في أقصوصة فرانز كافكا «المسخ» يستيقظ شاب يدعى جريجور سامسا من نومه ذات صباح ليجد نفسه وقد تحول في فراشه إلى حشرة مقلوبة على ظهرها لا تملك أن تعتدل فتروح تتخبط عبثاً بأرجلها النحيلة في الهواء.
وفي رواية الأديب الفلسطيني إميل حبيبي «الوقائع الغريبة في اختفاء سعيد أبي النحس المتشائل» (1972) يختفي الفلسطيني بفعل «فضائيين» («فدائيين»؟) جاءوا من السماء، حسب تفسير البعض لاختفائه.
وفي رواية نجيب محفوظ «ليالي ألف ليلة» (1982) حكاية تحمل عنوان «معروف الإسكافي». معروف فقير مطحون يعاني الأمرين على يدي زوجته الشرسة إلى أن يأتيه عفريت من عالم الجن يمنحه خاتم سليمان -رمز القدرة السحرية- فيطلق امرأته الظالمة ويستخدم الخاتم في صنع الخير وإقرار العدل وإسعاد الناس.

هذه نماذج من أدب الفانتازيا أو الإغراق في الخيال. وكلمة «فانتازيا» fantasy -حسب قاموس «النفيس: إنجليزي- عربي» للدكتور مجدي وهبه- تعني عدة أمور: عجيب، غريب، خيالي، وهمي، محال، غير معقول، ضخم إلى حد لا يصدق، خارق. فالفانتازي ضرب من القص نجد فيه أن الممكن وغير الممكن يختلطان إلى حد يحير القارئ (وكثيراً ما يحير الراوي أو الشخصية الرئيسية في القصة) إذ لا يجد تفسيراً متسقاً لأحداث القصة الغريبة. ويذهب تزفتان تودوروف في كتابه «مدخل إلى الأدب الفانتازي» (1970) إلى أن الحكي الفانتازي يتضمن تردداً لا حل له بين التفسيرات الخارقة للطبيعة التي نجدها في قصص العجائب أو الخوارق وبين التفسيرات الطبيعية أو النفسية التي نجدها في حكايات «الغريب».
والفانتازيا قديمة قدم الأدب والفن: فنحن نجدها في أساطير الإغريق، وكتاب «ألف ليلة وليلة»، وحكايات الجنيات والقصص الخيالية في المأثورات الشعبية لمختلف الأمم، والمدن الفاضلة أو نقيضها من مدن كابوسية، وقصص الرعب القوطية مثل «فرانكنشتاين» لماري شِلّى، و«دراكولا» لبرام ستوكر، وروايات الخيال العلمي، والواقعية السحرية عند أدباء أميركا اللاتينية ومن حذوا حذوهم.

هذه الفانتازيا موضوع كتاب باللغة الإنجليزية صدر في هذا الصيف عن مطبعة جامعة إدنبرة. يقع الكتاب في قرابة ثلاثمائة صفحة وهو من تأليف ألكسندرا شريتح الأستاذة المساعدة للأدب العربي والدراسات الأدبية والبصرية الدولية في جامعة تفتس الأميركية. وعنوان الكتاب
Alexandra Shraytekh، The Modern Arabic Fantastic، Edinburgh University Press، 2026
تقول شريتح إن الفانتازيا بما تشتمل عليه من حكايات عجيبة وأخبار غريبة نمط من الكتابة يرتبط عادة بأزمة اجتماعية أو سياسية أو جمالية، ونقلة من اليقين إلى الشك ناجمة عن تقحم عنصر خارجي على الواقع اليومي المألوف. إنه نتاج مواجهات مع غرباء (قد يكونون أشباحاً أو موتى عادوا إلى الحياة، أو كائنات من خارج الأرض). فالفانتازي موقع للالتباس أو الغموض، واختراق لقوانين العلية والزمان والمكان، ومسرح لما هو خارق وسحري.
وتسلط المؤلفة عدسة منظارها التحليلي على عدد من الأعمال الأدبية لكتاب عرب من مختلف الأجيال: «قنديل أم هاشم» ليحيى حقي، «عالمي المجهول» لأليفة رفعت، «فرانكشتاين في بغداد» لأحمد السعداوي، «فقهاء الظلام» لسليم بركات وغيرهم. وفي هذه الأعمال نجد جدلاً بين عالم الغيب وعالم الشهادة، وإبحاراً بين عوالم العلم والصوفية، ومجالاً للتفريج عما هو مكبوت وقد يحمل أبعاداً سياسية.
توجه المؤلفة اهتماماً خاصاً إلى رواية القاص الرائد محمود تيمور «موباسان المصري» «نداء المجهول»
وتوجه المؤلفة اهتماماً خاصاً إلى رواية القاص الرائد محمود تيمور «موباسان المصري» «نداء المجهول» (1939) وهي مروية على لسان سائح مصري في لبنان يزور قرية صغيرة وينطلق منها للبحث عن قلعة أسطورية سحرية في قلب الجبل. ويقع الراوي في حب مستشرقة إنجليزية تجيد اللغة العربية، ومهتمة بالفكر الصوفي، تدعى مس إيفانز. إن أحداث الرواية تدور في عام 1908 ولكنها ترتد بالذاكرة إلى صراع الدروز والطائفة المارونية في لبنان في 1860. والرحلة إلى القلعة أشبه برحلة حج وضرب من رياضة النفس يستخدم فيها تيمور مصطلحاً لفظياً وصوراً شعرية أشبه بما نجده في نثر جبران خليل جبران. إن «الاستشراق» الغربي يتحول هنا إلى «إشراق» صوفي. واتجاه إيفانز إلى المشرق وهي الأوروبية يمثل امتزاجاً بين الشرق والغرب، الذات والآخر، الحاضر والماضي.
وللكتاب ببليوغرافيا في قرابة خمسين صفحة تشهد بسعة علم المؤلفة وإحاطتها الموسوعية بموضوعها. ولكني افتقدت فيه أي إشارة إلى كتاب باللغة الإنجليزية يبدو أنه لم يقع لها، وهو كتاب صدر عن دار إلياس للنشر في القاهرة في 1985، حررته الدكتورة ملك هاشم والدكتورة سيزا قاسم دراز، عنوانه «سبحات الخيال» Flights of Fantasy وهو يضم ترجمات إلى الإنجليزية لعدد من القصص العربية القصيرة الفانتازية لنجيب محفوظ ويوسف إدريس وشفيق مقار وآخرين.
وإذ يسجل كتاب شريتح جانباً من رحلة الرواية العربية من الواقعي إلى الفانتازي فإنه يلقي ضوءاً مهماً على الفانتازيا بين الشرق والغرب ويوضح كيف أن الفانتازيا حساسية من لون معين وأجرومية قصصية وتوتر بين أقطاب متقابلة: اليقظة والحلم، الحقيقة والوهم، الإيمان والعقل، الموروث والحداثة. والنتيجة التي تنتهي إليها هي أن الفانتازي يستعصي على أي معنى ثابت، ويتسع لعديد من التفسيرات، ولكنه يحدث تحولاً في نفس القارئ. إنه عابر للثقافات والأزمنة والأمكنة. ونحن أحوج ما نكون إلى أن ندرسه اليوم، خاصة وأننا نعيش في ظل مفارقة يلخصها قولها: «لقد غدا الفانتازي هو الواقعية الجديدة في زماننا».
