إجماع دولي يؤكد «استحالة الحل العسكري» لحرب السودان

«الاجتماع التشاوري السادس» في جنيف شدد على أن تحقيق السلام الدائم يتطلب «عملية سياسية ذات مصداقية»

جانب من الاجتماع التشاوري بشأن تعزيز تنسيق مبادرات وجهود السلام في السودان يوم 21 أكتوبر 2026 (الخارجية السعودية)
جانب من الاجتماع التشاوري بشأن تعزيز تنسيق مبادرات وجهود السلام في السودان يوم 21 أكتوبر 2026 (الخارجية السعودية)
TT

إجماع دولي يؤكد «استحالة الحل العسكري» لحرب السودان

جانب من الاجتماع التشاوري بشأن تعزيز تنسيق مبادرات وجهود السلام في السودان يوم 21 أكتوبر 2026 (الخارجية السعودية)
جانب من الاجتماع التشاوري بشأن تعزيز تنسيق مبادرات وجهود السلام في السودان يوم 21 أكتوبر 2026 (الخارجية السعودية)

أكد اجتماع دولي حول أوضاع السودان «استحالة الحل العسكري» للحرب الدائرة بين الجيش و«قوات الدعم السريع» منذ منتصف أبريل (نيسان) 2023.

وقال المجتمعون، في جنيف، إن «المدنيين يدفعون ثمن استمرار القتال الباهظ ويفاقم من معاناتهم»، داعين إلى «هدنة إنسانية عاجلة تمهد الطريق لوقف دائم لإطلاق النار»، وحثوا أطراف النزاع على خفض التصعيد والانخراط بجدية في مسار سياسي، كما شددوا على أهمية وقف التدخلات الخارجية التي تؤجج الحرب، وجددوا رفض إنشاء حكومات موازية، مؤكدين تمسكهم بوحدة السودان.

جاءت هذه المواقف في ختام «الاجتماع التشاوري السادس، لتعزيز تنسيق مبادرات وجهود السلام في السودان»، الذي نظمته الأمم المتحدة في جنيف، واختتم أعماله مساء الأربعاء. وترأس الاجتماع كلٌ من وزير الدولة السويسري للشؤون الخارجية ألكسندر فازل، والمبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة إلى السودان، بيكا هافيستو.

وشارك في الاجتماع ممثلون لـ22 دولة، بينها الولايات المتحدة والسعودية والإمارات ومصر وبريطانيا وفرنسا والصين وروسيا، ودول الجوار السوداني، بالإضافة إلى منظمات إقليمية ودولية، من بينها الأمم المتحدة، والاتحاد الأفريقي، والاتحاد الأوروبي، وهيئة «إيغاد».

وقال هافيستو: «تتمثل إحدى الخطوات الصغيرة التي تتخذها الأمم المتحدة في محاولة طرح ما يُعرف بتدابير بناء الثقة، وهي خطوات يمكن أن يوافق عليها طرفا النزاع». وأوضح أن أحد التدابير يتعلق بتبادل أسرى الحرب أو المعتقلين، العسكريين والمدنيين على حد سواء، وتسهيل امتحانات الطلاب.

وأضاف هافيستو: «نعتقد أن هناك قضايا ينبغي في الواقع أن توحّد طرفي النزاع، لكن هذه بطبيعة الحال ليست سوى خطوات أولية بسيطة مقارنة بالدمار الهائل الذي يحدث».

هدنة الإنسانية

وشدد المشاركون، وفق البيان الختامي، على ضرورة أن تقود الهدنة الإنسانية إلى وقف دائم لإطلاق النار، وأن تسهم إجراءات خفض التصعيد في تحسين الأوضاع على الأرض.

وانتقد الاجتماع تمسك الأطراف المتصارعة باستمرار القتال في انتظار تحقيق مكاسب عسكرية، مؤكداً «استحالة الحل العسكري للحرب» بعد ثلاثة أعوام ونصف العام. ووصف المجتمعون استمرار المساعي لتحقيق مكاسب عسكرية، بأنه «عبء يتحمل تكلفته المدمرة المدنيون الذين يعانون بالفعل من وطأة النزاع»، ودعوا إلى عدم تحميلهم تبعات الحسابات العسكرية للأطراف المتحاربة.

ودعا المجتمعون إلى الاحترام الكامل للقانون الدولي الإنساني، وحماية المنشآت المدنية، بما فيها البنية التحتية الحيوية اللازمة لتقديم الخدمات الأساسية، في جميع الأوقات، وحثوا الدول والجهات الفاعلة على الامتناع عن تأجيج الحرب، «بتوفير المرتزقة والمعدات العسكرية والطائرات المسيّرة والتمويل».

وحذر الاجتماع من أن استمرار هذه الممارسات التي بالضرورة تؤدي إلى سقوط المزيد من الضحايا، وتصعيد مخاطر واحتمالات تقسيم السودان حال استمرار دعم أطراف القتال، لكن البيان لم يسم أي دول أو جهات بعينها باعتبارها مسؤولة عن تقديم هذا الدعم.

وجدد المشاركون التزامهم بسيادة السودان ووحدته وسلامة أراضيه والحفاظ على مؤسسات الدولة، وأعلنوا رفضهم إنشاء أي حكومات أو مؤسسات أو هياكل حكم موازية، أو اتخاذ خطوات تقوض وحدة البلاد، داعين إلى اتخاذ تدابير ملموسة لحماية هذه المبادئ.

عملية سياسية ذات مصداقية

وليد الخريجي نائب وزير الخارجية السعودي خلال مشاركته في الاجتماع الذي استضافته جنيف (واس)

وعلى الصعيد السياسي، أكد الاجتماع أن تحقيق سلام دائم يتطلب عملية سياسية سودانية شاملة وذات مصداقية، تعكس تطلعات الشعب السوداني وتتيح مشاركة فاعلة لمختلف القوى السياسية والمدنية، بما فيها النساء والشباب، وصولاً إلى مسار انتقالي متفق عليه يحقق السلام المستدام والحكم الديمقراطي.

وأعلن المشاركون دعم جهود «المجموعة الرباعية» التي تضم الولايات المتحدة والسعودية والإمارات ومصر، وكذلك «المجموعة الخماسية» التي تضم الاتحاد الأفريقي والاتحاد الأوروبي والهيئة الحكومية الدولية المعنية بالتنمية «إيغاد» وجامعة الدول العربية والأمم المتحدة، في تيسير الحوار، وشددوا على ضرورة أن تتسم العملية السياسية بالشفافية والمصداقية وأن تكون خالية من الإكراه.

وأعرب الاجتماع عن بالغ القلق إزاء استمرار القتال والتقارير عن ارتكاب فظائع، وتصاعد استخدام الطائرات المسيّرة، وتفاقم الأزمة الإنسانية التي يواجه خلالها الملايين شحاً حاداً في الغذاء، وسط قيود على وصول المساعدات وظروف مناخية تزيد مخاطر المجاعة.

وحذر من التداعيات الإنسانية والاجتماعية والاقتصادية للحرب على دول المنطقة، ومن خطر امتداد النزاع خارج حدود السودان، ومن عواقب كارثية قد يصعب احتواؤها.

وتأتي مشاورات جنيف امتداداً لسلسلة اجتماعات سابقة استضافتها القاهرة وجيبوتي ونواكشوط وبروكسل، كان آخرها اجتماع القاهرة في 14 يناير (كانون الثاني) الماضي.

وتهدف تلك المشاورات إلى تنسيق المبادرات الإقليمية والدولية الرامية إلى إنهاء الصراع المسلح في السودان، فيما تقدّر هيئات الإغاثة أن الحرب الدائرة منذ سنوات أسفرت عن مقتل أكثر من 200 ألف شخص، وتسببت في نزوح ما يزيد على 13 مليوناً، ما أدى إلى نشوء أكبر أزمة جوع ونزوح في العالم.

كما جدد الاجتماع التمسك بالمبادئ التي أقرها المؤتمر الوزاري بشأن السودان في برلين أبريل (نيسان) الماضي، وبروح «إعلان جدة» الصادر في مايو (أيار) 2023، الذي تعهد فيه طرفا الحرب بحماية المدنيين وتسهيل وصول المساعدات الإنسانية.


مقالات ذات صلة

آمال بعودة التدفق التجاري بين مصر والسودان بعد هدوء التوترات

شمال افريقيا قلق من تأثر حركة التجارة بين مصر والسودان بعد مقتل سائقين مصريين (أ.ف.ب)

آمال بعودة التدفق التجاري بين مصر والسودان بعد هدوء التوترات

قدّم رئيس مجلس السيادة الانتقالي في السودان الفريق عبد الفتاح البرهان تطمينات بشأن أوضاع المصريين المقيمين بالسودان

أحمد جمال (القاهرة)
شمال افريقيا البرهان متحدثاً لأهالي مدينة حلفا (إعلام مجلس السيادة) p-circle 01:33

البرهان يفتح باب العودة ويستبعد حمدوك وتحالف «قحت»

رحّب رئيس مجلس السيادة السوداني عبد الفتاح البرهان بعودة السودانيين الراغبين في السلام، والحوار، لكنه استبعد رئيس الوزراء السابق عبد الله حمدوك، وقوى «قحت».

محمد أمين ياسين (نيروبي)
شمال افريقيا صورة بالأقمار الاصطناعية تُظهر مباني محترقة في سوق «أميت» بمنطقة أبيي 20 أكتوبر(رويترز). p-circle

عشرات القتلى بقصف سوق في أبيي... وجوبا تحتج لدى الخرطوم

استدعت وزارة خارجية جنوب السودان سفير السودان لدى جوبا احتجاجاً على هجوم بطائرات مسيَّرة استهدف سوقاً بمنطقة أبيي المتنازعة بين البلدين ومقتل العشرات.

أحمد يونس (كمبالا)
العالم العربي نقل جريح أصيب في هجوم بطائرة مسيرة على منطقة أبيي المتنازع عليها على الحدود بين السودان وجنوب السودان (رويترز)

هجوم بمسيّرات يقتل العشرات في منطقة حدودية بين السودان وجنوب السودان

قال وزير الإعلام المكلف في منطقة أبيي على الحدود بين السودان وجنوب السودان، يوحنا أكول نجور، إن ​ما لا يقل عن 73 شخصاً لقوا حتفهم إثر استهداف طائرات مسيرة.

«الشرق الأوسط» (الخرطوم)
شمال افريقيا حطام مسيّرة أعلن الجيش إسقاطها في مدينة الأُبيّض كبرى مدن إقليم كردفان (أرشيفية - متداولة) p-circle

المسيّرات توسّع رقعة المواجهات في السودان

تتزايد التقارير عن استخدام الطائرات المسيّرة في استهداف مواقع داخل مناطق سيطرة طرفي الحرب في السودان.

محمد أمين ياسين (نيروبي)

«الوحدة» الليبية تراهن على «الانضباط العسكري» لتطويق نفوذ الميليشيات

الدبيبة خلال لقاء مع عدد من قادة المجموعات المسلحة في الزاوية الأربعاء (الوحدة)
الدبيبة خلال لقاء مع عدد من قادة المجموعات المسلحة في الزاوية الأربعاء (الوحدة)
TT

«الوحدة» الليبية تراهن على «الانضباط العسكري» لتطويق نفوذ الميليشيات

الدبيبة خلال لقاء مع عدد من قادة المجموعات المسلحة في الزاوية الأربعاء (الوحدة)
الدبيبة خلال لقاء مع عدد من قادة المجموعات المسلحة في الزاوية الأربعاء (الوحدة)

بدا رئيس حكومة «الوحدة الوطنية» الليبية المؤقتة، عبد الحميد الدبيبة، حريصاً مراهناً على أهمية الانضباط العسكري والتنسيق بين الميليشيات في غرب البلاد، خلال لقاء مع عدد من قادتها في الزاوية، تناول سبل تعزيز الاستقرار وتنظيم عمل التشكيلات المختلفة، في مدينة تشهد بين حين وآخر توترات أمنية متقطعة.

غير أن قدرة الحكومة على ترجمة هذه التوجهات إلى استقرار مستدام تظل مرهونة بمدى التزام التشكيلات المسلحة بالتعليمات الرسمية، في ظل خلافات بين بعض قادتها وتباين الولاءات، بحسب محللين، وهي عوامل تجعل ضبط المشهد الأمني في الزاوية تحدياً يتجاوز مجرد التنسيق بين القيادات العسكرية والأمنية.

قادة مجموعات مسلحة في الزاوية خلال لقاء مع الدبيبة (الوحدة)

وبرز هذا التوجه خلال لقاء عقده الدبيبة، مساء الأربعاء، مع قادة مجموعات مسلحة ومسؤولين أمنيين وعسكريين، في اجتماع خصصته الحكومة لبحث الأوضاع الأمنية والعسكرية في الزاوية والمنطقة الغربية، وسط مساعٍ لاحتواء التوترات، وتعزيز التنسيق بين التشكيلات المختلفة.

واكتسب الاجتماع أهمية بسبب مستوى الحضور السياسي والعسكري الوازن، وحرص الدبيبة خلال اللقاء على تأكيد ضرورة الالتزام بالتسلسل القيادي والضوابط العسكرية، ومنع أي تحركات ميدانية خارج التعليمات الرسمية، إلى جانب تعزيز التنسيق بين القيادات الأمنية والعسكرية، بما يحد من التوترات ويعزز قدرة المؤسسات المختصة على ضبط الأوضاع في المنطقة الغربية، مؤكداً ضرورة «تنسيق الجهود بين مختلف الوحدات والتشكيلات العسكرية والأمنية، وتنظيم عملها بما يضمن الانضباط والالتزام بالتعليمات الصادرة عن الجهات المختصة، وتوحيد الجهود للحفاظ على الأمن العام».

غير أن هذه التوجهات تواجه اختباراً ميدانياً في الزاوية، الغارقة في الفوضى منذ انهيار نظام العقيد معمر القذافي 2011، حيث شهدت اشتباكات متقطعة على مدى سنوات بين مجموعات مسلحة متعددة الولاءات (حضرت اللقاء مع الدبيبة)، ولطالما أثارت سخطاً متراكماً لدى السكان، وأبرزت هشاشة الترتيبات الأمنية في المدينة.

ويبدي محللون تفاؤلاً حذراً في إمكانية تحقيق تهدئة نسبية خلال الفترة المقبلة. وقال المحلل السياسي الليبي، حسام الدين العبدلي، إن المدينة قد تشهد استقراراً نسبياً خلال الأيام المقبلة، في ظل سعي المجموعات المسلحة إلى رأب الخلافات بين عدد من قادتها.

وبحسب العبدلي، الذي تحدث لـ«الشرق الأوسط»، فإن حكومة الوحدة تتعامل مع الملف انطلاقاً من مقاربة تقوم على أن الأطراف التي يصعب تحييدها بالقوة يمكن التفاوض معها واحتواء خلافاتها، مشيراً إلى أن حكومة «الوحدة الوطنية» تمتلك قنوات تواصل واسعة مع التشكيلات المسلحة، وتمكنت من تسوية خلافاتها مع أطراف كانت على خصومة معها سابقاً.

ولفت العبدلي إلى إدراك الدبيبة أن ملف التوترات المتكررة والعالقة في المدينة الاستراتيجية يسرع تحركاته، أخذاً في الاعتبار أن استقرار الزاوية يرتبط بأمن العاصمة طرابلس، بالنظر إلى موقعها بوصفها البوابة الغربية للعاصمة.

وتكتسب الزاوية، التي يبلغ عدد سكانها نحو 351 ألف نسمة، وفق أرقام رسمية، أهمية استراتيجية بسبب وقوعها على الطريق الساحلي غرب طرابلس، واحتضانها لأكبر مصفاة نفطية في البلاد، فضلاً عن موقعها ضمن محور أمني يمتد من جنزور إلى زوارة، ما يجعل استقرارها مؤثراً في أمن المنطقة الغربية.

ورغم التحرك الحكومي فإن تقديرات بحثية، أبرزها المركز الليبي للدراسات الأمنية والعسكرية، ترى أن مساعي ضبط المشهد تواجه عقبات بنيوية، واصفةً في تقديرات بحثية سابقة واقع المجموعات المسلحة بأنه «شبكة معقدة»، في ظل نشاط تشكيلات خارج السيطرة الفعلية للدولة، رغم تبعية عدد منها لمؤسسات رسمية.

عناصر تابعة لمجموعة مسلحة في الزاوية خلال عملية تأمين مهرجان أقيم في المدينة مؤخرا (مديرية أمن الزاوية)

وتظهر هذه التبعية، وفق المركز، في الرتب العسكرية والأرقام التنظيمية والمقار الرسمية، لكنها لا تعني بالضرورة خضوع التشكيلات لسلطة الدولة الفعلية، خصوصاً أن علاقاتها البينية تتسم بالتنافس الحاد ومحاولات التصفية المتبادلة بين أطرافها.

ويشير المركز إلى أن غياب فصيل قادر على فرض سيطرة شاملة يبقي المشهد الأمني في الزاوية عرضة للتقلب، ويجعل التفاهمات بين المجموعات المسلحة قابلة للتبدل، بما يعقّد فرص بناء ترتيبات أمنية مستقرة ومستدامة في المدينة.

ومع ذلك تبدو استعادة الاستقرار في الزاوية «ضرورة ملحة بعد سنوات من تدهور الأوضاع الأمنية»، وفق العبدلي، الذي رجح أن تسعى الحكومة إلى إيجاد إطار يجمع الأجهزة الأمنية والمجموعات المسلحة، بما يعزز التنسيق ويحد من التوترات.

وانتهي العبدلي إلى أن تحقيق هذا الهدف يتطلب جهوداً أكبر لضمان التزام المجموعات المسلحة بقواعد الانضباط والتسلسل القيادي، معتبراً أن عدم الالتزام بهذه القواعد يعرقل توحيد الجهود الأمنية، ويحد من قدرة المؤسسات الرسمية على منع التوترات.


الجزائر: استبعاد مئات المرشحين يشعل مواجهة بين «سلطة الانتخابات» والأحزاب

رئيس «السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات» أكد ارتفاع عدد المسجلين الجدد في القوائم الانتخابية وفي عدد المترشحين للانتخابات المحلية المقبلة (أ.ب)
رئيس «السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات» أكد ارتفاع عدد المسجلين الجدد في القوائم الانتخابية وفي عدد المترشحين للانتخابات المحلية المقبلة (أ.ب)
TT

الجزائر: استبعاد مئات المرشحين يشعل مواجهة بين «سلطة الانتخابات» والأحزاب

رئيس «السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات» أكد ارتفاع عدد المسجلين الجدد في القوائم الانتخابية وفي عدد المترشحين للانتخابات المحلية المقبلة (أ.ب)
رئيس «السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات» أكد ارتفاع عدد المسجلين الجدد في القوائم الانتخابية وفي عدد المترشحين للانتخابات المحلية المقبلة (أ.ب)

تحتدم حالياً مواجهة حادة بين الأحزاب وهيئة تنظيم العمليات الانتخابية في الجزائر، على خلفية إقصاء مئات المترشحين للانتخابات المحلية، المقررة في 28 نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل، بناء على شبهة «فساد مالي»، في سيناريو يشبه إلى حد كبير مجريات التحضير لانتخابات البرلمان، التي جرت في 2 يوليو (تموز) الماضي؛ إذ تم استبعاد 3 آلاف مترشح لنفس السبب.

وأكد ساعد عروس، رئيس «السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات»، في فيديو بثته «السلطة» الأربعاء في حسابها بالإعلام الاجتماعي، أن «ارتفاع عدد المسجلين الجدد في القوائم الانتخابية، وفي عدد المترشحين للانتخابات المحلية المقبلة، يفنّد الادعاءات التي تتحدث عن عزوف انتخابي»، داعياً إلى «مشاركة واسعة وواعية ومسؤولة في هذا الاستحقاق».

الانتخابات التشريعية في 2 يوليو الماضي شهدت إقصاء 3 آلاف مترشح بشبهة المال الفاسد (سلطة الانتخابات)

وبشأن الانتقادات، التي تعرضت لها هيئة تنظيم الانتخابات من طرف أحزاب المعارضة، بخصوص «الإقصاء غير القانوني لقوائم الترشيحات»، قال عروس إنها «لا تستند إلى المعطيات المسجلة، ولا تدعمها الأرقام المتوفرة»، من دون أن يذكر بشكل صريح أنه كان بصدد الرد على منتقديه من قادة الأحزاب.

وأضاف عروس، وهو محامٍ قديم، أن «الوقائع أبلغ من التوقعات، والأرقام أكثر موثوقية من الأحكام المسبقة»، موضحاً أن «الرهان لا يقتصر على التسجيل أو الترشح، بل يتجسد يوم الاقتراع حين تتحول الرغبة في المشاركة إلى ممارسة ديمقراطية، ويصبح صوت المواطن تعبيراً حراً عن اختياره».

كما شدد رئيس سلطة الانتخابات على أنها «تتعهد بتحمل مسؤوليتها من خلال ضمان الحياد والشفافية، وتكافؤ الفرص، وحماية حرية الاختيار».

ارتفاع المترشحين للانتخابات المحلية

بعد عرض مختلف الأرقام المتعلقة بملفات الترشح لهذا الاستحقاق، أشار رئيس السلطة إلى أن هذه المعطيات تُظهر ارتفاعاً في عدد المترشحين مقارنة بالانتخابات المحلية لسنة 2021، «وهو ما يدحض الادعاءات المتداولة بشأن العزوف عن الترشح».

وبلغ عدد المترشحين للانتخابات المحلية الماضية 134.140 مترشحاً، منهم 115.230 للمجالس البلدية، و18.910 للمجالس الولائية، وفق الأرقام الرسمية. وارتفع العدد الإجمالي للمترشحين لانتخابات 2026 إلى 162.864 مترشحاً؛ أي بزيادة قدرها 28.724 مترشحاً، بنسبة تقارب 21.4 في المائة مقارنة بسنة 2021.

وفيما يتعلق بملفات الترشح المرفوضة، أوضح عروس أن قرارات الرفض «كانت معللة وفقاً للأحكام القانونية المعمول بها، مع احترام حق المعنيين في الطعن أمام الجهات القضائية المختصة، بهدف ضمان حماية الحقوق، وتسوية النزاعات وفقاً للإجراءات والآجال القانونية»، لافتاً إلى أن عملية استخلاف المترشحين المبعدين متواصلة إلى غاية 28 من الشهر الحالي.

وأكد عروس أن الانتخابات المقبلة «ستُجرى انطلاقاً من قناعتنا الراسخة بأن نزاهة الانتخابات لا تتوقف على يوم الاقتراع وحده، بل تُبنى من خلال تطبيق القانون طوال مسار متكامل، يتطلب تحضيراً محكماً، وانتظاماً في الإجراءات، واحتراماً للآجال، وصوناً للحقوق، بدءاً من المراجعة الاستثنائية للقوائم الانتخابية ودراسة ملفات الترشح، وصولاً إلى الحملة الانتخابية، ويوم الاقتراع وفرز الأصوات والإعلان عن النتائج».

وأضاف عروس أن السلطة الوطنية للانتخابات «سخّرت هياكلها المركزية والمحلية، وعملت على تنسيق جهودها، وضمان متابعة مختلف مراحل العملية الانتخابية، مع الحرص على توحيد منهجية العمل، ومعالجة المسائل القانونية والإجرائية، بما يضمن الانسجام في التطبيق السليم للقانون».

احتجاج حزبي

أكد عروس أن القانون «هو مرجعنا في كل إجراء، ومعيارنا في كل قرار، ولا يُؤخذ بأي معيار آخر غير المعايير والضمانات المنصوص عليها في أحكامه... وانطلاقاً من قناعتنا بأن الانتخابات مسؤولية وطنية مشتركة، جعلنا الحوار مع الفاعلين السياسيين إحدى ركائز التحضيرات، حيث عقدنا لقاءات مع رؤساء وممثلي الأحزاب السياسية الممثلة في البرلمان، واطلعنا على انشغالاتهم وملاحظاتهم ومقترحاتهم، في أجواء يسودها الانفتاح والإصغاء واحترام التعددية، باعتبارهم شركاء حقيقيين في المسار الانتخابي».

أمين عام «جبهة التحرير» عبد الكريم بن مبارك (إعلام حزبي)

وواصلت الأحزاب، الخميس، هجومها ضد «سلطة الانتخابات»؛ إذ عقد رئيس «صوت الشعب»، لمين عصماني، مؤتمراً صحافياً بالعاصمة، احتج فيه بشدة على إقصاء العشرات من مرشحي حزبه لـ«المحليات»، وفق مبررات عدّها «تعسفية ولا تستند إلى أي أدلة تثبت الشبهات ضد مناضلينا»، في إشارة إلى المادتين «1» و«184» من قانون الانتخابات، اللتين تتناولان «شبهة الفساد المالي» و«المس بأخلاق السياسة»، كمعيار استندت إليه سلطة الانتخابات في صياغة قرارات رفض الترشيحات.

الأمينة العامة لحزب العمال (إعلام حزبي)

من جهته، حذّر «حزب العمال» من تداعيات الشطب الواسع للمترشحين، الذي ارتكز أساساً على تقارير أمنية بشأن المسار الشخصي والمهني للمترشحين، ومحيطهم وعلاقاتهم. وعدّ الحزب أن «هذه الممارسات تمس بالحق الدستوري في الترشح، وتهدد التعددية السياسية ومصداقية العملية الانتخابية»، مناشداً رئيس البلاد التدخل لإعادة المترشحين، الذين قال إنهم «حُرموا من حقوقهم بصورة تعسفية».

رئيس «التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية» (إعلام حزبي)

وكانت عدة أحزاب أخرى قد احتجت على نتائج الغربال الأمني للترشيحات، أهمها «جبهة القوى الاشتراكية»، و«التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية»، و«جيل جديد»، و«حركة مجتمع السلم»... ورغم أن عملية الإقصاء مسّت كل الأحزاب الموالية للسلطة، خصوصاً «جبهة التحرير الوطني» و«التجمع الوطني الديمقراطي»، فإنها فضّلت الصمت، وصوّبت اهتمامها نحو تعويض المبعدين بآخرين.


إجماع دولي يؤكد «استحالة الحل العسكري» لحرب السودان

جانب من الاجتماع التشاوري بشأن تعزيز تنسيق مبادرات وجهود السلام في السودان يوم 21 أكتوبر 2026 (الخارجية السعودية)
جانب من الاجتماع التشاوري بشأن تعزيز تنسيق مبادرات وجهود السلام في السودان يوم 21 أكتوبر 2026 (الخارجية السعودية)
TT

إجماع دولي يؤكد «استحالة الحل العسكري» لحرب السودان

جانب من الاجتماع التشاوري بشأن تعزيز تنسيق مبادرات وجهود السلام في السودان يوم 21 أكتوبر 2026 (الخارجية السعودية)
جانب من الاجتماع التشاوري بشأن تعزيز تنسيق مبادرات وجهود السلام في السودان يوم 21 أكتوبر 2026 (الخارجية السعودية)

أكد اجتماع دولي حول أوضاع السودان «استحالة الحل العسكري» للحرب الدائرة بين الجيش و«قوات الدعم السريع» منذ منتصف أبريل (نيسان) 2023.

وقال المجتمعون، في جنيف، إن «المدنيين يدفعون ثمن استمرار القتال الباهظ ويفاقم من معاناتهم»، داعين إلى «هدنة إنسانية عاجلة تمهد الطريق لوقف دائم لإطلاق النار»، وحثوا أطراف النزاع على خفض التصعيد والانخراط بجدية في مسار سياسي، كما شددوا على أهمية وقف التدخلات الخارجية التي تؤجج الحرب، وجددوا رفض إنشاء حكومات موازية، مؤكدين تمسكهم بوحدة السودان.

جاءت هذه المواقف في ختام «الاجتماع التشاوري السادس، لتعزيز تنسيق مبادرات وجهود السلام في السودان»، الذي نظمته الأمم المتحدة في جنيف، واختتم أعماله مساء الأربعاء. وترأس الاجتماع كلٌ من وزير الدولة السويسري للشؤون الخارجية ألكسندر فازل، والمبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة إلى السودان، بيكا هافيستو.

وشارك في الاجتماع ممثلون لـ22 دولة، بينها الولايات المتحدة والسعودية والإمارات ومصر وبريطانيا وفرنسا والصين وروسيا، ودول الجوار السوداني، بالإضافة إلى منظمات إقليمية ودولية، من بينها الأمم المتحدة، والاتحاد الأفريقي، والاتحاد الأوروبي، وهيئة «إيغاد».

وقال هافيستو: «تتمثل إحدى الخطوات الصغيرة التي تتخذها الأمم المتحدة في محاولة طرح ما يُعرف بتدابير بناء الثقة، وهي خطوات يمكن أن يوافق عليها طرفا النزاع». وأوضح أن أحد التدابير يتعلق بتبادل أسرى الحرب أو المعتقلين، العسكريين والمدنيين على حد سواء، وتسهيل امتحانات الطلاب.

وأضاف هافيستو: «نعتقد أن هناك قضايا ينبغي في الواقع أن توحّد طرفي النزاع، لكن هذه بطبيعة الحال ليست سوى خطوات أولية بسيطة مقارنة بالدمار الهائل الذي يحدث».

هدنة الإنسانية

وشدد المشاركون، وفق البيان الختامي، على ضرورة أن تقود الهدنة الإنسانية إلى وقف دائم لإطلاق النار، وأن تسهم إجراءات خفض التصعيد في تحسين الأوضاع على الأرض.

وانتقد الاجتماع تمسك الأطراف المتصارعة باستمرار القتال في انتظار تحقيق مكاسب عسكرية، مؤكداً «استحالة الحل العسكري للحرب» بعد ثلاثة أعوام ونصف العام. ووصف المجتمعون استمرار المساعي لتحقيق مكاسب عسكرية، بأنه «عبء يتحمل تكلفته المدمرة المدنيون الذين يعانون بالفعل من وطأة النزاع»، ودعوا إلى عدم تحميلهم تبعات الحسابات العسكرية للأطراف المتحاربة.

ودعا المجتمعون إلى الاحترام الكامل للقانون الدولي الإنساني، وحماية المنشآت المدنية، بما فيها البنية التحتية الحيوية اللازمة لتقديم الخدمات الأساسية، في جميع الأوقات، وحثوا الدول والجهات الفاعلة على الامتناع عن تأجيج الحرب، «بتوفير المرتزقة والمعدات العسكرية والطائرات المسيّرة والتمويل».

وحذر الاجتماع من أن استمرار هذه الممارسات التي بالضرورة تؤدي إلى سقوط المزيد من الضحايا، وتصعيد مخاطر واحتمالات تقسيم السودان حال استمرار دعم أطراف القتال، لكن البيان لم يسم أي دول أو جهات بعينها باعتبارها مسؤولة عن تقديم هذا الدعم.

وجدد المشاركون التزامهم بسيادة السودان ووحدته وسلامة أراضيه والحفاظ على مؤسسات الدولة، وأعلنوا رفضهم إنشاء أي حكومات أو مؤسسات أو هياكل حكم موازية، أو اتخاذ خطوات تقوض وحدة البلاد، داعين إلى اتخاذ تدابير ملموسة لحماية هذه المبادئ.

عملية سياسية ذات مصداقية

وليد الخريجي نائب وزير الخارجية السعودي خلال مشاركته في الاجتماع الذي استضافته جنيف (واس)

وعلى الصعيد السياسي، أكد الاجتماع أن تحقيق سلام دائم يتطلب عملية سياسية سودانية شاملة وذات مصداقية، تعكس تطلعات الشعب السوداني وتتيح مشاركة فاعلة لمختلف القوى السياسية والمدنية، بما فيها النساء والشباب، وصولاً إلى مسار انتقالي متفق عليه يحقق السلام المستدام والحكم الديمقراطي.

وأعلن المشاركون دعم جهود «المجموعة الرباعية» التي تضم الولايات المتحدة والسعودية والإمارات ومصر، وكذلك «المجموعة الخماسية» التي تضم الاتحاد الأفريقي والاتحاد الأوروبي والهيئة الحكومية الدولية المعنية بالتنمية «إيغاد» وجامعة الدول العربية والأمم المتحدة، في تيسير الحوار، وشددوا على ضرورة أن تتسم العملية السياسية بالشفافية والمصداقية وأن تكون خالية من الإكراه.

وأعرب الاجتماع عن بالغ القلق إزاء استمرار القتال والتقارير عن ارتكاب فظائع، وتصاعد استخدام الطائرات المسيّرة، وتفاقم الأزمة الإنسانية التي يواجه خلالها الملايين شحاً حاداً في الغذاء، وسط قيود على وصول المساعدات وظروف مناخية تزيد مخاطر المجاعة.

وحذر من التداعيات الإنسانية والاجتماعية والاقتصادية للحرب على دول المنطقة، ومن خطر امتداد النزاع خارج حدود السودان، ومن عواقب كارثية قد يصعب احتواؤها.

وتأتي مشاورات جنيف امتداداً لسلسلة اجتماعات سابقة استضافتها القاهرة وجيبوتي ونواكشوط وبروكسل، كان آخرها اجتماع القاهرة في 14 يناير (كانون الثاني) الماضي.

وتهدف تلك المشاورات إلى تنسيق المبادرات الإقليمية والدولية الرامية إلى إنهاء الصراع المسلح في السودان، فيما تقدّر هيئات الإغاثة أن الحرب الدائرة منذ سنوات أسفرت عن مقتل أكثر من 200 ألف شخص، وتسببت في نزوح ما يزيد على 13 مليوناً، ما أدى إلى نشوء أكبر أزمة جوع ونزوح في العالم.

كما جدد الاجتماع التمسك بالمبادئ التي أقرها المؤتمر الوزاري بشأن السودان في برلين أبريل (نيسان) الماضي، وبروح «إعلان جدة» الصادر في مايو (أيار) 2023، الذي تعهد فيه طرفا الحرب بحماية المدنيين وتسهيل وصول المساعدات الإنسانية.