«حديقة الهيسبيريديس» تقرّب بين الثقافتين الإسبانية والمغربية

مسرحية تنافس على جوائز مهرجان «القاهرة التجريبي»

العمل على تجهيز العرض استمر فترة طويلة (إدارة المهرجان)
العمل على تجهيز العرض استمر فترة طويلة (إدارة المهرجان)
TT

«حديقة الهيسبيريديس» تقرّب بين الثقافتين الإسبانية والمغربية

العمل على تجهيز العرض استمر فترة طويلة (إدارة المهرجان)
العمل على تجهيز العرض استمر فترة طويلة (إدارة المهرجان)

ينافس العرض المسرحي الإسباني «حديقة الهيسبيريديس» على جوائز المسابقة الرسمية في الدورة الثالثة والثلاثين من مهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي، من خلال معالجة معاصرة لأسطورة الحوريات اللواتي كنّ يعتنين بحديقة أشجار التفاح الذهبي، تلك الثمار التي ارتبطت في الميثولوجيا اليونانية بفكرة الخلود. ويقدم العرض تجربة تجمع بين الرقص والمسرح والنص والموسيقى والإضاءة والصورة والملابس والديكور؛ في محاولة لإعادة تقديم الأسطورة القديمة من خلال لغة مسرحية متعددة العناصر.

وتقدم المخرجة الإسبانية أليثيا سوتو قراءة نسائية للأسطورة؛ إذ لا تتعامل مع «حديقة الهيسبيريديس» بصفتها مكاناً أسطورياً فحسب، وإنما تحولها استعارةً للعالم الداخلي للمرأة، والمساحة الخاصة التي تنسحب إليها بعيداً عن ضغوط العالم الخارجي للحلم والراحة والتنفس واستعادة طاقتها. ومن هذا المنظور، تصبح «التفاحات الذهبية» رمزاً لما تبحث عنه المرأة داخل عالمها الحميمي من قوة وقدرة على الاستمرار، وأحياناً على البقاء.

ويجمع العرض بين فنانين من إسبانيا والمغرب، في محاولة لخلق حوار بين ثقافتين تتقاطعان في كثير من التفاصيل الإنسانية، ويضم فريق الأداء لورينثا دي كالوجيرو، وبالوما كالديرون، وسناء عاصف، وإستر لوزانو وأليثيا سوتو، في حين تولت سوتو الإخراج، بمشاركة فنية من عبد الله الشكيري، وموسيقى أصلية لعبد الله م. حسّاك.

وقالت أليثيا سوتو لـ«الشرق الأوسط» إن فكرة «حديقة الهيسبيريديس» بدأت أثناء إقامتها في المغرب، حيث عاشت لمدة خمس سنوات، موضحة أنها كانت تفكر في البداية في تقديم عمل يتحدث عن النساء المغربيات، لكنها مع تطور عملية الإبداع اكتشفت أنها تتحدث عن «المرأة العالمية»، وأن الموضوع أصبح أكبر من ثقافة أو بلد محدد.

وأضافت سوتو أن ما أردته من البداية هو إدخال الخيال والتصوير والهوية الثقافية في العمل، إلى جانب الألوان والروائح المرتبطة بالمغرب، مشيرة إلى أن عملية إنتاج أعمالها عادة ما تكون طويلة وتستغرق نحو عام، تبدأ بالدراماتورجيا والبحث وجمع المواد، ثم تنتقل إلى مرحلة خلق العمل على خشبة المسرح.

وأوضحت سوتو أن الجمع بين الثقافتين المغربية والإسبانية لم يكن صعباً بالنسبة إليها؛ لأنها عاشت في المغرب خمس سنوات وتعرفت بصورة عميقة إلى ثقافته وشخصيته، لافتة إلى أنها أرادت بناء موضوع مشترك بين الثقافتين؛ وهو ما جعل عملية التعاون بين الفنانين أكثر سهولة.

أما اختيار المشاركات في العرض، فلم يكن بالنسبة إلى سوتو عملية بحث تقليدية عن ممثلات أو راقصات بقدر ما كان بحثاً عن نساء قادرات على الدخول إلى العالم الداخلي للعمل، مشيرة إلى أنها دعت عدداً من الفنانات اللواتي سبق أن عملت معهن، خصوصاً أن المشروع ارتبط بالذكرى الخامسة والعشرين لشركتها، وكانت تريد أن تضم إلى التجربة نساء يعرفن لغتها الفنية ويفهمن الطريقة التي تعمل بها.

قدمت المخرجة الإسبانية رؤيتها الخاصة في العرض (إدارة المهرجان)

وأوضحت سوتو أنها تعاملت مع اختيار المؤدية المغربية بطريقة مختلفة؛ إذ لم تجر اختبار أداء تقليدياً، وإنما نظمت ورشة عمل استمرت ثلاثة أيام مع مجموعة من النساء في المغرب، مؤكدة أن الورشة لم تكن مجرد وسيلة لاختيار مؤدية، وإنما كانت جزءاً من عملية اكتشاف الشخصية والعمل نفسه.

ومن خلال التفاعل مع المشاركات وجدت امرأة قادرة على نقل هذه التجربة إلى الخشبة.

وأشارت إلى أن العمل مع النساء لم يكن قائماً على الأداء وحده؛ إذ سعى الفريق منذ البداية إلى الاستماع إلى تجاربهن وما يشغل حياتهن اليومية، لافتة إلى أنهم تحدثوا في المغرب مع نساء حول البيت والعلاقة مع الرجل والأحلام والعمل، وهي موضوعات تبدو بسيطة في ظاهرها، لكنها تكشف كثيراً من التفاصيل المتعلقة بموقع المرأة داخل حياتها ومجتمعها.

وترى سوتو أن وصول «حديقة الهيسبيريديس» إلى الجمهور العربي يكتسب أهمية خاصة؛ لأن العمل لا يتوقف عند الحديث عن المرأة بمعزل عن محيطها، وإنما يضعها في مواجهة الرجل وفي قلب العلاقة التي تجمعهما، وهذا البعد دفعها قبل عامين، إلى التفكير في تقديم العرض في عدد من الدول العربية، بعدما شعرت بأن الأسئلة التي يطرحها العمل قادرة على العبور من سياقها الإسباني والمغربي إلى مجتمعات أخرى.

وأضافت سوتو أن اختلاف المكان لا يعني بالضرورة اختلاف التجربة الإنسانية التي يخاطبها العرض، موضحة أنها لا تعيد تشكيل العمل في كل مرة وفقاً لطبيعة الجمهور أو ثقافته؛ لأن هدفها الأساسي هو الوصول إليه كما هو، وترك مساحة له كي يجد علاقته الخاصة بما يراه على الخشبة، فالعرض قُدّم في إسبانيا والعراق وتونس والمغرب وتركيا، وفي كل تجربة كانت ترى نساءً يجدن شيئاً من أنفسهن داخل العمل.

وقالت سوتو إن هذا التفاعل المتكرر يؤكد بالنسبة إليها أن «حديقة الهيسبيريديس» لا تنتمي إلى قضية محلية أو تجربة نسائية محددة، وإنما تنطلق من مشاعر ومواقف يمكن للمرأة أن تتعرف إليها أينما كانت مشيرة إلى أن العمل يتحدث كذلك عن الرجال وعن العلاقات الإنسانية؛ لأن ما يضعه أمام الجمهور ليس مجرد حكاية عن المرأة، بل محاولة لفهم الطريقة التي تتشكل بها العلاقات داخل مجتمعات تحكمها، بدرجات مختلفة، بنى أبوية راسخة.

العرض ينافس على جوائز مهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي (إدارة المهرجان)

وعن وجود العرض في المسابقة الرسمية لمهرجان «القاهرة الدولي للمسرح التجريبي»، أكدت سوتو أنها لا تنظر إلى العمل من زاوية المنافسة؛ لأن التفكير في الجوائز يمكن أن يبعد الفنان عن جوهر العملية الإبداعية، ولكن ما يشغلها هو أن تقدم أفضل عرض تستطيع تقديمه، سواء كان داخل مسابقة أو خارجها؛ لأن العمل بالنسبة إليها لا ينبغي أن يُصنع من أجل الفوز على أعمال أخرى، وإنما من أجل الوصول إلى الجمهور.

وأضافت سوتو أن الجائزة التي تعنيها فعلاً لا تمنحها لجنة تحكيم، وإنما يصنعها الجمهور في اللحظة التي يشعر فيها بأن العرض وصل إليه، مؤكدة أن فهم المشاهد لما وراء الحركة والصورة والموسيقى، وأن يجد نفسه أو شيئاً من تجربته داخل ما يراه، يمثل بالنسبة إليها المكافأة الأهم، فحب الجمهور للعمل وتفاعله معه يظل أكثر قيمة من أي جائزة يمكن أن يحصل عليها العرض.


مقالات ذات صلة

«أصوات عميقة» مسرحية فلسطينية تُذكّر بمعاناة النازحات في غزة

يوميات الشرق مسرحية «أصوات عميقة» تم عرضها ضمن فعاليات مهرجان «إيزيس» (الشركة المنتجة)

«أصوات عميقة» مسرحية فلسطينية تُذكّر بمعاناة النازحات في غزة

يضع العرض المسرحي «أصوات عميقة» ممثلته الفلسطينية - الأردنية تهاني سليم في مواجهة مهمة شاقة.

أحمد عدلي (القاهرة )
يوميات الشرق اعتمد العرض على ممثلات غير محترفات (إدارة مهرجان إيزيس المسرحي)

«للسيدات فقط»... يحاول الوصول إلى ما بعد المحطة النهائية

يستلهم العرض المسرحي المصري «للسيدات فقط... حتى التاسعة مساءً» فكرته من قصص السيدات اللواتي يتنقلن عبر مترو أنفاق القاهرة يومياً.

أحمد عدلي (القاهرة )
يوميات الشرق جانب من عرض «شنب البنات» في حفل افتتاح المهرجان (إدارة المهرجان)

«إيزيس المسرحي» يستعيد مسيرة «زهرة الصبار» سناء جميل

استعاد مهرجان «إيزيس الدولي» لمسرح المرأة، خلال حفل افتتاح دورته الرابعة، مسيرة «زهرة الصبار» الفنانة الراحلة سناء جميل، التي تحمل الدورة اسمها.

أحمد عدلي (القاهرة)
يوميات الشرق شارك العرض السعودي ضمن فعاليات ملتقى أولادنا بالقاهرة (الشرق الأوسط)

«حين رآني الغياب»... مسرحية سعودية عن إعادة اكتشاف الذات

قدّم العرض المسرحي السعودي «حين رآني الغياب» تجربة إنسانية تتوقف أمام واحد من أكثر الأسئلة ارتباطاً بعلاقة الإنسان بذاته وبنظرة الآخرين إليه.

أحمد عدلي (القاهرة )
يوميات الشرق في الحبّ... لا يأتي أحدٌ وحده (الشرق الأوسط)

«يلّا Unmatch»... ضحكاتٌ على مسرح العاطفة وأوجاعها المؤجَّلة

تتناول المسرحية تعقيدات الارتباط الإنساني، حيث لا يدخل المرء علاقاته العاطفية منفصلاً عن تاريخه الشخصي.

فاطمة عبد الله (بيروت)

باحثة تكشف عن ظروف العمل الصعبة وخفايا الاستغلال في قطاع الموضة

عارضات أزياء يستعرضن تصاميم المصمم أنتوني فاكاريلو ضمن عرض مجموعة الملابس النسائية الجاهزة لموسم ربيع وصيف 2027 لدار الأزياء «سان لوران» (رويترز)
عارضات أزياء يستعرضن تصاميم المصمم أنتوني فاكاريلو ضمن عرض مجموعة الملابس النسائية الجاهزة لموسم ربيع وصيف 2027 لدار الأزياء «سان لوران» (رويترز)
TT

باحثة تكشف عن ظروف العمل الصعبة وخفايا الاستغلال في قطاع الموضة

عارضات أزياء يستعرضن تصاميم المصمم أنتوني فاكاريلو ضمن عرض مجموعة الملابس النسائية الجاهزة لموسم ربيع وصيف 2027 لدار الأزياء «سان لوران» (رويترز)
عارضات أزياء يستعرضن تصاميم المصمم أنتوني فاكاريلو ضمن عرض مجموعة الملابس النسائية الجاهزة لموسم ربيع وصيف 2027 لدار الأزياء «سان لوران» (رويترز)

بعد 15 عاماً من البحث، تكشف عالمة الأنثروبولوجيا الإيطالية جوليا مينسيتيري في كتاب جديد بعنوان «الموضة: أجمل مهنة في العالم»، عن خفايا الظروف الصعبة التي يعيشها العاملون في هذا القطاع، وما يواجهونه خصوصاً من استغلال في مجال يدر إيرادات طائلة.

يصدر عملها في الأول من أكتوبر (تشرين الأول) على شكل رواية مصورة، عن دار النشر «لاديكوفرت/ديلكور»، وقد تولى رسمه الفنان «دانيكولاتيرال» بأسلوب يجمع بين الحس الإبداعي والطابع القاتم.

تصف الباحثة في كتابها مشهداً يبدو مزعجاً تظهر فيه نحو عشر نساء ينهمكن ليلاً في شقة باريسية صغيرة بالعمل على قطعة قماش يُفترض أن تتحول، في غضون ساعات قليلة، إلى فستان من الأزياء الراقية.

سيُباع عملهن بسعر يتراوح بين 70 ألفاً و100 ألف يورو، لكنّ كل واحدة منهن ستغادر المكان ومعها مظروف يحتوي على مبلغ نقدي لا تتخطى قيمته الحد الأدنى للأجور في فرنسا.

وتوضح الباحثة، وهي طالبة دكتوراه في الأنثروبولوجيا الاجتماعية وباحثة في المركز الوطني الفرنسي للبحث العلمي، أن هؤلاء العاملات في الخياطة قد يكنّ «طالبات أو عاملات أو مهاجرات من آسيا أو خياطات محترفات يُستدعين للمساعدة». وقد زارت الباحثة إحدى هذه الورش التي تعمل بكامل طاقتها قبيل انطلاق أسبوع الموضة في العاصمة الفرنسية.

دفع مقابل المكانة المرموقة

يُشكل قطاع الموضة والملابس أكثر من 3 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي الفرنسي، وهي نسبة تفوق مساهمة قطاع السيارات. كما يوفر سبل العيش لنحو مليون شخص، وفق الاتحاد الفرنسي للأزياء الراقية والموضة. مع ذلك، يظل هذا القطاع من أقل القطاعات توثيقاً ودراسة.

وتشير الباحثة الإيطالية في مقابلة مع «وكالة الصحافة الفرنسية» إلى أن قطاع الموضة «عالم يحظى بظهور مكثف وحضور طاغٍ في المجلات والملصقات وعلى الإنترنت، لكننا لا نعرف عنه شيئاً في الواقع».

وقد تمكنت من الولوج إلى هذا العالم بفضل رغبة هذا الوسط الذي يُنظر إليه غالباً على أنه سطحي، في الحصول على «شرعية فكرية»، بعدما شعر القائمون عليه بالإطراء لاهتمام باحثة في الأنثروبولوجيا بأعمالهم.

ومن بين الوقائع الاقتصادية التي كشفت عنها هذه التجربة الميدانية: ظاهرة «العمل لسداد الديون» في مجال عرض الأزياء، إذ ليس من النادر أن تدفع وكالات كبرى جميع النفقات نيابة عن عارضي وعارضات الأزياء، بدءاً من تصفيف الشعر ووصولاً إلى سيارات الأجرة، ثم تطالبهم بسداد هذه المبالغ، وهو أمر يعجز معظمهم عن القيام به إطلاقاً.

كما يسود ما يُعرف بـ«التعويض المعنوي» أو «التعويض عبر المكانة المرموقة»؛ إذ تشير جوليا مينسيتيري إلى أنه «كلما زادت مكانة المجلة المرموقة، زاد اليقين بأن العاملين لا يتقاضون أجراً. إنها قاعدة ثابتة؛ فصفحات الافتتاحيات (وهي جلسات تصوير أزياء تُنشر بعيداً عن الإعلانات التجارية) غالباً ما تُنجز مجاناً».

حتى إن بعض المصورين يدفعون المال مقابل العمل، إذ يتحملون تكاليف الفندق والنقل ووجبات طاقم العمل، ظناً منهم أنهم «يستثمرون في مسيرتهم المهنية». وهناك آخرون يتلقون أجورهم بصورة عينية، على شكل قسائم شراء من العلامة التجارية نفسها، وهي طريقة تحقق للعلامة التجارية «مكاسب مضاعفة».

معاناة واستغلال

ومن بين المشاهدات التي ينقلها الكتاب، تسلّم رئيسة تحرير حاملة حقيبة يد تبلغ قيمتها 20 ألف يورو، مظروفاً يحتوي على 100 يورو فقط لمصورة مقابل 48 ساعة من العمل، قائلة لها: «أنت محظوظة بوجودك هنا». وقد استلهمت الباحثة التي تعمل حالياً في المركز الوطني للبحث العلمي في مدينة ليل بشمال فرنسا، عنوان أطروحتها للدكتوراه من هذه العبارة.

وتؤكد الباحثة أن «لعالم الموضة طابعه الخاص وعنفه المميز؛ إذ يجمع بين عوالم وسلع فائقة الفخامة، وبين خلق صور ذهنية لهذه الرفاهية، وبين أشكال من التعويض والعمل والاستغلال قد تصل إلى مستويات متطرفة».

يفتقر هذا القطاع إلى أي تمثيل نقابي، باستثناء هيئات أصحاب العمل. وتضيف الباحثة: «إنه وسط لا يمكنك فيه البوح بمعاناتك، فلا يمكنك القول: أنا في مأزق، أو أعاني من الاحتراق الوظيفي، أو أتعرض للاستغلال، أو لا أملك المال لدفع الإيجار، أو لم أتقاضَ أجري منذ ستة أشهر».

تنصح جوليا مينسيتيري الشباب الذين يراودهم حلم دخول هذا العالم بـ«اغتنام الجوانب الجميلة، مع الحرص في الوقت ذاته على معرفة حقوقهم».

ورغم أن المؤلفة لا تذكر أسماء أي علامات تجارية، فإنها تشير إلى تزايد محاولات الرقابة في الآونة الأخيرة، ولا سيما من خلال إلغاء بعض مشاركاتها.

وتؤكد الباحثة: «لستُ صحافية، ولا أنطلق من منظور أخلاقي؛ فهدفي ليس كشف المخالفات، بل توضيح آلية عمل هذا الجانب من الرأسمالية».


حرف مفقود وفأر مشاغب... بانكسي يعيد «بريكست» إلى المزاد

يقف مساعدون في المعرض بجوار عمل فني بعنوان «Keep Out» (ممنوع الدخول) لفنان الشارع البريطاني بانكسي أثناء الكشف عنه خلال معاينة صحافية لمزادات الفن الحديث والمعاصر ضمن فعاليات «أسبوع فريز» (Frieze Week) المرتقبة في دار «فيليبس» بوسط لندن (أ.ب)
يقف مساعدون في المعرض بجوار عمل فني بعنوان «Keep Out» (ممنوع الدخول) لفنان الشارع البريطاني بانكسي أثناء الكشف عنه خلال معاينة صحافية لمزادات الفن الحديث والمعاصر ضمن فعاليات «أسبوع فريز» (Frieze Week) المرتقبة في دار «فيليبس» بوسط لندن (أ.ب)
TT

حرف مفقود وفأر مشاغب... بانكسي يعيد «بريكست» إلى المزاد

يقف مساعدون في المعرض بجوار عمل فني بعنوان «Keep Out» (ممنوع الدخول) لفنان الشارع البريطاني بانكسي أثناء الكشف عنه خلال معاينة صحافية لمزادات الفن الحديث والمعاصر ضمن فعاليات «أسبوع فريز» (Frieze Week) المرتقبة في دار «فيليبس» بوسط لندن (أ.ب)
يقف مساعدون في المعرض بجوار عمل فني بعنوان «Keep Out» (ممنوع الدخول) لفنان الشارع البريطاني بانكسي أثناء الكشف عنه خلال معاينة صحافية لمزادات الفن الحديث والمعاصر ضمن فعاليات «أسبوع فريز» (Frieze Week) المرتقبة في دار «فيليبس» بوسط لندن (أ.ب)

بوابة مغلقة، عبارة ناقصة، وفأر صغير يحاول فتح قفل بحرف من كلمة مفقودة... بهذه التفاصيل البسيطة، التي تحمل أكثر مما تبدو عليه، يعود الفنان البريطاني بانكسي إلى واحدة من أكثر القضايا التي قسمت البريطانيين: «بريكست».

ويستعد عمله «Keep Ou T»، الذي أنجزه عام 2019، لدخول المزاد في لندن الشهر المقبل، ضمن مزاد «فيليبس» للفن الحديث والمعاصر، وسط تقديرات بأن يتراوح سعره بين 1.2 و1.8 مليون جنيه إسترليني.

يُعرض عمل الفنان بانكسي الفني بعنوان«Keep Out» -والذي يُقدَّر أن يُباع بسعر يتراوح بين 1.2 و1.8 مليون جنيه إسترليني (ما يعادل 1.6 إلى 2.4 مليون دولار أميركي) (أ.ب)

ويبدو أن بانكسي لم يحتج إلى كثير من الكلمات ليقول ما يريد. فقد كتب على بوابة معدنية قديمة عبارة «KEEP OUT»، أي «ابقوا خارجاً»، لكنه تعمّد ترك حرف T منفصلاً عن بقية الكلمة. أما الحرف نفسه، فإنه يظهر في يد أحد فئران بانكسي الشهيرة، الذي يحاول استخدامه لكسر القفل أسفل البوابة.

وليس اختيار البوابة اعتباطياً. فقد كانت في الأصل جزءاً من بوابة وصول المسافرين القادمين من دول الاتحاد الأوروبي في مطار هيثرو. وبعد أن أصبحت جزءاً من الماضي، أعاد بانكسي تقديمها في عمل فني يحوّلها من مجرد بوابة عبور إلى رمز لحدود أُغلقت بعد خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي. وفقاً لموقع «يورونيوز».

وربما تكمن الطرافة في أن الفأر، وهو من أكثر الشخصيات حضوراً في عالم بانكسي، لا يقف هذه المرة متفرجاً أمام الحاجز. إنه يحاول فتحه. أما الأداة التي يستخدمها فهي الحرف الذي ينقص كلمة «خارجاً»، في لعبة بصرية بسيطة تختصر كثيراً من الجدل الذي رافق «بريكست».

ولم تكن هذه المرة الأولى التي يضع فيها بانكسي موقفه من خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي داخل عمل فني. ففي مايو (أيار) 2017، رسم في مدينة دوفر الساحلية جدارية ضخمة تظهر عاملاً يقف على سلم، مستخدماً مطرقة وإزميلاً لإزالة إحدى النجوم الذهبية من علم الاتحاد الأوروبي.

وفي عمل آخر بعنوان «Vote To Love» عام 2018، استخدم الفنان بالوناً على شكل قلب فوق لافتة لحملة «Vote Leave»، في معالجة ساخرة أخرى لقضية الانفصال عن أوروبا.

حتى سعر ذلك العمل حمل رسالة ساخرة. فقد وضع بانكسي رقماً افتراضياً بلغ 350 مليون جنيه إسترليني، في إشارة إلى الرقم الذي اشتهرت به حافلة حملة «مغادرة الاتحاد الأوروبي» خلال الاستفتاء البريطاني، والتي روجت لفكرة استخدام 350 مليون جنيه إسترليني أسبوعياً لتمويل هيئة الخدمات الصحية الوطنية بعد الخروج من الاتحاد.

وكان الرقم موضع انتقادات وتشكيك واسع، بما في ذلك من هيئة الإحصاءات البريطانية، ومعهد الدراسات المالية.

أما «Keep Ou T»، فيبدو أكثر هدوءاً في رسالته، لكنه لا يقل وضوحاً. فبدلاً من خطاب سياسي طويل، هناك بوابة كانت مخصصة لاستقبال القادمين من أوروبا، وعبارة تقول لهم: «ابقوا خارجاً»، وفأر صغير لا يبدو مستعداً للاستسلام بسهولة أمام القفل.


«أصوات عميقة» مسرحية فلسطينية تُذكّر بمعاناة النازحات في غزة

مسرحية «أصوات عميقة» تم عرضها ضمن فعاليات مهرجان «إيزيس» (الشركة المنتجة)
مسرحية «أصوات عميقة» تم عرضها ضمن فعاليات مهرجان «إيزيس» (الشركة المنتجة)
TT

«أصوات عميقة» مسرحية فلسطينية تُذكّر بمعاناة النازحات في غزة

مسرحية «أصوات عميقة» تم عرضها ضمن فعاليات مهرجان «إيزيس» (الشركة المنتجة)
مسرحية «أصوات عميقة» تم عرضها ضمن فعاليات مهرجان «إيزيس» (الشركة المنتجة)

يضع العرض المسرحي «أصوات عميقة» ممثلته الفلسطينية - الأردنية تهاني سليم في مواجهة مهمة وشاقة؛ إذ تصنع من تجربة فردية مساحة تتسع لأصوات كثيرة، من دون أن تفقد الحكاية خصوصيتها.

وعلى مدار ساعة تقريباً، تبدو تهاني سليم وكأنها تجمع شظايا تجربة أكبر منها، فتتنقل بين السرد والأداء والحركة والتفاعل مع الصورة، بينما تتشكل أمامها حكاية امرأة فلسطينية تعيش الحرب؛ ليست باعتبارها حدثاً بعيداً، ولكن بوصفها واقعاً يعيد ترتيب كل التفاصيل اليومية.

العمل ينطلق من تجربة فرح الغول، وهي فتاة فلسطينية من غزة، عثرت تهاني سليم عن طريق الصدفة على جزء من مذكراتها عن النزوح، ومن هذه الصفحات القليلة بدأت رحلة بحث وتوثيق توسعت إلى شهادات نساء وأطفال، وتتبع مسارات النزوح داخل غزة ومناطقها المختلفة، ليصبح النص النهائي أوسع من التجربة الأصلية، وما بين الخوف والفقد والانتقال المستمر، يرصد العرض كيف أعادت الحرب تشكيل الحياة اليومية للنساء الفلسطينيات، محولاً تجربة امرأة واحدة إلى حكاية عن غزة وذاكرة أهلها.

وتكمن قوة عرض المونودراما الذي قُدم بالقاهرة ضمن فعاليات مهرجان «إيزيس الدولي لمسرح المرأة» في طريقة تعامله مع الزمن؛ فالحكاية لا تسير كخط مستقيم يشرح ما حدث ثم ينتقل إلى ما بعده، وإنما تتقدم عبر استدعاءات وتقاطعات بين لحظة وأخرى، الماضي يعود في أثناء الحاضر، والصورة المسجلة تقاطع الأداء الحي، والصوت القادم من خارج الخشبة يغير معنى ما نراه عليها.

واعتمدت تهاني سليم على أدوات قليلة لكنها تحتاج إلى سيطرة كبيرة: الصوت، والجسد، والإيقاع، والنظرة، فلا يوجد أمامها مجموعة ممثلين تتبادل معهم الفعل، لذلك يصبح الانتقال بين الحالات مسؤوليتها وحدها، بعض التحولات تتم بالكلمة، وبعضها بالحركة أو الصمت، وأحياناً يكفي تغير بسيط في النبرة حتى يتغير موقع الشخصية داخل المشهد.

شهد العرض حضوراً جماهيرياً لافت بالقاهرة (إدارة المهرجان)

في المقابل، لا تترك المخرجة سوسن دروزة الممثلة وحدها في مواجهة هذا العبء، بل تبني حولها فضاء يتغير باستمرار، العناصر البصرية والإضاءة والفيديو تدخل في صلب الفعل المسرحي، وتخلق أحياناً شخصيات غائبة أو أماكن لا يمكن وجودها فعلياً على الخشبة، فالصورة جاءت طرفاً في المشهد من جانب توثيقي يضفي خصوصية على العمل.

ويشارك في صناعة «أصوات عميقة» فريق فلسطيني وأردني وسويسري، تتصدره تهاني سليم مؤلفة العرض وبطلته ومنتجته، فيما تتولى سوسن دروزة الإخراج، وهالة شهاب تصميم السينوغرافيا، وتولى تصميم الإضاءة والإشراف التقني فراس أبو صباح، بينما شاركت الفنانة السويسرية نيكول بيرمان في تنفيذ الفيديو والمؤثرات الرقمية، ويجمع العرض بين التمثيل الحي والصورة والإضاءة والصوت والحركة.

وقالت تهاني سليم لـ«الشرق الأوسط» إن النزوح طال أعداداً هائلة من الفلسطينيين، لكنها اختارت أن تجعل التجارب النسائية محور العمل، انطلاقاً من اهتمامها المستمر بقضايا المرأة في مشاريعها الفنية، لذلك أجرت مقابلات مع فرح ونساء أخريات، وجمعت شهادات متعددة، بالتوازي مع متابعة مسار النزوح زمنياً ومكانياً، من مناطق داخل غزة إلى الشاطئ وخان يونس ورفح.

وأوضحت أن النص المسرحي في صورته النهائية لا يمثل نقلاً حرفياً لمذكرات فرح، لكنه كان توثيقاً مسرحياً، لافتة إلى أن «هذا المسار جعل العمل أقرب إلى الدراما الوثائقية التي تتداخل فيها الشهادة الشخصية مع المادة الإعلامية، بحيث تصبح الوثيقة أساساً للبناء المسرحي، وليست مجرد خلفية للأحداث».

قدم العرض المسرحي جانباً من معاناة النزوح الفلسطيني بسبب الحرب (الشركة المنتجة)

وتابعت أن العرض يقوم على مستويات متوازية؛ أولها تجربة الفتاة التي تعيش النزوح والألم، وثانيها المستوى البصري الذي عملت عليه مع الفنانة السويسرية نيكول بيرمان من خلال الفيديو والوسائط الرقمية، وثالثها المستوى السياسي والتوثيقي الذي استعانت فيه بتصريحات صحافيين ونشطاء وسياسيين. ومن خلال هذه الطبقات، حاولت أن تمنح الحكاية الفردية سياقها الأوسع، من دون أن تفقد خصوصيتها الإنسانية.

وأشارت تهاني إلى أن «وجودها في أوروبا جعل تقديم هذا العمل بالنسبة إليها مسؤولية فنية وإنسانية في الوقت نفسه»، مؤكدة أن «الفنان لا يستطيع أن ينفصل عن التحولات الاجتماعية والسياسية الكبرى التي تجري حوله، وأن انتماءها الفلسطيني دفعها إلى التمسك بهذه الحكايات، بينما جعلها موقعها بوصفها فنانة تفكر في الطريقة التي يمكن بها للمسرح أن يتفاعل مع مأساة إنسانية بهذا الحجم دون أن يتحول إلى خطاب مباشر».

وفي الختام، أرجعت اختيارها تقديم العمل في صورة مونودراما لرغبتها في تحمل المسؤولية الكاملة عن الفكرة التي تريد إيصالها، موضحة أنها شاركت في كتابة النص والتمثيل والدراماتورج والإنتاج، ورغم أن العمل بهذه الصورة كان مرهقاً، فإنه منحها في المقابل قدرة أكبر على التحكم في جميع عناصر التجربة، وعلى الحفاظ على وحدة الرؤية منذ البحث الأول وحتى لحظة وقوفها منفردة أمام الجمهور.