سيدات الشرق الأوسط وآسيا يفرضن أسلوبهن على المصممين

أسبوع باريس للأزياء الراقية لربيع وصيف 2016.. تصاميم تحترم كل البيئات والثقافات

من عرض دار شانيل لأزياء الربيع والصيف (رويترز)
من عرض دار شانيل لأزياء الربيع والصيف (رويترز)
TT

سيدات الشرق الأوسط وآسيا يفرضن أسلوبهن على المصممين

من عرض دار شانيل لأزياء الربيع والصيف (رويترز)
من عرض دار شانيل لأزياء الربيع والصيف (رويترز)

لم تنغص إضرابات المراقبين الجويين في فرنسا ولا تعطيل سائقي التاكسي الغاضبين من شركة «أوبر» حركة السير، على حضور أسبوع باريس للأزياء الرفيعة، المعروف بالـ«هوت كوتير» سعادتهم وحماستهم. فالمناسبة لا تعوض، لأنها بمثابة البوصلة التي تسلط الضوء على ما سنراه في أسابيع الأزياء الجاهزة والكروز وغيرها. بمعنى آخر، الـ«هوت كوتير» كان ولا يزال بالنسبة للبعض، مختبر أفكار وحقلاً خصبًا للابتكار والحرفية التي لا يُعلى عليها، بفضل الأنامل الناعمة التي تسهر على تنفيذها، من جهة، وتباري بيوت الأزياء على طرح كل ما هو مترف ومفعم بالفخامة من جهة ثانية. فمن أهم عناصرها أن تثير الحلم وهو ما يخول للبيوت والمصممين المتخصصين فيها البقاء في الواجهة.
لا يختلف اثنان على أن المنافسة شرسة في الآونة الأخيرة، خصوصا بعد أن أصبح هذا الخط، الذي لم يكن يُفترض فيه أن يحقق الأرباح بقدر ما يُلمع صورة الدار أو المصمم، يجذب شرائح واسعة من الزبونات من كل أنحاء العالم. زبونات نعرف أنهن يختلفن عن زبونات الـ«هوت كوتير» في الخمسينات والستينات، بل وحتى الثمانينات، من اللواتي كن يتعاملن معها كفنّ ويقدرنها كتحف فنية يمكن ارتداؤها في مناسبات خاصة جدًا، فالزبونات الجديدات، شابات من أسواق نامية وجديدة، همهن الأول هو التميز والحصول على قطعة فريدة لمصممهن المفضل، سواء كان جيامباتيستا فالي، جيورجيو أرماني، إيلي صعب أو من بيوت أزياء عريقة مثل «شانيل» أو «ديور» وغيرهما.
لهذا كان من البدهي أن يتحول ما كان «بريستيج» إلى عملية تجارية يستهدف منها تحقيق الأرباح، مما يفسر تسابق الكل لكسب ود هذه الشريحة بأي شكل. «ديور» مثلا تصرح منذ ثلاث سنوات بأنها شهدت ارتفاعًا في مبيعاتها من هذا الخط، كذلك «شانيل» و«اتولييه فرساتشي» و«أرماني بريفيه» التي أعلنت أن مبيعاتها ارتفعت بنسبة 30 في المائة و50 في المائة.
ورغم أن مصممين شبابًا مثل جيامباتيستا فالي يحققون الكثير من النجاح بفضل زبوناتهم الشابات، أغلبهن نجمات أو فتيات مجتمع، فإن بيوت الأزياء الكبيرة التي تتمتع بإمكانيات عالية وورشات يعمل فيها حرفيون متمرسون، تعرف أن هذا الخط، بكل ما يحققه من أرباح، هو بالفعل ماكينة ترويجية ضخمة، إن هي استعملته بذكاء وفنية، لأنه في هذه الحالة سيبيع لها منتجاتها الأخرى. بعبارة أخرى، فهي لا تعتمد عليه وحده، لأنه مهما حقق من نجاح وبريق لا يصل إلى ما تحققه العطور ومنتجات التجميل أو الإكسسوارات، وبالتالي، فإنه بالنسبة لها عبارة عن منبر تستعرض فيه قدراتها الفنية وقوة اسمها أيضا. أكبر دليل على هذا أن عروض «شانيل» لا تثير الانتباه والحديث فقط لتصاميمها، بل في أحيان كثيرة تأخذ ديكوراتها وإخراجها المسرحي نسبة لا تقل عن 90 في المائة من الاهتمام والحديث والتغطيات الإعلامية. طبعًا هذا لا يعني أن الدار لا تهتم بالأزياء، بل كل ما في الأمر أنها تعرف أن بريقه يلمع صورتها ويجعل أزياءها تبيع بسهولة أكبر. في الجهة الأخرى، هناك المصممون الصغار الذين دخلوا مجال الـ«هوت كوتير» وتألقوا فيه بفضل ربطهم علاقات خاصة وحميمة مع زبوناتهم من أسواق معينة، مثل الشرق الأوسط وروسيا وكازاخستان وباقي أسواق آسيا. من هؤلاء نذكر ستيفان رولان، «رالف أند روسو»، ألكسندر فوتييه، جوليان فورنييه وغيرهم. كل هؤلاء الكبار والصغار باتوا يعرفون جيدًا أن باريس قد تكون مركز الانطلاق، لكن النتيجة، أو ثمرة جهودهم، تكون غالبًا في مرمى زبونات الشرق الأوسط والأسواق النامية، بدليل أن الوجوه التي تحضر أسبوع «الهوت كوتير» في شهري يناير (كانون الثاني) ويوليو (تموز) من كل عام، هن إما عربيات أو آسيويات. وبينما الزبونة العربية تنعش هذا السوق منذ الثمانينات من القرن الماضي، ولا تزال، فإن الزبونة الصينية دخلت الخط، منذ نحو خمس سنوات فقط، ومع ذلك برهن تعطشها للتميز مهما كلف الثمن أنها استثمار مهم للمصممين. يعترف كل المراقبين والمتابعين لأحوال الموضة أنها قبل ذلك لم تكن تعرف الكثير عن الـ«هوت كوتير» ولا حتى أسماء بيوت الأزياء المتخصصة في هذا المجال، لكن ما يُحسب لها أنها تتعلم بسرعة. تقول أيشي إيغي، المصممة التركية التي أطلقت خط «ديتشي كاييك» مع أختها إيشي، إن 85 في المائة من زبونات الـ«هوت كوتير» من منطقة الشرق الأوسط بينما 15 في المائة من الولايات المتحدة وأوروبا الشرقية. بدورها اعترفت دوناتيلا فرساتشي بأنها في تشكيلتها الأخيرة، لم تخاطب امرأة أوروبية أو باريسية، بل تعمدت أن تتوجه إلى امرأة عالمية من ثقافات مختلفة. صحيح أن الزبونات القديمات ما زالت لهن مكانتهن وهيبتهن، لكن زبونات الأسواق الجديدة أصبحت لهن قوة لا يمكن الاستهانة بها في تحريك سوق الأزياء الرفيعة تحديدا، ويصرفن مبالغ طائلة لا سيما أن الـ«هوت كوتير» ترادف بالنسبة لهن مناسبات الأعراس.
هؤلاء الزبونات الشابات لم يغيرن فقط خريطة الموضة الشرائية، بل أيضًا شخصيتها إلى حد ما. فهن من جيل الإنترنت، وبالتالي فإنهن يملن إلى التسوق عبر الإنترنت، رغم أن هذا مخالف كليا لفكرة الـ«هوت كوتير» وما تقوم عليه من تفصيل على المقاس، وإجراء أكثر من «بروفة» للتأكد من أن كل سنتيمتر في مكانه وكل غرزة لها مبرر. «نيت أبورتيه» مثلا وموقع «موضا أوبراندي» أصبحا يطرحان هذه التصاميم على مواقعهما بأسعار تفوق 30 ألف دولار أميركي أحيانًا، واللافت أنها تجد لها دائما مشترية، ما يؤكد تغير شخصية الموضة عموما، والـ«هوت كوتير» خصوصا. فمن كان يتصور أن تصبح بهذه الديمقراطية، وبأن تتأثر بوسائل التواصل الاجتماعي بكل أشكاله؟ فبيوت عالمية مثل «ديور» و«شانيل» أصبحت تستضيف مدونات شابات وفتيات إنستغرام ونجمات صغيرات لكن بحساب «تويتر» أو «إنستغرام» كبير، على حسابها بهدف الوصول إلى أكبر نسبة من المتابعة فيما يمكن اعتباره عملية ترويجية مباشرة تتوجه لبنات جيلهن.
تحول الـ«هوت كوتير» إلى خط أزياء يدر الأرباح غير الكثير من المفاهيم، وأجج الرغبة في النجاح بكل الوسائل. فالغاية تبرر الوسيلة حسب رأيهم، خصوصًا أن اختراق باريس صعب، والبقاء دائما للأقوى، والأقوى هنا لم يعد يعني الفنية والابتكار والإبداع بل أيضًا القدرة على الترويج للذات وإحداث ضجة إعلامية تثير الحلم. الكثير منهم يحاولون أن يتعلموا من قدرة «شانيل» على مواكبة تطورات العصر، لكن القليل منهم لديهم إمكانياتهم الهائلة، سواء الفنية التي يدهشنا بها المخضرم كارل لاغرفيلد في كل موسم، حتى عندما يعيد ترجمة قطعة قديمة مثل التايور أو الفستان الناعم، أو الإخراجية التي أصبحت لصيقة بها. في عرضها يوم الثلاثاء الماضي، مثلا، بنت في «لوغران باليه» جناحًا وممرًا من الخشب الصديق للبيئة تحيط به نباتات خضراء وتظلله سماء زرقاء. صحيح أن الديكور ليس بالبهارات ذاتها التي استعملتها الدار سابقًا وبالتالي أقل إبهارًا، لكن فكرته معاصرة لو تتضمن قضية نبيلة، انعكست على الأزياء الفخمة من ناحية أنه يمكن توريثها لأجيال قادمة. أي أنها ليست موضة سريعة. كان واضحا أن المصمم احترم فيها إرث الدار، وعاد فيها إلى القطعة التي تروق للأمهات كما للبنات ألا وهي تايور التويد. لكن في أسبوع مخصص للأزياء الرفيعة والأسعار النارية فإن قوة هذه التشكيلة تكمن في أزياء المساء والسهرة التي توجهت إلى المرأة بلغة عالمية شملت المرأة العربية أيضًا بأكمامها الطويلة وياقاتها العالية. فالنتيجة التي تخرج بها وهي أن تغير الخريطة الشرائية أثرت على الموضة التي باتت تصاميمها تحترم كل البيئات والثقافات، ما دامت القوة الشرائية بيدها.



«البحر الأحمر السينمائي» يشارك في إطلاق «صنّاع كان»

يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
TT

«البحر الأحمر السينمائي» يشارك في إطلاق «صنّاع كان»

يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما

في مسعى لتمكين جيل جديد من المحترفين، وإتاحة الفرصة لرسم مسارهم المهني ببراعة واحترافية؛ وعبر إحدى أكبر وأبرز أسواق ومنصات السينما في العالم، عقدت «معامل البحر الأحمر» التابعة لـ«مؤسسة مهرجان البحر الأحمر السينمائي» شراكة مع سوق الأفلام بـ«مهرجان كان»، للمشاركة في إطلاق الدورة الافتتاحية لبرنامج «صنّاع كان»، وتمكين عدد من المواهب السعودية في قطاع السينما، للاستفادة من فرصة ذهبية تتيحها المدينة الفرنسية ضمن مهرجانها الممتد من 16 إلى 27 مايو (أيار) الحالي.
في هذا السياق، اعتبر الرئيس التنفيذي لـ«مؤسسة مهرجان البحر الأحمر السينمائي» محمد التركي، أنّ الشراكة الثنائية تدخل في إطار «مواصلة دعم جيل من رواة القصص وتدريب المواهب السعودية في قطاع الفن السابع، ومدّ جسور للعلاقة المتينة بينهم وبين مجتمع الخبراء والكفاءات النوعية حول العالم»، معبّراً عن بهجته بتدشين هذه الشراكة مع سوق الأفلام بـ«مهرجان كان»؛ التي تعد من أكبر وأبرز أسواق السينما العالمية.
وأكّد التركي أنّ برنامج «صنّاع كان» يساهم في تحقيق أهداف «مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي» ودعم جيل جديد من المواهب السعودية والاحتفاء بقدراتها وتسويقها خارجياً، وتعزيز وجود القطاع السينمائي السعودي ومساعيه في تسريع وإنضاج عملية التطوّر التي يضطلع بها صنّاع الأفلام في المملكة، مضيفاً: «فخور بحضور ثلاثة من صنّاع الأفلام السعوديين ضمن قائمة الاختيار في هذا البرنامج الذي يمثّل فرصة مثالية لهم للنمو والتعاون مع صانعي الأفلام وخبراء الصناعة من أنحاء العالم».
وفي البرنامج الذي يقام طوال ثلاثة أيام ضمن «سوق الأفلام»، وقع اختيار «صنّاع كان» على ثمانية مشاركين من العالم من بين أكثر من 250 طلباً من 65 دولة، فيما حصل ثلاثة مشاركين من صنّاع الأفلام في السعودية على فرصة الانخراط بهذا التجمّع الدولي، وجرى اختيارهم من بين محترفين شباب في صناعة السينما؛ بالإضافة إلى طلاب أو متدرّبين تقلّ أعمارهم عن 30 عاماً.
ووقع اختيار «معامل البحر الأحمر»، بوصفها منصة تستهدف دعم صانعي الأفلام في تحقيق رؤاهم وإتمام مشروعاتهم من المراحل الأولية وصولاً للإنتاج.
علي رغد باجبع وشهد أبو نامي ومروان الشافعي، من المواهب السعودية والعربية المقيمة في المملكة، لتحقيق الهدف من الشراكة وتمكين جيل جديد من المحترفين الباحثين عن تدريب شخصي يساعد في تنظيم مسارهم المهني، بدءاً من مرحلة مبكرة، مع تعزيز فرصهم في التواصل وتطوير مهاراتهم المهنية والتركيز خصوصاً على مرحلة البيع الدولي.
ويتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما عبر تعزيز التعاون الدولي وربط المشاركين بخبراء الصناعة المخضرمين ودفعهم إلى تحقيق الازدهار في عالم الصناعة السينمائية. وسيُتاح للمشاركين التفاعل الحي مع أصحاب التخصصّات المختلفة، من بيع الأفلام وإطلاقها وتوزيعها، علما بأن ذلك يشمل كل مراحل صناعة الفيلم، من الكتابة والتطوير إلى الإنتاج فالعرض النهائي للجمهور. كما يتناول البرنامج مختلف القضايا المؤثرة في الصناعة، بينها التنوع وصناعة الرأي العام والدعاية والاستدامة.
وبالتزامن مع «مهرجان كان»، يلتئم جميع المشاركين ضمن جلسة ثانية من «صنّاع كان» كجزء من برنامج «معامل البحر الأحمر» عبر الدورة الثالثة من «مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي» في جدة، ضمن الفترة من 30 نوفمبر (تشرين الثاني) حتى 9 ديسمبر (كانون الأول) المقبلين في المدينة المذكورة، وستركز الدورة المنتظرة على مرحلة البيع الدولي، مع الاهتمام بشكل خاص بمنطقة الشرق الأوسط.


رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
TT

رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»

إنه «فضلو» في «بياع الخواتم»، و«أبو الأناشيد الوطنية» في مشواره الفني، وأحد عباقرة لبنان الموسيقيين، الذي رحل أول من أمس (الأربعاء) عن عمر ناهز 84 عاماً.
فبعد تعرضه لأزمة صحية نقل على إثرها إلى المستشفى، ودّع الموسيقي إيلي شويري الحياة. وفي حديث لـ«الشرق الأوسط» أكدت ابنته كارول أنها تفاجأت بانتشار الخبر عبر وسائل التواصل الاجتماعي قبل أن تعلم به عائلته. وتتابع: «كنت في المستشفى معه عندما وافاه الأجل. وتوجهت إلى منزلي في ساعة متأخرة لأبدأ بالتدابير اللازمة ومراسم وداعه. وكان الخبر قد ذاع قبل أن أصدر بياناً رسمياً أعلن فيه وفاته».
آخر تكريم رسمي حظي به شويري كان في عام 2017، حين قلده رئيس الجمهورية يومها ميشال عون وسام الأرز الوطني. وكانت له كلمة بالمناسبة أكد فيها أن حياته وعطاءاته ومواهبه الفنية بأجمعها هي كرمى لهذا الوطن.
ولد إيلي شويري عام 1939 في بيروت، وبالتحديد في أحد أحياء منطقة الأشرفية. والده نقولا كان يحضنه وهو يدندن أغنية لمحمد عبد الوهاب. ووالدته تلبسه ثياب المدرسة على صوت الفونوغراف الذي تنساب منه أغاني أم كلثوم مع بزوغ الفجر. أما أقرباؤه وأبناء الجيران والحي الذي يعيش فيه، فكانوا من متذوقي الفن الأصيل، ولذلك اكتمل المشوار، حتى قبل أن تطأ خطواته أول طريق الفن.
- عاشق لبنان
غرق إيلي شويري منذ نعومة أظافره في حبه لوطنه وترجم عشقه لأرضه بأناشيد وطنية نثرها على جبين لبنان، ونبتت في نفوس مواطنيه الذين رددوها في كل زمان ومكان، فصارت لسان حالهم في أيام الحرب والسلم. «بكتب اسمك يا بلادي»، و«صف العسكر» و«تعلا وتتعمر يا دار» و«يا أهل الأرض»... جميعها أغنيات شكلت علامة فارقة في مسيرة شويري الفنية، فميزته عن سواه من أبناء جيله، وذاع صيته في لبنان والعالم العربي وصار مرجعاً معتمداً في قاموس الأغاني الوطنية. اختاره ملك المغرب وأمير قطر ورئيس جمهورية تونس وغيرهم من مختلف أقطار العالم العربي ليضع لهم أجمل معاني الوطن في قالب ملحن لا مثيل له. فإيلي شويري الذي عُرف بـ«أبي الأناشيد الوطنية» كان الفن بالنسبة إليه منذ صغره هَوَساً يعيشه وإحساساً يتلمسه في شكل غير مباشر.
عمل شويري مع الرحابنة لفترة من الزمن حصد منها صداقة وطيدة مع الراحل منصور الرحباني. فكان يسميه «أستاذي» ويستشيره في أي عمل يرغب في القيام به كي يدله على الصح من الخطأ.
حبه للوطن استحوذ على مجمل كتاباته الشعرية حتى لو تناول فيها العشق، «حتى لو رغبت في الكتابة عن أعز الناس عندي، أنطلق من وطني لبنان»، هكذا كان يقول. وإلى هذا الحد كان إيلي شويري عاشقاً للبنان، وهو الذي اعتبر حسه الوطني «قدري وجبلة التراب التي امتزج بها دمي منذ ولادتي».
تعاون مع إيلي شويري أهم نجوم الفن في لبنان، بدءاً بفيروز وسميرة توفيق والراحلين وديع الصافي وصباح، وصولاً إلى ماجدة الرومي. فكان يعدّها من الفنانين اللبنانيين القلائل الملتزمين بالفن الحقيقي. فكتب ولحن لها 9 أغنيات، من بينها «مين إلنا غيرك» و«قوم تحدى» و«كل يغني على ليلاه» و«سقط القناع» و«أنت وأنا» وغيرها. كما غنى له كل من نجوى كرم وراغب علامة وداليدا رحمة.
مشواره مع الأخوين الرحباني بدأ في عام 1962 في مهرجانات بعلبك. وكانت أول أدواره معهم صامتة بحيث يجلس على الدرج ولا ينطق إلا بكلمة واحدة. بعدها انتسب إلى كورس «إذاعة الشرق الأدنى» و«الإذاعة اللبنانية» وتعرّف إلى إلياس الرحباني الذي كان يعمل في الإذاعة، فعرّفه على أخوَيه عاصي ومنصور.

مع أفراد عائلته عند تقلده وسام الأرز الوطني عام 2017

ويروي عن هذه المرحلة: «الدخول على عاصي ومنصور الرحباني يختلف عن كلّ الاختبارات التي يمكن أن تعيشها في حياتك. أذكر أن منصور جلس خلف البيانو وسألني ماذا تحفظ. فغنيت موالاً بيزنطياً. قال لي عاصي حينها؛ من اليوم ممنوع عليك الخروج من هنا. وهكذا كان».
أسندا إليه دور «فضلو» في مسرحية «بياع الخواتم» عام 1964. وفي الشريط السينمائي الذي وقّعه يوسف شاهين في العام التالي. وكرّت السبحة، فعمل في كلّ المسرحيات التي وقعها الرحابنة، من «دواليب الهوا» إلى «أيام فخر الدين»، و«هالة والملك»، و«الشخص»، وصولاً إلى «ميس الريم».
أغنية «بكتب اسمك يا بلادي» التي ألفها ولحنها تعد أنشودة الأناشيد الوطنية. ويقول شويري إنه كتب هذه الأغنية عندما كان في رحلة سفر مع الراحل نصري شمس الدين. «كانت الساعة تقارب الخامسة والنصف بعد الظهر فلفتني منظر الشمس التي بقيت ساطعة في عز وقت الغروب. وعرفت أن الشمس لا تغيب في السماء ولكننا نعتقد ذلك نحن الذين نراها على الأرض. فولدت كلمات الأغنية (بكتب اسمك يا بلادي عالشمس الما بتغيب)».
- مع جوزيف عازار
غنى «بكتب اسمك يا بلادي» المطرب المخضرم جوزيف عازار. ويخبر «الشرق الأوسط» عنها: «ولدت هذه الأغنية في عام 1974 وعند انتهائنا من تسجيلها توجهت وإيلي إلى وزارة الدفاع، وسلمناها كأمانة لمكتب التوجيه والتعاون»، وتابع: «وفوراً اتصلوا بنا من قناة 11 في تلفزيون لبنان، وتولى هذا الاتصال الراحل رياض شرارة، وسلمناه شريط الأغنية فحضروا لها كليباً مصوراً عن الجيش ومعداته، وعرضت في مناسبة عيد الاستقلال من العام نفسه».
يؤكد عازار أنه لا يستطيع اختصار سيرة حياة إيلي شويري ومشواره الفني معه بكلمات قليلة. ويتابع لـ«الشرق الأوسط»: «لقد خسر لبنان برحيله مبدعاً من بلادي كان رفيق درب وعمر بالنسبة لي. أتذكره بشوشاً وطريفاً ومحباً للناس وشفافاً، صادقاً إلى أبعد حدود. آخر مرة التقيته كان في حفل تكريم عبد الحليم كركلا في الجامعة العربية، بعدها انقطعنا عن الاتصال، إذ تدهورت صحته، وأجرى عملية قلب مفتوح. كما فقد نعمة البصر في إحدى عينيه من جراء ضربة تلقاها بالغلط من أحد أحفاده. فضعف نظره وتراجعت صحته، وما عاد يمارس عمله بالشكل الديناميكي المعروف به».
ويتذكر عازار الشهرة الواسعة التي حققتها أغنية «بكتب اسمك يا بلادي»: «كنت أقفل معها أي حفل أنظّمه في لبنان وخارجه. ذاع صيت هذه الأغنية، في بقاع الأرض، وترجمها البرازيليون إلى البرتغالية تحت عنوان (أومينا تيرا)، وأحتفظ بنصّها هذا عندي في المنزل».
- مع غسان صليبا
مع الفنان غسان صليبا أبدع شويري مرة جديدة على الساحة الفنية العربية. وكانت «يا أهل الأرض» واحدة من الأغاني الوطنية التي لا تزال تردد حتى الساعة. ويروي صليبا لـ«الشرق الأوسط»: «كان يعد هذه الأغنية لتصبح شارة لمسلسل فأصررت عليه أن آخذها. وهكذا صار، وحققت نجاحاً منقطع النظير. تعاونت معه في أكثر من عمل. من بينها (كل شيء تغير) و(من يوم ما حبيتك)». ويختم صليبا: «العمالقة كإيلي شويري يغادرونا فقط بالجسد. ولكن بصمتهم الفنية تبقى أبداً ودائماً. لقد كانت تجتمع عنده مواهب مختلفة كملحن وكاتب ومغنٍ وممثل. نادراً ما نشاهدها تحضر عند شخص واحد. مع رحيله خسر لبنان واحداً من عمالقة الفن ومبدعيه. إننا نخسرهم على التوالي، ولكننا واثقون من وجودهم بيننا بأعمالهم الفذة».
لكل أغنية كتبها ولحنها إيلي شويري قصة، إذ كان يستمد موضوعاتها من مواقف ومشاهد حقيقية يعيشها كما كان يردد. لاقت أعماله الانتقادية التي برزت في مسرحية «قاووش الأفراح» و«سهرة شرعية» وغيرهما نجاحاً كبيراً. وفي المقابل، كان يعدها من الأعمال التي ينفذها بقلق. «كنت أخاف أن تخدش الذوق العام بشكل أو بآخر. فكنت ألجأ إلى أستاذي ومعلمي منصور الرحباني كي يرشدني إلى الصح والخطأ فيها».
أما حلم شويري فكان تمنيه أن تحمل له السنوات الباقية من عمره الفرح. فهو كما كان يقول أمضى القسم الأول منها مليئة بالأحزان والدموع. «وبالقليل الذي تبقى لي من سنوات عمري أتمنى أن تحمل لي الابتسامة».


ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية     -   ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية - ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
TT

ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية     -   ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية - ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)

ستيف بركات عازف بيانو كندي من أصل لبناني، ينتج ويغنّي ويلحّن. لفحه حنين للجذور جرّه إلى إصدار مقطوعة «أرض الأجداد» (Motherland) أخيراً. فهو اكتشف لبنان في وقت لاحق من حياته، وينسب حبّه له إلى «خيارات مدروسة وواعية» متجذرة في رحلته. من اكتسابه فهماً متيناً لهويته وتعبيره عن الامتنان لما منحه إياه الإرث من عمق يتردّد صداه كل يوم، تحاوره «الشرق الأوسط» في أصله الإنساني المنساب على النوتة، وما أضفاه إحساسه الدفين بالصلة مع أسلافه من فرادة فنية.
غرست عائلته في داخله مجموعة قيم غنية استقتها من جذورها، رغم أنه مولود في كندا: «شكلت هذه القيم جزءاً من حياتي منذ الطفولة، ولو لم أدركها بوعي في سنّ مبكرة. خلال زيارتي الأولى إلى لبنان في عام 2008. شعرتُ بلهفة الانتماء وبمدى ارتباطي بجذوري. عندها أدركتُ تماماً أنّ جوانب عدة من شخصيتي تأثرت بأصولي اللبنانية».
بين كوبنهاغن وسيول وبلغراد، وصولاً إلى قاعة «كارنيغي» الشهيرة في نيويورك التي قدّم فيها حفلاً للمرة الأولى، يخوض ستيف بركات جولة عالمية طوال العام الحالي، تشمل أيضاً إسبانيا والصين والبرتغال وكوريا الجنوبية واليابان... يتحدث عن «طبيعة الأداء الفردي (Solo) التي تتيح حرية التكيّف مع كل حفل موسيقي وتشكيله بخصوصية. فالجولات تفسح المجال للتواصل مع أشخاص من ثقافات متنوعة والغوص في حضارة البلدان المضيفة وتعلّم إدراك جوهرها، مما يؤثر في المقاربة الموسيقية والفلسفية لكل أمسية».
يتوقف عند ما يمثله العزف على آلات البيانو المختلفة في قاعات العالم من تحدٍ مثير: «أكرّس اهتماماً كبيراً لأن تلائم طريقة عزفي ضمانَ أفضل تجربة فنية ممكنة للجمهور. للقدرة على التكيّف والاستجابة ضمن البيئات المتنوّعة دور حيوي في إنشاء تجربة موسيقية خاصة لا تُنسى. إنني ممتنّ لخيار الجمهور حضور حفلاتي، وهذا امتياز حقيقي لكل فنان. فهم يمنحونني بعضاً من وقتهم الثمين رغم تعدّد ملاهي الحياة».
كيف يستعد ستيف بركات لحفلاته؟ هل يقسو عليه القلق ويصيبه التوتر بإرباك؟ يجيب: «أولويتي هي أن يشعر الحاضر باحتضان دافئ ضمن العالم الموسيقي الذي أقدّمه. أسعى إلى خلق جو تفاعلي بحيث لا يكون مجرد متفرج بل ضيف عزيز. بالإضافة إلى الجانب الموسيقي، أعمل بحرص على تنمية الشعور بالصداقة الحميمة بين الفنان والمتلقي. يستحق الناس أن يلمسوا إحساساً حقيقياً بالضيافة والاستقبال». ويعلّق أهمية على إدارة مستويات التوتّر لديه وضمان الحصول على قسط كافٍ من الراحة: «أراعي ضرورة أن أكون مستعداً تماماً ولائقاً بدنياً من أجل المسرح. في النهاية، الحفلات الموسيقية هي تجارب تتطلب مجهوداً جسدياً وعاطفياً لا تكتمل من دونه».
عزف أناشيد نالت مكانة، منها نشيد «اليونيسف» الذي أُطلق من محطة الفضاء الدولية عام 2009 ونال جائزة. ولأنه ملحّن، يتمسّك بالقوة الهائلة للموسيقى لغة عالمية تنقل الرسائل والقيم. لذا حظيت مسيرته بفرص إنشاء مشروعات موسيقية لعلامات تجارية ومؤسسات ومدن؛ ومعاينة تأثير الموسيقى في محاكاة الجمهور على مستوى عاطفي عميق. يصف تأليف نشيد «اليونيسف» بـ«النقطة البارزة في رحلتي»، ويتابع: «التجربة عزّزت رغبتي في التفاني والاستفادة من الموسيقى وسيلة للتواصل ومتابعة الطريق».
تبلغ شراكته مع «يونيفرسال ميوزيك مينا» أوجها بنجاحات وأرقام مشاهدة عالية. هل يؤمن بركات بأن النجاح وليد تربة صالحة مكوّنة من جميع عناصرها، وأنّ الفنان لا يحلّق وحده؟ برأيه: «يمتد جوهر الموسيقى إلى ما وراء الألحان والتناغم، ليكمن في القدرة على تكوين روابط. فالنغمات تمتلك طاقة مذهلة تقرّب الثقافات وتوحّد البشر». ويدرك أيضاً أنّ تنفيذ المشاريع والمشاركة فيها قد يكونان بمثابة وسيلة قوية لتعزيز الروابط السلمية بين الأفراد والدول: «فالثقة والاهتمام الحقيقي بمصالح الآخرين يشكلان أسس العلاقات الدائمة، كما يوفر الانخراط في مشاريع تعاونية خطوات نحو عالم أفضل يسود فيه الانسجام والتفاهم».
بحماسة أطفال عشية الأعياد، يكشف عن حضوره إلى المنطقة العربية خلال نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل: «يسعدني الوجود في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا كجزء من جولة (Néoréalité) العالمية. إنني في مرحلة وضع اللمسات الأخيرة على التفاصيل والتواريخ لنعلن عنها قريباً. تملؤني غبطة تقديم موسيقاي في هذا الحيّز النابض بالحياة والغني ثقافياً، وأتحرّق شوقاً لمشاركة شغفي وفني مع ناسه وإقامة روابط قوامها لغة الموسيقى العالمية».
منذ إطلاق ألبومه «أرض الأجداد»، وهو يراقب جمهوراً متنوعاً من الشرق الأوسط يتفاعل مع فنه. ومن ملاحظته تزايُد الاهتمام العربي بالبيانو وتعلّق المواهب به في رحلاتهم الموسيقية، يُراكم بركات إلهاماً يقوده نحو الامتنان لـ«إتاحة الفرصة لي للمساهمة في المشهد الموسيقي المزدهر في الشرق الأوسط وخارجه».
تشغله هالة الثقافات والتجارب، وهو يجلس أمام 88 مفتاحاً بالأبيض والأسود على المسارح: «إنها تولّد إحساساً بالعودة إلى الوطن، مما يوفر ألفة مريحة تسمح لي بتكثيف مشاعري والتواصل بعمق مع الموسيقى التي أهديها إلى العالم».