«توزيعات ترمب» تضع 1.35 تريليون دولار على طاولة الانتخابات

وعد بـ5 آلاف دولار لكل بالغ أميركي يفتح حسابات العجز والدين

TT

«توزيعات ترمب» تضع 1.35 تريليون دولار على طاولة الانتخابات

الحضور يستمع إلى ترمب وهو يلقي كلمته خلال المؤتمر الوطني الجمهوري لانتخابات التجديد النصفي بمركز الخطوط الجوية الأميركية في دالاس (أ.ف.ب)
الحضور يستمع إلى ترمب وهو يلقي كلمته خلال المؤتمر الوطني الجمهوري لانتخابات التجديد النصفي بمركز الخطوط الجوية الأميركية في دالاس (أ.ف.ب)

طرح الرئيس الأميركي دونالد ترمب وعداً نقدياً بقيمة 5 آلاف دولار لكل بالغ أميركي إذا احتفظ الجمهوريون بالسيطرة على مجلسي النواب والشيوخ في انتخابات التجديد النصفي المقررة في نوفمبر (تشرين الثاني)، في مقترح قد تصل تكلفته إلى نحو 1.35 تريليون دولار، ويعيد إلى الواجهة سؤالاً اقتصادياً أكبر من قيمة الشيك نفسه: من سيدفع ثمن هذه الدفعات؟

وخلال المؤتمر الجمهوري للتجديد النصفي في دالاس الأربعاء، قال ترمب إنه سيصدر «توزيعاً» بقيمة 5 آلاف دولار لكل مواطن بالغ إذا فاز الجمهوريون بمجلسي النواب والشيوخ، وأطلق على الدفعة اسم «توزيعات ترمب» (Trump Dividend)، مشترطاً أن تُنفَق الأموال داخل الولايات المتحدة.

ويعني عدد البالغين في الولايات المتحدة، الذي يقترب من 270 مليوناً، أن دفع 5 آلاف دولار لكل شخص سيضع فاتورة إجمالية عند نحو 1.35 تريليون دولار. وهذا الرقم يعادل تقريباً ثلاثة أضعاف حجم حزمة التحفيز النقدي الأولى التي أُقرت خلال جائحة «كوفيد-19»، عندما بلغت الدفعة 1200 دولار للبالغ ضمن حدود دخل معينة، وفق «رويترز».

1.35 تريليون دولار... من أين تأتي؟

هنا تبرز المعضلة الأساسية في المقترح: مصدر تمويل هذه الدفعات وآلية إقرارها. فترمب لم يقدم حتى الآن خطة تفصيلية لتمويل «التوزيعات»، كما أن تنفيذها لن يكون بقرار رئاسي منفرد، إذ يحتاج برنامج بهذا الحجم إلى موافقة الكونغرس وتوفير الاعتمادات المالية اللازمة. وأشارت «أسوشييتد برس» إلى أن الرئيس لا يملك السلطة لصرف هذه الأموال من دون موافقة تشريعية.

كان ترمب قد ألمح إلى إمكانية استخدام إيرادات الرسوم الجمركية لتمويل الدفعات، في إحياء لفكرة سبق أن طرحها العام الماضي عندما تحدث عن «توزيع جمركي» بقيمة 2000 دولار للأميركيين.

لكن الفجوة بين الإيرادات الجمركية والتكلفة المحتملة للبرنامج تبدو كبيرة. ووفق أرقام أوردتها «نيويورك تايمز» نقلاً عن «نموذج بن وارتون للموازنة»، بلغت الإيرادات التي حققتها رسوم ترمب الجمركية نحو 300 مليار دولار، قبل أن تؤدي التطورات القانونية المتعلقة بهذه الرسوم إلى خفض الحصيلة المتاحة إلى نحو 132.5 مليار دولار مع بدء رد الأموال. وحتى بافتراض احتساب 300 مليار دولار كاملة، فإنها لن تغطي سوى نحو 22 في المائة من تكلفة الدفعات البالغة 1.35 تريليون دولار، بينما لا تغطي حصيلة 132.5 مليار دولار سوى أقل من 10 في المائة.

في المقابل، قد تنخفض التكلفة إذا قررت الإدارة استبعاد أصحاب الدخول المرتفعة من البرنامج. وكان نائب الرئيس جي دي فانس قد ألمح إلى هذا الاحتمال، من دون أن يحدد ترمب في خطابه سقفاً للدخل. ووفق تقدير كِنت سميترز، أستاذ الاقتصاد في «وارتون» ومدير «نموذج بن وارتون للموازنة»، فإن استبعاد الأسر التي يزيد دخلها على 400 ألف دولار سنوياً قد يخفض إجمالي التكلفة إلى نحو 1.15 تريليون دولار.

ومع بقاء فجوة كبيرة بين تكلفة البرنامج والإيرادات الجمركية المتاحة، ستصبح كيفية تمويلها عاملاً حاسماً في تحديد أثرها على المالية العامة. فإذا لم تُغطَّ الفجوة من خلال خفض الإنفاق أو زيادة الإيرادات، فإن اللجوء إلى الاقتراض سيكون الخيار الأكثر مباشرةً، لكنه سيعني في المقابل زيادة العجز والدين الفيدرالي.

الحضور يهتف خلال إلقاء ترمب خطابه خلال المؤتمر الوطني الجمهوري لانتخابات التجديد النصفي بمركز الخطوط الجوية الأميركية في دالاس (أ.ف.ب)

عبء إضافي على مالية مثقلة بالدين

يأتي المقترح في وقت تواجه فيه المالية الأميركية ضغوطاً متزايدة، مع تجاوز الدين الوطني 40 تريليون دولار واقتراب العجز السنوي من 1.8 تريليون دولار، وفق بيانات أوردتها «أسوشييتد برس» في تغطيتها للمقترح.

ومن هذه الزاوية، فإن التكلفة الفعلية لـ«توزيعات ترمب» لن تقتصر على قيمة الشيكات البالغة نحو 1.35 تريليون دولار. فإذا موّلت الحكومة البرنامج بالاقتراض، فستتحمل أيضاً تكلفة خدمة الدين الإضافية، مما يجعل الأثر المالي يمتد إلى ما بعد سنة تنفيذ الدفعات.

وتعني هذه المعادلة أن الـ5 آلاف دولار التي يحصل عليها المواطن دفعة واحدة قد تتحول، من منظور المالية العامة، إلى التزام طويل الأجل تتحمله الحكومة من خلال زيادة الدين وتكاليف فوائده، ما لم تقابل الدفعات إيرادات جديدة أو تخفيضات مماثلة في الإنفاق.

أثر محتمل في التضخم والفائدة

كما أن ضخ أكثر من تريليون دولار في أيدي الأسر الأميركية في فترة قصيرة قد يرفع الاستهلاك والطلب، وهو ما قد يدعم النشاط الاقتصادي على المدى القصير، لكنه قد يزيد أيضاً الضغوط السعرية إذا لم يقابله توسع مماثل في الإنتاج.

ويكتسب ذلك أهمية خاصة في ظل حساسية الأسواق الأميركية تجاه التضخم والعجز والاقتراض الحكومي. فإذا رأت الأسواق أن الدفعات ستزيد العجز والدين، فقد ترتفع عوائد سندات الخزانة، بما يرفع بدوره تكلفة الاقتراض على الحكومة والقطاع الخاص والأسر.

وبالتالي، فإن التأثير الاقتصادي للبرنامج لا يقتصر على حصول كل مستفيد على 5 آلاف دولار، بل يمتد إلى الطلب الاستهلاكي، والتضخم، وإصدارات الخزانة، وأسعار الفائدة وتكلفة خدمة الدين.

هل هي «توزيعات» أم حافز انتخابي؟

الجانب السياسي من المقترح دخل سريعاً في النقاش الاقتصادي. فخلال مقابلة مع نائب الرئيس جي دي فانس، واجه مذيع «فوكس نيوز» بريت باير الإدارة بالسؤال عن تكلفة البرنامج، مشيراً إلى أنها تبلغ نحو 1.3 تريليون دولار، ثم قال إن هناك من يرى أن ترمب يحاول «رشوة الناخبين» من خلال الوعد بالدفع بعد الانتخابات.

ويكتسب السؤال أهميته من توقيت الإعلان نفسه: فالدفع مشروط بفوز الجمهوريين بالسيطرة على مجلسي النواب والشيوخ في انتخابات نوفمبر. ومع ذلك، فإن توصيف الوعد بأنه «رشوة» يبقى وصفاً سياسياً من منتقديه وليس حكماً قانونياً.

وقد أثارت الخطة بالفعل تساؤلات قانونية ومالية، إذ إن الرئيس لا يستطيع بمفرده إنشاء برنامج إنفاق بهذا الحجم من دون موافقة الكونغرس، حسب التحليلات القانونية التي رافقت الإعلان.

وفي المقابل، يرى خبراء قانون الانتخابات أن مجرد تقديم وعد بسياسة اقتصادية يمكن أن يستفيد منها الناخبون لا يعني تلقائياً أنه غير قانوني، ما دام تنفيذ المنفعة المفترضة يمر عبر الإجراءات الحكومية المعتادة.

ترمب يومئ بيده بعد اختتام كلمته خلال المؤتمر الوطني الجمهوري لانتخابات التجديد النصفي بمركز الخطوط الجوية الأميركية في دالاس (أ.ف.ب)

تجربة «توزيعات» سابقة

ولا يأتي وعد الـ5 آلاف دولار من فراغ. فقد سبق لترمب أن طرح العام الماضي فكرة دفع 2000 دولار للأميركيين من إيرادات الرسوم الجمركية، لكن المقترح لم يتحول إلى برنامج مدفوعات. كما أن الرئيس تحدث في وقت سابق عن دفعات بقيمة 5 آلاف دولار مرتبطة بالوفورات الناتجة عن تقليص الوظائف الحكومية.

وتختلف هذه الوعود عن دفعات التحفيز التي أقرتها الحكومة خلال جائحة «كوفيد-19»، والتي جاءت ضمن تشريعات أقرها الكونغرس لمواجهة انكماش اقتصادي حاد. أما الوعد الحالي فيأتي في اقتصاد مختلف، لكنه يواجه في الوقت نفسه عبئاً أكبر بكثير من الدين وتكلفة خدمة الاقتراض.

ولهذا، فإن السؤال الاقتصادي الحقيقي وراء وعد الـ5 آلاف دولار ليس كم سيحصل الأميركيون؟ وإنما من سيدفع فاتورة الـ1.35 تريليون دولار؟

وفي ظل دين وطني يتجاوز 40 تريليون دولار وعجز سنوي يقارب 1.8 تريليون دولار، تطرح «توزيعات ترمب» اختباراً جديداً للمالية الأميركية، خصوصاً أن أي تمويل بالاقتراض سيضيف إلى الدين وتكلفة خدمته. وهنا يختلف «التوزيع» الذي يقدمه ترمب عن توزيعات أرباح الشركات، إذ لا يأتي من فائض مالي متراكم، بل يحتاج إلى مصدر تمويل تحدده الحكومة والكونغرس.


مقالات ذات صلة

ترمب يخفف الرسوم على سلع كندية مع احتدام سباق انتخابي في مين

الاقتصاد علما الولايات المتحدة وكندا قرب كوبري المياه الزرقاء الحدودي في أونتاريو (أ.ف.ب)

ترمب يخفف الرسوم على سلع كندية مع احتدام سباق انتخابي في مين

أصدر الرئيس الأميركي دونالد ترمب أمراً بإعفاء مجموعة من المنتجات الزراعية والغابية الكندية من الرسوم الجمركية البالغة 50 في المائة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الاقتصاد لافتات عند تقاطع شارعي برود وول ستريت بالقرب من أعلام أميركية ترفرف أمام بورصة نيويورك (أ.ب)

«وول ستريت» تتراجع وسط مخاوف من عوائد استثمارات الذكاء الاصطناعي

واصلت الأسهم الأميركية تراجعها في مستهل تعاملات الجمعة، مع تصاعد المخاوف من أن الاستثمارات الضخمة في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي قد لا تحقق العوائد المرجوة.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
الاقتصاد يعمل موظفون في أحد المصانع بمدينة لوس أنجليس في كاليفورنيا (رويترز)

تباطؤ طفيف للنشاط الاقتصادي الأميركي في أكتوبر وسط تصاعد الضغوط التضخمية

تباطأ النشاط الاقتصادي في الولايات المتحدة بشكل طفيف خلال أكتوبر (تشرين الأول)، رغم استمرار قوة الطلب التي أتاحت للشركات رفع أسعار السلع والخدمات.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
الاقتصاد لافتة توظيف معروضة في نورثبروك بولاية إلينوي الأميركية (أ.ب)

طلبات إعانة البطالة الأميركية قرب أدنى مستوياتها في 57 عاماً

انخفض عدد الأميركيين المتقدمين بطلبات جديدة للحصول على إعانات البطالة الأسبوع الماضي إلى قرب أدنى مستوياتها في 57 عاماً.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الاقتصاد ترمب يستضيف اجتماع مائدة مستديرة حول الجرائم الإلكترونية التي تستهدف كبار السن في القاعة الشرقية بالبيت الأبيض (د.ب.أ)

ترمب يروّج لمكافحة الاحتيال الإلكتروني وسط تساؤلات عن ثروة عائلته

قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب، يوم الأربعاء، إن إدارته ألحقت أضراراً كبيرة بشبكات إجرامية أجنبية تستدرج الأميركيين إلى استثمارات احتيالية.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

غروسي: الطاقة النووية قد تتضاعف 3 مرات بحلول 2060

مدير الوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي (إكس)
مدير الوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي (إكس)
TT

غروسي: الطاقة النووية قد تتضاعف 3 مرات بحلول 2060

مدير الوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي (إكس)
مدير الوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي (إكس)

قال المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية التابعة للأمم المتحدة، إنه يتوقع أن يزداد استخدام الطاقة النووية ثلاثة أضعاف بحلول عام 2060.

وقال رافائيل غروسي في التقرير السنوي للوكالة الدولية للطاقة الذرية المقدم إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة، إن هذا سيكون مدفوعاً بالتحول إلى استخدام الكهرباء ومراكز البيانات المدعومة بالذكاء الاصطناعي و«شهية شركات التكنولوجيا للحصول على طاقة موثوقة وخالية من الكربون».

وأضاف أن عدداً متزايداً من الدول ينظر إلى الطاقة النووية على أنها أساسية لتحسين أمن الطاقة لديها، مؤكداً أنها تتساوى مع الطاقة الشمسية و«أكثر أماناً من أي خيار آخر».

وقال المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية: «في عام 2025، أنتج أكثر من 400 مفاعل عامل في أكثر من 30 دولة 10 في المائة من الكهرباء العالمية وربع الكهرباء منخفضة الكربون... هناك أكثر من 60 مفاعلاً جديداً قيد الإنشاء وقد ارتفعت توقعات القدرات النووية المستقبلية بشكل كبير».

وبالإضافة إلى الاستخدام المتزايد للطاقة النووية للأغراض السلمية، تحدث غروسي عن البرامج النووية في إيران وكوريا الشمالية، و«التهديدات غير المسبوقة للسلامة النووية» الناجمة عن الحرب في أوكرانيا، والتقارير المثيرة للقلق التي تفيد بأن دولاً أخرى لم يذكر اسمها تتحدث عن حيازة أسلحة نووية.

وفيما يتعلق بإيران، التي ضربت الولايات المتحدة مواقعها النووية العام الماضي قبل أن تشن الولايات المتحدة وإسرائيل الحرب في 28 فبراير (شباط)، أخبر غروسي الدول الأعضاء في الأمم المتحدة أنه تم إنجاز العمل الفني اللازم للتوصل إلى اتفاق دبلوماسي.

وقال: «أدعو الأطراف إلى مضاعفة جهودها نحو الاتفاق على حل دبلوماسي يتضمن دور التحقق الذي لا غنى عنه للوكالة الدولية للطاقة الذرية، والذي من دونه لا يمكن لأي اتفاق أن يكون مستداماً. يجب أن يكون بإمكان مفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية العودة إلى إيران بسرعة. وهذا يتطلب العودة إلى طاولة المفاوضات».


3 ناقلات محملة بديزل روسي تتجه نحو أميركا الشمالية

ناقلة نفط ترفع العلم الروسي في عرض البحر (رويترز)
ناقلة نفط ترفع العلم الروسي في عرض البحر (رويترز)
TT

3 ناقلات محملة بديزل روسي تتجه نحو أميركا الشمالية

ناقلة نفط ترفع العلم الروسي في عرض البحر (رويترز)
ناقلة نفط ترفع العلم الروسي في عرض البحر (رويترز)

قال ألكسندر نوفاك، نائب رئيس الوزراء الروسي، إن ثلاث ناقلات محملة بالديزل الروسي في طريقها إلى أميركا الشمالية.

وقال نوفاك، في بيان نقلته وكالات الأنباء الروسية مساء الجمعة، إن الشحنات تأتي في إطار اتفاق لتزويد الأسواق الأميركية والعالمية. وأضاف: «الناقلات الثلاث الأولى للوقود في طريقها بالفعل إلى الساحل الشرقي للمحيط الأطلسي، بدعم كبير من صندوق الاستثمار المباشر الروسي».

وأوضح نوفاك أن الشركات الروسية يمكنها توريد 500 ألف طن في أكتوبر (تشرين الأول) الحالي.

وبموجب اتفاق أعلن عنه الرئيس الأميركي دونالد ترمب هذا الشهر، وافقت روسيا على تزويد الأسواق العالمية بالديزل في محاولة لخفض أسعار الوقود. ورفعت إدارة ترمب مؤقتاً العقوبات الأميركية على الوقود الروسي التي كانت تهدف إلى حرمان موسكو من الإيرادات اللازمة لتمويل حربها على أوكرانيا.

ونص الاتفاق الذي أعلن عنه ترمب على توريد 300 ألف طن في أكتوبر ومزيد من الكميات في وقت لاحق.

وذكر تقرير لـ«رويترز» نشر الجمعة مستشهداً ببيانات تتبع السفن، أن أول شحنة من الديزل الروسي كانت على متن ناقلة متجهة إلى نيويورك.


التضخم وعوائد السندات يضعان «المركزي الأوروبي» أمام اختبار صعب

مقر البنك المركزي الأوروبي يظهر منعكساً في نافذة بفرانكفورت أم ماين - غرب ألمانيا (أ.ف.ب)
مقر البنك المركزي الأوروبي يظهر منعكساً في نافذة بفرانكفورت أم ماين - غرب ألمانيا (أ.ف.ب)
TT

التضخم وعوائد السندات يضعان «المركزي الأوروبي» أمام اختبار صعب

مقر البنك المركزي الأوروبي يظهر منعكساً في نافذة بفرانكفورت أم ماين - غرب ألمانيا (أ.ف.ب)
مقر البنك المركزي الأوروبي يظهر منعكساً في نافذة بفرانكفورت أم ماين - غرب ألمانيا (أ.ف.ب)

يتجه البنك المركزي الأوروبي إلى تثبيت أسعار الفائدة في اجتماعه الخميس المقبل، وسط تصاعد المخاطر المحيطة بالتضخم، بفعل استمرار الحرب مع إيران وبقاء أسعار الطاقة فوق 100 دولار للبرميل، بالتزامن مع اضطرابات سياسية ومالية في فرنسا تزيد الضغوط على أسواق السندات، وتفاقم المخاوف بشأن استدامة المالية العامة.

وفي ظل هذه التحديات، تتجه أنظار المستثمرين إلى تصريحات البنك بحثاً عن إشارات توضح ما إذا كان تثبيت الفائدة سيمهد لمزيد من التشديد النقدي، أم أن مخاطر تباطؤ النمو ستدفعه إلى التريث.

وقال ديفيد كومبس، رئيس استثمارات الأصول المتعددة لدى «راثبونز لإدارة الأصول»، إن تحديد أسعار الفائدة في ظل هذه الظروف يمثل مهمة بالغة الصعوبة. وبينما تتوقع الأسواق الإبقاء على الفائدة دون تغيير في أكتوبر (تشرين الأول)، تتركز التساؤلات على مسار السياسة النقدية في الأشهر المقبلة، واحتمالات رفع الفائدة مجدداً، إلى جانب تداعيات اضطرابات سوق السندات الفرنسية، ومستقبل رئاسة كريستين لاغارد للبنك.

تثبيت الفائدة في أكتوبر

تتوقع الأسواق أن يُبقي البنك المركزي الأوروبي سعر الفائدة الرئيسي عند 2.5 في المائة، بعد رفعه في يونيو (حزيران) وسبتمبر (أيلول)، لمواجهة الضغوط التضخمية الناجمة عن ارتفاع أسعار الطاقة بفعل الحرب مع إيران.

لكن التثبيت المتوقع لا يعني بالضرورة انتهاء دورة التشديد النقدي؛ إذ يتوقع اقتصاديون استطلعت «رويترز» آراءهم، أن يرفع البنك الفائدة بمقدار ربع نقطة مئوية في ديسمبر (كانون الأول). وقال هنري كوك، كبير الاقتصاديين لدى «ميتسوبيشي يو إف جيه»، إن المخاوف بشأن التضخم لم تتراجع بصورة جوهرية.

وبذلك، لن يقتصر اهتمام الأسواق على القرار المرتقب؛ بل سيمتد إلى مدى استعداد البنك لمواصلة رفع الفائدة إذا استمرت الضغوط على أسعار الطاقة وابتعد التضخم عن المسار المستهدف.

طائر يحلق فوق مقر البنك المركزي الأوروبي في فرانكفورت أم ماين - غرب ألمانيا (أ.ف.ب)

ترقب لرسائل البنك

من المرجح أن يتمسك البنك بنهجه القائم على تقييم البيانات الاقتصادية اجتماعاً بعد آخر، من دون الالتزام المسبق بمسار محدد لأسعار الفائدة. ويأتي ذلك في وقت بلغ فيه التضخم 3.8 في المائة خلال سبتمبر، بينما تثير زيادة عوائد السندات الحكومية مخاوف من ارتفاع تكاليف الاقتراض وتباطؤ النمو الاقتصادي.

وكانت رئيسة البنك، كريستين لاغارد، قد دافعت عن نهج وصفته بأنه «استجابة متوازنة»، في إشارة إلى ضرورة الموازنة بين احتواء التضخم وتجنب تشديد الأوضاع المالية بما يضر بالنشاط الاقتصادي.

وقال روهان خانا، رئيس استراتيجية أسعار الفائدة باليورو لدى «باركليز»، إن البنك سيشير بوضوح إلى تشديد الأوضاع المالية، وما قد يترتب عليه من تباطؤ النمو والحد من الضغوط التضخمية. لكنه لفت إلى استمرار عدم اليقين بشأن مسار الصراع وتوقعات أسعار الطاقة، وهما عاملان سيظلان مؤثرين في قرارات السياسة النقدية المقبلة.

أسعار الطاقة

لا يبدو أن البنك المركزي الأوروبي يشعر بقلق مفرط، في الوقت الراهن، من انتقال ارتفاع أسعار الطاقة إلى أسعار السلع والخدمات الأخرى والأجور، وفقاً لتصريحات مسؤولين فيه، من بينهم كبير الاقتصاديين فيليب لين.

وارتفع التضخم الأساسي، الذي يستثني أسعار الغذاء والطاقة، إلى 2.5 في المائة الشهر الماضي، مقارنة بـ2.4 في المائة، في زيادة محدودة تشير إلى أن ارتفاع تكاليف الطاقة لم يؤدِّ حتى الآن، إلى موجة واسعة من التأثيرات الثانوية التي قد تغذي دوامة تضخمية يصعب احتواؤها.

ومع ذلك، يُرجح أن يؤكد البنك ضرورة مواصلة اليقظة، خصوصاً مع ارتفاع أسعار النفط بنحو 80 في المائة منذ بداية العام، واستمرار التضخم العام فوق مستهدفه البالغ 2 في المائة.

وقال باس فان خيفن، كبير استراتيجيي الاقتصاد الكلي لدى «رابوبنك»، إن تصعيد الحرب مع إيران أو استمرار الضغوط على أسعار الطاقة، قد يعزز احتمالات رفع الفائدة خلال عام 2027>

وتسعّر الأسواق احتمال تنفيذ زيادتين على الأقل في أسعار الفائدة بحلول منتصف 2027، ما يعكس استمرار المخاوف من بقاء التضخم مرتفعاً لفترة أطول.

أزمة السندات الفرنسية

تضع الاضطرابات السياسية والمالية في فرنسا البنك المركزي الأوروبي أمام معادلة معقدة؛ إذ يراقب تطورات سوق السندات في وقت تواجه فيه الحكومة الفرنسية صعوبات سياسية واحتجاجات قد تعرقل جهودها لتحسين أوضاع المالية العامة.

وتجاوز عائد السندات الحكومية الفرنسية لأجل 10 سنوات مستوى 5 في المائة، مسجلاً أعلى مستوياته منذ 24 عاماً. كما ارتفع الفارق بين عائد السندات الفرنسية ونظيرتها الألمانية، الذي يعكس العائد الإضافي الذي يطلبه المستثمرون مقابل الاحتفاظ بالسندات الفرنسية، إلى 170 نقطة أساس، مقارنة بـ92 نقطة أساس خلال اجتماع البنك الشهر الماضي.

ورغم هذه الضغوط، لا يُتوقع أن يلجأ البنك قريباً إلى أدوات استثنائية، مثل «أداة حماية انتقال السياسة النقدية»، التي تتيح له شراء سندات دولة عضو إذا واجهت تشديداً غير مبرر وغير منظم في أوضاع التمويل.

وتؤكد لاغارد أن معالجة مشكلات الديون الفرنسية تتطلب ضبط أوضاع المالية العامة. وفي هذا السياق، قال هولغر شميدينغ، كبير الاقتصاديين لدى «بيرينبيرغ»، إن البنك قد يتريث في رفع الفائدة إذا رأى أن أزمة محتملة في فرنسا يمكن أن تلحق ضرراً ملموساً بالنمو الاقتصادي.

وأضاف أن انتقال تداعيات أزمة فرنسية افتراضية إلى دول أخرى تتمتع بأوضاع مالية أكثر استدامة، قد يدفع البنك إلى استخدام أداة حماية انتقال السياسة النقدية لحماية تلك الدول، لا فرنسا.

وتكشف هذه المعادلة عن تحدٍّ إضافي أمام صناع السياسة النقدية؛ فالتشديد النقدي قد يساعد في احتواء التضخم، لكنه قد يزيد في الوقت نفسه أعباء التمويل، ويعمق الضغوط على الاقتصادات الأكثر هشاشة مالياً.

لاغارد تتحدث خلال الاجتماع السنوي لصندوق النقد والبنك الدوليين في بانكوك (أرشيفية - رويترز)

خلافة لاغارد

لا تقتصر التساؤلات المحيطة باجتماع البنك المركزي الأوروبي على أسعار الفائدة والتضخم؛ بل تمتد إلى مستقبل قيادته، في ظل تقارير عن احتمال تعيين كريستين لاغارد رئيسة لمجلس إدارة المنتدى الاقتصادي العالمي في وقت مبكر من نوفمبر (تشرين الثاني).

ويُعدّ كلاوس كنوت، المحافظ السابق للبنك المركزي الهولندي، وبابلو هرنانديز دي كوس، المحافظ السابق للبنك المركزي الإسباني، من أبرز المرشحين المطروحين لخلافتها.

ومن شأن رحيل لاغارد أن يفتح الباب أمام شغور منصب ثانٍ في المجلس التنفيذي للبنك، المؤلف من 6 أعضاء، بعد الاستقالة الأخيرة لإيزابيل شنابل. كما تنتهي ولاية كبير الاقتصاديين فيليب لين في مايو (أيار).

ومن المقرر أن تنتهي ولاية لاغارد في أكتوبر من العام المقبل، لكن مغادرتها قبل الموعد قد تتيح وقتاً أوسع لاختيار رئيس جديد للبنك قبل الانتخابات الرئاسية الفرنسية المقررة في الربيع.

وأشار محللون إلى أن احتمال إجراء انتخابات مبكرة في إسبانيا قد يؤثر أيضاً في الحسابات السياسية المرتبطة باختيار خليفتها، ما يضيف بُعداً سياسياً إلى مرحلة تشهد أصلاً تحديات اقتصادية ونقدية معقدة.

وفي المحصلة، يدخل البنك المركزي الأوروبي اجتماعه المقبل وسط توازن دقيق بين مخاطر التضخم المدفوعة بالطاقة، وضغوط أسواق السندات، واحتمالات تباطؤ النمو. وبينما يبدو تثبيت الفائدة الخيار الأرجح في أكتوبر، ستظل نبرة البنك بشأن الخطوات التالية العامل الأهم في تحديد توقعات المستثمرين، لا سيما إذا كانت الضغوط التضخمية ستدفعه إلى استئناف رفع الفائدة في الأشهر المقبلة.