الاستجابة الأمنية لهجمات باريس تشير إلى ضعف هيكل الشرطة الفرنسية

وحدة مكافحة الإرهاب وصلت إلى مسرح «باتاكلان» بعد نصف ساعة من الهجوم

ضباط فرقة مكافحة الإرهاب الفرنسية وصلوا بعد نصف ساعة إلى  قاعة الحفلات الموسيقية «باتاكلان» التي قتل بها 90 شخصًا من أصل 130 ضحية منذ لحظة بدء الهجمات (نيويورك تايمز)
ضباط فرقة مكافحة الإرهاب الفرنسية وصلوا بعد نصف ساعة إلى قاعة الحفلات الموسيقية «باتاكلان» التي قتل بها 90 شخصًا من أصل 130 ضحية منذ لحظة بدء الهجمات (نيويورك تايمز)
TT

الاستجابة الأمنية لهجمات باريس تشير إلى ضعف هيكل الشرطة الفرنسية

ضباط فرقة مكافحة الإرهاب الفرنسية وصلوا بعد نصف ساعة إلى  قاعة الحفلات الموسيقية «باتاكلان» التي قتل بها 90 شخصًا من أصل 130 ضحية منذ لحظة بدء الهجمات (نيويورك تايمز)
ضباط فرقة مكافحة الإرهاب الفرنسية وصلوا بعد نصف ساعة إلى قاعة الحفلات الموسيقية «باتاكلان» التي قتل بها 90 شخصًا من أصل 130 ضحية منذ لحظة بدء الهجمات (نيويورك تايمز)

منذ الهجمات المدمرة التي وقعت يوم 13 نوفمبر (تشرين الثاني) في باريس، لم تقدم الشرطة الفرنسية سوى بيان متناثر عن استجابتها للمأساة، وعن كيفية نشرها فرقا وقوات لمحاربة الإرهاب. وأسكتت الكآبة والتضامن في الأسابيع التي أعقبت الهجوم الانتقادات العلنية، فلم يُعلَن عن أية مراجعة لأداء الشرطة منذ ذلك الحين.
ومع ذلك، أوضحت حسابات بعض الناجين من الهجمات وضباط شرطة، بالإضافة إلى تحليل الخبراء الخارجيين، أن المهاجمين عملوا لفترات طويلة دون عرقلة السلطات جهودهم، وأن سلسلة القيادة الفرنسية - التي قلصت دوريات الأحياء لصالح الوحدات المتخصصة - ساهمت في تأخير رد السلطات على الإرهابيين.
وصل الضابط الأول لأسوأ مذبحة - قاعة الحفلات الموسيقية باتاكلان، التي قتل بها 90 شخصا من أصل 130 ضحية في تلك الليلة - بعد نحو 15 دقيقة من الهجوم. وتمكن الضابط - المسلح بمسدس الخدمة فقط - من تعطيل المذبحة من خلال إطلاق النار على أحد المهاجمين، فتفجر الحزام الناسف الذي يرتديه الإرهابي، بينما كان الضابط يحاول إنقاذ الضحايا من حوله.
ومع ذلك، تلقى الضابط أمرا بالانسحاب من أجل تدخل وحدة مكافحة الإرهاب الأكثر تخصصا، التي وصلت بعد نصف ساعة من الهجوم، وذلك عقب إرسالها في البداية إلى المواقع التي انتهى العنف بها بالفعل. وكانت هناك وحدة متخصصة أخرى في الجوار يبدو أنها لم تُنشر أبدا، وفقا لتقرير إخباري فرنسي.
وفي هذه الأثناء، حصّن المهاجمان المتبقيان في قاعة باتاكلان نفسيهما بالرهائن، في حين تناثر عشرات الجرحى، متظاهرين بأنهم ميتين أو مشلولين بسبب الخوف، في صمت غريب، وكانوا ينزفون على أرض قاعة الحفل وسط عشرات الجثث. حدث ذلك قبل نحو ثلاث ساعات من إنهاء الشرطة هذا الاعتداء.
وبكل المقاييس، كانت أحداث 13 نوفمبر بمثابة سيناريو كابوسي؛ حيث كانت هناك ثلاث فرق من الإرهابيين، وتعرض رئيس البلاد للتهديد، إلى جانب قتلة انتحاريين يحملون أسلحة عسكرية ويضربون ستة مواقع في غضون دقائق. ولا يوجد أدنى شك في أن الشرطة الفرنسية تصرفت بشجاعة. وربما كان يستحيل على أي قوة شرطة أخرى الرد بمثل هذه السلاسة والرشاقة.
ورغم ذلك، يرى كثير من خبراء الشرطة الفرنسية - وبالنظر إلى التسلسل الزمني - أن تأخر الاستجابة يشير إلى وجود ضعف في هيكل الشرطة الفرنسية التي تحظى بدرجة عالية من المركزية. وكان من الممكن الحد من عمليات القتل عبر تدخل الشرطة المحلية بشكل أكبر، بحسب عدد من الخبراء.
وقال كريستيان مهنا، قائد وحدة تركز على القانون والنظام في المركز الوطني للبحوث العلمية، وهو إحدى المؤسسات البحثية في فرنسا: «لدينا آلة كبيرة، لكنها مثقلة نسبيا».
وأضاف مهنا: «بحلول الوقت، تخرج المعلومات وتصل إلى الجميع، وتستغرق تعبئة الوحدات المتخصصة وقتا طويلا نسبيا». وتابع: «قوات الشرطة لدينا غير منظمة على طول الخطوط المحلية. يجب تصفية كل شيء والإبلاغ به إلى التنظيم المركزي في المقاطعة».
وذكر أحد زملاء مهنا، رينيه ليفي، وهو خبير في مجال الشرطة، أن استجابة قوات الشرطة أثارت تساؤلات حول إذا ما كان النظام يحتاج إلى التغيير. وكما كان الحال مع الهجوم المميت على صحيفة «شارلي إبدو» الساخرة، أفلت الإرهابيون من السلطات في قلب العاصمة باريس، بعد شنهم هجمات بارعة ودموية.
وقال ليفي: «هذا يجعلني أفكر في الاستراتيجية، المتمثلة في أن لا أحد يفعل شيئا، بينما ينتظر الآخر وصول المتخصصين». وتابع: «ربما هناك شيء ينبغي التفكير فيه، لأنه في الواقع، قلصت الشرطة النظامية من حدة الضرر».
غير أن الشرطة المحلية - التي تقوم بدوريات سيرا على الأقدام - ليس لها وجود في فرنسا أساسا. ولم تحظ محاولة لتأسيس «شرطة محلية» في أواخر تسعينات القرن الماضي بشعبية لدى اتحادات الشرطة، وتوقفت بمجرد انتقال السلطة السياسية إلى اليمين بعدها بسنوات قليلة.
وأردف مهنا: «لدينا قوة شرطة منقطعة عن مجالها».
كان لذلك الانقطاع ضرر واضح، مع وقوع الكثير من عمليات إطلاق النار والقصف في عدة مواقع في آن واحد، مما جعل رسم خريطة هجمات نوفمبر غامضا في مهمة حرجة تقوم بها قوة تخضع لقيادة مركزية.
وما وراء باتاكلان، واجهت شرطة باريس هجمات وقعت سريعا على بُعد أميال وهددت الرئيس فرنسوا هولاند، الذي كان حاضرا في استاد لكرة القدم، فجّر انتحاريان نفسيهما فيه. أصيب العشرات، بشكل يفوق طاقة المستشفيات.
لذلك، كان هناك ارتباك كبير داخل وحدة مكافحة الإرهاب المتخصصة، فرقة البحث والتدخل، فقد توجهت في البداية نحو المطاعم في شارع شارون، حيث انتهى الهجوم قبل أكثر من 20 دقيقة، وفقا لوسائل إعلام فرنسية. وبحلول ذلك الوقت، كان الإرهابيون قد اختفوا منذ فترة طويلة.
وبعد ذلك، استغرق الوقت نصف ساعة لوصول فرقة البحث والتدخل إلى قاعة باتاكلان، إذ وصلت نحو الساعة العاشرة والربع مساء، وكانت المذبحة قد انتهت في ذلك الوقت، وفقا لبيانات الشرطة الواردة في وسائل الإعلام الفرنسية.
قال كريستوف مولمي، رئيس فرقة البحث والتدخل، لصحيفة «ليبراسيون»، معترفا بالخطأ: «هناك، لقد أخفقنا في عملنا».
مرت ساعتان أخريان قبل إنهاء فرقة البحث والتدخل حصار باتاكلان، باقتحام غرفة في الطابق العلوي كان الإرهابيون يحتمون فيها خلف مجموعة من الرهائن المرعوبين.
وأكد خبراء آخرون على أهمية السرعة، حيث قال جون ميلر، نائب مفوض مكافحة الإرهاب والاستخبارات في قسم شرطة نيويورك: «عملك هو تقليص الوقت على الهدف، وهو مدى الوقت الذي يقضيه الشخص هناك، وينخرط بفعالية في القتل، قبل أن تتمكن من الدخول هناك ووقفه».
ولا بد للمآسي الكبرى أن تفضح العيوب. عقب هجمات 11 سبتمبر (أيلول) 2001، وجدت لجنة فيدرالية مستقلة أن استجابة قوات الشرطة وإدارات الحرائق تقوضت بفعل سوء التخطيط، ونقص المعدات، والخلل في الاتصالات، وتنافس بين وكالات عمره أجيال.
ورفض مركز شرطة باريس - الذي يشرف على وحدات الشرطة كافة في المدينة تحت إطار وزارة الداخلية - إتاحة الضباط للمقابلات، كما فعلت وزارة الداخلية واتحاد الشرطة.
غير أن كثيرًا من الضباط تحدثوا على التلفزيون وفي الصحف في الأيام التي أعقبت الهجمات. ويؤكد وصفهم التفصيلي لحصار باتاكلان على هول الموقف. وقال مولمي، لصحيفة «فيغارو»: «لقد كان مشهدا لا يصدق».
وكذلك يتحدث الوصف عن الطبيعة المفتتة داخل الشرطة الفرنسية.
*خدمة «نيويورك تايمز»



رئيس بلغاريا يعلن أنه سيتنحى عن منصبه

الرئيس البلغاري رومين راديف يعلن استقالته من منصبه... صوفيا 19 يناير 2026 (أ.ب)
الرئيس البلغاري رومين راديف يعلن استقالته من منصبه... صوفيا 19 يناير 2026 (أ.ب)
TT

رئيس بلغاريا يعلن أنه سيتنحى عن منصبه

الرئيس البلغاري رومين راديف يعلن استقالته من منصبه... صوفيا 19 يناير 2026 (أ.ب)
الرئيس البلغاري رومين راديف يعلن استقالته من منصبه... صوفيا 19 يناير 2026 (أ.ب)

أعلن الرئيس البلغاري اليساري، رومين راديف، الاثنين، أنه سيستقيل.

وفي خطاب متلفز، قال راديف إنه سيقدّم استقالته رسمياً إلى المحكمة الدستورية يوم الثلاثاء، حسبما أفادت وكالة «أسوشييتد برس».

وبموجب الدستور، يتعيّن على نائبة الرئيس الحالية، إيليانا يوتوفا، أداء اليمين الدستورية أمام البرلمان لتولي المنصب حتى نهاية ولاية الحكومة.

يأتي قرار راديف وسط توقعات شعبية بتأسيسه حزباً سياسياً جديداً.


حزب «فرنسا الأبية» يعتزم تقديم لائحة لوم لحجب الثقة عن حكومة لوكورنو

جان لوك ميلينشون (في الوسط) زعيم حزب «فرنسا الأبية» اليساري الفرنسي يشارك في مظاهرة لدعم الشعب الفنزويلي في ساحة بيلكور في ليون بوسط شرق فرنسا 10 يناير 2026 (أ.ف.ب)
جان لوك ميلينشون (في الوسط) زعيم حزب «فرنسا الأبية» اليساري الفرنسي يشارك في مظاهرة لدعم الشعب الفنزويلي في ساحة بيلكور في ليون بوسط شرق فرنسا 10 يناير 2026 (أ.ف.ب)
TT

حزب «فرنسا الأبية» يعتزم تقديم لائحة لوم لحجب الثقة عن حكومة لوكورنو

جان لوك ميلينشون (في الوسط) زعيم حزب «فرنسا الأبية» اليساري الفرنسي يشارك في مظاهرة لدعم الشعب الفنزويلي في ساحة بيلكور في ليون بوسط شرق فرنسا 10 يناير 2026 (أ.ف.ب)
جان لوك ميلينشون (في الوسط) زعيم حزب «فرنسا الأبية» اليساري الفرنسي يشارك في مظاهرة لدعم الشعب الفنزويلي في ساحة بيلكور في ليون بوسط شرق فرنسا 10 يناير 2026 (أ.ف.ب)

أعلن حزب «فرنسا الأبية» اليساري، اليوم (الاثنين)، أنه سيقدّم لائحة لوم لحجب الثقة عن الحكومة بعد إعلان رئيس الوزراء سيباستيان لوكورنو استخدام مادة دستورية لتمرير موازنة 2026 دون الحاجة إلى التصويت عليها، وفق ما نقلته «وكالة الأنباء الألمانية».

ونقلت قناة «بي إف إم تي في» الإخبارية الفرنسية، أن لوكورنو سيلجأ بالفعل إلى استخدام الفقرة الثالثة من المادة 49 بالدستور لتمرير موازنة 2026 دون تصويت.

رئيس الوزراء الفرنسي سيباستيان لوكورنو يشير بيده أثناء حديثه خلال مناقشة قبل التصويت على اقتراحين بحجب الثقة عن الحكومة الفرنسية قدّمهما أعضاء البرلمان من حزب «فرنسا الأبية»... في الجمعية الوطنية في باريس، فرنسا 14 يناير 2026 (رويترز)

وتتيح المادة 3-49 للحكومة تمرير قوانين في حال عدم نجاح المعارضة في تمرير لائحة لوم لحجب الثقة عنها وإسقاطها عبر التصويت. والهدف من هذه المادة هو تفادي الشلل السياسي في ظل برلمان يفتقد أغلبية واضحة، وهو ما يتطابق مع خريطة الأحزاب والكتل السياسية في البرلمان الحالي.

لكن خبراء يرون هذه الخطوة قفزاً على المعارضة وضربة للديمقراطية البرلمانية.

وقالت ماتيلد بانوت رئيسة كتلة «فرنسا الأبية» على حسابها بموقع «إكس»: «يريد سيباستيان لوكورنو فرض المادة 3-49 لتمرير موازنته الكارثية بالقوة... ضد هذه الميزانية، وحفاظاً على كرامة البرلمان، سنقدّم اقتراحاً بحجب الثقة عن الحكومة».

كانت الحكومة قررت تعليق محادثاتها حول الموازنة في البرلمان إلى غد الثلاثاء، بعد الفشل في التوصل إلى توافق على التعديلات الجديدة على قانون المالية بسبب التحفظات المعلنة من قبل حزبي «فرنسا الأبية» و«التجمع الوطني» اليميني.


الأوروبيون «يفتلون عضلاتهم» لمواجهة ضغوط ترمب اقتصادياً

مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي كايا كالاس (وسط) ووزيرة خارجية غرينلاند فيفيان موتسفلدت ووزير الدفاع الدنماركي رويلز لوند بولسن في بروكسل الاثنين (إ.ب.أ)
مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي كايا كالاس (وسط) ووزيرة خارجية غرينلاند فيفيان موتسفلدت ووزير الدفاع الدنماركي رويلز لوند بولسن في بروكسل الاثنين (إ.ب.أ)
TT

الأوروبيون «يفتلون عضلاتهم» لمواجهة ضغوط ترمب اقتصادياً

مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي كايا كالاس (وسط) ووزيرة خارجية غرينلاند فيفيان موتسفلدت ووزير الدفاع الدنماركي رويلز لوند بولسن في بروكسل الاثنين (إ.ب.أ)
مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي كايا كالاس (وسط) ووزيرة خارجية غرينلاند فيفيان موتسفلدت ووزير الدفاع الدنماركي رويلز لوند بولسن في بروكسل الاثنين (إ.ب.أ)

يسعى الأوروبيون لبلورة استراتيجية موحدة للرد على عزم الرئيس الأميركي دونالد ترمب على فرض رسوم بنسبة 10 في المائة على الدول الأوروبية الثماني التي ترفض سعيه للاستحواذ على جزيرة غرينلاند القطبية التابعة للدنمارك، والتي أرسلت مجموعة رمزية من العسكريين إليها استجابة لطلب من السلطات الدنماركية، وللتحضير لمناورات ستُجرى على أراضيها.

ولأن الأوروبيين يعتبرون الوضع «خطيراً»، وفق توصيف كير ستارمر، رئيس الوزراء البريطاني، الاثنين؛ فإن قادة الاتحاد الأوروبي الـ27 تنادوا لقمة «استثنائية»، بدعوة من أنطونيو كوستا، رئيس المجلس الأوروبي، ستلتئم مساء الخميس المقبل، بحسب ما أشار إليه متحدث باسم المجلس المذكور، والذي أوضح أن الملف الرئيسي يدور حول «العلاقات عبر الأطلسي».

وسبق لكوستا أن كتب على منصات التواصل الاجتماعي: «نظراً لأهمية التطورات الراهنة، وبهدف التنسيق بشكل أكبر، قررت الدعوة إلى اجتماع طارئ للمجلس الأوروبي خلال الأيام المقبلة». واختيار الخميس لا يأتي من باب الصدفة؛ إذ إن القادة الأوروبيين لا يريدون استباق ما سيصدر عن الرئيس ترمب بمناسبة مشاركته الأربعاء في قمة دافوس (سويسرا) الاقتصادية.

ومن المرجح جداً أن يغتنم الجانب الأوروبي المناسبة للقاءات مباشرة معه. وأعلن فريدريش ميرتس، المستشار الألماني، الاثنين، عن رغبته في الاجتماع به، وعن تمسكه بـ«استبعاد أي تصعيد جمركي» مع الولايات المتحدة، مضيفاً: «نريد ببساطة أن نحاول حل هذه المشكلة معاً. والحكومة الأميركية تعلم أن باستطاعتنا اتخاذ إجراءات (مضادة) من جانبنا أيضاً».

ومن جانبه، سيسعى مارك روته، الأمين العام للحلف الأطلسي، للالتقاء بترمب، وهو معني مباشرة بتطور الخلاف مع واشنطن لسببين: الأول أنه قريب جداً من الرئيس الأميركي، والثاني أنه دنماركي الجنسية، وسبق له أن شغل منصب رئاسة الوزارة.

رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر يتحدث بشأن خطط الرئيس الأميركي دونالد ترمب لفرض رسوم جمركية على المملكة المتحدة في لندن الاثنين (إ.ب.أ)

تأرجح أوروبي

يكمن التحدي الذي فرضه ترمب على دول الاتحاد الأوروبي ودول أوروبية لا تنتمي إليه مثل بريطانيا والنرويج، في التوافق على موقف موحد والتمسك به. والحال أن الأوروبيين يتأرجحون، من جهة، بين التمسك بمواقف مبدئية، أولها سيادة الدول على أراضيها، وعدم الظهور بمظهر الضعيف معدوم الوسائل، ورفض سيطرة ترمب على الجزيرة القطبية بالإرغام وبغض النظر عما تريده كوبنهاغن أو نوك (عاصمة غرينلاند)، ومن جهة ثانية رغبتهم في عدم الانجرار إلى مواجهة مع الرئيس الأميركي الذي يدركون حاجتهم إليه في الملف الأوكراني.

من هنا، يبرز الموقف الساعي للتوفيق بين الأمرين: الدعوة إلى الحوار مع واشنطن، وفي الوقت نفسه التأكيد على «رفض الابتزاز» كما قالت رئيسة وزراء الدنمارك ميت فريدريكسن، والتذكير بأن الأوروبيين يمتلكون الأدوات التي تمكنهم من الرد على «الإجراءات الترمبية».

ومن هذه الزاوية، تُفهم مسارعة «المفوضية» لدعوة سفراء الدول الأعضاء لاجتماع مساء الأحد أفضى إلى توافق «مبدئي» لفرض رسوم انتقامية بقيمة 107.7 مليار دولار على السلع الأميركية التي تدخل السوق الأوروبية، في حال ذهب ترمب إلى تطبيق تهديداته بفرض رسوم بنسبة 10 في المائة على بضائع الدول الأوروبية الثماني بدءاً من الأول من فبراير (شباط)، على أن تصل إلى 25 في المائة في يونيو (حزيران) ما دامت ترفض قبول شرائه لغرينلاند. وآخر ما جاء به ترمب تشكيكه بملكية الدنمارك للجزيرة؛ إذ جاء في رسالة وجّهها لرئيس وزراء النرويج ما يلي: «لماذا لـ(الدنمارك) أصلاً الحق في ملكيتها؟ لا توجد وثائق مكتوبة، كل ما في الأمر أنّ قارباً رسا هناك قبل مئات السنين، لكن نحن أيضاً كانت لدينا قوارب رست هناك». وأضاف: «العالم لن يكون آمناً ما لم نسيطر بالكامل على غرينلاند».

وزيرة الخارجية البريطانية إيفيل كوبر ونظيرها الدنماركي لارس راسموسن يتحدثان للصحافة في لندن الاثنين (رويترز)

تمايزات داخل الفريق الأوروبي

ويعكس البيان الجماعي الذي صدر ليل الأحد ــ الاثنين عن قادة الدول الثماني (الدنمارك، والنرويج، والسويد، وفرنسا، وألمانيا، وبريطانيا، وهولندا، وفنلندا) محاولة الأوروبيين للتوفيق، في آن واحد، بين التمسك بالمبادئ والرغبة في الحوار وتجنب التصعيد. ومما جاء في البيان التأكيد على أن «التهديدات بفرض رسوم جمركية تقوّض العلاقات عبر الأطلسي وتنذر بتدهور خطير». وفي المقابل، جدد القادة «الاستعداد للدخول في حوار يستند إلى مبادئ السيادة ووحدة الأراضي التي ندافع عنها بقوة».

بيد أنه داخل هذا الموقف الجماعي، ثمة تباينات؛ فستارمر الذي يريد أن يكون الحليف الأكبر للولايات المتحدة، والذي اعتبر أن قرار ترمب «خاطئ»، يرفض الخوض في التدابير الانتقامية بحق واشنطن، مؤكداً أنه لا يريد الانجرار إلى «الاختيار بين الولايات المتحدة وأوروبا»، وأن لندن «ليست في مرحلة التفكير» في فرض رسوم جمركية مضادة. ووعد ستارمر بالتحدث إلى ترمب و«مواصلة الحوار»، مشدداً على أن لندن «تعمل بتعاون وثيق مع الولايات المتحدة، ويجب ألا نغفل حقيقة أن ذلك يصب في مصلحتنا الوطنية. لكن علينا أيضاً الدفاع عن قيمنا».

كذلك، فإن وزيرة الثقافة البريطانية ليزا ناندي، قالت لـ«هيئة الإذاعة البريطانية»: «نرى أن هذه الضجة حول الرسوم الجمركية خطأ. نعتقد أنها غير ضرورية إطلاقاً وضارة وغير مجدية». وفي السياق نفسه، قال رئيس الوزراء النرويجي يوناس غار ستور، بشأن التدابير المضادة، بمناسبة مؤتمر صحافي مشترك مع وزير خارجية الدنمارك لارس راسموسن: «كلا، هذا الأمر ليس موضع بحث في الوقت الراهن».

آلية «مكافحة الإكراه» الأوروبية

ومقابل الرغبة في إظهار بعض الليونة، فإن فريقاً آخر يقوده الرئيس الفرنسي يبدو أكثر تشدداً. وأشار ماكرون إلى أنه يعتزم «تفعيل آلية الاتحاد الأوروبي لمكافحة الإكراه»، في حال تنفيذ ترمب تهديداته بفرض رسوم جمركية إضافية. كذلك دعا صباح الاثنين إلى اجتماع لمجلس الدفاع والأمن القومي للنظر في التطورات الحاصلة بشأن غرينلاند. وبوسع فرنسا أو أي عضو آخر في الاتحاد دعوة المفوضية الأوروبية لتفعيل الآلية المذكورة التي نُظر إليها بكونها «السلاح النووي» الأوروبي للرد على ترمب، على أن السير بها يفترض الحصول على الأكثرية المعززة (55 في المائة من الأصوات داخل المجلس الأوروبي يمثلون 65 في المائة من سكان الاتحاد).

وقال ستيفان سيجورنيه وزير الخارجية السابق المقرب من ماكرون والمفوض الأوروبي الحالي المكلف ملف الاستراتيجية الصناعية، في حديث صباحي لإذاعة «فرنس أنتير»، إن غرينلاند «لن تكون أميركية أبداً»، وإنه في مواجهة هذه «الحالة النموذجية للإكراه»، فإن الأوروبيين يملكون «الأدوات اللازمة (للرد)، وعلينا استخدامها عند الضرورة، وفي حال تأكيد هذه الرسوم الجمركية»، مشدداً على «ضرورة الوحدة» بين البلدان الأوروبية. وفي رأيه، فإنه إزاء التهديد الأميركي «يجب أن يكون هناك أيضاً تهديد من الجانب الأوروبي». ومن وجهة نظره، فإن «آلية مكافحة الإكراه هي، بطريقةٍ ما، سلاح ردع يُفترض أن يُتيح الحوار، والأهم من ذلك أن يمنع فرض الرسوم الجمركية».

اللافت في ردود الفعل أن برلين تسلك نهجاً قريباً من النهج الفرنسي؛ فقد أعلن لارس كلينغبيل، وزير الاقتصاد الألماني، خلال مؤتمر صحافي مع نظيره الفرنسي رولان ليسكور: «لن نرضخ للابتزاز. أوروبا ستصدر رداً واضحاً وموحداً. نُعدّ معاً حالياً تدابير مضادة مع شركائنا الأوروبيين». ومما ذكره الوزير الألماني إمكانية عدم تصديق البرلمان الأوروبي على الاتفاق الجمركي الأميركي ـ الأوروبي الذي وُقّع في شهر يونيو (حزيران) الماضي، إضافة إلى فرض رسوم جمركية مضادة على المنتجات الأميركية المستوردة. وبالطبع، فإن هذه المواقف تريح الدنمارك التي قال وزير خارجيتها إنه «ليست لديه شكوك بأن هناك دعماً أوروبياً قوياً» لبلاده، مضيفاً: «لدينا قوة ضاربة عندما (نعرض عضلاتنا) بشكل جماعي وتضامني، وهذا بالطبع ما يتعين علينا فعله».

هل سيستمر «عرض العضلات» الأوروبية؟ الأمر ليس مؤكداً، خصوصاً إذا تطور إلى حرب تجارية بين ضفتَي الأطلسي. وحتى إظهار العكس، فإن القارة القديمة بحاجة للحليف الأميركي، كما أنها بحاجة للمظلة الأطلسية، ولا يبدو أنها جاهزة للتخلي عنهما في الوقت الحاضر.