أحكام بالسجن على سياسيين عراقيين في قضية «فساد نفطي»

القضاء ألزم المدانين رد مبالغ إلى الخزينة العامة

جانب من إحدى جلسات البرلمان العراقي (مواقع تواصل)
جانب من إحدى جلسات البرلمان العراقي (مواقع تواصل)
TT

أحكام بالسجن على سياسيين عراقيين في قضية «فساد نفطي»

جانب من إحدى جلسات البرلمان العراقي (مواقع تواصل)
جانب من إحدى جلسات البرلمان العراقي (مواقع تواصل)

أعلن القضاء العراقي، الخميس، صدور حكمين بالسجن بحق مثنى السامرائي، زعيم ثاني أكبر تحالف سني في البلاد، وزياد الجنابي، النائب والرئيس السابق لـ«لجنة النزاهة» البرلمانية، في قضية بشأن الانتفاع من عقود لشركات مَصَافٍ نفطية، ضمن حملة لمكافحة الفساد أطلقتها الحكومة في يونيو (حزيران) الماضي.

وقالت «هيئة النزاهة الاتحادية»، في بيان، إن المحكمة حكمت بسجن السامرائي 6 سنوات، والجنابي 5 سنوات، بعد إدانتهما بالانتفاع من عقود مرتبطة بشركتَي مصافي «الشمال» و«الجنوب».

وأضافت أن المحكمة ألزمت السامرائي ردّ 30 مليار دينار عراقي، قالت إنه حصل عليها من خلال التوسط في العقود، فيما ألزمت الجنابي ردّ 4 مليارات دينار، قال البيان إنه انتفع بها من العقود ذاتها.

واعتُقل السامرائي في 28 يونيو 2026، ضمن حملة توقيفات طالت نواباً ومسؤولين حاليين وسابقين على خلفية اتهامات بالفساد، وأُطلق عليها إعلامياً اسم «صولة الفجر».

وأطلق رئيس الوزراء، علي الزيدي، الحملة بعد توليه منصبه في مايو (أيار) الماضي، بهدف ملاحقة المتورطين في قضايا فساد. غير أن وتيرتها تراجعت لاحقاً تحت ضغوط سياسية، وفق تقارير محلية.

وترتبط القضية بمسؤول سابق في وزارة النفط، هو عدنان الجميلي، وبشبهات بشأن الحصول على منافع وعمولات من عقود حكومية.

وكان السامرائي قد أُحيل إلى المحاكمة بموجب «المادة319» من قانون العقوبات العراقي، التي تتناول انتفاع الموظف أو المكلف خدمةً عامة، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، من الأشغال والمقاولات والتعهدات المرتبطة بمهامه.

وتأتي الأحكام الجديدة في سياق سلسلة من الإجراءات القضائية التي طالت نواباً ومسؤولين حاليين وسابقين، بينهم عالية نصيف، وطلال الزوبعي، ومحمد الكربولي، وبهاء النوري، وحسن الخفاجي، وبشرى القيسي، وهند العباسي، إضافة إلى مسؤولين في وزارة النفط.

ولا يزال عدد من المسؤولين المطلوبين، وفق المعلومات المتاحة، خارج قبضة السلطات، بينهم وزير العمل والشؤون الاجتماعية السابق أحمد الأسدي، الذي كان يقود فصيلاً مسلحاً ضمن «الحشد الشعبي».

السياسي العراقي مثنى السامرائي (إكس)

حملة لم تكتمل

وقال موسى فرج، الرئيس الأسبق لـ«هيئة النزاهة الاتحادية»، إن حملة الزيدي «تمثل تقدماً مقارنة بمراحل سابقة، حين كانت قرارات حكومية تسهم في حماية الفاسدين أو عرقلة عمل الأجهزة الرقابية والقضائية» على حد قوله.

وأضاف أن الحملة «حققت نتائج في ملفات مرتبطة بقضية الفساد في المصافي، استناداً إلى إفادات أدلى بها الجميلي أمام الجهات القضائية، فضلاً عن تحركات في قضايا الكسب غير المشروع».

لكنه رأى أن الحملة لا تزال محدودة النطاق، مشيراً إلى أن «ملفات رئيسية، بينها فساد العملة، والعقارات، وتهريب النفط، والموظفون الوهميون، لم تشملها الإجراءات بالقدر نفسه».

وقال فرج، في حديث مع «الشرق الأوسط»، إن من أوجه القصور أيضاً «عدم مساءلة الكتل السياسية التي ينتمي إليها مسؤولون متهمون بالفساد، رغم نفوذ تلك الكتل واستفادتها من بعض المتورطين» وفق تقديره.

وأضاف أن «استمرار الحملة وفاعليتها يتوقفان على توسيع نطاق التحقيقات وملاحقة الملفات الأوسع، إلى جانب منع الكتل السياسية من استبدال مرشحين تابعين لها بالمحكومين».

صورة مأخوذة من فيديو وثَّقه ناشطون لدبابة عراقية داخل «المنطقة الخضراء» بالتزامن مع اعتقال مسؤولين بتهم فساد خلال يونيو 2026

المحاصصة وتكلفة الاستثمار

من جهته، قال نبيل المرسومي، أستاذ الاقتصاد في جامعة البصرة، إن الفساد يعرقل الاستثمار والتنمية في العراق، وإنه يرفع تكلفة ممارسة الأعمال، ويجعل البيئة الاقتصادية أقل جاذبية لرؤوس الأموال المحلية.

ووصف المرسومي، في حديث مع «الشرق الأوسط»، الحملة بأنها «خطوة إيجابية، لكنها لم تشمل جميع المتورطين»، مشيراً إلى توقيف شخصيات بارزة واسترداد مبالغ كبيرة من الأموال العامة.

وأضاف أن تعزيز نتائج مكافحة الفساد يتطلب «ملاحقة المتورطين في مختلف مستويات الدولة، وتجفيف مصادر الفساد، وفي مقدمتها نظام المحاصصة الحزبية والسياسية، إلى جانب تقوية استقلال الأجهزة الرقابية وقدرتها على أداء مهامها».

أحكام قابلة للطعن

وقال سيف السعدي، الخبير القانوني، إن الحكمين يستندان إلى «المادة319» من قانون العقوبات العراقي، «التي تعاقب الموظف أو المكلف خدمةً عامة إذا انتفع، مباشرة أو بالواسطة، من عقود أو أعمال له دور في إعدادها، أو إحالتها أو تنفيذها أو الإشراف عليها، أو حصل على عمولة تتصل بها».

وأضاف السعدي، في حديث مع «الشرق الأوسط»، أن استرداد الأموال يستند إلى قانون «هيئة النزاهة والكسب غير المشروع» رقم «30 لسنة 2011» المعدل؛ «لا سيما (المادة19) منه».

وأوضح السعدي أن أحكام محاكم الجنايات قابلة للطعن أمام محكمة التمييز الاتحادية خلال المدة القانونية، التي قال إنها تبلغ 30 يوماً من تاريخ صدور الحكم. وإذا صودق على الحكم، فإنه يصبح قطعياً، وتُستكمل الإجراءات القانونية المترتبة عليه.

وأشار إلى أن شغور مقعدي السامرائي والجنابي، بعد اكتساب الحكمين الدرجة القطعية واستيفاء المتطلبات القانونية، يخضع لأحكام «قانون استبدال أعضاء مجلس النواب».

اقرأ أيضاً


مقالات ذات صلة

بغداد ودمشق تؤسسان لمنظومة علاقات تضمن الاستقرار

المشرق العربي الرئيس أحمد الشرع مستقبلاً رئيس الوزراء العراقي علي فالح الزيدي في مطار دمشق الأربعاء في أول زيارة يقوم بها إلى دمشق (الرئاسة السورية)

بغداد ودمشق تؤسسان لمنظومة علاقات تضمن الاستقرار

تكمن أهمية الزيارة في كونها الأولى لرئيس حكومة في العراق إلى سوريا منذ سقوط نظام الأسد، وتتويجاً لتحسن تدريجي في العلاقات السياسية والتنسيق الأمني بين الطرفين

«الشرق الأوسط» (دمشق)
المشرق العربي الرئيس السوري أحمد الشرع مستقبلاً رئيس الحكومة العراقية علي الزيدي في دمشق الأربعاء (إعلام حكومي)

الشرع يدعم العراق لحصر السلاح وبناء جيش قوي

أكد الرئيس السوري، أحمد الشرع، دعمه جهود رئيس الحكومة العراقية في حصر السلاح بيد الدولة، مشيراً إلى أنهما أمام فرصة تاريخية لبناء دولتين قويتين.

فاضل النشمي (بغداد)
شؤون إقليمية دورية عسكرية عراقية على الحدود مع سوريا في منطقة سنجار غرب الموصل (أ.ف.ب)

أربيل تعارض «تفاهمات أحادية» لدمج «البيشة» في سنجار

طالبت حكومة إقليم كردستان العراق، الأربعاء، السلطات الاتحادية بالتطبيق الكامل لاتفاق التطبيع في سنجار، منتقدة تفاهمات وصفتها بالأحادية لفرض واقع أمني وإداري.

حمزة مصطفى (بغداد)
المشرق العربي رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي يلتقي الرئيس السوري أحمد الشرع في مدينة نيويورك بالولايات المتحدة 22 سبتمبر 2026 (أرشيفية - رويترز)

الشرع والزيدي يبحثان في دمشق مستجدات المنطقة وتداعياتها الجيوسياسية‏

استقبل الرئيس السوري أحمد الشرع اليوم، رئيس الوزراء العراقي علي فالح الزيدي والوفد المرافق له في مطار دمشق الدولي.

«الشرق الأوسط» (دمشق - بغداد)
المشرق العربي صورة لمبنى السفارة الأميركية في بغداد (وكالة الأنباء العراقية)

ارتباك أمني بعد إسقاط مسيّرتي استطلاع في بغداد

أفادت مصادر أمنية، الثلاثاء، بأنَّ دفاعات جوية تابعة للسفارة الأميركية في بغداد أسقطت طائرتين مسيّرتين حلَّقتا فوق المنطقة الخضراء.

فاضل النشمي (بغداد)

هل تُخيّر إسرائيل نشطاء غزة بين قتلهم وحدهم أو مع أسرهم؟

فلسطينيون يتفحصون حطام مركبة دمّرتها غارة إسرائيلية على مخيم المغازي بوسط قطاع غزة الخميس (أ.ب)
فلسطينيون يتفحصون حطام مركبة دمّرتها غارة إسرائيلية على مخيم المغازي بوسط قطاع غزة الخميس (أ.ب)
TT

هل تُخيّر إسرائيل نشطاء غزة بين قتلهم وحدهم أو مع أسرهم؟

فلسطينيون يتفحصون حطام مركبة دمّرتها غارة إسرائيلية على مخيم المغازي بوسط قطاع غزة الخميس (أ.ب)
فلسطينيون يتفحصون حطام مركبة دمّرتها غارة إسرائيلية على مخيم المغازي بوسط قطاع غزة الخميس (أ.ب)

«تلقى اتصالاً من الاحتلال خيَّره بين قصفه مع أهله أو قتله وحيداً»... رواية واحدة تكررت في الآونة الأخيرة بقطاع غزة على لسان أهالي بعض نشطاء الفصائل الفلسطينية الذين قتلتهم إسرائيل في عمليات استهدفتهم استهدافاً مباشراً وهم يسيرون في شوارع صغيرة أو عامة، أو على أسطح منازل وبنايات سكنية أو حتى مراكز إيواء يعيشون بها مع أسرهم.

أحدث تلك الروايات كانت حول استهداف الشاب محمد البيوك، ظهر الأربعاء، من قِبل طائرة إسرائيلية مُسيَّرة وهو على سطح غرفة داخل مركز إيواء للنازحين وسط خان يونس بجنوب قطاع غزة، وذلك بعدما تلقى اتصالاً هاتفياً من ضابط في جهاز الأمن العام الإسرائيلي (الشاباك) يخيَّره بين قصفه مع أسرته أو الصعود للسطح لقتله وحيداً، فاختار المسار الأخير، وتم استهدافه بصاروخ صغير.

بعض أفراد عائلة البيوك الذين حاولت «الشرق الأوسط» التواصل معهم رفضوا التعقيب، في حين أكد آخرون صحة الرواية، ومن بينهم ابن إحدى خالات المستهدَف والذي كان حاضراً في المكان، مؤكداً إصابة خالته الأخرى بجروح خطيرة في أثناء ملاحقتها الشاب لمنعه من الخروج وحده بعد تلقيه الاتصال.

اضطرار إلى الانصياع

وفقاً لمصادر ميدانية تحدثت لـ«الشرق الأوسط»، فإن هذه الحالة تكررت مرات عدة في الأشهر القليلة الماضية، مؤكدةً أنها حصلت مع نحو خمس حالات خلال الفترة الأخيرة.

فلسطينيون يبكون أمام جثمان بمشرحة مستشفى الأقصى في دير البلح بوسط قطاع غزة الخميس (أ.ب)

وأشار أحد المصادر إلى أن بعض الشائعات تحدثت عن تكرار الأمر «كثيراً»، لكن بعد مراجعات أمنية تبين أنها ليست دقيقة؛ وإن كانت قد وقعت خمس حالات على الأقل من هذا النوع في الأشهر الثلاثة الماضية.

وقال المصدر إن من يتلقون مثل هذه الاتصالات من ضباط المخابرات الإسرائيلية يضطرون إلى الانصياع والابتعاد عن أُسرهم؛ حتى يجنّبوا أفرادها الموت، وعدَّ هذا دليلاً على أن إسرائيل تمارس الإعدام بشكل مباشر، وتعمل على ترويع النشطاء بمصير عوائلهم، كما فعلت بالعديد من الأسرى الذين كانت تتوعدهم بقتل أقاربهم إن هم امتنعوا عن تقديم معلومات أمنية خلال التحقيقات، في حين كانت تعرض على بعضهم صوراً لأبنائهم وأقاربهم بعد قتلهم للضغط عليهم نفسياً.

وصرَّح المصدر بأن جميع الحالات التي رُصدت كانت لنشطاء لهم علاقة بالعمل العسكري، أما القيادات الكبرى والميدانية البارزة فقد اُغتيلت خلال استهدافات عنيفة وبصواريخ ومُسيَّرت انتحارية عدة حتى لو كان ذلك على حساب إزهاق أرواح أعداد كبيرة من المدنيين.

«تبييض الصورة»

أجمعت المصادر على أن هذا الأسلوب «لا يعني أن الاحتلال رحيم بالفلسطينيين، أو أنه يعمل على تبييض وجهه أمام العالم»، مؤكدةً أن الكثير من عمليات القصف لا تزال تتسبب في قتل مدنيين من بينهم نساء وأطفال.

فلسطينيون يمشون قرب حطام مبانٍ مدمّرة بمدينة غزة الأربعاء (رويترز)

غير أنه يبدو أن إسرائيل تحاول تقليل ما تصفه بالخسائر الجانبية بسبب الانتقادات الدولية المستمرة لها، وفي ظل اتفاق مع الولايات المتحدة على ذلك، كما كشفت صحيفة «هآرتس» العبرية في مطلع سبتمبر (أيلول) الماضي.

وحسب الصحيفة، توصلت الولايات المتحدة وإسرائيل إلى تفاهم بشأن استخدام القوة في قطاع غزة، وقالت إن الإدارة الأميركية لا تتدخل في التحركات الإسرائيلية إلا في حالات استثنائية، وإن الرئيس الأميركي دونالد ترمب لا يطالب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بكبح جماح قواته بغزة.

وأشارت «هآرتس» إلى أن الاهتمام الأميركي ينصبّ على حالات سقوط ضحايا مدنيين، والتي تراجعت نسبياً نتيجة استخدام طائرات مسيّرة تستهدف نشطاء «حماس» بقنابل وصواريخ صغيرة.

وعلَّق أحد المصادر الميدانية على تلك الأنباء قائلاً إنها غير دقيقة، مؤكداً أن غارات تسببت في الآونة الأخيرة في قتل مدنيين خلال محاولة اغتيال ناشط أو بسبب استمرار القصف العشوائي، مشيراً إلى غارة تسببت، الأربعاء، في مقتل مدنيين وموظفين وممثلين عن تجار بعد قصف نقطة تابعة لوزارات حكومية في جنوب مواصي خان يونس تعمل على متابعة حركة البضائع الواردة لغزة.

غارات واستهدافات

وفي سياق التصعيد الميداني، قُتل فلسطينيان في غارة إسرائيلية استهدفتهما داخل مركبة بمخيم المغازي وسط قطاع غزة، في حين أصيب آخر بجروح متوسطة إثر غارة في منطقة الصفطاوي غرب مخيم جباليا بشمال القطاع.

فلسطينيون يتفحصون حطام مركبة دمرتها غارة إسرائيلية على مخيم المغازي بوسط قطاع غزة الخميس (أ.ب)

وقالت وكالة «شهاب» للأنباء: «وصل شهيدان وعدد من المصابين إلى مستشفى شهداء الأقصى، جراء الاستهداف الذي يأتي في سياق سلسلة من الخروقات المتواصلة لاتفاق وقف إطلاق النار في مناطق متفرقة من القطاع».

كما أصيب عدد من الفلسطينيين في إطلاق نار وقصف مدفعي استهدف مناطق عدة من قطاع غزة، في حين أغارت طائرة مروحية فجراً بصاروخ على شقة سكنية خالية، كانت قد تعرضت للقصف سابقاً، في شارع يافا بشرق مدينة غزة، دون أن يسفر ذلك عن إصابات.

وذكرت وكالة «شهاب»: «شنّت القوات الإسرائيلية سلسلة من الهجمات في مناطق متفرقة من قطاع غزة، شملت إطلاق النار على خيام النازحين، وقصفاً مدفعياً، واستهداف شقة سكنية بطائرة مسيّرة، إلى جانب عمليات تجريف وإطلاق نار من الزوارق الحربية».


«القوات اللبنانية» تقاطع الحكومة بسبب متفجرات «حزب الله»

رئيس الحكومة نواف سلام مترئساً الجلسة بغياب وزراء «القوات» (رئاسة الحكومة)
رئيس الحكومة نواف سلام مترئساً الجلسة بغياب وزراء «القوات» (رئاسة الحكومة)
TT

«القوات اللبنانية» تقاطع الحكومة بسبب متفجرات «حزب الله»

رئيس الحكومة نواف سلام مترئساً الجلسة بغياب وزراء «القوات» (رئاسة الحكومة)
رئيس الحكومة نواف سلام مترئساً الجلسة بغياب وزراء «القوات» (رئاسة الحكومة)

انتقل الخلاف داخل الحكومة اللبنانية بشأن إحالة ملف شحنة متفجرات ضهر البيدر إلى المجلس العدلي إلى مرحلة جديدة، الخميس، مع مقاطعة وزراء «القوات اللبنانية» جلسة مجلس الوزراء التي عُقدت برئاسة رئيس الحكومة نواف سلام في السراي الحكومي، وخُصصت لمناقشة ملف النفايات، وسط اعتراض على استبعاد ملف المتفجرات من جدول أعمالها.

وفيما تمسّك وزير العدل عادل نصار بمطلب الإحالة، قالت مصادر «القوات اللبنانية» لـ«الشرق الأوسط» إن استمرار مقاطعة الجلسات الحكومية يبقى الخيار المنطقي ما دامت الأسباب التي دفعت إليها قائمة، مع عدم استبعاد المشاركة في حال طرح استحقاق استراتيجي بالغ الأهمية.

ويأتي التصعيد بعد إرجاء مجلس الوزراء، في جلسته السابقة، بتّ طلب إحالة قضية شحنة المتفجرات التي أعلن «حزب الله» مسؤوليته عنها إلى المجلس العدلي، وإبقاء الملف قيد البحث في ضوء تقدم التحقيقات، وهو ما رفضته «القوات»، معتبرة أن خطورة القضية تستوجب حسم الإحالة من دون مزيد من التأخير.

وقبيل انعقاد الجلسة، قال وزير العدل (المحسوب على «القوات») عادل نصار: «سأطرح موضوع إحالة ملف متفجرات ضهر البيدر على المجلس العدلي، ولا تهاون في ذلك، ولا تسوية، وسأطالب بتحديد موعد لذلك إذا رفض سلام بحثه اليوم».

وأضاف: «برأيي يجب أن تتم إحالة ملف متفجرات ضهر البيدر على المجلس العدلي، وأنا مصرّ على الموضوع، ولن أتنازل عنه، وأشكر الوزراء الذين يؤيدون الإحالة، وأنا متمسّك بها، ولن أتراجع، ولا سبب لتأخير هذه الإحالة».

عدد من الوزراء قبيل بدء جلسة الحكومة التي عقدت الخميس برئاسة نواف سلام (الشرق الأوسط)

مقاطعة مفتوحة على احتمالات التصعيد

وأكدت المصادر أن «قرار مقاطعة جلسة مجلس الوزراء يأتي اعتراضاً على استمرار التهرب من إحالة ملف متفجرات (حزب الله) المضبوطة في ضهر البيدر إلى المجلس العدلي»، مشددة على أن «ملف النفايات مهم بالتأكيد، لكن هناك أولويات أكثر إلحاحاً اليوم، وفي مقدمتها قضية بحجم متفجرات ضهر البيدر، التي يجري تأجيل البت بها من جلسة إلى أخرى، وفي كل مرة يتم التنصل من اتخاذ قرار بإحالتها إلى المجلس العدلي».

وقالت المصادر لـ«الشرق الأوسط» إن «(القوات اللبنانية) اتخذت قراراً واضحاً بمقاطعة الجلسة طالما أن موضوع إحالة ملف المتفجرات إلى المجلس العدلي لم يُحسم، إذ لا يمكن الاستمرار في التعامل مع قضية بهذا الحجم عبر التأجيل المتكرر، فيما تُعقد جلسات لمناقشة ملفات أخرى، على أهميتها».

ورداً على سؤال عما إذا كانت المقاطعة ستستمر إلى حين إحالة القضية إلى المجلس العدلي، أجابت المصادر: «هذا هو المنطقي، وإن كان لا يمكن الجزم مسبقاً بما سيُتخذ من قرارات في كل جلسة. لكن إذا قاطعنا جلستين اعتراضاً على عدم إحالة الملف، ولم يتغير شيء، فما الذي يدفعنا إلى العودة؟ ولماذا نعود إذا بقيت الأسباب التي دفعتنا إلى المقاطعة قائمة؟».

ويعكس هذا الموقف توجهاً لدى «القوات» إلى ربط مشاركتها في الجلسات المقبلة بطبيعة الملفات المطروحة، من دون اتخاذ قرار نهائي بالمقاطعة المفتوحة، في وقت يبقى فيه طلب الإحالة إلى المجلس العدلي موضع خلاف داخل الحكومة.

رئيس حزب «القوات» سمير جعجع يتوسط الوزراء يوسف رجي وجو عيسى الخوري وجو صدي وكمال شحادة في معراب (أرشيفية - إعلام القوات)

الكهرباء سبب إضافي للاعتراض

ولا تقتصر اعتراضات «القوات» على ملف المتفجرات، إذ يشكّل عدم معالجة مطالب وزير الطاقة جو الصدي المتعلقة بمؤسسة كهرباء لبنان سبباً إضافياً للمقاطعة، وسط تحذيرات من انعكاس الأزمة المالية للمؤسسة على قدرتها على تأمين المحروقات، واستمرار الإنتاج.

وأشارت المصادر إلى أن «هناك مسألة أساسية أخرى تتعلق بملف الكهرباء، إذ إن وزير الطاقة جو الصدي يعتكف عن حضور جلسات مجلس الوزراء منذ نحو ثلاثة أسابيع، بعدما طرح أربع نقاط أساسية لمعالجة الأزمة، من دون أن تتخذ الحكومة حتى الآن خطوات جدية بشأنها».

وأوضحت أن المطالب تشمل تسديد مستحقات الإدارات والمؤسسات العامة لمؤسسة كهرباء لبنان، وتعويض المؤسسة عن الإعفاءات الممنوحة للجنوب، وتغطية أكلاف إصلاح أضرار الحرب، واعتماد تعرفة كهربائية متحركة.

وحذرت المصادر من تداعيات استمرار التأخير، قائلة: «نحن لا نشكك في النيات، لكن حتى الآن لم تتخذ الحكومة أي خطوة جدية لمعالجة هذه النقاط الأربع، والوقت يداهمنا، لأن استمرار الوضع على حاله سيجعل مؤسسة كهرباء لبنان عاجزة عن شراء المحروقات اللازمة لإنتاج الكهرباء، في ظل واقع تتجاوز فيه نفقاتها حجم إيراداتها، وجبايتها».

مطالبة بملاحقة أصحاب القرار

وبموازاة المقاطعة الوزارية، صعّدت «القوات اللبنانية» موقفها من المسار القضائي في قضية المتفجرات، متهمة السلطات بتجاهل إقرار مسؤولين في «حزب الله» بمسؤوليتهم عنها، والتركيز على ملاحقة عناصر لا تملك قرار نقلها.

وقالت الدائرة الإعلامية في الحزب، في بيان، إن «من المضحك المبكي ما يُسرَّب يوميًّا عن استمرار التحقيقات في قضية متفجرات ضهر البيدر، وما يرافقها من تداول أسماء يجري التدقيق فيها، بذريعة استكمال التحقيق في هذا الملف»، مشيرة إلى أن مسؤولين كباراً في «حزب الله»، من نواب وقياديين حزبيين، أقرّوا علناً، بحسب البيان، بأن الحزب كان ينقل المتفجرات، وأنها تعود إليه.

وأضافت: «ومن سخرية القدر أن يعلن الفاعل عن نفسه مراراً، وتكراراً، وأن يهدّد السلطة علناً، فيما تتجاهل هذه السلطة اعترافاته، وتهديداته، وتستمرّ في إضاعة الوقت عبر التفتيش عن عناصر صغيرة من هنا وهناك، لا تملك قراراً، ولا تتحمّل مسؤولية اتخاذه، في حين تتغاضى عن أصحاب القرار الذين أعلنوا مسؤوليتهم عن هذه المتفجرات».

عدد من الوزراء قبيل بدء جلسة الحكومة التي عقدت الخميس برئاسة نواف سلام (الشرق الأوسط)

وشددت «القوات» على أن «قضية متفجرات ضهر البيدر هي قضية أمن قومي بامتياز، وتمسّ أمن اللبنانيين جميعهم»، معتبرة أنه «أيًّا تكن الذرائع التي تُساق لتبرير نقل هذه المتفجرات، حتى لو صحّ ادعاء أصحابها أنها مخصّصة لمحاربة إسرائيل، فإنها تبقى تهديداً كبيراً، بل خطيراً جدًّا، لأهالي الجنوب بالدرجة الأولى، وللبنانيين كافة بالدرجة الثانية».

وطالبت الحكومة بإحالة الملف سريعاً إلى المجلس العدلي، قائلة: «من هنا، على الحكومة اللبنانية إحالة هذا الملف، بأسرع وقت ممكن، على المجلس العدلي، ليُصار إلى التحقيق فيه انطلاقاً من هذا المنظار بالذات، بدلاً من الاستمرار في إضاعة الوقت بملاحقة عناصر صغيرة لا علاقة لها بالقرار، فيما يجري التغاضي عن أصحاب القرار الذين أقرّوا علناً بمسؤوليتهم عن هذه المتفجرات».


«حزب الله» يروّج لـ«بوادر انفراج إيراني - أميركي»

عناصر من الجيش اللبناني يحرسون مزارعين أثناء قطف الزيتون وذلك لحمايتهم من أي هجمات إسرائيلية محتملة في بلدة زبقين بجنوب لبنان (رويترز)
عناصر من الجيش اللبناني يحرسون مزارعين أثناء قطف الزيتون وذلك لحمايتهم من أي هجمات إسرائيلية محتملة في بلدة زبقين بجنوب لبنان (رويترز)
TT

«حزب الله» يروّج لـ«بوادر انفراج إيراني - أميركي»

عناصر من الجيش اللبناني يحرسون مزارعين أثناء قطف الزيتون وذلك لحمايتهم من أي هجمات إسرائيلية محتملة في بلدة زبقين بجنوب لبنان (رويترز)
عناصر من الجيش اللبناني يحرسون مزارعين أثناء قطف الزيتون وذلك لحمايتهم من أي هجمات إسرائيلية محتملة في بلدة زبقين بجنوب لبنان (رويترز)

تجمع القوى السياسية على أن المفاوضات بين لبنان وإسرائيل تدخل حالياً في «إجازة»، تبقى مدتها معلّقة على هوية المكلّف بتشكيل الحكومة الإسرائيلية، وما إذا كان سيُعاد تكليف بنيامين نتنياهو، أم سيرسو الخيار على منافسه، رئيس الأركان السابق غادي آيزنكوت، رغم توافقهما في التعامل مع الملف اللبناني بشقّيه الأمني والسياسي. ويعود الخلاف بينهما إلى هوية مَن سيتزعّم الحكومة، في ضوء النتائج التي أسفرت عنها انتخابات «الكنيست».

فلبنان يمرّ حالياً بمرحلة يغلب عليها الترقّب، وسط خشية، وفق ما قال مصدر وزاري لـ«الشرق الأوسط»، من أن تطول فترة «الإجازة» المفروضة عليه، في حال تعذّر تشكيل الحكومة الإسرائيلية والدعوة مجدداً إلى انتخابات، ما لم تبادر واشنطن إلى التدخل لإفساح المجال أمام التوصل إلى تسوية بين نتنياهو ومنافسه آيزنكوت، خصوصاً أن الاجتماع العسكري اللبناني - الإسرائيلي، الذي رعته وزارة الخارجية الأميركية واستضافته في فلوريدا، لم يحقق أي تقدّم.

في المقابل، بدأ مصدر في «الثنائي الشيعي»، أقرب إلى «حزب الله»، يروّج لبوادر انفراج إيراني - أميركي، رغم أن الحكم النهائي يبقى رهناً بنتائج الوساطات الساعية إلى تهيئة الأجواء لاستئناف المفاوضات بين طهران وواشنطن، ما دفع مصدراً وزارياً إلى التساؤل عن مدى صحة ما يُروّج له.

مؤيدون لـ«حزب الله» يرددون شعارات خلال الذكرى السنوية الثانية لاغتيال حسن نصر الله (د.ب.أ)

وكشف المصدر الوزاري أن واشنطن لم تضغط على إسرائيل لإخراج «اتفاق الإطار» من المراوحة، بذريعة أنها ليست في وارد التدخّل ما دام نتنياهو لم يقدّم التسهيلات اللازمة لتفعيل الاتفاق، وهو يستعد لخوض انتخابات «الكنيست»، على أن يُترك ما بعدها لما ستؤول إليه النتائج، تفادياً لاستغلال هذه المسألة من قبل منافسه آيزنكوت.

ولفت إلى أن ما يهم واشنطن، من خلال رعايتها الاجتماع العسكري، هو تأكيد استمرارية المفاوضات، فيما تبقى الدعوة إلى استئنافها على المستوى السياسي معلّقة على نتائج الانتخابات في إسرائيل وانتخابات التجديد النصفي في الولايات المتحدة الأميركية.

وقال إن واشنطن فضّلت عدم التدخّل للضغط على نتنياهو لوقف اعتداءات جيشه وخروقه، وهو ما ألمح إليه رئيس الجمهورية العماد جوزيف عون بقوله إن الاتصالات في هذا الخصوص لا تزال بلا نتائج.

حجة لاستقواء «حزب الله» على الحكومة

وأكد المصدر أن عدم تجاوب واشنطن مع طلب عون الضغط على نتنياهو لوقف اعتداءاته من شأنه أن يوفّر مادة سياسية لـ«الثنائي الشيعي»، خصوصاً «حزب الله»، للاستقواء على الحكومة، عبر سؤال نوابه عمّا تحقق للبنان حتى الآن من دخوله في مفاوضات مباشرة مع إسرائيل.

وقال إنه كان يتوقع من الإدارة الأميركية التدخّل خلال الجولات السياسية السابقة التي عُقدت بين البلدين برعاية أميركية، لتعزيز الموقف اللبناني المؤيد للتفاوض من جهة، وإسقاط ما يتذرّع به الحزب لتبرير تمسّكه بـ«مذكرة التفاهم» الأميركية - الإيرانية من جهة ثانية، رغم أنها لم ترَ النور بعد، ولا تزال معلّقة على الجهود التي يبذلها الوسطاء لإقناع الطرفين الموقّعين عليها باستئناف المفاوضات.

رئيس البرلمان اللبناني نبيه بري مستقبلاً مساعد وزير الخارجية الإيرانية سعيد خطيب زادة في بيروت قبل أسبوعين (إ.ب.أ)

ورأى أن الاجتماع العسكري انتهى إلى وضع لائحة بنقاط الخلاف، على أن تحال لاحقاً على الاجتماع السياسي من دون تحديد موعد انعقاده، ويُترك لواشنطن تحديده بعد تشكيل الحكومة الإسرائيلية، وعندها سيكون في وسعها الضغط على تل أبيب لتفعيل الاتفاق ووضعه على سكة التنفيذ.

وقال إن الوفد العسكري رفض الموافقة على تشكيل لجنة تنسيق ثنائية يراد منها أن تحل مكان قوات الطوارئ الدولية «يونيفيل» فور مغادرتها الجنوب نهاية العام الحالي، فيما يُطالب لبنان بأن يكون البديل قوة أوروبية متعددة الجنسية، تحظى بغطاء الأمم المتحدة. لذلك يصر لبنان على التمسك بـ«اتفاق الإطار» باعتباره الخيار الأوحد، ولن يتراجع عن حصرية السلاح بيد الدولة بعد أن جرّب «حزب الله» الحل العسكري فيما حكومته تتطلع للضغط على إسرائيل، ما يضع الولايات المتحدة أمام تعهّد الرئيس الأميركي دونالد ترمب لعون عندما التقاه في البيت الأبيض بتوفير كل أشكال الدعم لتسهيل تطبيق «اتفاق الإطار».

أمين عام «حزب الله» نعيم قاسم (رويترز)

إشارة إيرانية إيجابية لـ«حزب الله»

في المقابل، يأمل المصدر المقرّب من «الثنائي الشيعي»، الذي أخذ على عاتقه الترويج لبوادر انفراج في العلاقات الأميركية - الإيرانية، بما يعيد الاعتبار إلى «مذكرة التفاهم» الموقّعة بين البلدين، أن تنجح الوساطات في استئناف التواصل بينهما، وفق ما قال لـ«الشرق الأوسط».

وكشف أن توقعاته بحدوث ذلك لم تأتِ من فراغ، بل استندت إلى التواصل بين الحزب والقيادة الإيرانية، وإن كان الحكم النهائي يبقى رهناً بما ستؤول إليه جهود الوساطة. وأكد أنه لا مصلحة لـ«الثنائي» في استباق النتائج، ملمّحاً إلى ما تردّد عن طلب ترمب من نائبه جي دي فانس توجيه رسالة إلى أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، اللواء محسن رضائي، يُراد منها تأمين الإمدادات للشعب الإيراني.

وأشار إلى أن الحزب بدأ الترويج لبوادر الانفراج منذ مساء الاثنين الماضي، بعدما تلقّى إشارة إيجابية في هذا الشأن من مسؤولين في القيادة الإيرانية، التي يُفترض أنها أطلعت رئيس مجلس النواب نبيه بري على ما لديها من معطيات، نظراً إلى تواصلها الدائم معه وحرصها على إبقائه مطّلعاً على حركة الموفدين والوسطاء الذين يترددون على طهران سعياً إلى تقريب وجهات النظر بينها وبين واشنطن. واكتفى بري بالقول أمام زوّاره إن «الحكم النهائي متروك لخواتيمها، ليكون بوسعنا أن نبني على الشيء مقتضاه».

توقيت بيان قاسم

وتوقف عند البيان الذي أصدره الأمين العام لـ«حزب الله» نعيم قاسم، مرجّحاً أن يكون قد اختار توقيت صدوره استناداً إلى ما تبلّغه من القيادة الإيرانية، وتحديداً «الحرس الثوري»، الذي تعود إليه الكلمة الفصل. وأشار إلى أن البيان لم يحمل أي جديد، بل كرّر مواقف الحزب المتمسّك بسلاحه، مؤكداً أنه «لا محل للنقاش حول سحبه ما دام الاحتلال موجوداً وعدوانه مستمراً»، وأنه لا شرعية لـ«اتفاق الإطار»، الذي عدّه بحكم المعدوم، مضيفاً: «نحن نهتم باتفاق إيران - أميركا الذي أثبت فاعليته بتخفيض مستوى العدوان على لبنان بمجرد إطلاق مذكرة التفاهم».