كلما طال أمد الحرب في أوكرانيا ازدادت الهواجس الأمنية المحيطة بالرئيس الروسي فلاديمير بوتين، بالتوازي مع توسع نفوذ الأجهزة الأمنية داخل مؤسسات الدولة والمجتمع، وفق تحقيق صدر اليوم (الاثنين) في صحيفة «لوموند» الفرنسية.
ويعيش بوتين، البالغ 73 عاماً، وسط منظومة أمنية مشددة ترافق تحركاته، تشمل سيارة مصفحة، ومواكب مزودة بالأسلحة وأنظمة دفاع جوي، وحراساً مدججين بالسلاح. كما توجد مكاتب متطابقة للرئيس في عدد من مقار إقامته المحصّنة، في وقت بات الخوف من المسيّرات الأوكرانية عاملاً أساسياً في ترتيبات حمايته.
وخلال صيف 2026، استأنف بوتين تنقلاته داخل روسيا بعدما أمضى نحو ستة أشهر من دون زيارات تُذكر إلى المناطق، في حين ترافقه إجراءات أمنية استثنائية أيضاً خلال رحلاته الخارجية النادرة.

صعود رجال الأجهزة
وبالتوازي مع تشديد حماية الرئيس، تعزز نفوذ الـ«سيلوفيكي»، وهم المسؤولون المنحدرون من الأجهزة الأمنية والعسكرية، داخل النخبة الروسية، وفي مقدمتها جهاز الأمن الفيدرالي (إف إس بي)، وريث جهاز «كي جي بي» السوفياتي.
ومنذ بدء الحرب على أوكرانيا عام 2022 رُفع على أربع دفعات عدد العاملين في المقر المركزي لجهاز الحماية الفيدرالي (إف إس أو)، المسؤول عن حماية الرئيس، ليصل إلى أكثر من 800 عنصر. أما إجمالي قوام الجهاز، الذي تبقى بياناته مصنفة سرية، فتشير تقديرات إلى أنه يتجاوز 50 ألف عنصر.
ويضاف إلى ذلك الحرس الوطني الروسي (روسغفارديا)، الذي يضم نحو 370 ألف عنصر، ويخضع للسلطة الرئاسية، ويتولى مهمات تتراوح بين الأمن الداخلي ومراقبة السكان وتجنيد متطوعين للقتال. لكن توسع نفوذ الأجهزة لا يعني أنها تشكل كتلة واحدة.
وتنقل الصحيفة عن باحثة متخصصة في النخب الروسية قولها إن التوترات تتزايد داخل هذه الأوساط، مشيرة إلى أن الأجيال التي هي أكبر سناً ترتبط شخصياً ببوتين، في حين يرتبط الأصغر سناً أكثر بالنظام الذي بناه الرئيس الروسي.

رقابة مشددة
وامتد تشديد القبضة الأمنية إلى المجتمع الروسي، وسط توسع الرقابة على الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي ودور النشر والمكتبات والمؤسسات الثقافية، إضافة إلى تشجيع الإبلاغ عن المواقف المناهضة للكرملين والحرب.
كما شهدت قضايا الخيانة والتجسس ارتفاعاً كبيراً. فبعدما كانت روسيا تسجل ما بين 10 ملاحقات و15 ملاحقة سنوياً من هذا النوع قبل الحرب، طالت هذه القضايا 1635 شخصاً على الأقل منذ عام 2022، وفق إحصاء أورده التحقيق.
ووصلت الرقابة كذلك إلى المدارس، حيث أمر بوتين في يونيو (حزيران) بتعزيز عمليات التفتيش التي يجريها الادعاء العام وجهاز الأمن الفيدرالي، في إطار مكافحة ما تصفه السلطات بالتطرف.

عزلة متزايدة
ولا تقتصر صورة «التحصّن» على الإجراءات الأمنية المحيطة ببوتين؛ إذ تشير شهادات نقلها تحقيق «لوموند» إلى ازدياد عزلته السياسية أيضاً. وبحسب مسؤول في الإدارة الرئاسية ظل على اتصال بالكرملين، فقد أصبح الرئيس الروسي أقل استعداداً للاستماع إلى الآراء المشككة في خياراته، وينظر بريبة إلى من يعبّر عن اعتراضات.
وبعد أكثر من أربع سنوات ونصف السنة على بدء الغزو الروسي لأوكرانيا، تبدو الحرب والأمن الداخلي أكثر ترابطاً، في حين يواصل الكرملين تشديد قبضته في الداخل بالتزامن مع استمرار المواجهة العسكرية في الخارج.

