تواجه اليابان اختباراً متزايد الصعوبة في موازنة أولوياتها الاستراتيجية والاقتصادية، مع بحث الحكومة رفع الإنفاق الدفاعي إلى مستويات غير مسبوقة، بالتوازي مع خطط لخفض الضرائب ودعم الأسر، في وقت تتصاعد فيه مخاوف الأسواق بشأن الدين العام وارتفاع تكلفة الاقتراض.
وأفادت وكالة «بلومبرغ» بأن طوكيو تدرس سيناريو يرفع الإنفاق الدفاعي إلى 3.5 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي على مدى 10 سنوات، مع احتمال اعتماد هدف أقل عند 3 في المائة. وإذا مضت الخطة قدماً، فإنها ستعني انتقالاً واضحاً في السياسة المالية والأمنية اليابانية، بعد سنوات من الزيادات التدريجية في الإنفاق العسكري.
ويأتي هذا التوجه بينما تسعى حكومة رئيسة الوزراء ساناي تاكايتشي إلى توسيع الإنفاق في قطاعات استراتيجية، وهو ما يفاقم الضغوط على موازنة تعاني أصلاً من أعباء خدمة دين ضخم.
عبء مالي متزايد
في الوقت نفسه، تستعد الحكومة للمضي في خطة لخفض ضريبة الاستهلاك على المواد الغذائية، وهي خطوة تستهدف تخفيف أثر ارتفاع تكاليف المعيشة على الأسر، ولكنها تثير تساؤلات مباشرة حول مصادر التمويل.
وتفرض اليابان حالياً ضريبة استهلاك بنسبة 10 في المائة على السلع والخدمات، و8 في المائة على المواد الغذائية. وتقضي المسودة بخفض الضريبة على الغذاء إلى 1 في المائة لمدة عامين بدءاً من أبريل (نيسان) 2027، مع تقديم مدفوعات تعادل النسبة المتبقية، بما يجعل العبء الضريبي الفعلي على الغذاء شبه معدوم.
وتقدَّر الفجوة في الإيرادات الناتجة عن الخفض بنحو 5 تريليونات ين. ورغم أن الحكومة تقول إنها لا تعتزم الاعتماد على سندات تمويل العجز، فإنها لم تقدِّم حتى الآن إطاراً واضحاً ومفصلاً لمصادر التمويل البديلة.
وتشير المسودة إلى الاعتماد على إيرادات غير ضريبية، ومراجعة الدعم والإعفاءات القائمة، ولكن الغموض المستمر بشأن التفاصيل أبقى الأسواق في حالة قلق.
السندات ترسل إشارة تحذير
انعكست هذه المخاوف مباشرة على سوق الدَّين؛ حيث ارتفع عائد السندات الحكومية اليابانية لأجل 10 سنوات إلى 3.025 في المائة، وهو أعلى مستوى له منذ نحو 3 عقود. وقال كيسوكي تسوروتا، كبير استراتيجيي السندات لدى «ميتسوبيشي يو إف جي مورغان ستانلي للأوراق المالية»، إن من الصعب تقدير الحجم النهائي لإصدارات الدَّين في العام المقبل، وإن الأسواق ستظل متوترة إلى أن تتضح صورة مشروع الموازنة بشكل كامل.
وتزداد الحساسية لأن الحكومة تستهدف إبقاء إصدارات السندات الجديدة قرب 40 تريليون ين في السنة المالية 2027، رغم أن طلبات الإنفاق ارتفعت بالفعل إلى مستويات تقارَن بفترة الجائحة. ومع ارتفاع أسعار الفائدة وتراجع مشتريات بنك اليابان من السندات، بات تمويل الدين أكثر تكلفة، ما يضيف عبئاً جديداً على السياسة المالية.
الدفاع يضيف طبقة جديدة
الحديث عن رفع الإنفاق الدفاعي إلى 3 أو 3.5 في المائة من الناتج المحلي يضيف بعداً جديداً إلى هذه المعادلة.
فاليابان تواجه ضغوطاً أمنية متزايدة في محيطها الإقليمي، وتتحرك لتعزيز قدراتها العسكرية والبنية التحتية الدفاعية على المدى الطويل. ولكن أي زيادة كبيرة في الإنفاق ستتطلب إما إعادة ترتيب أولويات الموازنة، وإما زيادة الإيرادات، وإما قبول مستويات أعلى من الاقتراض. وهنا تظهر المعضلة الرئيسية؛ فالحكومة تريد في الوقت نفسه تخفيف العبء عن الأسر، ودعم النمو، وزيادة الإنفاق الدفاعي، مع محاولة طمأنة المستثمرين إلى أنها لن تسمح للدَّين بالخروج عن السيطرة. ويبلغ الدَّين العام الياباني نحو ضعفَي حجم الاقتصاد، وهو الأعلى بين الدول المتقدمة، بينما تمثل ضريبة الاستهلاك مورداً رئيسياً لتمويل الرعاية الاجتماعية ومعاشات التقاعد في مجتمع سريع الشيخوخة.
لذلك، فإن خفض هذه الضريبة لا يمثل مجرد قرار اجتماعي؛ بل يمثل تغييراً جوهرياً في هيكل الإيرادات الحكومية. وقال كاتسوتوشي إينادومي، كبير الاستراتيجيين لدى «سوميتومو ميتسوي تراست» لإدارة الأصول، إن غياب الوضوح بشأن تمويل التخفيضات الضريبية يضغط خصوصاً على السندات طويلة وفائقة الطول.
معادلة صعبة لتاكايتشي
وتجد تاكايتشي نفسها أمام معادلة سياسية واقتصادية معقدة: إنفاق أكبر لدعم الأمن والنمو، وتخفيضات ضريبية لدعم الأسر، وأسواق سندات تطالب بعوائد أعلى بسبب القلق من التوسع المالي. وإذا أضيف هدف إنفاق دفاعي يصل إلى 3.5 في المائة من الناتج المحلي إلى هذه الالتزامات، فإن السؤال سيصبح أقل ارتباطاً بحجم الإنفاق نفسه، وأكثر ارتباطاً بقدرة الحكومة على تمويله دون الإضرار بمصداقيتها المالية. ولهذا ستظل الأسواق تراقب تفاصيل الموازنة المقبلة، وحجم إصدارات السندات، وأي خطوات لزيادة الإيرادات أو تقليص الإنفاق في بنود أخرى. فنجاح اليابان في تنفيذ خططها الدفاعية والاجتماعية لن يتوقف فقط على الإرادة السياسية؛ بل على قدرتها على إقناع المستثمرين بأن التوسع المالي لا يعني التخلي عن الانضباط.
