سرعان ما عادت أزمة قطع الأشجار إلى الواجهة في مصر، مع تصريحات حكومية بشأن «تعويض» الأشجار التي أزيلت من مناطق رئيسية بمحافظة الجيزة (غرب القاهرة)، وهو ما أثار تساؤلات لدى نشطاء ومتخصصين أبدوا تخوفهم من تداعيات قطع الأشجار، وتساءلوا بشأن جدوى هذا التعويض، في ضوء الفارق بين شتلات حديثة وأشجار استغرق نموها عشرات السنين.
ووجهت وزيرة التنمية المحلية والبيئة منال عوض بحصر الأشجار التي قُطعت في شارع جامعة الدول العربية وميدان مصطفى محمود (غرب القاهرة)، وتحديد أسباب إزالتها بدلاً من نقلها، وتعويضها بأعداد مضاعفة، مع اختيار أنواع ملائمة لطبيعة المكان وأعمال التطوير. كما طالبت بتشكيل لجنة علمية للمتابعة الميدانية لأعمال التشجير والتجميل، وعدم التهاون في قطع الأشجار أو تقليمها بشكل جائر.
وجددت هذه التوجيهات احتجاجات على مواقع التواصل الاجتماعي، بعدما تداول سكان ونشطاء بيئيون صوراً ومقاطع فيديو لأشجار قديمة أزيلت من الجزيرة الوسطى للشارع، وطالبوا بالكشف عن أعدادها وأعمارها، والجهة التي وافقت على إزالتها.
وانتقد الدكتور نادر نور الدين، أستاذ الموارد المائية والأراضي بكلية الزراعة جامعة القاهرة، إزالة أشجار شارع جامعة الدول والدقي والمهندسين، وكتب على صفحته على «فيسبوك»: «هذه الأشجار لها عشرات وربما مئات السنين ولذلك تعمقت جذورها حتى وصلت إلى المياه الجوفية السطحية المخزنة على عمق يتراوح بين 1.5 - 2.5 متر من سطح الأرض، وأصبحت هذه الأشجار تشرب وتتغذى ذاتياً من هذه المياه وما بها من عناصر غذائية ذائبة من طبقات الطين أعلاها وأسفلها، والقول بأنه سيتم إحلال هذه الأشجار ليس بالسهولة أبداً، فوضع أشجار صغيرة أي شتلات ذات أعماق جذور لا تتجاوز ربع متر يعني أننا سنحتاج إلى رى هذه الأشجار مرتين أسبوعياً للتعامل مع جذورها السطحية ولمدة عشر سنوات وربما أكثر حتى تتعمق جذور هذه الشتلات وتصل إلى أعماق المياه الجوفية السطحية الحالية، وهي عملية ليست بالسهلة».

ويصف الناشط البيئي المصري أحمد فتحي تعهد الوزيرة بزراعة أعداد مضاعفة بأنه «توجه جيد»، ويقول لـ«الشرق الأوسط»: «لكن كان من الضروري إجراء تقييم للأثر البيئي ودراسة البدائل قبل إزالة الأشجار، فتأييد مشروعات المنفعة العامة وتطوير الطرق لا يعني التضحية تلقائياً بالعناصر البيئية الموجودة، خصوصاً أن بعض الأشجار يمكن نقلها إذا تولى العملية متخصصون».
ويشير إلى تكرار وقائع مماثلة خلال السنوات الماضية في مصر الجديدة ومحافظتي الإسكندرية وأسوان، مضيفاً: «لا تقدم مضاعفة أعداد الأشجار المزروعة تعويضاً فورياً عن الأشجار القديمة؛ فالشتلات تحتاج إلى سنوات حتى تنمو وتؤدي الوظائف نفسها».
وتكتسب هذه المخاوف ثقلاً أكبر في مدينة تعاني نقصاً واضحاً في المساحات الخضراء. فحسب دراسة نشرتها دورية علمية متخصصة على منصة «سبرنجر نيتشر» في فبراير (شباط) 2022، فقدت القاهرة نحو 911 ألف متر مربع من مساحاتها الخضراء بين عامي 2017 و2020، لتنخفض مساحتها الإجمالية من نحو 7.8 مليون إلى 6.9 مليون متر مربع.
وأظهرت الدراسة أن 22 من أحياء القاهرة الـ37، وتضم نحو ثلثي سكان المدينة، سجلت «أقل من نصف متر مربع من المساحات الخضراء للفرد، بينما يشير دليل التنسيق الحضاري للمدن القائمة في وادي النيل إلى حد أدنى يبلغ 7 أمتار مربعة للفرد».
وترى هايدي جاويش، المحامية والباحثة القانونية، أن أزمة الأشجار «تعود بشكل رئيسي إلى غياب الخطط القومية للاهتمام بالمنظومة البيئية، بما فيها تلوث البحار والهواء، وليس الأشجار فقط».
وتوضح لـ«الشرق الأوسط» أن «(المادة 45) من الدستور تُلزم الدولة بحماية المساحات الخضراء في الحضر وتنميتها، والحفاظ على الثروة النباتية، بينما تقر (المادة 46) بحق كل شخص في بيئة صحية سليمة، وتُلزم الدولة بعدم الإضرار بها والاستخدام الرشيد للموارد الطبيعية بما يحفظ حقوق الأجيال المقبلة».
من جانبها، تقول الناشطة البيئية مها عواد لـ«الشرق الأوسط»: «كل جهة تلقي المسؤولية على الأخرى، من عمال النظافة إلى الأحياء والمحافظات والوزارة وهيئات الطرق، وكأن الأشجار في البلد ليست لها جهة محددة مسؤولة عنها».
وتنتقد مها إسناد التعامل مع الأشجار إلى عمال نظافة أو أطقم غير متخصصة، رغم أن تحديد حاجة الشجرة إلى التقليم أو العلاج أو النقل أو الإزالة يتطلب خبرة فنية وبيئية.

وتستشهد بأشجار قديمة فقدتها مناطق بالعجوزة ومصر الجديدة، مؤكدة أن «قيمتها لا تقتصر على دورها البيئي، وإنما تمتد إلى ارتباطها بذاكرة الأحياء وهويتها العمرانية». وترى أن «التعهد بزراعة بدائل لا يجيب وحده عن أسئلة المسؤولية، وفي مقدمتها من اتخذ قرار القطع؟ وهل دُرست إمكانية نقل الأشجار أو تعديل التصميم قبل إزالتها؟».
وكانت وزارة البيئة قد أعلنت في أكتوبر (تشرين الأول) 2024 عن تشكيل لجنة استشارية علمية لدعم ملف التشجير، استناداً إلى قرار صدر في 5 أغسطس (آب) من العام نفسه. كما أعلنت تعميم تعليمات تمنع قطع الأشجار أو تقليمها بشكل جائر إلا بعد الرجوع إلى اللجنة المختصة في كل محافظة، ودراسة المردودين البيئي والاقتصادي للأنواع المقترح زراعتها.
غير أن تكرار وقائع الإزالة يثير تساؤلات بشأن مدى تطبيق تلك التعليمات، وما إذا كانت اللجان تتدخل قبل بدء المشروعات أم بعد تصاعد الاحتجاجات عليها.
ويرى فتحي أن «منع تكرار الأزمة يتطلب قاعدة ملزمة تقضي بإجراء تقييم بيئي قبل اعتماد تصميمات مشروعات الطرق، مع إعطاء الأولوية للإبقاء على الأشجار، ثم تعديل التصميم حولها».
وتشغل الأراضي الصحراوية نحو 92 في المائة من مساحة مصر، وفق بيانات «اتفاقية الأمم المتحدة للتنوع البيولوجي» ما يوضح محدودية الرقعة التي تتركز فيها الكثافة السكانية والزراعة والغطاء النباتي، وتجعل فقدان الأشجار داخل المدن أكثر تأثيراً في درجات الحرارة وجودة الهواء.

