مجلس قيادة الثورة.. بوابة لعودة الخميني إلى هرم السلطة وتأهيل النظام في إيران

الحرس الثوري يسعى إلى بسط سيطرة طهران على العالم العربي

عنصر من الحرس الثوري الإيراني يتدرب على بندقية قنص في المبنى القديم للسفارة الأميركية بطهران الذي استولوا عليه عقب ثورة الخميني عام 1979 ({غيتي})
عنصر من الحرس الثوري الإيراني يتدرب على بندقية قنص في المبنى القديم للسفارة الأميركية بطهران الذي استولوا عليه عقب ثورة الخميني عام 1979 ({غيتي})
TT

مجلس قيادة الثورة.. بوابة لعودة الخميني إلى هرم السلطة وتأهيل النظام في إيران

عنصر من الحرس الثوري الإيراني يتدرب على بندقية قنص في المبنى القديم للسفارة الأميركية بطهران الذي استولوا عليه عقب ثورة الخميني عام 1979 ({غيتي})
عنصر من الحرس الثوري الإيراني يتدرب على بندقية قنص في المبنى القديم للسفارة الأميركية بطهران الذي استولوا عليه عقب ثورة الخميني عام 1979 ({غيتي})

أربك حفيد الخمیني، حسن الخميني، جناحي النظام الإيراني، بفصيليه الإصلاحي والمتشدد، بعدما أعلن عن عزمه الترشح لمجلس خبراء القيادة، وحوَّلهم بين مؤيد ومعارض.
وتفيد القراءة الأولية للإعلان عن ظهور ثلاثة اتجاهات في الشارع السياسي، من الممكن حصرها على النحو التالي:
الاتجاه الأول يقوم على قدسية شخصية روح الله الخميني، مؤسس جمهورية إيران الإسلامية، خاصة عند الفئة المتوسطة، وتأثيره في نفوس هذه الشريحة الواسعة (التي تُشكِّل الفئة الموالیة للنظام)، الذين لا ينتمون أصلاً لأي توجه سياسي، إذا صح التعبير.. فهؤلاء فرحون بترشح حسن الخميني لمجس خبراء القيادة.
أما الاتجاه الثاني، فيتمثّل في الأصوليين والمتشددين والذين عُرِفُوا مؤخرًا بـ«دلوابسان»، ومعنى هذا المصطلح باللغة العربية: «القلقون». وجرى تداول هذا المصطلح في الشارع الإيراني بعد الاتفاق النووي، عندما عبّر هؤلاء المتشددون عن خوفهم من سير المفاوضات النووية مع مجموعة «5+1»، بل وذهب بعضهم إلى أبعد من ذلك، وشبّهوا الاتفاق النووي باتفاقية «تركمانجاي» الشهيرة بين الروس والفرس في عهد فتح علي شاه، التي فقدت إيران على أثرها بعض المناطق التي كانت تخضع سياسيًا لسلطان الفرس. أما الاتجاه الثالث، فهو ممثل في المعتدلين والإصلاحيين بقيادة هاشمي رفسنجاني، ويسعى هؤلاء إلى ألا يُحسَب حفيد الخميني على تيار معين، لعل ذلك يمكنهم من تمرير مشروعهم الرامي لإقصاء المتشددين الذين يمسكون بالسلطة منذ مجيء الرئيس السابق محمود أحمدي نجاد، الذي كان مدعومًا بقوة من قبل الحرس الثوري قبل أن ينقلب عليهم في نهاية المطاف.
أمّا حقيقة ترشح حفيد الخميني، فهي نتيجة للصراع الدائر في أروقة النظام في طهران، وكذلك ضمن مشروع كبير يشكل حسن الخميني الجزء البسيط منه؛ حيث تشير المعطيات إلى أن هذا المشروع هو من هندسة هاشمي رفسنجاني، ويهدف من خلاله إلى الأمرين التاليين: إزاحة التيار المتشدد رويدًا رويدًا، إذا ما اعتبرنا أنّ منصب المرشد - الولي الفقيه يأتي من بوابة مجلس خبراء القيادة. وتأهيل نظام الملالي الذي فقد كثيرا من بريقه في السنوات الأخيرة بسبب السياسات المتبعة من قبل المتشددين.
ولفهم هذا الصراع، لا بد أن نطّلع ولو بشكل جزئي على بعض القضايا السياسية الإيرانية الداخلية. أولاً، أهمية مجلس خبراء القيادة في نظام طهران:
یعد مجلس خبراء القيادة في إيران من الهيئات السياسية المهمة في نظام جمهورية إيران الإسلامية، الذي يتشكل من 86 عضوًا عهد إليهم الدستور بمهام تعيين، ومراقبة، وعزل المرشد - أي الولي الفقيه؛ إذ حدد الدستور هذه المهمة من خلال المواد التالية:
* المادة 107: الدستور الإيراني يوكل مهمة تعيين المرشد إلى الخبراء الذين ينتخبون من قبل الشعب (راجع المادة 91 من الدستور الإيراني)، حيث نصت هذه المادة على الشكل التالي: «بعد المرجع والقائد الكبير للثورة الإسلامية العالمية، ومؤسس جمهورية إيران الإسلامية سماحة آية الله الإمام الخميني الذي اعترفت الأكثرية الساحقة بمرجعيته وقيادته، تُوكَل مهمة تعيين القائد إلى الخبراء المنتخبين من قبل الشعب».
وعلى ضوء هذه المادة، يتشاور الخبراء بشأن كل الفقهاء الجامعين للشرائط المذكورة في المادتين «5» و«109» من الدستور. لذا، في حال شخَّص هؤلاء الخبراء فردًا منهم باعتباره الأعلم بالأحكام والموضوعات الفقهية، وكذلك المسائل السياسية والاجتماعية، لا سيما حيازته تأييد الرأي العام، فسوف ينتخبونه للقيادة، وإلا فسينتخبون أحدهم ويعلنونه قائدًا.
المادة 108: «القانون المتعلق بعدد الخبراء، والشروط اللازم توفرها فيهم، وكيفية انتخابهم، والنظام الداخلي لجلساتهم بالنسبة للدورة الأولى، يجب إعداده بواسطة الفقهاء الأعضاء في أول مجلس لصيانة الدستور، ويصادق عليه بأكثرية أصواتهم. وفي النهاية يصادق قائد الثورة عليه. وبعد ذلك فإن أي تغيير أو إعادة نظر في هذا القانون - والموافقة على سائر المقررات المتعلقة بواجبات الخبراء - يكون ضمن صلاحيات مجلس الخبراء».
وعليه، أعطى الدستور لمجلس خبراء القيادة الإشراف على عمل القائد وذلك من خلال دراسة قراراته وفقًا للمادة الـ«110» من الدستور الإيراني وتقييمها. كما جاء في الدستور الإيراني أيضًا، أنه في حال وجد هؤلاء الخبراء أي إبهام في عمل القائد يقوم المجلس بمخاطبة القائد والاستفسار عن ذلك الإبهام.
المادة «111»: «عند عجز القائد عن أداء وظائفه القانونية أو فقده أحد الشروط المذكورة في المادة (5) والمادة (109) من الدستور، أو علم فقدانه لبعضها منذ البدء، فإنه يُعزَل عن منصبه، ويعود تشخيص هذا الأمر إلى مجلس الخبراء المذكور في المادة (108) من الدستور. وفي حالة وفاة القائد أو استقالته أو عزله، فإن الخبراء مكلفون بالقيام بأسرع وقت بتعيين القائد الجديد وإعلان ذلك».
ويتكون مجلس خبراء القيادة من هيئة رئاسية، وأمانة عامة، وهيئة تحقيق، وست لجان متخصصة، وهي كالتالي:
- لجنة التحقيق، والقصد هنا التأكد من إجراء المادة الدستورية رقم «111»، فهذه المادة لمراقبة واستمرارية الوضع الخاص بالمرشد (راجع المادتين «5» و«109» من الدستور).
- لجنة اللوائح، تقوم هذه اللجنة بدراسة وتشريع القوانين الخاصة بالمجلس، راجع المادة رقم «108» من الدستور.
- لجنة الأمانة العامة، تنظر في الشروط وسمات المرشد وكل الأشخاص الذين قد تُطرح أسماؤهم لتولي هذا المنصب، وكذلك تقديم النتائج لهيئة رئاسة المجلس ضمن تقرير سري للغاية، لا يدخل مطلقا في عملية التصويت التي يشرف عليها المجلس في اختيار المرشد المفترض، وقد يطّلع عليها المرشد عند الضرورة.
- اللجنة الأمنية، وهي تعمل على التحقّق من الطرق المتبعة للحفاظ على الولي الفقيه (أي المرشد) وكذلك التحقيق والتعريف بفكرة الحكومة الإسلامية وفكرة الولي الفقيه.
- اللجنة السياسية والاجتماعية، وهي تعمل على نشر القضايا السياسية والاجتماعية الخاصة بوظائف أعضاء المجلس.
- اللجنة المالية والإدارية للمجلس.
أما القضية الثانية، فتتعلق بدور الحرس الثوري وعلاقته بمجلس خبراء القيادة. وتأتي أهمية هذه العلاقة من حراسة الأول الثورة الإيرانية ومكتسباتها، التي قامت في عام 1979، ولا تزال مستمرة ليومنا هذا. وتمتد هذه العلاقة العضوية، إذا صح التعبير، بين المرشد الأعلى الإيراني (المؤسسة الدينية) ومؤسسة الحرس الثوري العملاقة، ذات الأبعاد العسكرية والأمنية والاقتصادية والسياسية والثقافية، إلى خارج الحدود الإيرانية. كما أن هذه العلاقة - بين الحرس الثوري والمرشد - مبنية على استراتيجية ذات أهداف معينة ومحددة، رُسِمت منذ ثلاثة عقود، وكان هدفها الرئيسي أن تحكم إيران الشيعية يومًا ما العالم الإسلامي - أو بالأحرى العالم العربي - وكُلِّف لتنفيذ هذه الاستراتيجية «فيلق القدس» الجناح الدولي للحرس الثوري، وسخّر له كثير من القنوات المالية والبشرية والإعلامية.
من جانب آخر، فإن اتساع دور ونفوذ الحرس الثوري في السياسة الداخلية والخارجية لإيران، أعطاه المشروعية شبه التامة لصناعة القرار السياسي على كل المستويات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، إلى درجة أن علي سعيدي، ممثل المرشد في الحرس الثوري، صرّح قبيل الانتخابات الرئاسية الماضية، التي فاز من خلالها حسن روحاني بمنصب رئاسة الجمهورية، بأن «هندسة الانتخابات بشكل منطقي ومعقول من قبل الحرس الثوري وظيفة جوهرية». كما أن هذا المنطق للقادة في الحرس الثوري ومؤسساتهم الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والعسكرية والأمنية العملاقة ينطبق كليًا على اختيار الخليفة المحتمل للمرشد الحالي علي خامنئي، بحيث إن العلاقة هي علاقة تكاملية ذات أهداف معينة ومحددة، داخليًا وخارجيًا.
أما القضية الثالثة والأخيرة، فتتمثل في شروط تعيين الشخص الذي سيعتلي سدة ولاية الفقيه (المرشد الأعلى). وأهمها أن يكون الخليفة إيراني الأصل والنسب. ثانيًا، أن يكون من «السادات»، أي هاشمي النسب، بمعنى أنه يجب أن يكون من بيت الرسول محمد (صلى الله عليه وسلم). ثالثًا، أن يكون مؤمنًا بنظرية «ولاية الفقيه».
كما أن الواقع السياسي والهرمي لحكم الملالي وطبيعته في طهران يختلف عن غيره من الأنظمة المتعارف عليها في العالم، ففي نوعية الأنظمة المتداولة في العالم تكون القاعدة الشعبية غالبًا هي المؤثرة في صناعة القرار السياسي، إنما في إيران، فالعكس تمامًا، حيث تُسيَّر الجماهير من قبل هرم السلطة؛ أي الولي الفقيه. لذا، فإن الاعتبارات الآنفة الذكر في اختيار خليفة المرشد مهمة جدًا.
وعليه، فمن الممكن أن ننظر في شخصيتين قد تكونان الخيار الأمثل لخليفة المرشد في إيران؛ هما: آية الله سيد محمود هاشمي شاهرودي، وأهمية هذا الشخص أنه من الفقهاء في مجلس خبراء القيادة ونائب للرئيس، وكذلك عضو في مجمع المدرسين لحوزة قم، وعضو في مجلس تشخيص مصلحة النظام، كما أن المرشد علي خامنئي عيّنه رئيسًا لأهم المؤسسات الشيعية التي تعرف باسم «دائرة المعارف لمذهب أهل البيت». وهو كذلك رئيس سابق للقضاء الإيراني لعشرة أعوام، والرئيس الحالي للجنة العليا لحل الخلاف بين السلطات الثلاث. وبالإضافة للمناصب سابقة الذكر، يعد سيد محمود شاهرودي من أكثر الفقهاء الإيرانيين علمًا ومعرفة بأصول الدين والدنيا، كما أنه من «المراجع العظام» حسب مفهوم الفكر الشيعي، لا سيما أن شاهرودي كان أستاذا للمرشد علي خامنئي، وهو من مواليد مدينة النجف العراقية.
أما المرشح الثاني، فهو آية الله سيد حسن الخميني، وتأتي أهميته من أنه حفيد روح الله الخميني، مؤسس الجمهورية الإسلامية في إيران، حيث إن حظوظه في انتخابه لمجلس خبراء القيادة واردة وبقوة جدًا. كما أن سيد حسن الخميني يعد حاليًا من المدرسين الكبار في حوزة قم العلمية، ولديه علاقة جيدة مع كل المراجع الشيعية في إيران وخارجها. ولحسن الخميني مكانة اجتماعية وسياسية أفضل بكثير من الشخصيات الدينية التي تمّ تداولها لخلافة المرشد الحالي علي خامنئي، في السابق وفي المستقبل.. ويعد رجل دين معتدلا، وسياسيا محسوبا على التيار الإصلاحي في إيران، ومقربًا من هاشمي رفسنجاني الذي يقود حملة إصلاح وتأهيل النظام. وفي حال قرر مجلس خبراء القيادة (مجلس خبركان) انتخاب حسن (حفيد الخميني) خليفة للمرشد الحالي، فإن مجلس الخبراء قد يضمن استمرارية نظام ولي الفقيه لفترة أطول، لأن سيد حسن الخميني شاب في الـ 43من العمر.
أما القضية الرابعة والأخيرة، فتتعلق بدور هاشمي رفسنجاني في تأهيل نظام الملالي واستمراريته.. فالمتابع للشأن الإيراني مطّلع على أنّ هاشمي رفسنجاني يعد أهم الشخصيات القيادية في نظام ملالي طهران، منذ أن اعتلى هؤلاء الحكم في عام 1979. واختلف رفسنجاني في السنوات الماضية مع المرشد علي خامنئي والحرس الثوري، ولا سيما مع الرئيس السابق محمود أحمدي نجاد، على إدارة القضايا الرئيسة للبلاد.
من ناحية أخرى، حاول رفسنجاني، خصوصا في السنوات القليلة الماضية، أن ينقذ البلاد التي كانت وما زالت على وشك الانهيار، من خلال الإصلاحات السياسية والاقتصادية، لا سيما الانفتاح الجزئي على الغرب وبالتحديد الولايات المتحدة، وكذلك على دول الجوار وفي مقدمتها السعودية.. إلا أنه فشل، وذلك لضعف التيار الإصلاحي في المطبخ السياسي الإيراني، خاصة بعد أحداث 2009.
وفي واقع الأمر، لم يفقد رفسنجاني الأمل بعد، لأنه يدرك تمامًا أنّ التغيير الذي سعى من أجله لن يأتي إلا من خلال تغيير هرم السلطة في طهران والمتمثل في شخص المرشد علي خامنئي. لذا، سعى رفسنجاني لتحقيق أحد الأمرين لإصلاح نظام ملالي طهران وتأهيله. ويتمثل الخيار الأول في إعادة طرح فكرة موضوع إيجاد لجنة مشتركة من أعضاء مجلس خبراء القيادة، لقيادة البلاد. فإعادة طرحها في الأيام الماضية، التي أججت الصراعات البينية، تعد ضربة موجعة لمكانة المرشد (أي الولي الفقيه) في المجتمع الإيراني. أو الدفع بترشيح حفيد الخميني سيد حسن، لمجلس خبراء القيادة، فهذا يعني إعادة حقبة الخميني، لكنها معتدلة، لهرم السلطة، وبالضرورة صعود التيار المعتدل الذي يعد هاشمي رفسنجاني الواجهة الحقيقية له.
ويبقى السؤال الأهم: هل فعلاً يستطيع رفسنجاني أن يتغلب على التيار الأصولي المتشدد والمتحالف مع مؤسسة الحرس الثوري العسكرية والأمنية والاقتصادية والثقافية العملاقة، أم إنه وهم ليس إلا؟



كاتس: لا مطلب أميركياً بالانسحاب من لبنان

وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس (د.ب.أ)
وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس (د.ب.أ)
TT

كاتس: لا مطلب أميركياً بالانسحاب من لبنان

وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس (د.ب.أ)
وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس (د.ب.أ)

قال وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس، الأربعاء، إنّ الولايات المتحدة لم تطلب سحب القوات الإسرائيلية من جنوب لبنان، وذلك بينما أفيد بأنّ طهران تطالب بذلك في إطار المفاوضات مع واشنطن، وفق ما نشرت «وكالة الصحافة الفرنسية».

وقال كاتس في مقابلة خلال مؤتمر للقادة المحليين في تل أبيب: «لقد أعلنّا أننا على أي حال لن ننسحب، وحتى هذه اللحظة - وهذا إنجاز دبلوماسي - لا يوجد أي طلب أميركي من إسرائيل بالانسحاب من لبنان».

ورداً على سؤال عما إذا كان الجيش سيلتزم بطلب مماثل في حال حصوله، قال كاتس إنه أخبر نظيره الأميركي بيت هيغسيث، كما أنّ رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أخبر الرئيس الأميركي دونالد ترمب «أننا موجودون هناك لحماية سكان الشمال».


اعتراضات الداخل الإيراني… هل تربك مسار التفاوض؟

إيرانية تمر بجوار جدارية حول المفاوضات على حائط السفارة الأميركية السابقة في طهران (إ.ب.أ)
إيرانية تمر بجوار جدارية حول المفاوضات على حائط السفارة الأميركية السابقة في طهران (إ.ب.أ)
TT

اعتراضات الداخل الإيراني… هل تربك مسار التفاوض؟

إيرانية تمر بجوار جدارية حول المفاوضات على حائط السفارة الأميركية السابقة في طهران (إ.ب.أ)
إيرانية تمر بجوار جدارية حول المفاوضات على حائط السفارة الأميركية السابقة في طهران (إ.ب.أ)

عكست مواقف عدد من الشخصيات والتيارات السياسية داخل إيران وجود اعتراضات وتحفظات على مسار التفاوض مع الولايات المتحدة، لكنها لم تصل حتى الآن إلى مستوى يهدد بإفشال المحادثات الجارية بين الجانبين.

وبعد أسابيع من الحرب التي اندلعت إثر الهجوم الأميركي - الإسرائيلي على إيران في 28 فبراير (شباط)، توصلت واشنطن وطهران إلى وقف لإطلاق النار في أبريل (نيسان)، قبل أن توقعا مذكرة تفاهم في 17 يونيو (حزيران). وأعقب ذلك جولة مفاوضات في سويسرا جمعت بين وفد إيراني برئاسة رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف، ووفد أميركي بقيادة نائب الرئيس جي دي فانس، بوساطة باكستانية وقطرية، في إطار مساعٍ للتوصل إلى اتفاق نهائي ينهي الحرب.

لكن مسار التفاوض لا يزال مرشحاً لمواجهة عقبات معقدة بعد حرب تركت تداعيات واسعة في أنحاء الشرق الأوسط، وأظهرت خلالها إيران قدرتها على التأثير في الاقتصاد العالمي عبر إغلاق مضيق هرمز، فيما أبقى الرئيس الأميركي دونالد ترمب خيار القوة العسكرية مطروحاً في حال تعثر المفاوضات.

ورغم أن التفاهم بين البلدين يمثل تطوراً نادراً في علاقة اتسمت بالعداء منذ تأسيس نظام الحكم الثيوقراطي في طهران إثر ثورة 1979، فقد واجه انتقادات من دوائر محافظة في الولايات المتحدة، كما أثار اعتراضات داخل إيران على التفاوض المباشر مع واشنطن.

ويقول محللون لـ«وكالة الصحافة الفرنسية» إن هناك تيارات سياسية تعارض تقديم تنازلات للولايات المتحدة أو الانخراط في مفاوضات مباشرة معها، لكن هذه القوى لا تبدو قادرة في الوقت الراهن على تعطيل المسار التفاوضي أو التأثير بصورة حاسمة في نتائجه.

إيراني يمر أمام صورة للمرشد مجتبى خامنئي في طهران غداة توقيع اتفاق إنهاء الحرب مع الولايات المتحدة (إ.ب.أ)

«إجماع إيجابي»

ومع بدء تداول الأنباء عن التوصل إلى التفاهم، نظم عشرات الأشخاص في 13 يونيو تجمعاً محدوداً أمام وزارة الخارجية في مدينة مشهد، ورددوا شعارات مناهضة لقاليباف ووزير الخارجية عباس عراقجي اللذين يقودان المسار التفاوضي.

كما تحدثت تقارير عن تحفظات من بعض الشخصيات السياسية، من بينها المحافظ المتشدد سعيد جليلي، الأمين السابق للمجلس الأعلى للأمن القومي وكبير المفاوضين النوويين السابق.

في المقابل، أكدت القيادة الإيرانية العليا دعمها للمفاوضات. وقال المرشد الإيراني مجتبى خامنئي، في رسالة متلفزة غداة توقيع مذكرة التفاهم، إنه وافق على الاتفاق رغم أن لديه «وجهة نظر مختلفة»، مشدداً على أن التفاوض المباشر مع واشنطن لا يعني القبول بمطالبها أو التنازل أمامها.

ولم يظهر خامنئي علناً منذ انتخابه في مارس (آذار) خلفاً لوالده علي خامنئي الذي قُتل في الأيام الأولى من الحرب.

كما دافع قاليباف عن المسار التفاوضي في مواجهة الانتقادات الداخلية، مشيراً في منشور على منصة «إكس» إلى أن أحد مذيعي التلفزيون الرسمي تمنى إغلاق مطار طهران لمنع الوفد الإيراني من السفر إلى سويسرا، عاداً أن مثل هذا الموقف كان سيؤدي إلى «إراقة مزيد من الدماء» في لبنان.

وفي مؤشر إلى وجود دعم من المؤسسة العسكرية للمفاوضات، دعا قائد «فيلق القدس» في الحرس الثوري إسماعيل قاآني إلى الإشادة بجهود عراقجي وقاليباف، مؤكداً أن العاملين في الميدان العسكري والمفاوضين السياسيين يتحركون ضمن إطار واحد.

ويرى محللون أن هناك توافقاً نسبياً داخل مؤسسات الدولة الإيرانية على منح المفاوضات فرصة واختبار مدى جدية إدارة ترمب في الوصول إلى اتفاق دائم.

أشخاص يسيرون بجانب مجسم رمزي لصاروخ إيراني بأحد شوارع طهران في مشهد يعكس تصاعد الخطاب العسكري والتعبئة الداخلية بالتزامن مع المفاوضات الجارية حول اتفاق محتمل بين طهران وواشنطن لإنهاء الحرب (رويترز)

«تغييرات في النظام»

وخلال قمة «مجموعة السبع» في فرنسا، أشاد ترمب مراراً بالقيادة الإيرانية الحالية، واصفاً المسؤولين الإيرانيين بأنهم «أذكياء» و«عقلانيون للغاية»، و«غير متطرّفين». وقال إن «المجموعة الأولى (من القادة) رحلت كما رحلت المجموعة الثانية ووجدنا أن المجموعة الثالثة (مكوّنة من قادة) أذكياء جداً... انتهى بنا المطاف بإقامة اتفاق».

من جهته، قال فانس إن واشنطن تعتقد أن بعض التيارات المتشددة في إيران باتت تدرك أن نهج المواجهة مع الولايات المتحدة لم يعد مجدياً، مضيفاً أن «البراغماتيين داخل النظام الإيراني، الذين يريدون حقاً تغيير علاقتهم مع الشرق الأوسط والعالم، هؤلاء يكسبون الحجة».

وحرص كل من عراقجي وقاليباف على التأكيد أن المفاوضات لن تكون على حساب المصالح الإيرانية، كما تجنبا الظهور في صور مشتركة مع فانس خلال محادثات سويسرا، في خطوة عُدّت مراعاة للحساسيات السياسية الداخلية.

ويأتي ذلك في وقت لا تزال فيه طبيعة آلية اتخاذ القرار داخل النظام الإيراني موضع متابعة، بعد التغييرات الكبيرة التي شهدتها بنية القيادة خلال الحرب، ومقتل عدد من كبار المسؤولين والقادة العسكريين.

ويرى محللون أن العداء للولايات المتحدة لا يزال أحد المرتكزات الأساسية للجمهورية الإسلامية، لكن التطورات الأخيرة قد تعكس تحولاً تدريجياً في مقاربة بعض مراكز القرار تجاه العلاقة مع واشنطن.

ويشير هؤلاء إلى أن أي تغيير محتمل سيظل عملية طويلة ومعقدة، وأن نتائجها النهائية لا تزال غير واضحة في ظل استمرار الخلافات حول البرنامج النووي، والعقوبات، وترتيبات الأمن الإقليمي.


ترمب: طهران أبلغتنا بعدم فرض رسوم في مضيق هرمز

الرئيس الأميركي دونالد ترمب ينزل من الطائرة الرئاسية في قاعدة «أندروز» المشتركة بولاية ماريلاند 23 يونيو 2026 (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب ينزل من الطائرة الرئاسية في قاعدة «أندروز» المشتركة بولاية ماريلاند 23 يونيو 2026 (رويترز)
TT

ترمب: طهران أبلغتنا بعدم فرض رسوم في مضيق هرمز

الرئيس الأميركي دونالد ترمب ينزل من الطائرة الرئاسية في قاعدة «أندروز» المشتركة بولاية ماريلاند 23 يونيو 2026 (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب ينزل من الطائرة الرئاسية في قاعدة «أندروز» المشتركة بولاية ماريلاند 23 يونيو 2026 (رويترز)

شدد الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الأربعاء، على أن الاتفاق المؤقت مع إيران يتضمن التزامات واضحة بشأن حرية الملاحة في مضيق هرمز، وآلية استخدام الأموال الإيرانية المجمدة، وعودة عمليات التفتيش النووي، في وقت تكشف فيه التصريحات المتبادلة بين واشنطن وطهران عن تباينات متزايدة حول تفسير بنود التفاهم الموقع الأسبوع الماضي.

وجاءت تصريحات ترمب بينما تستعد الولايات المتحدة وإيران للانتقال إلى مرحلة جديدة من المحادثات الفنية التي يفترض أن تستمر 60 يوماً، بهدف تحويل مذكرة التفاهم إلى اتفاق نهائي يعالج الملفات الأكثر تعقيداً، من البرنامج النووي والعقوبات إلى أمن الملاحة والتوترات الإقليمية.

وقال ترمب إن إيران أبلغت الولايات المتحدة بأنها لا تسعى إلى فرض أي رسوم أو تكاليف تأمين أو أعباء مالية أخرى على السفن العابرة لمضيق هرمز.

وكتب على منصته للتواصل الاجتماعي أن طهران أكدت لواشنطن أنه «لا توجد أي رسوم عبور، ولا تكاليف تأمين، ولا أي رسوم أخرى من أي نوع تسعى إيران إلى فرضها أو تحصل عليها من السفن التي تعبر مضيق هرمز».

وربط ترمب بين هذه المسألة واستمرار المسار التفاوضي، قائلاً إن ثبوت عكس ذلك سيعني إنهاء المفاوضات «فوراً».

ويواجه ترمب انتقادات داخلية بسبب الاتفاق، بما في ذلك من أوساط متشددة داخل الحزب الجمهوري، التي ترى أن التفاهم تضمن تنازلات كبيرة لإيران.

ويشكل مضيق هرمز أحد أكثر الملفات حساسية في المحادثات الجارية. فالاتفاق المؤقت نص على إعادة فتح الممر الذي أُغلق خلال الحرب، لكن الخلاف لا يزال قائماً بشأن طبيعة الترتيبات التي ستنظم الملاحة فيه بعد انتهاء المرحلة الانتقالية.

وتتمسك واشنطن بأن المضيق ممر مائي دولي لا يجوز فرض رسوم على العبور فيه، بينما تتحدث طهران عن ترتيبات مرتبطة بالخدمات البحرية والإدارة المستقبلية للممر ضمن أطر يجري بحثها مع سلطنة عُمان ودول المنطقة.

الأموال المجمدة

بالتوازي مع ذلك، سعت إدارة ترمب إلى توضيح كيفية التعامل مع الأموال الإيرانية المجمدة التي ينص الاتفاق على الإفراج عن جزء منها.

وقال ترمب إن الولايات المتحدة لم تمنح إيران أموالاً بصورة مباشرة، وإن أي أموال سيُفرج عنها ستظل خاضعة لرقابة أميركية كاملة. وقال في هذا الصدد إن «واشنطن ستفرج عن جزء من الأموال الإيرانية، لكن تحت سيطرة أميركية كاملة، لاستخدامها في شراء الذرة والقمح وفول الصويا ومنتجات أخرى من المزارعين ومربي الماشية الأميركيين».

وأضاف أن هذه الأموال ستستخدم لشراء مواد غذائية ومنتجات زراعية أميركية، بينها الذرة والقمح وفول الصويا، مشيراً إلى أن إيران تحتاج بشدة إلى الغذاء، وأن واشنطن ستؤمن هذه المشتريات من السوق الأميركية.

وجاءت تصريحات الرئيس الأميركي بعد ساعات من مقابلة أجراها وزير الخزانة سكوت بيسنت، الذي قدم أول شرح تفصيلي للآلية التي تعتزم الإدارة اعتمادها في إدارة الأموال المفرج عنها.

وقال بيسنت في مقابلة مع قناة «سي إن بي سي» الاقتصادية إن وزارة الخزانة الأميركية ستشرف على الأموال الإيرانية عند الإفراج عنها، موضحاً أن «نسبة كبيرة جداً» منها ستُخصص لشراء مواد غذائية وأدوية أميركية.

وأضاف أن الدفعات الأولى ستُفرج عنها على الأرجح عبر قطر، حيث سيتولى مسؤولون من وزارة الخزانة الأميركية في الدوحة متابعة كيفية تخصيص الأموال وإنفاقها.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب ووزير الخارجية ماركو روبيو ووزير الخزانة سكوت بيسنت خلال اجتماع على هامش قمة مجموعة السبع في إيفيان بفرنسا الأسبوع الماضي (رويترز)

ووصف الآلية بأنها عملية «إعادة تدوير» للأموال، بحيث تعود في نهاية المطاف إلى الاقتصاد الأميركي من خلال مشتريات زراعية وصيدلانية.

لكن هذه الرواية اصطدمت سريعاً بالموقف الإيراني؛ فقد رفض مسؤولون إيرانيون فكرة أن تحدد الولايات المتحدة أو شركاؤها كيفية إنفاق الأصول المفرج عنها، مؤكدين أن أي مشتريات مستقبلية ستخضع لمعايير السعر والجودة وليس للشروط الأميركية.

ويعكس هذا الخلاف إحدى القضايا الأكثر حساسية في الاتفاق؛ إذ لا يزال من غير الواضح ما إذا كانت واشنطن ستتمتع بسيطرة قانونية مباشرة على الأموال بعد الإفراج عنها، أم أنها تراهن على ترتيبات مصرفية وحسابات ضمان وآليات مرتبطة بالعقوبات لضمان توجيه الأموال نحو الأغراض التي تريدها.

ولم يحدد بيسنت حجم الأموال التي ستُفرج عنها، أو الجهة التي ستدير الحسابات، أو أدوات الإنفاذ التي ستُستخدم لضمان عدم تحويل الأموال إلى استخدامات أخرى.

التفتيش النووي

وفي موازاة الجدل المالي، استمر التباين بين الجانبين حول ملف التفتيش النووي. وقال ترمب إن مفتشين أميركيين سيشاركون مفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية في زيارة المواقع النووية الإيرانية، مؤكداً أن طهران وافقت على عمليات التفتيش رغم التصريحات الإيرانية التي تنفي ذلك.

وأضاف، في مقابلة مع شبكة «فوكس نيوز»، أن إيران «توافق على اتفاق وتضعه كتابة، ثم تخرج لتقول إنه غير صحيح».

وجاءت تصريحاته بعد يوم من إعلان الخارجية الإيرانية عدم وجود زيارات مقررة حالياً لمفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية إلى المواقع النووية التي تعرضت للقصف خلال الحرب.

ويمثل ملف التفتيش أحد الاختبارات المبكرة للتفاهم الجديد. فواشنطن تقدم عودة المفتشين على أنها من أبرز نتائج الجولة الأولى من المحادثات، بينما تقول طهران إن قضايا الوصول إلى المواقع النووية وآليات الرقابة الدولية لا تزال جزءاً من المفاوضات النهائية ولم تُحسم بعد.

وفي الوقت نفسه، أكدت الوكالة الدولية للطاقة الذرية أن عمليات التفتيش «ستجري بالتأكيد»، لكنها أوضحت أن التفاصيل المتعلقة بالمواعيد والإجراءات والأماكن لا تزال قيد التفاوض.

تعكس هذه التباينات حجم الفجوة التي لا تزال قائمة بين الروايتين الأميركية والإيرانية رغم التوصل إلى اتفاق أوقف الحرب وفتح باب التفاوض.

ففي الوقت الذي تعرض فيه إدارة ترمب الاتفاق على أنه يتضمن تفاهمات واضحة بشأن التفتيش النووي، والأموال المجمدة، وحرية الملاحة في مضيق هرمز، تصر طهران على أن كثيراً من هذه القضايا لا يزال خاضعاً للنقاش ولم يتحول بعد إلى التزامات نهائية.