مليون وردة في جدران وسقف «متحف رودان» وامتدت هذه الورود إلى التصاميم التي أخذت أشكال ورود متفتحة ومُلتفة من كل الجوانب.

استحضار الورود كان امتداداً طبيعياً لذاكرة الدار وليس مجرد خيار جمالي (ديور)

أعاد سيمونز التجربة في تشكيلته لـ«ربيع وصيف 2016»، حيث صمم ديكورها على شكل تلة علوّها نحو 59 قدماً وغطتها نحو 300 ألف وردة ديلفينيوم باللون الأزرق البنفسجي.

وفق «ديور»، فـ«إننا عندما نستلهم من الطبيعة، فإنها تُعلِمنا أنها لا تُقدّم خلاصات نهائية قاطعة، بل تكشف عن أنظمة في حركة دائمة؛ تتطوّر، وتتكيّف، وتتواصل عبر الزمن». ووفق هذا المنطق، تأتي الأزياء الراقية مختبراً للأفكار وللحرفية على حد سواء، بحيث تتحوّل التقنيات العريقة من ذاكرة الماضي إلى معرفة حيّة نابضة.

فساتين تتراقص بشكل دائري كأنها أزهار تؤدي رقصات صوفية أو اشتاقت إلى أن تُحكى من جديد في انسجام تام بين الجسد والأنا (ديور)

أما كيف ترجم آندرسون هذه الأفكار، فمن خلال فساتين تتراقص بشكل دائري كأنها أزهار تؤدي رقصات صوفية، أو اشتاقت إلى أن تُحكى من جديد، في انسجام تام بين الجسد والأنا. ومع كل حركة، تفتتح حواراً آخر مع أعمال فنانة الخزف ماغدالين أودوندو، التي تعاون معها المصمم لخلق أشكال باستدارات جديدة، ستشكل إضافة لمفردات الدار من دون المساس بأسسها الراسخة.

جون غاليانو... الحاضر بقوة

حضور غاليانو العرض وجلوسه جنب آنّا وينتور؛ عرابة الموضة، كان كافياً لإعادة النقاش بشأن الإرث والمسؤولية وإمكانية البناء على الماضي بدل تفكيكه بنية إعادة بنائه من الصفر، لمجرد استعراض المهارات. فأشكال الورود هنا لم تكن مجرد زخرفة، بل لغة حب، تلخصت في باقة صغيرة قدمها أستاذ لمعجب، وجعلت حضوره جزءاً مؤثراً في سردية هذه اللحظة المؤثرة من تاريخ الدار.

أثره وتأثيره ظهرا أيضاً في الفلسفة العامة لمجموعة أظهر فيها آندرسون أنه يتشارك مع غاليانو قناعة أساسية مفادها بأن الـ«هوت كوتور» لا يُبنى على «الجمال السهل»، بل على فكرة قادرة على إرباك المتلقي ودفعه إلى إعادة النظر فيما يعرفه واعتاده. فوفق رأي آندرسون، يمكن أن تكون الصدمة أداة للبيع؛ لأن الأفكار، لا الصيغ الجاهزة، هي التي تصنع القيمة طويلة الأمد للدار.

«سكياباريللي» تعود للإحساس

بينما اختار آندرسون مساراً عاطفياً يميل إلى الحلم أكثر، تعامل دانيال روزبيري، المدير الإبداعي في دار «سكياباريللي»، مع مفهوم الصدمة في خط الـ«هوت كوتور» بشكل دخل فيه مناطق الألم والنشوة.

يقول روزبيري إنه كثيراً ما يُسأل عن جدوى هذا الخط، «وردِّي ببساطة أنه ليس للحياة اليومية؛ بل هو مساحة تتيح لي التواصل مع ذلك الشاب بداخلي الذي اختار الخيال على الطرق المضمونة... فهو بالنسبة إليّ دعوة إلى التوقف عن التفكير العقلاني، والعودة إلى الإحساس».

نحتت طبقات التول الملون تحت الدانتيل عمقاً بصرياً وضبابية لونية (سكياباريللي)

بين الألم والنشوة

أطلق على هذه المجموعة لـ«ربيع وصيف 2026» عنوان «الألم والنشوة»... ألم الولادة ونشوة الاكتشاف، مما انعكس في «كل تفصيل فتحه المصمم على بوابات الإحساس عندما تقع العين على الفن وتتأمله» وفق ما جاء في البيان الصحافي للدار.

في أكتوبر (تشرين الأول) من العام الماضي، وخلال زيارة خاصة إلى «كنيسة سيستينا (Sistine Chapel)» في روما، عاش المصمم لحظة تجلٍّ وهو يرفع عينيه إلى السقف.

شدّته رسومات أنجزها حشد من الفنانين، ثم يأتي مايكل أنجلو في عام 1508 ليضع لمساته ويُغير كل شيء... «في تلك اللحظة»؛ يقول روزبيري، «توقف التفكير وبدأ الإحساس، فبعد 40 عاماً، جاء أنجلو برؤية جامحة وصاخبة بصرياً ليقلب مسار الفن إلى الأبد. كانت أيضاً هشّة ورومانسية بامتياز، يمتزج فيها الألم بالنشوة، امتزاجاً مروّعاً وبديعاً. فمايكل أنجلو لم يشرح؛ فقط أذن للناظرين بفتح باب الإحساس عند تأمّل الفن».

الصحوة الإبداعية

صحوة المصمم الإبداعية ظهرت في ذيول عقارب وإبر سامة وأسنان أفاعٍ... اندمجت في تصاميم تثير التوتر وتحفز على التفكير (سكياباريللي)

في لحظة التجلي هذه، قرر المصمم، ولأول مرة منذ سنوات، أن يتوقف عن التفكير في كيف يجب أن يبدو الشيء... «بدأت أُنصت إلى ما أشعر به في لحظات الإبداع. لم يعد النبض العاطفي يتمحور حول الشكل، بل حول الإحساس: كيف نشعر ونحن نعمل على إنجازه؟ يا لها من راحة... ويا لها من صحوة إبداعية» ظهرت في خطوط حادة تحولت إلى ذيول عقارب وإبر سامة وأسنان أفاعٍ اندمجت في تصاميم تثير التوتر وتحفز على التفكير.

استلهم روزبيري الألوان من طيور الجنة: الوردي والأزرق والزعفراني... وكذلك بعض الأشكال (سكياباريللي)

لكن المصمم يُؤكد أنها ليست تمرداً مطلقاً على الواقع؛ بل هي أيضاً احتفال بالمهارة الجماعية في المشاغل، وحرفية جسّدت ذروة الخيال والمهارة. الدانتيل المقصوص مثلاً نُفِذ بأسلوب نحتي ثلاثي الأبعاد، والريش، بنوعيه الحقيقي والاصطناعي، لُوّن وغُمِس في الراتينغ قبل أن يزين بالكريستال، فيما منحت طبقات التول الملون تحت الدانتيل عمقاً بصرياً وضبابية لونية. أما الألوان فمُستلهمة عموماً من ألوان طيور الجنة؛ الوردي، والأزرق، والزعفراني. بالنسبة إلى الإكسسوارات، وهي من العناصر القوية التي تفخر بها الدار وتميزها، فجاءت برؤوس طيور اصطناعية مصنوعة من ريش حريري، ومناقير راتينغية، وعيون لؤلؤية، إلى جانب رموزها الأيقونية مثل ثقب المفتاح.

ما نجح فيه روزبيري، وجوناثان آندرسون في «ديور»، أنهما لم يجعلا الصدمة، باختلاف لغتها، نقيضاً للحلم، بل جعلاها طريقاً للوصول إلى القلب.


أسبوع باريس للهوت كوتور ربيع وصيف 2026... النجمات يصنعن البريق في باريس

المشهد هذا العام يعطي الانطباع بأن عروض الأزياء ثانوية مقارنة بوجود النجوم (أ.ب)
المشهد هذا العام يعطي الانطباع بأن عروض الأزياء ثانوية مقارنة بوجود النجوم (أ.ب)
TT

أسبوع باريس للهوت كوتور ربيع وصيف 2026... النجمات يصنعن البريق في باريس

المشهد هذا العام يعطي الانطباع بأن عروض الأزياء ثانوية مقارنة بوجود النجوم (أ.ب)
المشهد هذا العام يعطي الانطباع بأن عروض الأزياء ثانوية مقارنة بوجود النجوم (أ.ب)

لا يزال أسبوع الهوت كوتور لربيع وصيف 2026 بباريس مستمراً في إتحاف عشاق الموضة بأجمل الأزياء وأكثرها ابتكاراً. فهذا الموسم يختلف عما تابعناه لسنوات، بفضل دخول مصممين شباب إلى بيوت أزياء كبيرة بدأوا يضخونها بديناميكية غابت عن الساحة طويلاً. من ماثيو بلايزي في دار «شانيل» إلى جوناثان أندرسون في «ديور» وهلم جرا من الأسماء الشابة، التي أكدت لحد الآن قدرتها على إبداع قطع تحاكي اللوحات الفنية، معتمدين على مهارات ورغبة في التميز عوض الاعتماد على إحداث الصدمات لمجرد خلق الجدل.

سفيرات دار «شانيل» بينلوبي كروز شارلوت أوف موناكو ونيكول كيدمان (شانيل)

لكن الملاحظ أن هذا الأسبوع، ومنذ انطلاقه، شهد غزواً غير مسبوق لنجمات وسيدات المجتمع، مثل ريهانا ونيكول كيدمان وبنيلوبي كروز ولورين سانشيز، زوجة الملياردير جيف بيزوس وهلم جرا.

قد يقول البعض إن الأمر عادي بحكم أن بيوت الأزياء تستضيف هؤلاء للحصول على مزيد من البريق في أسبوع قائم أساساً على البريق والتميز. وهذا صحيح لكن الجديد هذه المرة أن التغطيات الصحافية تكاد تتجاهل ما يجري على منصات عروض الأزياء في كثير من الأحيان لتُسلط الضوء على ما يجري خارجها أو في الصفوف الأمامية، بدليل التغطيات على وسائل التواصل تحديداً.

أصبح وجود نجمات في الصفوف الأمامية مسألة وجودية بالنسبة لبيوت الأزياء الكبيرة خاصة (رويترز)

النادي النخبوي يفتح أبوابه للعالم

هذا المشهد يعكس سؤالاً قديماً متجدداً: هل وجود النجمات يطغى على أهمية عروض الأزياء أم أنه يُغذيها ويمنحها حياة أبعد من المنصة؟ الجواب عن هذا السؤال يمكن أن نجده في تغير الزمن من جهة، وثقافة «الهوت كوتور» من جهة أخرى. فرغم الطابع النخبوي لهذا الخط وعدد زبوناته المحدود، فإنه لم يعد حدثاً مغلقاً كما كان عليه في السابق. فقد تبنى منذ سنوات استراتيجية التواصل مع جمهور أكبر عبر المنصات الرقمية ووسائل التواصل الاجتماعي، بعد أن انتبه صناع الترف أن صورة واحدة لشخصية مشهورة وهي تصل إلى العرض أو تجلس في الصف الأمامي قد تحقق انتشاراً يفوق تأثير عرض كامل.

المصممون تقبلوا هذا الأمر أيضاً، فالحرفية العالية واحترام معايير الإبداع والاستثمارات الكبيرة التي يتطلبها هذا الخط، لا تساوي شيئاً إذا لم تصل ثمراتها إلى جمهور يحلم بها ويرغب في اقتنائها، أو على الأقل الانتماء على نادي التميز ولو من خلال عطر أو أحمر شفاه أو حقيبة يد.

لورين سانشيز رفقة زوجها جيف بيزوس مؤسس شركة «أمازون» لدى وصولهما عرض «سكياباريللي» (غيتي)

من هذا المنظور، فإن هذا الغزو المكثف هذا الموسم جزء من خطة مدروسة، تتداخل فيها الأدوار بين السفيرة الرسمية للدار مثل نيكول كيدمان والأميرة شارلوت أوف موناكو والنجمة الإسبانية بنيلوبي كروز كسفيرات لدار «شانيل» وبين الزبونة الجديدة مثل لورين سانشيز التي باتت تفرض حضورها في هذه العروض، وبين النجمة المؤثرة مثل ريهانا. هذه الأخيرة مثلاً اضطرت إلى تأخير عرض «ديور» ما يقرب الساعة انتظاراً لوصولها.

للزمن الجديد متطلباته

النجمة ديمي مور في عرض «سكياباريللي» (سكياباريللي)

هذا الكم من النجوم والاهتمام المتزايد بهم في هذا الموسم يتزامن مع التغيرات التي تشهدها الموضة ككل. فدار «فالنتينو» تقدم أول عرض لها بعد رحيل مؤسسها فالنتينو غارافاني، بينما قدَّمت دار «جيورجيو أرماني» عرضاً ذكَّر الكل بغيابه وكأنهم كانوا قبل ذلك يقاومون الإحساس بفقده. إضافة إلى كل هذا، فإن تصدر مصممين شباب المشهد في وقت عصيب بسبب تراجع الإيرادات، يُحتِم تقبل أن هذه الشخصيات بكل ما تثيره من ضجيج إعلامي ضرورية، كونها تلعب دور الوسيط بين الرؤية الإبداعية وبين جمهور واسع. لذلك فإن الاستثمار في حضور أسماء لامعة هو جزء من استراتيجية تعزز الصورة على المدى البعيد.


باتريك شلهوب وإدارة الترف في زمن الأزمات

سعود عبد الحميد في لقطة من حملة لعلامة «وجوه» التي تملكها المجموعة وتجمع بين الجمال وكرة القدم وتكرّم الهوية السعودية المتجددة (مجموعة شلهوب)
سعود عبد الحميد في لقطة من حملة لعلامة «وجوه» التي تملكها المجموعة وتجمع بين الجمال وكرة القدم وتكرّم الهوية السعودية المتجددة (مجموعة شلهوب)
TT

باتريك شلهوب وإدارة الترف في زمن الأزمات

سعود عبد الحميد في لقطة من حملة لعلامة «وجوه» التي تملكها المجموعة وتجمع بين الجمال وكرة القدم وتكرّم الهوية السعودية المتجددة (مجموعة شلهوب)
سعود عبد الحميد في لقطة من حملة لعلامة «وجوه» التي تملكها المجموعة وتجمع بين الجمال وكرة القدم وتكرّم الهوية السعودية المتجددة (مجموعة شلهوب)

 

للموضة قدرة عجيبة على توقع الألوان، والتصاميم بسنوات، لكنها للأسف تفقد السيطرة أمام التحولات الاقتصادية، والسياسية، رغم أن تأثيراتها عليها تكون مباشرة، وأحياناً قاتلة.

اليوم تواجه صناعة الموضة تحديات خارجية متزايدة تفرض إعادة رسم قواعد اللعبة، بدءاً من التوترات التجارية، وارتفاع الرسوم الجمركية، إلى اضطراب سلاسل التوريد. حتى المستهلك أصبح يفرض شروطه الخاصة. المنتدى الاقتصادي العالمي الأخير عكس هذا المزاج القلق، والمعطيات التي خرج بها ستُترجم، عاجلاً أو آجلاً، إلى تكاليف أعلى، أو تأخير في الإنتاج، وتغيير في خريطة الأسواق.

في هذا المناخ المرتبك لم يعد النجاح مرهوناً بحجم الإبداع، أو التوسع وحدهما وفق ما قاله باتريك شلهوب، الرئيس التنفيذي لمجلس إدارة «مجموعة شلهوب»، بل بالقدرة على اتخاذ قرارات صحيحة تقرأ الحاضر، وتستبق المستقبل رغم ضبابية اللحظة.

مايكل شلهوب، الابن، والذي تولى حديثاً منصبه باعتبار أنه رئيس تنفيذي لـ«مجموعة شلهوب» شرح أن الأوضاع الحالية تتطلب تغيير الأولويات: «يجب أن نضع المستهلك في المقدمة... ننصت له، ونفهم متطلباته، حتى نستطيع أن نقدم له منتجات تناسبه، وتلبي تطلعاته»، وهذا تحديداً ما تقوم به منطقة الشرق الأوسط حالياً، وتعلِّمه للغرب.

الشرق الأوسط... الأمل

تأسّست «ويلي شافاريا» عام 2015 على يد ويلي شافاريا وديفيد راميريز وتحوَلت سريعاً إلى واحدة من أكثر الأصوات أصالة في عالم الموضة (ويلي شافاريا)

فهذه المنطقة تبقى ضمن هذا المشهد، حسب الخبراء واستطلاعاتهم، بقعة ضوء، وملاذاً آمناً لصناع الموضة العالمية. دراسة أجرتها شركة «يورومونيتور إنترناشيونال» مثلاً تفيد بأن سوق الأزياء في المنطقة تواصل نموها بمعدل سنوي مستقر، فيما تظهر استطلاعات أخرى متخصصة مثل Bof Insightsأن شريحة واسعة من أصحاب الدخل المرتفع في الخليج لا تزال تنفق بسخاء على الموضة.

هذه القوة التي تتمتع بها الشرق الأوسط حالياً لم تأتِ صدفة، ولم تكن نتاج طفرة عابرة. هي نتاج مشروع طويل بُني على أسس واضحة، وشراكات مدروسة تقوم بها المملكة العربية السعودية في مجالات الترفيه، والثقافة، والإبداع، ودولة الإمارات، وغيرهما من دول الخليج في مجال الموضة.

نجاح من رحم الأزمات

صورة أرشيفية للأخوين باتريك وأنطوني شلهوب (مجموعة شلهوب)

هذا المشروع كانت «مجموعة شلهوب» طرفاً أساسياً فيه منذ سبعين عاماً. يمكن قراءة هذا المشروع لا بوصفه قصة نجاح تقليدية، بل إنه حالة تشكّلت أساساً في بيئات غير مستقرة سياسياً واقتصادياً، وتكيَفت معها. بدأت في دمشق عندما افتتح ميشال شلهوب، الأب، أول متجر لعلامة «كريستوفل» عام 1955. وفي عام 1965، اضطرت العائلة لنقل أنشطتها إلى بيروت بسبب الأحوال الاقتصادية المتذبذبة في سوريا، وفي عام 1975 وبعد اندلاع الحرب الأهلية في لبنان، اضطرت المجموعة إلى الانتقال إلى الكويت. في عام 1990 أدى غزو الكويت إلى انتقالها من جديد إلى دبي. يقول باتريك شلهوب، الرئيس التنفيذي للمجموعة، إن هذا الانتقال كان مخططاً له مسبقاً، وكل ما في الأمر أن الغزو سرَّعه.

جاءت شراكة المجموعة مع ويلي شافاريا للتوسع في منطقة الشرق الأوسط (مجموعة شلهوب)

بحس تجاري، تحوّلت هذه التنقلات المفروضة إلى خبرة، واستراتيجيات عمل قائمة على استباق الأحداث، وترسيخ رؤى استشرافية لا تزال المجموعة تتمتع بها إلى اليوم. فالاستقرار بالنسبة لها ليس شرطاً للنجاح.

باتريك شلهوب واستراتيجيات توسعية

بالنسبة لباتريك شلهوب، الذي انضم إلى العمل العائلي أواخر السبعينات، لم تكن الموضة من أولوياته، ولم يفكر في دخولها قبل ذلك. كان شغوفاً بالرياضيات. لكن الحرب غيَرت اتجاهه، وأدخلته هذا العالم من بوابة الإدارة. كان طموحه كبيراً، إذ وضع نصب عينيه ألا تبقى المجموعة في موقع المتلقي، أو ردّ الفعل. سرعان ما حوّلها من مجرد موزع محلي إلى لاعب إقليمي بثقل دولي، حيث فتح مرحلة الشراكات الكبرى، والمشاريع المشتركة مع علامات كبيرة، مثل «لوي فويتون»، «ديور»، «فيرساتشي»، «فندي»، «جيمي تشو»، «جاكيموس»، «لوبوتان»، «بيرلوتي».

باتريك شلهوب الرئيس التنفيذي لمجلس الإدارة في حذاء من «ليفل شوز» (ليفل شوز)

بعدها بدأ استراتيجية امتلاك وإطلاق علامات حصرية، أبرزها «ليفل شوز» و«ووجوه». هذا التوسع استدعى الاستثمار في الجانب الإنساني لأهميته. استثمر مبكراً في التعليم، والتدريب عبر إنشاء أكاديمية تحمل اسم العائلة لتنمية المواهب الشابة، والتعاون الأكاديمي مع الجامعة الأميركية في الشارقة.

السوق السعودية

مؤخراً فتح باتريك أبواب هذه الأكاديمية في السعودية. لم تفُته أهمية هذه السوق. صحيح أن علاقته بها بدأت منذ عقود بافتتاح أولى متاجرها عام 1991، لعلامات تجارية مثل «فيسز» و«تاناغرا» و«كريستوفل» و«غوالي»، لكنه طوَرها مؤخراً، تطوّرت، وافتتح محلات جديدة على شكل وجهات توفر تجارب غامرة. والأهم من هذا تأخذ بعين الاعتبار أن مستهلك اليوم مختلف. هو أكثر وعياً وانتقائية، وحساسية تجاه القيم التي تمثلها العلامات، وعلى رأسها الاستدامة.

تطمح «ويلي شافاريا» نحو التوسّع الدولي ودخول الأسواق الجديدة وتحقيق القيمة المستدامة (مجموعة شلهوب)

هذا المستهلك يُقسِمه باتريك شلهوب إلى ثلاث فئات رمزية تعكس اختلاف الدوافع والتطلعات. ما أسماه بالخيول وهم فئة تعشق الموضة وتبحث عن الاعتراف والمكانة الاجتماعية. وفئة الغزلان التي تتعامل معها كامتداد طبيعي لهويتهم، فيما تتميز فئة الصقور، بكونها أكثر جرأة، لأنها تبتعد عن المفهوم التقليدي وتبحث عن التجربة والتفرد والحرفية.

خلف هذا التصنيف تبرز حقيقة أخرى لا تقل أهمية، وهي أن هذا المستهلك أصبح مُتطلَبا لا يتغاضى عن الاخطاء مهما كانت صغيرة، وأي قراءة خاطئة للسياق الثقافي قد تتحول إلى خسارة يصعب تعويضها.

من عرض ويلي شافاريا لربيع وصيف 2026 الذي قدم لأول مرة في باريس (مجموعة شلهوب)

وهذا ما أشار إليه في مؤتمر BoF VOICES 2025 السنوي، موضحاً أن لكل منطقة في العالم خصوصيتها الثقافية، والسيكولوجية، وبالتالي لا يمكن استنساخ تجربة معينة خارج هذا السياق. لا بد من ترجمتها بحس يُراعي البيئة، والجوهر، حتى لا تصطدم بحساسية المكان.

 

 

لم يكن حضور باتريك شلهوب في هذا المؤتمر إلى جانب قادة صناعة الرفاهية من مختلف أنحاء العالم شكلياً، أو لمجرد استكمال التمثيل، بل مشاركة فكرية حقيقية، تعكس التحول اللافت لمنطقة الشرق الأوسط باعتبار أنها لاعب مؤثر على الساحة.

ومع ذلك لا يتجاهل باتريك أن التباطؤ العالمي على صناعة الترف عموماً له تأثيرات قد تكون أقل على منطقة الشرق الأوسط عموماً، والسعودية خصوصاً، لكنها لا تعني انعدامها تماماً. فالقوة الشرائية وحدها لا تُفسر الاستقرار، والنمو. يقول في هذا الصدد: «إن دورنا يكمن في تكريم إرثنا، من خلال إعادة تصوّره بما ينسجم مع آفاق الغد. وهذا هو جوهر رؤية 2033: بوصلتنا الطموحة للعقد المقبل. رؤية تقوم على الانتقال من دور الشريك إلى تأسيس دار العلامات التجارية، لنصوغ وننمّي إبداعاتنا الخاصة، مع استمرارنا في تمثيل أكثر العلامات التجارية رفاهية، وإلهاماً في العالم. ومن هنا، نرسّخ جذورنا في الشرق الأوسط، موطننا، وننطلق للتوسّع عالمياً نحو أميركا اللاتينية، وأوروبا، والولايات المتحدة».

استحواذ واستثمار

ضمن هذا السياق، اتجهت مجموعة شلهوب تدريجياً إلى تنويع أدوارها. فإلى جانب الشراكات مع علامات عالمية كبيرة، كان آخرها في أكتوبر (تشرين الأول) 2025، باستحواذها على حصة استراتيجية في دار الأزياء الأميركية «ويلي شافاريا»، بدأت تستثمر أيضاً في علامات خاصة، وإطلاقها، بهدف الانتقال من دور الوسيط إلى دور مؤثر في صناعة الموضة.

باتريك شلهوب وابنه مايكل الذي تسلم المشغل منه ليستمر إرث العائلة (ليفل شوز)

من هذه الرؤية وُلدت تجربة «ليفل شوز» التي انطلقت في دبي، وتستعد اليوم لدخول السوق الأميركية في إشارة إلى قدرة أول علامة تنشأ في المنطقة أن تنطلق إلى العالمية «ما دامت تستند إلى ثلاثة عوامل محورية هي: الذكاء الاصطناعي، والمواهب، والتميّز التشغيلي» وفق رأي باتريك.

هذه العوامل وفق رأيه لا تنسلخ عن التحولات البنيوية التي تشهدها المنطقة في السنوات الأخيرة، وتتجلى في الاستثمار في الصناعات الإبداعية، وفي مستهلك أصبح أكثر اطلاعاً، وتطلعاً للأحسن.