الرئيس هولاند: الدول الخليجية تستطيع الاعتماد على فرنسا.. وعلى إيران خفض التوتر

فابيوس: سنمدد الطوارئ حتى التخلص من «داعش» * وزير الدفاع: قضينا على 22 ألف مقاتل خلال 18 شهرًا

الرئيس الفرنسي فرنسوا هولاند خلال مخاطبته أعضاء السلك الدبلوماسي المعتمدين في باريس (إ.ب.أ)
الرئيس الفرنسي فرنسوا هولاند خلال مخاطبته أعضاء السلك الدبلوماسي المعتمدين في باريس (إ.ب.أ)
TT

الرئيس هولاند: الدول الخليجية تستطيع الاعتماد على فرنسا.. وعلى إيران خفض التوتر

الرئيس الفرنسي فرنسوا هولاند خلال مخاطبته أعضاء السلك الدبلوماسي المعتمدين في باريس (إ.ب.أ)
الرئيس الفرنسي فرنسوا هولاند خلال مخاطبته أعضاء السلك الدبلوماسي المعتمدين في باريس (إ.ب.أ)

قال الرئيس الفرنسي إن عودة إيران إلى المشهد الدولي بعد الاتفاق النووي «مرتبطة بإيران نفسها» التي «يتعين عليها أن تأتي بالبرهان على رغبتها» في الانخراط مجددا في المجتمع الدولي، في إشارة إلى ما ينتظر منها في تطبيق أمين للاتفاق ودروها في خفض نسبة التوتر في الأزمات الإقليمية التي لها علاقة، كما في سوريا والعراق ولبنان واليمن.
بيد أن هولاند حرص على التأكيد على أن انفتاح فرنسا على إيران التي يزور رئيسها حسن روحاني باريس في 27 و28 الشهر الحالي، لن يكون على حساب علاقاتها مع البلدان الخليجية. ودعا هولاند إلى «خفض التوتر» في منطقة الخليج التي تعاني من تصاعده بين المملكة السعودية وإيران، معتبرا ذلك «أمرا ضروريا ولا مفر منه». ولم يتحدث الرئيس الفرنسي عن «وساطة» بين البلدين. إلا أنه بالمقابل، عرض خدمات بلاده التي «تتميز بوضع فريد وهو قدرتها على التحدث إلى الجميع». وسعيا منه لدفع أي سوء تفسير، أعاد هولاند التذكير بأنه كان «ضيف الشرف» لمجلس التعاون الخليجي العام الماضي عند التئامه في الرياض، مشددا على أن «شركاء فرنسا يستطيعون الاعتماد عليها وهم يعرفون ذلك»، مضيفا أنه «يسعى لأفضل العلاقات» مع بلدان الخليج. وبحسب المصادر الرئاسية، فإن باريس «بصدد إيصال عدد من رسائل» إلى الطرفين، لأن ذلك «ضروري للغاية إذا أردنا أن نجد مخارج وحلولا سياسية للبؤر المشتعلة في المنطقة»، ومنها، إلى جانب الملف السوري - العراقي والحرب على الإرهاب والنزاع في اليمن، الفراغ الرئاسي في لبنان.
وتعول باريس على أن تلعب طهران دورا إيجابيا في مرحلة ما بعد التوقيع على الاتفاق النووي خصوصا في الملف السوري. بيد أن مصادر رئاسية أفادت أن هذا التوجه «لم ير النور حتى الآن» وأن باريس «ما زالت تنتظر». وإذ أعلن هولاند أنه سيزور مصر والأردن وسلطنة عمان «قريبا»، أفادت المصادر الرئاسية أن هذه الزيارة ستتم في شهر أبريل (نيسان) القادم. وعلمت «الشرق الأوسط» أن جولة هولاند ستبدأ في 16 أبريل من القاهرة. وبحسب الإليزيه، فإن زيارة لبنان ليست على أجندة الرئيس الفرنسي. لكن زيارة كهذه «ممكنة إذا تبين أنها ستكون مفيدة»، أي أن تساهم في ملء الفراغ وإخراج لبنان من أزمته الرئاسية التي تتواصل منذ مايو (أيار) 2014، وسيكون موضوع التوتر في الخليج على رأس المواضيع التي سيبحثها هولاند مع الرئيس روحاني خلال زيارته الأسبوع القادم إلى باريس.
وجاءت تصريحات الرئيس الفرنسي في إطار كلمته التقليدية يوم الخميس أمام السلك الدبلوماسي المعتمد في باريس. وقد احتل الملف الإرهابي وتشعباته في سوريا والعراق وليبيا وبلدان الساحل وتداعياته في فرنسا وأوروبا حيزا واسعا في الكلمة الرئاسية، إضافة إلى التحديات التي تواجهها أوروبا من استفحال موضوع الهجرة واللجوء الكثيف إليها، ناهيك عن الصعوبات الاقتصادية والمخاطر المرتبطة باحتمال خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي.
وفي الملف الإرهابي، أكد هولاند أن فرنسا «ستتحمل كافة مسؤولياته في العمل من أجل السلام ومحاربة الإرهاب لأن هذا هو دورها وقدرها أن تكون في المقدمة وأن تقوم بما لا يستطيع الآخرون القيام به»، مضيفا أن بلاده «ليست عدوة لأي شعب أو ديانة أو حضارة لكن لها عدو واحد هو الإرهاب الذي يتلطى بالدين لتلطيخ اسمه، إذ إن غرضه الوحيد هو التدمير»، في إشارة إلى «داعش» الذي تبنى العمليات الإرهابية الأخيرة التي ضربت باريس. ومنذ شهر نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، يؤكد هولاند في كل مناسبة أن باريس في «حالة حرب ضد الإرهاب» في الداخل والخارج، وأن غرضها في الخارج «تدمير داعش في معاقله وتمدداته». وبعد تمديد حالة الطوارئ مرة أولى في فرنسا حتى نهاية فبراير (شباط) القادم، تعد الحكومة مشروعا جديدا لمد العمل بحالة الطوارئ لثلاثة أشهر إضافية، بحجة أن التهديد الإرهابي «ما زال في مستواه المرتفع جدا». وينتظر أن يبدأ مجلسا النواب والشيوخ في بداية الشهر القادم البحث في مشروع قانون التعديل الدستوري الذي تقدمت به الحكومة والذي أبرز مضامينه نزع الجنسية عن الفرنسيين مزدوجي الجنسية حتى وإن كانوا ولدوا على الأراضي الفرنسية. ويثير هذا المشروع جدلا كبيرا حتى داخل اليسار والحزب الاشتراكي اللذين تتشكل منهما الأكثرية الحاكمة.
لكن رئيس الحكومة مانويل فالس أثار أمس جدلا قويا، إذ قال في مقابلة صحافية مع «بي بي سي» إن باريس «ستبقي على حالة الطوارئ طالما بقي التهديد الإرهابي وحتى نستطيع التخلص من داعش»، مضيفا أن باستطاعة الحكومة أن تلجأ إلى استخدام «كافة الوسائل لمحاربته». لكن مكتب فالس قال لوكالة الصحافة الفرنسية بعد ظهر أمس إن الحكومة «لا تنوي أبدا» مد حالة الطوارئ إلى ما لا نهاية.
رسم هولاند سريعا صورة لـ«قوس الأزمات»، حيث يضرب الإرهاب من إندونيسيا إلى بوركينا فاسو مرورا بباكستان وأفغانستان وبلدان الشرق الأوسط وصولا إلى بلدان الساحل وشرق أفريقيا وغربها. وشدد هولاند على التهديد الإرهابي في بلدان الساحل وأفريقيا حيث لفرنسا نفوذ تقليدي، وحيث أعادت نشر قواتها في بلدان الساحل من أجل محاربة الإرهاب أكان ذلك في مالي أو النيجر أو بوركينا فاسو وحتى نيجيريا. ورأى الرئيس الفرنسي أن العمليات الإرهابي الأخيرة في بلدان الساحل وتحديدا في مالي وبوركينا فاسو «تبرر» حضور فرنسا العسكري، في إطار ما يسمى «عملية بركان».
من جانبه، قال وزير الدفاع جان إيف لو دريان أمس للقناة الإخبارية «فرانس 24» إن ضربات التحالف في سوريا والعراق قضت على 22 ألف متشدد من «داعش» منذ بدئها في شهر سبتمبر (أيلول) من عام 2014، أما وزير الخارجية الأميركي جون كيري فقد أكد أن «داعش» خسرت 40 في المائة من الأراضي التي كانت تسيطر عليها في العراق ونحو 20 إلى 30 من مجمل الأراضي التي كانت تحت هيمنتها في سوريا والعراق. وبحسب لو دريان فإن «داعش» «أصبح في وضع هش»، وهو ما توصل إليه وزراء الدفاع لأكبر سبع دول مساهمة في التحالف الدولي ضد تنظيم داعش. وفي هذا الإطار، أعلن هولاند أن «وتيرة العمليات ستتسارع» وأن فرنسا «تؤدي دورها كاملا فيها»، مضيفا أن الاستراتيجية التي تم التأكيد عليها في الاجتماع المذكور «تمر عبر تحرير مدينتي الرقة في سوريا والموصل في العراق، لأن هناك تقع مراكز قيادة (تنظيم) الدولة الإسلامية». وأشار إلى «التأكيد مجددا إلى رغبتنا (...) في تقديم دعمنا للقوات العربية والكردية التي تقاتل (داعش) على الأرض»، إذ إن ذلك، في نظره، «ضروري أن أردنا تحرير الرقة والموصل وكافة الأراضي السورية والعراقية» التي سقطت بأيدي التنظيم.
بيد أن الإرهاب يضرب كذلك أفريقيا، ولعل أبرز دليل على ذلك ما عرفته واغادوغو وقبلها باماكو من أعمال إرهابية، وما تعاني منه ليبيا التي وصل إليها تنظيم داعش ويسعى للتمدد فيها. وقال هولاند إن «الإرهاب يدمي أفريقيا»، متوقفا عند ليبيا «حيث وجد الإرهاب معقلا له»، مستفيدا، وفق ما قال، من «الفوضى الضاربة» في هذا البلد. واعتبر الرئيس الفرنسي تشكيل حكومة اتحاد وطني «خطوة حاسمة» لخروجه من وضعه الحالي، شرط أن يوافق البرلمان الليبي على الحكومة الجديدة. وأشار هولاند لاستعداد فرنسا للمساهمة في «مساعدة الحكومة الجديدة وتحديدا تأهيل الكوادر والقوى الأمنية لأن في ذلك مصلحة لليبيا ولأفريقيا ولأوروبا أيضا». وقالت مصادر رئاسية بعد خطاب هولاند إن باريس «ستكون جاهزة عندما يصبح لنا في طرابلس محاور وحيد»، مستبعدا، في المرحلة الراهنة الحديث عن القيام بعمليات عسكرية في ليبيا. بيد أنه ربط أي عمل عسكري مستقبلي قد يحصل في ليبيا بأن يأتي في إطار القانون الدولي وبطبيعة الحال، بموافقة وطلب السلطات الليبية الشرعية، أي حكومة الوحدة الوطنية الجديدة. واعتبرت هذه المصادر أن ليبيا مرشحة لاستقبال المزيد من المتشددين «لأن هناك نوعا من الأوعية المتصلة» بين ما يحصل في سوريا - العراق وما يحصل في ليبيا، حيث إن زيادة الضغط العسكري على «داعش» في سوريا - العراق تدفع بالمتشددين للتوجه إلى ليبيا.



تركيا وأرمينيا إلى تعاون يتجاوز الخلافات و«مزاعم الإبادة» بدعم أميركي

الرئيس التركي رجب طيب إردوغان خلال استقباله رئيس وزراء أرمينيا نيكول باشينيان في إسطنبول يوم 20 يونيو 2025 (الرئاسة التركية)
الرئيس التركي رجب طيب إردوغان خلال استقباله رئيس وزراء أرمينيا نيكول باشينيان في إسطنبول يوم 20 يونيو 2025 (الرئاسة التركية)
TT

تركيا وأرمينيا إلى تعاون يتجاوز الخلافات و«مزاعم الإبادة» بدعم أميركي

الرئيس التركي رجب طيب إردوغان خلال استقباله رئيس وزراء أرمينيا نيكول باشينيان في إسطنبول يوم 20 يونيو 2025 (الرئاسة التركية)
الرئيس التركي رجب طيب إردوغان خلال استقباله رئيس وزراء أرمينيا نيكول باشينيان في إسطنبول يوم 20 يونيو 2025 (الرئاسة التركية)

قطعت تركيا وأرمينيا خطوة جديدة على طريق تطبيع العلاقات بينهما، بعد عقود من قطع العلاقات وخلاف عميق بشأن مزاعم «الإبادة الجماعية للأرمن» عام 1915 خلال فترة الدولة العثمانية، التي تحييها أرمينيا وكثير من الدول الغربية في 24 أبريل (نيسان) من كل عام.

واستبدلت أنقرة ويريفان، هذا العام، بحالة التوتر والتراشق التي كانت تصاحب إحياء ذكرى الإبادة المزعومة، التي لا تعترف بها تركيا وتؤكد أنها كانت أحداثاً وقعت في شرق الأناضول إبان الحرب العالمية الأولى خلفت ضحايا من الجانبين، العملَ على مشروعات تعاون تسهم في دفع جهود تطبيع العلاقات المجمدة منذ عام 1993 بسبب النزاع على إقليم ناغورنو قره باغ بين أرمينيا وأذربيجان.

تفاهمات بترحيب أميركي

ووسط ترحيب أميركي، عُقد في مدينة كارص الحدودية مع أرمينيا في شمال شرقي تركيا، اجتماع لـ«مجموعة العمل المشتركة» بين البلدين، التي تشكلت بهدف إعادة تأهيل وتشغيل خط السكك الحديدية بين كارص ومدينة غيومري الأرمينية.

جانب من اجتماع تركي - أرميني في مدينة كارص الحدودية لبحث إعادة تشغيل خط سكة حديد بين البلدين (الخارجية التركية)

وقالت وزارة الخارجية التركية، في بيان، إن الاجتماع، الذي عقد الثلاثاء، جاء في إطار تفاهمات جرى التوصل إليها ضمن مسار تطبيع العلاقات بين البلدين، الذي انطلق منذ عام 2021.

ووفق البيان، فقد أكد الجانبان أهمية إعادة تفعيل خط السكك الحديدية بين كارص وغيومري في أسرع وقت ممكن، في إطار تعزيز روابط النقل الإقليمية.

ورحب السفير الأميركي لدى تركيا، توم برّاك، بالاجتماع، ووصفه، عبر حسابه على منصة «إكس»، بأنه «نقطة تحول مهمة» من حيث الترابط الإقليمي والسلام. وذكر برّاك أن خط كارص - غيومري كان ممراً تجارياً محورياً وحيوياً يربط المنطقة لأكثر من قرن، إلا إن آخر قطار مر عبره كان في يوليو (تموز) 1993.

وأضاف: «أُثمن الخطوات الأخيرة التي اتخذتها تركيا وأرمينيا لتقريب اقتصاديهما وشعبيهما من جديد»، لافتاً إلى أن هذا التقدم يعكس الرؤية التي طرحها «مسار ترمب للسلام والازدهار الدوليين»، وقمة السلام «التاريخية» التي عُقدت (بين أميركا وأذربيجان وأرمينيا) في البيت الأبيض يوم 8 أغسطس (آب) 2025.

وأطلقت تركيا، التي دعمت أذربيجان بقوة في حربها في ناغورنو قره باغ عام 2020، مباحثات لتطبيع العلاقات وحل القضايا الخلافية العالقة مع أرمينيا في عام 2021، وعينت سفيرها السابق لدى الولايات المتحدة، سردار كيليتش، ممثلاً خاصاً لها، كما عينت أرمينيا نائب رئيس برلمانها، روبن روبينيان، ممثلاً خاصاً لها، في إطار عملية الحوار بينهما، التي لا تزال مستمرة حتى الآن.

مصافحة بين الرئيس الأذربيجاني إلهام علييف ورئيس وزراء أرمينيا نيكول باشينيان خلال قمة بالبيت الأبيض برعاية الرئيس الأميركي دونالد ترمب في أغسطس 2025 (إ.ب.أ)

وتوصلت أذربيجان وأرمينيا، العام الماضي، إلى اتفاق بشأن نص اتفاقية سلام؛ مما أسهم في دفع العلاقات الأرمينية - التركية. وفُتح معبر «أليكان- مارغارا» الحدودي بين البلدين، لأول مرة منذ 35 عاماً، لعبور المساعدات الإنسانية من أرمينيا إلى تركيا بعد زلزال 6 فبراير (شباط) 2023.

تقدم على مسار التطبيع

وحضر رئيس الوزراء الأرميني، نيكول باشينيان، حفل تنصيب الرئيس التركي رجب طيب إردوغان لولاية رئاسية جديدة في يونيو (حزيران) 2023، وبعد عامين أجرى أول زيارة عمل لتركيا بدعوة من إردوغان في 20 يونيو 2025، كانت الأولى على هذا المستوى بعد كثير من اللقاءات السابقة بين مسؤولي البلدين في محافل مختلفة.

ولم يطبق البروتوكول المعمول به في الزيارات الرسمية بالنسبة إلى رؤساء الدول والحكومات الآخرين على باشينيان، الذي التقى إردوغان بالمكتب الرئاسي في «قصر دولمه بهشه» بإسطنبول.

جانب من مباحثات إردوغان وباشينيان في إسطنبول يوم 20 يونيو 2025 بحضور وزيرَي خارجية البلدين (الرئاسة التركية)

لكن رئيس البرلمان الأرميني، ألين سيمونيان، وصف زيارة باشينيان بـ«التاريخية»؛ لأنها أول زيارة على مستوى رئيس وزراء أرميني، مؤكداً أن اجتماعه مع إردوغان اكتسب أهمية بالغة في سياق عملية التطبيع التي تجريها تركيا وأرمينيا، اللتان لم تُقما علاقات دبلوماسية بعد.

وقيّم باشينيان العلاقات بتركيا، خلال زيارة لاحقة لجمهورية التشيك، قائلاً: «عقدنا اجتماعات عدة بناءة للغاية مع الرئيس إردوغان، ورغم عدم تحقيق نتائج ملموسة على أرض الواقع، حتى الآن، فإننا قد أحرزنا تقدماً ملحوظاً».

وأضاف: «على سبيل المثال، قبل 3 سنوات، عندما أرادت أرمينيا معرفة موقف تركيا من قضية ما، لم يكن بإمكانها ذلك إلا من خلال وساطة أطراف ثالثة، أما اليوم، فنجري اتصالات مباشرة، بل يومية، مع جيراننا».


اعتقال جاسوس روسي في برلين... وموسكو تستدعي السفير الألماني

المستشار الألماني فريدريش ميرتس والرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي يستعرضان حرس الشرف أمام المستشارية الاتحادية في برلين أمس (د.ب.أ)
المستشار الألماني فريدريش ميرتس والرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي يستعرضان حرس الشرف أمام المستشارية الاتحادية في برلين أمس (د.ب.أ)
TT

اعتقال جاسوس روسي في برلين... وموسكو تستدعي السفير الألماني

المستشار الألماني فريدريش ميرتس والرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي يستعرضان حرس الشرف أمام المستشارية الاتحادية في برلين أمس (د.ب.أ)
المستشار الألماني فريدريش ميرتس والرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي يستعرضان حرس الشرف أمام المستشارية الاتحادية في برلين أمس (د.ب.أ)

تصاعد التوتر مجدداً بين برلين وموسكو في الأيام الأخيرة، ما زاد من حدة الأزمة المتفاقمة بين البلدين منذ بداية الحرب في أوكرانيا، وذلك إثر اعتقال ألمانيا جاسوساً روسياً في برلين، بعد يومين من استدعاء موسكو السفير الألماني لديها.

وأعلن المدعي العام الفيدرالي في ألمانيا عن القبض على مواطن كازاخستاني يُدعى «سيرغي.ك»، واتهامه بالتواصل مع المخابرات الروسية منذ مايو (أيار) من العام الماضي، وتمرير معلومات لها تتعلق بدعم ألمانيا لأوكرانيا.

ووفقاً لبيان الادعاء، فإن سيرغي يواجه اتهامات بتمرير معلومات حول الصناعة الدفاعية الألمانية، خصوصاً الشركات المعنية بتطوير الطائرات المسيّرة والروبوتات.

السفير الألماني في موسكو ألكسندر غراف لامبسدورف (أ.ف.ب)

ويُتهم سيرغي كذلك بالتقاط صور لمبانٍ عامة في برلين أو لقوافل عسكرية على الطرق السريعة، من بينها قافلة تابعة لدولة عضو في حلف شمال الأطلسي (الناتو). ويُتهم الادعاء الألماني سيرغي بإبلاغ المخابرات الروسية بأهداف تخريب محتملة في ألمانيا، إضافة إلى محاولته تجنيد أشخاص إضافيين لتنفيذ عمليات تجسس.

وجاء اعتقال الجاسوس الروسي بعد يومين من استدعاء موسكو السفير الألماني، ألكسندر غراف لامبسدورف، واعتراضها على «دعم» نائب من الحزب الحاكم الذي يتزعمه المستشار فريدريش ميرتس، لما وصفته بأنه مجموعة «إرهابية» معادية لروسيا.

ووفقاً لوسائل إعلام ألمانية، فإن «الخارجية الروسية» أبلغت السفير الألماني أن النائب رودريش كيسفيتر، المنتمي للحزب «المسيحي الديمقراطي»، التقى خلال زيارة له إلى كييف أحمد زاكاييف، وهو شيشاني مطلوب في روسيا بتهمة الإرهاب.

النائب الألماني رودريش كيسفيتر الذي تتهمه موسكو بدعم حركة معادية لها (أ.ف.ب)

ويرأس زاكاييف جبهة «جمهورية إشكيريا» الشيشانية، التي كانت جمهورية انفصالية تأسست بعد انهيار الاتحاد السوفياتي، ثم تحولت لاحقاً إلى جبهة تصنفها روسيا إرهابية. ويقاتل أعضاء الجبهة اليوم إلى جانب أوكرانيا في حربها ضد روسيا، خصوصاً في منطقتي كورسك وبيلغورود.

وأبلغت موسكو السفير الألماني بأن النائب الألماني يُمارس «نشاطات معادية لروسيا»، وأن اجتماعه بزاكاييف يُعدّ مؤشراً إلى أن السلطات الألمانية تنوي التدخل في الشؤون الداخلية الروسية، وهو ما يُشكل خطراً على الأمن القومي للبلاد. وحذّرت موسكو السفير الألماني من أن هذه التصرفات «ستكون لها عواقب كارثية».

وقبل تلبية طلب الاستدعاء، قال متحدث باسم السفير الألماني إنه يستبعد أن تكون موسكو قادرة على تقديم أدلة على اتهاماتها. وانتقدت الحكومة الألمانية الاستدعاء، قائلة إنه «إجراء بلا أي أساس»، ووصفت الاتهامات الروسية بأنها «لا أساس لها من الصحة».

وزير الدفاع الألماني ونظيره الأوكراني يوقّعان اتفاقية ألمانية-أوكرانية للتعاون الدفاعي في برلين 14 أبريل الحالي (إ.ب.أ)

ونفى النائب كيسفيتر الاتهامات الموجهة إليه، لكنه اعترف بلقائه زاكاييف في أوكرانيا، مشدداً على أنه التقاه باعتباره «داعماً لأوكرانيا وصوتاً مهماً ضد الإمبريالية الروسية».

وقال في تصريحات لـ«وكالة الأنباء الألمانية» إن «روسيا تتصرف بوصفها دولة إرهابية بشنها حرب إبادة ضد أوكرانيا». وأضاف أن روسيا «تُعارض كل الحركات الداعمة للحرية، من بينها تلك التي يمثلها زاكاييف، ولذلك فإن انتقاد وإدانة اللقاء معه لا يعدو كونه دليلاً على أن روسيا تحولت إلى دولة إمبريالية وإرهابية وحشية».

ووصف كيسفيتر استدعاء السفير الألماني للاعتراض على لقائه زاكاييف بأنه «أمر غير مقبول، ويظهر عدم شرعية نظام بوتين الذي لا يدرك حق أعضاء البرلمان المنتخبين في ممارسة صلاحياتهم بحرية من دون قيود».

تطبيق «سيغنال» الذي اخترقته مجموعة قراصنة في برلين تعتقد الحكومة أنهم مرتبطون بموسكو (أ.ب)

ويُعدّ كيسفيتر مثيراً للجدل بسبب دعمه الكبير لأوكرانيا وانتقاده الحكومة الألمانية وزعيمه ميرتس، بسبب عدم تقديم دعم كافٍ لكييف، حسب رأيه. وينتقد النائب الألماني بشكل متكرر رفض الحكومة الألمانية تزويد أوكرانيا بصواريخ «توروس» بعيدة المدى، ويعتبر أن تزويدها بها ضروري لتمكينها من تحقيق النصر على روسيا.

ويزور كيسفيتر، الذي يجلس في لجنة العلاقات الخارجية في «البوندستاغ» (البرلمان الألماني الفيدرالي)، أوكرانيا بشكل متكرر، وقد بنى علاقات وثيقة مع المسؤولين الأوكرانيين منذ بداية الحرب، ويُعدّ من أبرز الداعمين لكييف داخل ألمانيا، ومن الداعين إلى زيادة الدعم المقدم لها.

ويأتي تبادل الاتهامات بين البلدين في وقت تتزايد فيه أيضاً الهجمات السيبرانية في ألمانيا ضد سياسيين، والتي تعتقد برلين أن موسكو تقف خلفها.

وكشفت السلطات الألمانية الأسبوع الماضي عن تعرض مجموعة من النواب الألمان، من بينهم رئيسة «البوندستاغ»، يوليا كلوكنير، المنتمية للحزب الحاكم، لعملية قرصنة يُعتقد أن روسيين يقفون خلفها. ونجح القراصنة في الوصول إلى مجموعة تواصل على تطبيق «سيغنال»، الذي يُعدّه المسؤولون الألمان قناة تواصل آمنة.

ميرتس يعاين مع زيلينسكي «مسيّرة» بمعرض لمشروعات مشتركة بين بلديهما في برلين الثلاثاء (د.ب.أ)

ويبدو أن يوليا كلوكنير وقعت ضحية القراصنة الذين تمكنوا من خداعها عبر إرسال رابط إليها، ونجحوا في الدخول إلى هاتفها بعد أن فتحت الرابط، ومن ثم الوصول إلى مجموعة محادثات على «سيغنال» كان المستشار الألماني من بين أعضائها. وجرى فحص هاتف المستشار للتأكد مما إذا كان قد تعرّض للاختراق، وتبين أنه لا يزال آمناً. وتُحذّر المخابرات الألمانية من محاولات قرصنة مرتبطة بالكرملين تستهدف سياسيين ألمانيين.

ومن غير الواضح كيف وقعت رئيسة البرلمان ضحية القراصنة. وبعد الكشف عن عملية القرصنة تلك كان النائب كيسفيتر من أوائل المنتقدين لروسيا، وقال آنذاك إنه «يجب وضع حد لموسكو على كل الأصعدة»، ودعا الحكومة الألمانية إلى طرد دبلوماسيين روس وتزويد أوكرانيا بصواريخ «توروس» رداً على تصرفات روسيا.


رئيس الوزراء المجري الجديد في بروكسل لطيّ خلافات عهد أوربان

رئيس الوزراء المجري المنتخب بيتر ماجار (أ.ب)
رئيس الوزراء المجري المنتخب بيتر ماجار (أ.ب)
TT

رئيس الوزراء المجري الجديد في بروكسل لطيّ خلافات عهد أوربان

رئيس الوزراء المجري المنتخب بيتر ماجار (أ.ب)
رئيس الوزراء المجري المنتخب بيتر ماجار (أ.ب)

يجري رئيس الوزراء المجري الجديد بيتر ماجار، الأربعاء، أول لقاءاته بمسؤولي الاتحاد الأوروبي في بروكسل منذ فوزه في الانتخابات، ساعياً إلى طي صفحة خلافات رافقت فترة سلفه القومي فيكتور أوربان.

ورحب مسؤولو الاتحاد الأوروبي بفوزه في الانتخابات هذا الشهر، منهياً بذلك 16 عاماً من حكم أوربان الموالي للكرملين. وحتى قبل أن يتولى مهام منصبه سعى ماجار إلى إطلاق حقبة جديدة من التعاون مع بروكسل يأمل أن تفتح المجال أمام المليارات من اليورو لبودابست.

وكتب على مواقع إلكترونية وهو يغادر بودابست: «تفويض هائل وولاية قوية ومسؤولية كبيرة».

وأضاف: «نعرف ما يتعين علينا القيام به: الحصول على أموال الاتحاد الأوروبي التي يحق للمجريين الحصول عليها».

ومنذ انتخابه، لم يتردد الطرفان في تجاوز العقبات والخلافات التي سادت خلال عهد أوربان، والتي عرقلت مبادرات الاتحاد الأوروبي الرئيسية، ولا سيما دعم أوكرانيا في حربها ضد الغزو الروسي في عام 2022.

بيتر ماجار زعيم حزب «تيسّا» يتحدث خلال مؤتمر صحافي عُقد بعد يوم من فوز حزبه بالانتخابات في بودابست يوم 13 أبريل 2026 (رويترز)

ويبذل رئيس الوزراء المجري الجديد مساعي حثيثة لإثبات أن وعده بإعادة ضبط العلاقات سيُحقق فوائد سريعة، ولإقناع بروكسل بالإفراج عن نحو 18 مليار يورو (21 مليار دولار) من تمويل جُمّد بسبب مخاوف تتعلق بسيادة القانون في عهد أوربان.

ورغم أن ماجار سيتولى مهامه الشهر المقبل، فقد عقد فريقه جولتين من المحادثات مع مسؤولين كبار في الاتحاد الأوروبي، سعياً لإعادة بودابست إلى الحضن الأوروبي.

وأمام الحكومة الجديدة حتى نهاية أغسطس (آب) للبدء بتنفيذ الإصلاحات بهدف الحصول على 10 مليارات يورو متبقية من أموال التعافي من جائحة «كوفيد-19»، وإلا تخسرها نهائياً.

وستتناول اجتماعات الأربعاء مع فون دير لايين، رئيسة المفوضية الأوروبية، ورئيس المجلس الأوروبي أنتونيو كوستا دفع العمل قدماً، في حين تُحدد بروكسل الإصلاحات التي تتوقع من ماجار إدخالها.

ويأمل مسؤولو الاتحاد الأوروبي أن تتمكن المجر من التحرك بسرعة بعد حصولها على أغلبية ساحقة في البرلمان، ما سيسهل تمرير القوانين.

وقال دانيال فرويند، عضو البرلمان الأوروبي والمنتقد الشرس لأوربان، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»: «لم نرَ على الإطلاق هذا المستوى من الالتزام من حكومة لم تتولَّ مهامها بعد».

وأضاف: «يبدو الأمر وكأن المجر تنضم مجدداً إلى الاتحاد الأوروبي».

وقد يكون أسرع سبيل أمام بروكسل لتحقيق طلب ماجار، الموافقة على قروض تفضيلية منفصلة بقيمة 16 مليار يورو للدفاع، والتي تم تعليقها مع تفاقم التوتر مع أوربان قبيل الانتخابات المجرية.

وبينما تحدد بروكسل تفاصيل الإصلاحات التي تريدها من المجر، سيسعى المسؤولون إلى تبني نهج جديد تجاه أوكرانيا.

وأبدى الزعيم الجديد نبرة إيجابية، الثلاثاء، بقوله إنه يسعى للقاء الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي في يونيو (حزيران) «لفتح فصل جديد».

وحتى قبل أن يتولى ماجار مهامه، أسهمت هزيمة أوربان في حلّ بعض أبرز نقاط الخلاف.

فقد وافق الاتحاد الأوروبي الذي يضم 27 دولة، الأسبوع الماضي، على قرض ضخم لأوكرانيا وحزمة عقوبات جديدة على روسيا كانت المجر تُماطل في إقرارها لأشهر.

ويريد نظراء المجر في التكتل الأوروبي الآن من ماجار الموافقة على الإفراج عن أموال الاتحاد الأوروبي المُخصصة لتسليح أوكرانيا والمعلقة منذ سنوات، ويتوقعون منه إزالة العقبة التي استخدمها أوربان لرفض انضمام كييف إلى التكتل.

ويشدد المسؤولون على أن أوكرانيا تستحق المضي قدماً في هذه العملية الشاقة رغم عدم وجود رغبة تُذكر لدى الدول الأوروبية الكبرى في التعجيل بانضمام كييف إلى العضوية الكاملة.

ويأمل المسؤولون في بروكسل أن يُطلق ماجار، الذي تولى مناصب مهمة خلال فترة أوربان قبل أن ينشق عن نظامه، فصلاً جديداً حقيقياً في العلاقات.

لكنهم يحذرون من التسرع في الاحتفاء بذلك ويؤكدون على ضرورة رؤية خطوات ملموسة لا مجرد تصريحات.

وقال دبلوماسي من الاتحاد الأوروبي، طالباً عدم الكشف عن هويته، ملخصاً الموقف تجاه ماجار: «حتى الآن، علينا الانتظار لنرى. لكن هذا قد يتغير، بالنظر إلى كل الأشياء الجيدة التي يقولها ويفعلها».