يصعب أن نتخيل الحياة الاجتماعية في السعودية من دون القهوة. فهي ليست مجرد مشروب يبدأ به الصباح أو يُقدَّم للضيف، وإنما جزء من طقوس اجتماعية متوارثة؛ فنجان صغير يفتح باب الحديث، ويعلن الترحيب، ويمنح الجلسة وقتاً أطول.
المفارقة أن المقاهي التي تنتشر اليوم في المدن السعودية، بتصاميمها العصرية وقوائمها التي تحتفي بأصول البن وطرق تحضيره، ليست فكرة جديدة تماماً. فقبل قرون، كانت مكة المكرمة من الأماكن التي شهدت ظهور أحد أقدم أشكال المقاهي العامة.
ووفقاً لموقع «إي دي ميدل إيست»، بدأت القهوة رحلتها في القرن الـ15 من اليمن، حيث ارتبطت في بداياتها بالأوساط الصوفية، قبل أن تنتقل إلى مكة، وتظهر فيها أماكن عُرفت باسم «القهوة خانة». وبحلول أوائل القرن الـ16، أصبحت هذه الأماكن جزءاً من الحياة اليومية في المدينة.

لم تكن تشبه المقاهي التي نعرفها اليوم، لكنها أدت وظيفة قريبة منها؛ إذ كانت أماكن بسيطة ومفتوحة في محيط الأسواق والطرق التجارية، يقصدها الناس للراحة من الحر، والاستماع إلى الأخبار، ومناقشة الأعمال وشؤون المجتمع.
وبذلك، ارتبطت القهوة منذ وقت مبكر بفكرة المكان الذي يجتمع فيه الناس، وليس فقط بالمشروب نفسه. ومن مكة، انتشرت المقاهي إلى مدن عربية وإسلامية أخرى، مثل القاهرة ودمشق وإسطنبول، لتصبح لاحقاً جزءاً من المشهد الحضري في المنطقة.
من المقهى إلى المجلس
في السعودية، أخذت القهوة لاحقاً طريقاً مختلفاً، وانتقلت بدرجة أكبر من الأماكن العامة إلى البيوت والمجالس.
وهناك اكتسبت معنى أكثر خصوصية؛ فأصبحت جزءاً من استقبال الضيف، وعلامةً على الكرم، وطقساً اجتماعياً له تفاصيله المعروفة. ولم يعد الفنجان مجرد مشروب، بل أصبح وسيلةً للتقارب وبدء الأحاديث.
وبعد قرون، بدأت القهوة تستعيد حضورها في الفضاء العام، مع انتشار المقاهي الجديدة خلال العقد الثاني من القرن الـ21.
جاءت هذه العودة في وقت كانت فيه السعودية تشهد تحولات اجتماعية واقتصادية واسعة، وظهر معها اهتمام متزايد بما يُعرف عالمياً بـ«الموجة الثالثة للقهوة»، وهي ثقافة تتعامل مع القهوة بوصفها حرفةً وفناً، بدءاً من مصدر حبوب البن، مروراً بالتحميص وطريقة الاستخلاص، ووصولاً إلى التفاصيل الصغيرة التي تصنع التجربة.
لكن السعودية لم تكتفِ باستيراد هذا الاتجاه، بل مزجته بثقافتها الخاصة.
مقاهٍ تحمل ذاكرة المكان

في جدة، المدينة التي ارتبط تاريخها بالتجارة والحجاج وحركة القهوة في المنطقة، ظهرت مقاهٍ حاولت منح التجربة الجديدة هويةً محلية.
ومن بينها «ميراكي» (Meraki)، الذي كان من المقاهي اللافتة في تلك المرحلة. ويقول أحد مؤسسيه، محمد شطا، إن التصميم بالنسبة إليه كان محاولةً للجمع بين القديم والجديد، بحيث يمنح التراث المكان عمقه، بينما تمنحه الحياة المعاصرة روحاً جديدةً.
وفي الرياض، يقدم «شملات» مثالاً آخر على هذه الفكرة؛ فقد رُمِّم بيت طيني تاريخي وحُوِّل إلى مساحة تجمع بين المقهى والنشاط الثقافي، مع الحفاظ على ملامح المبنى ومواده الأصلية.
أما «كمل ستيب» (Camel Step)، فقد جعل من التصميم جزءاً من تجربة القهوة نفسها. ويقول المصمم فارس العاصمي إن قراءة تاريخ المكان ومواده وعادات الناس فيه تمثل نقطة البداية في تصميم فروع العلامة.
وفي حائل، استُلهم تصميم أحد الفروع من إرث العمارة البروتالية السعودية، مستخدماً الخرسانة المكشوفة والخشب وضوء النهار بطريقة هادئة، لتقديم مساحة حديثة تستلهم الماضي من دون أن تعيش فيه.
فنجان يجمع الماضي بالحاضر

لهذا تبدو قصة القهوة السعودية اليوم أكبر من مجرد انتشار المقاهي المختصة؛ فما يحدث هو إعادة اكتشاف لعلاقة قديمة بين القهوة والمكان والناس.
فمن «القهوة خانة» في مكة، حيث كان الناس يجتمعون لتبادل الأخبار والأحاديث، إلى المقاهي الحديثة التي أصبحت أماكن للعمل واللقاء والثقافة والتصميم، تغيرت القهوة وطريقة تقديمها والأماكن التي نلتقي فيها حولها، لكن الفكرة الأساسية بقيت كما هي: فنجان قهوة كان دائماً أكثر من مجرد فنجان.


