قد يبدو الانتقال إلى منزل جديد أو بدء وظيفة جديدة أو دخول مرحلة مختلفة من الحياة سبباً طبيعياً للاحتفال، لكن التغييرات الكبيرة قد تحمل معها مشاعر متناقضة لا تظهر دائماً في البداية. فحتى التحولات التي تأتي بعد انتظار طويل ورغبة حقيقية قد تترافق مع الحزن والقلق والتوتر والشعور بالحنين إلى الحياة السابقة.
ويُعرف هذا النوع من الحزن بعد الانتقال باسم «اكتئاب الانتقال»، وقد تظهر معه أعراض مثل اضطرابات النوم وتغير الشهية والتململ والتشكيك في القرار المتخذ. وفي تقرير نشره موقع «هاف بوست»، يوضح متخصصون في الصحة النفسية لماذا قد تستمر صعوبات التأقلم لأشهر، ومتى تكون هذه المشاعر جزءاً طبيعياً من التغيير، ومتى تستدعي طلب الدعم.
وقالت لورين أبيو، وهي إخصائية نفسية ومدربة تنفيذية: «البدايات الجديدة هي أيضاً نهايات. الانتقال إلى منزل جديد يعني ترك منزل قديم. والبدء في وظيفة جديدة يعني وداع زملائك السابقين. وبالطبع، يمكنكم أن تلتقوا مجدداً، لكن العلاقات تتغير».
وأضافت: «حتى إذا كان التغيير شيئاً أردته بشدة، فمن الطبيعي والمفهوم أن تشعر بالحزن على ما تخسره أو تتركه خلفك».
ففي الأفلام، قد يكون التحول الجديد سبباً للاحتفال، لكن الحياة الواقعية أكثر تعقيداً.
وقالت أليسيا فيليز، وهي إخصائية اجتماعية إكلينيكية مرخصة تتخذ من بروكلين في نيويورك مقراً لها: «لقد اعتدنا على الاعتقاد بأن بعض اللحظات في الحياة تحمل بطبيعتها طابع الاحتفال أو الخير أو الإثارة: وظيفة جديدة، منزل جديد، الزواج، مولود جديد».
لكن المعالجين أوضحا أنه حتى الأخبار الجيدة التي كنا نرغب فيها قد تكون مرهقة إلى حد كبير لأجسامنا وعقولنا.
أعراض غير متوقعة قد تظهر بعد تغيير كبير
الحزن والقلق والتوتر... كلها ردود فعل طبيعية
وقالت أبيو إن صعوبات التأقلم لا تظهر بالضرورة في صورة الحزن والأسى فقط، بل قد تظهر أيضاً على شكل التهيج والتململ والقلق.
وأوضحت: «قد تواجه صعوبة في النوم أو تلاحظ تغيرات في الشهية، وقد تجد نفسك تتساءل عما إذا كان قرارك صائباً. ويجد معظم الناس أن هذه المشاعر تتلاشى بعد ثلاثة إلى ستة أشهر، مع بدء التأقلم مع تجربتهم الجديدة».
لحظات الهلع طبيعية أيضاً
وقالت شانون غارسيا، وهي معالجة نفسية في مؤسسة «States of Wellness Counseling» التي تتخذ من ولايتي إلينوي وويسكونسن مقراً لها: «قد تلاحظ أنك تفكر بطريقة من قبيل: هل اتخذت القرار الصحيح؟ قد يكون الأمر مقلقاً في البداية».
وأوضح المعالجون أن أفضل طريقة للتعامل مع هذه المشاعر هي تقبل لحظات الصعود والهبوط، بدلاً من الاعتقاد بأن «المفترض» أن يكون الشعور دائماً إيجابياً وسعيداً.
وقالت غارسيا: «اسمح لنفسك بأن تعيش مشاعر الحلو والمر التي ترافق ترك مرحلة من حياتك والبدء بأخرى. اسمح لنفسك بالحزن. واعترف بوجود القلق. ومجرد أن المشاعر غير مريحة لا يعني أنه ينبغي كبتها وتجنبها. فعادةً ما يؤدي ذلك إلى جعل هذه المشاعر أكثر إزعاجاً واستمرارها فترة أطول مما ترغب».
لا تجعل القلق سبباً للتشكيك في اختياراتك
وبدلاً من التشكيك في اختياراتك الحياتية، اقترحت غارسيا التعامل مع الذات بلطف، وإعادة صياغة الأفكار المتكررة والمقلقة بعبارات مثل: «أشعر بالقلق لأن هذا الأمر جديد، وليس لأنه خاطئ».
وأضافت: «قل لنفسك: أنا أحزن على ما كان يجلب لي السعادة، وأعرف أن مزيداً من السعادة ينتظرني في المستقبل».
إذا ازدادت المشاعر السلبية... اطلب الدعم
وقالت فيليز إنها لا تفضل وضع «موعد نهائي صارم» للشخص الذي يُفترض أن يكون قد تأقلم خلاله مع التغيير.
لكن من المهم معرفة أن استمرار الشعور بالتردد أو التناقض بعد مرور أشهر أمر طبيعي.
وأضافت: «تدعم الأبحاث فكرة أن التأقلم يحدث على مدى أشهر، وليس خلال أيام أو أسابيع».
وتابعت دراسة أُجريت عام 2025، وشملت 206 أزواج كانوا ينتقلون إلى مكان جديد من أجل أحد الشريكين، ووجد الباحثون أن معظم مصادر التوتر المرتبطة بالانتقال تراجعت بمرور الوقت، لكن الأمر استغرق أكثر من بضعة أسابيع أو حتى بضعة أشهر.
ليس مطلوباً تجاوز التغيير بالكامل
باختصار، ليس من الضروري أن يتجاوز الشخص هذا التغيير بالكامل.
وقالت غارسيا: «لا بأس أيضاً في أن يظل جزء منك يشعر بالحزن على التغيير بدرجة ما إلى الأبد».
لكن من المهم الانتباه إلى شدة المشاعر السلبية إذا لم تبدأ في التراجع.
وقالت فيليز: «إذا لاحظت أن الضيق لا يزال شديداً، أو يزداد سوءاً، أو يستمر في التأثير بشكل كبير في حياتك، فهذا سبب للتوقف قليلاً وطلب الدعم وإعادة تقييم مرحلة الانتقال. ففي بعض الأحيان، تكون الإجابة أنك تحتاج إلى مزيد من الوقت والدعم للتأقلم. وفي أحيان أخرى، تكون الإجابة أن شيئاً ما في الوضع نفسه لا يناسبك فعلاً».



