قرية طلابية دنماركية بيئية بتصميم مستقبلي

أكبر مشروع سكني مطبوع بتقنية الطباعة ثلاثية الأبعاد في أوروبا

قرية طلابية دنماركية بيئية بتصميم مستقبلي
TT

قرية طلابية دنماركية بيئية بتصميم مستقبلي

قرية طلابية دنماركية بيئية بتصميم مستقبلي

أصبح مجمع سكن الطلاب الجديد -الواقع بالقرب من كلية «فيا» الجامعية (VIA University College) في الدنمارك- أكبر مشروع سكني يُنفذ بتقنية الطباعة ثلاثية الأبعاد في أوروبا. وهو يبرز الإمكانات الهائلة لهذه التقنية عند تطبيقها على نطاق واسع، كما كتب هانتر شوارتز(*).

وحدة سكنية دنماركية «مطبوعة»

يحمل المشروع اسم «سكوفسبوريت» (Skovsporet)، وهو مجمع يضم 36 وحدة سكنية موزعة على ستة مبانٍ تغطي مساحة 17760 قدماً مربعاً (1650 متراً مربعاً) في مدينة «هولستبرو» الواقعة غرب شبه جزيرة يوتلاند. وتتكون كل وحدة سكنية -وهي مبانٍ منخفضة الارتفاع- من خرسانة منخفضة الكربون، طُبعت بتقنية الطباعة ثلاثية الأبعاد في موقع البناء نفسه. وقد صُممت كل شقة خاصة لتكون منزلاً متكاملاً يضم منطقة للنوم، وحماماً، وغرفة معيشة، ومطبخاً، ومساحة للدراسة.

فلّين وزجاج... لمسة جمالية

تسمح النوافذ الكبيرة والسقف المائل الهجين (المصنوع من الخشب ومواد أخرى) بدخول الضوء الطبيعي، بينما تضفي ألواح الفلين والزجاج لمسة جمالية وملمساً مميزاً يكمل مظهر الجدران المطبوعة ثلاثية الأبعاد. وقد شُيدت كل شقة حول ساحات مشتركة تتصل ببعضها عبر ممرات للمشاة ومساحات خضراء منسقة.

مشروعات أوروبية

يُذكر أن أكبر مشروع سكني سابق نُفذ بتقنية الطباعة ثلاثية الأبعاد في أوروبا كان مشروع «فيليا سبرينت» (ViliaSprint) في مدينة ريمس بفرنسا؛ وهو مجمع مكون من ثلاثة طوابق ويضم 12 وحدة سكنية، وقد اكتمل بناؤه في ربيع ذلك العام. كما كانت ألمانيا قد شيدت أول مشروع للإسكان العام بتقنية الطباعة ثلاثية الأبعاد في مدينة «لونين» عام 2023.

تولت شركتا «ساغا سبيس أركيتكتس» (Saga Space Architects) و«إم إس بلس» (MS+) تصميم مجمع «سكوفسبوريت» بالتعاون مع شركة «3DCP Group» للمقاولات. ولم يكن الهدف من المشروع مجرد الاستعراض التقني أو التجربة، بل كان الغرض منه توفير مساكن اجتماعية دائمة تخضع لنفس الأطر التنظيمية المطبقة على مشروعات الإسكان الاجتماعي التقليدية في الدنمارك، وذلك وفقاً لما ذكره سيباستيان أريستوتليس، كبير المهندسين المعماريين في شركة «ساغا»، وميكيل بريتش، الرئيس التنفيذي لشركة «3DCP».

استقلالية فردية وروح اجتماعية

لقد تمثلت الغاية من تصميم شقق خاصة تتخللها مساحات مشتركة في تعزيز كل من الاستقلالية الفردية وروح المجتمع. ويقول أريستوتليس وبريتش في رسالة عبر البريد الإلكتروني لمجلة «فاست كومباني»: «نأمل أن يشعر الطلاب بأنهم يعيشون في واحدة من أروع القرى الطلابية المستقبلية، مع الحفاظ في الوقت ذاته على شعور الألفة والدفء المنزلي. كما أردنا لمشروع (سكوفسبوريت) أن يعزز روح المجتمع القوية؛ ولهذا السبب صُممت الوحدات السكنية لتتوزع حول مساحات خارجية مشتركة وتقع على مقربة من مؤسسات تعليمية متنوعة».

مواد بناء بيئية

ويضيف أريستوتليس وبريتش: «تتجلى الإمكانات الحقيقية للطباعة ثلاثية الأبعاد عندما تتجاوز هذه التقنية مرحلة النماذج الأولية والمشروعات الفريدة من نوعها (المعالم العمرانية)، لتبدأ في منافسة أساليب البناء التقليدية في مجال الإسكان اليومي». وقد أُضيفت مادة تُعرف باسم «D.fab» إلى الخرسانة، مما سمح بخفض انبعاثات ثاني أكسيد الكربون بنسبة 84 في المائة مقارنة بالخرسانة التقليدية. كما شُيّد المجمع السكني وسط الأشجار القائمة بالفعل، مما أتاح الحفاظ على 90 في المائة منها أثناء عملية البناء.

ومن شأن نجاح مشروع «سكوفسبوريت» أن يلهم إنشاء مجمعات مماثلة تعتمد على الطباعة ثلاثية الأبعاد في مواقع أخرى، وأن يثبت جاهزية المساكن المطبوعة للانتقال إلى مرحلة التطوير والبناء على نطاق واسع.

* مجلة «فاست كومباني».


مقالات ذات صلة

ظاهرة النينيو الخارقة قد تتسبب بوفاة 451 ألف شخص خلال 6 أشهر

بيئة بحيرة جافة بعد تأثرها بالجفاف الناتج عن ظاهرة «النينيو» (أ.ف.ب)

ظاهرة النينيو الخارقة قد تتسبب بوفاة 451 ألف شخص خلال 6 أشهر

قال ‌باحثون إن الحرارة المفرطة الناجمة عن ظاهرة النينيو «الخارقة» قد تؤدي إلى ما يصل لـ451 ألف حالة وفاة خلال ستة أشهر.

«الشرق الأوسط» (سنغافورة)
يوميات الشرق تحت عنوان «الأرض وأهلها» ينطلق «ريف السينمائي» من بلدة القبيات (الجهة المنظّمة)

«ريف السينمائي» في دورته التاسعة يحتفي بـ«الأرض وأهلها»

يقيم المهرجان، بالتوازي مع عروضه السينمائية، ندوة حول حماية أنهر عكّار...

فيفيان حداد (بيروت)
تكنولوجيا المنتدى العالمي الرابع لليونيسكو لأخلاقيات الذكاء الاصطناعي في الرياض

الذكاء الاصطناعي يستهلك الطاقة… فهل يستطيع أن يوفرها؟

علاقة مزدوجة بين الخوارزميات والطاقة تضع الاستدامة أمام اختبار جديد

د. عميد خالد عبد الحميد (الرياض)
يوميات الشرق مخطط يوضح حدود المحمية (الهيئة الملكية لمدينة الرياض)

محمية «الإمام عبد الرحمن بن فيصل»... تنوّع طبيعي يجمع جبال طويق والكثبان والأودية

لا يؤثر تأسيس المحمية في الملكيات القائمة ولا يتضمن الإعلان نزع ملكية أراضٍ أو عقارات.

غازي الحارثي (الرياض)
يوميات الشرق سماء العُلا المرصعة بالنجوم تعكس انخفاض التلوث الضوئي ووضوح الأجرام السماوية ليلاً (واس)

العُلا تحرس زرقة سمائها من الواحات إلى النجوم بمنظومة بيئية مستدامة

تبني العُلا منظومة بيئية مستدامة تجمع مراقبة التلوث واستعادة الغطاء النباتي وحماية سمائها من التلوث الضوئي.

«الشرق الأوسط» (العلا)

كيف تتحول من «المحادثة» إلى «تنفيذ العمل» في «تشات جي بي تي»؟

كيف تتحول من «المحادثة» إلى «تنفيذ العمل» في «تشات جي بي تي»؟
TT

كيف تتحول من «المحادثة» إلى «تنفيذ العمل» في «تشات جي بي تي»؟

كيف تتحول من «المحادثة» إلى «تنفيذ العمل» في «تشات جي بي تي»؟

اعتُبر، في لغة شركات التكنولوجيا، «مستخدماً مكثفاً» لروبوتات الدردشة المدعومة بالذكاء الاصطناعي، مثل «تشات جي بي تي»، و«كلود». ولكن ما مدى استخدامي لهذه الأدوات؟ لنقلها بعبارة أخرى: إذا تعطل «تشات جي بي تي» لبضع ساعات، تتوقف إنتاجيتي تماماً، وأجد نفسي واقفاً بلا هدف في فناء منزلي، ولا أتمكن من إنجاز أي عمل ذي قيمة.

بين الدردشة والعمل

تعمل شركة «أوبن إيه آي» باستمرار على تعديل واجهة «تشات جي بي تي»، لكن أحد التغييرات الأخيرة كان له تأثير كبير بشكل خاص؛ إذ تطلب الشركة الآن من المستخدمين الاختيار بين وضعي «المحادثة، أو الدردشة» (Chat) و«العمل» (Work) عند استخدام النسخ المدفوعة من الروبوت. وقد يؤدي اختيار الإعداد الخاطئ إلى عرقلة مشروع بأكمله، أو على الأقل حرمانك من بعض أقوى وظائف «تشات جي بي تي».

ما هي الفروق بين الوظيفتين؟

بصفتي مستخدماً مكثفاً (وربما أصبحت مدمناً) لـ«تشات جي بي تي»، يمكنني توضيح الفروق بين وضعي «الدردشة» و«العمل»، واستعراض أفضل الطرق التي وجدتها للاختيار بينهما.

* وضع «الدردشة» - «شخصية إبداعية» مخصصة للمعلومات. صُمم وضع «الدردشة» في «تشات جي بي تي» للحالات التي تحتاج فيها إلى معلومات. عند اختيار هذا الوضع يتحول الروبوت إلى نمط المحادثة، ما يجعله مثالياً لمهام مثل البحث، والعصف الذهني.

في وضع «الدردشة»، يميل الروبوت إلى أن يكون أكثر تعاوناً، وودية؛ فهو موجود للعمل جنباً إلى جنب معك، أو ربما للإجابة عن أسئلتك الملحة، مثل: هل يُسمح باستخدام الهواتف أثناء أداء واجب هيئة المحلفين؟ أو هل دخل حيوان الراكون في المرأب الخاص بي؟ (وهما سؤالان حقيقيان طرحتهما مؤخراً على وضع الدردشة).

ولهذا الغرض يميل «تشات جي بي تي» في وضع «الدردشة» إلى توجيهك نحو المصادر والمعلومات بدلاً من إنجاز المهام نيابةً عنك.

ومن الناحية التقنية (خلف الكواليس)، غالباً ما يستخدم وضع «الدردشة» إصدارات أقل قوة قليلاً من نماذج «أوبن إيه آي» الأكثر تطوراً (نماذج الحدود القصوى للقدرات). وهذا يعني أن وضع «الدردشة» سيستهلك عادةً حصص الاستخدام الخاصة بك بوتيرة أبطأ مقارنة بوضع «العمل (Work)»، كما أنه يستجيب -على الأرجح- بشكل أسرع للاستفسارات التي لا تتطلب تفكيراً عميقاً؛ إذ لا أحد يرغب في الانتظار سبع دقائق للحصول على رد عند طرح سؤال بسيط.

ومن المؤشرات التقنية البارزة حقيقة أن «تشات جي بي تي» يُدرج ما يُعرف بمعلمات «UTM» (وهي وسوم لتتبع المصدر) ضمن الروابط الصادرة التي يعرضها في وضع الدردشة. وتساعد هذه البيانات التتبعية غير المرئية مواقع الطرف الثالث على معرفة متى يتلقون زيارة (نقرة) من مستخدم للبوت.

ويشير إدراج هذه المعلمات إلى أن «أوبن إيه آي» تتوقع منك -في وضع الدردشة- العثور على شيء مفيد، ثم النقر للانتقال إلى الموقع، واتخاذ إجراء بنفسك.

وضع العمل - الزميل المتأني في المكتب

*وضع «العمل» مخصص لإنجاز المهام. على النقيض من وضع الدردشة، فإن وضع «العمل» في «تشات جي بي تي» مخصص لإنجاز مهام محددة بالفعل.

وعند التبديل إلى وضع العمل تصبح الأداة أكثر جدية، ومباشرة في أسلوبها (بما يشبه بيئة الأعمال)، وأقل ودية ولطفاً في التفاعل. كما تصبح أكثر كفاءة في تحويل طلباتك إلى مخرجات محددة، ومنتجات نهائية.

مثلاً، إذا زودت «تشات جي بي تي» ببيانات من قناتك على «يوتيوب» في وضع الدردشة، فإنه سيتبادل معك الأفكار، ويقترح عليك أفكاراً جديدة لمقاطع الفيديو. أما إذا قدمت له البيانات نفسها في وضع العمل، فسيُعد لك تقريراً بصيغة «بي دي إف» يحلل مقاطع الفيديو الأفضل أداءً لديك، مدعوماً برسوم بيانية ذات طابع رسمي، وعناوين عملية، ومباشرة، مثل «تدقيق الأداء الشهري للمحتوى».

يحوّل وضع الدردشة «تشات جي بي تي» إلى «شخصية مبدعة» تطرح أفكاراً رائعة دون القيام بالكثير من العمل الفعلي. في المقابل، يحوّله وضع العمل إلى ذلك الزميل «المتأني» الهادئ في المكتب، والمنهمك دائماً في جداول بيانات «إكسيل»، والذي ينجز المهام المطلوبة منه بدقة، وموثوقية تامة.

منصة ذكية ذاتية العمل

باختصار، يحوّل وضع العمل «تشات جي بي تي» إلى ما يشبه منصة ذكاء اصطناعي ذاتية العمل (أو «وكيل ذكي» قادر على تنفيذ المهام). وفي هذا الوضع، عادةً ما يستغرق البوت وقتاً أطول في التفكير قبل تقديم الرد، كما يسهل عليه الحفاظ على تركيزه في المهمة الحالية.

إذا كنت تبحث عن أفكار لأنواع جديدة من المعجنات لبيعها في مخبزك (هل جربت نكهة الفستق؟)، فإن «وضع الدردشة» هو الخيار الأفضل. أما إذا كنت ترغب في كتابة أمر لشراء الدقيق، أو البدء مبكراً في تقدير ضرائبك، فإن «وضع العمل» يلبي احتياجاتك.

كيف أحدد خياري

عندما أجلس لاستخدام «تشات جي بي تي»، أسأل نفسي أولاً عما أريد تحقيقه من هذه الجلسة. هل أبحث عن معلومات، مثل إجابة عن سؤال محدد، أو قائمة من الأفكار؟ أم أنني أتطلع للحصول على شيء ملموس، مثل جدول بيانات، أو رسم بياني قابل للتنزيل، أو تقرير بصيغة «بي دي إف» يمكنني طباعته وقراءته أثناء ركوب القطار؟

إذا كان الأمر يتعلق بالخيار الأول، فأنا أختار «الدردشة». أما للخيار الثاني، فأنا أستخدم «العمل». كما أختار «الدردشة» أيضاً إذا أردت أن يكون أسلوب «تشات جي بي تي» أكثر وديةً، فبالنسبة للاستفسارات الشخصية يُعد هذا الخيار هو الأفضل دائماً تقريباً.

رغم أن التفكير في نواياك قبل بدء كل جلسة ذكاء اصطناعي قد يكون مملاً، فإنّ التوقف للحظة لاختيار وضع «تشات جي بي تي» المناسب سيجعل وقتك مع الروبوت أكثر فائدة وكفاءة. احصل على نتيجة أفضل، وستقل احتمالية استهلاك رصيدك بلا داعٍ، أو إضاعة وقتك في انتظار ردٍّ مطوّل.

* مجلة «فاست كومباني»


«المرآة الرقمية للطبيب»... هل يستطيع الذكاء الاصطناعي أن يعلّمنا كيف نصغي إلى المريض؟

منصة «Clinitalk» تؤكد على حماية بيانات المرضى
منصة «Clinitalk» تؤكد على حماية بيانات المرضى
TT

«المرآة الرقمية للطبيب»... هل يستطيع الذكاء الاصطناعي أن يعلّمنا كيف نصغي إلى المريض؟

منصة «Clinitalk» تؤكد على حماية بيانات المرضى
منصة «Clinitalk» تؤكد على حماية بيانات المرضى

كم يستغرق حديث الطبيب من الوقت المخصص للاستشارة؟ وكم يترك للمريض كي يتحدث؟ وهل يعي طبيعة الأسئلة التي يطرحها، أو يلحظ متى ينتقل من الإصغاء إلى المريض إلى اقتراح العلاج؟

قد تبدو هذه التفاصيل جزءاً من المهارات الإنسانية التي يصعب قياسها، لكن الذكاء الاصطناعي بدأ يدخل إلى هذه المساحة الدقيقة من العلاقة بين الطبيب والمريض، لا ليقرر ما ينبغي للطبيب أن يقوله، وإنما ليجعله أكثر وعياً بكيفية تواصله.

هذا ما اختبرته دراسة بريطانية حديثة حول منصة رقمية تسمى «كلينيتوك» «Clinitalk»، نُشرت في 16 سبتمبر (أيلول) 2026 في مجلة «التعليم للرعاية الأولية» (Education for Primary Care)، وهي مجلة علمية متخصصة في تعليم الرعاية الصحية الأولية.

وحللت الدراسة، التي حملت عنوان «Clinitalk: تقييم منصة إلكترونية لدعم تطوير مهارات الاستشارة الطبية لدى أطباء الممارسة العامة المتدربين في المملكة المتحدة»، أكثر من 13 ألف استشارة مسجّلة، بعد إزالة المعلومات التي تكشف عن هوية المشاركين، أجراها أطباء متدربون في الممارسة العامة في مختلف أنحاء بريطانيا.

المنصة تسجّل الاستشارات وتحلّلها وتقدّم ملاحظات فردية تساعد الأطباء المتدربين على تطوير مهارات التواصل

مرآة رقمية للطبيب

قال البروفسور أنور علي خان، أستاذ التعليم الطبي في الرعاية الأولية بجامعة شرق لندن (University of East London)، والمدير الطبي للاعتماد الدولي في الكلية الملكية البريطانية للممارسين العامين (Royal College of General Practitioners – RCGP)، لـ«الشرق الأوسط» إن التواصل أثناء الاستشارة يجري غالباً بصورة تلقائية؛ فقد لا ينتبه الطبيب إلى مقدار الوقت الذي يستأثر فيه بالحديث، أو طبيعة الأسئلة التي يطرحها، أو سرعة انتقاله إلى مناقشة العلاج، أو ما إذا كان قد أتاح للمريض مساحة كافية للتعبير عما يهمه فعلاً.

وهنا، في رأيه، تكمن القيمة المحتملة للذكاء الاصطناعي: ليس في إخبار الطبيب بما ينبغي أن يقوله، وإنما في إظهار أنماط تواصله بوضوح أمامه.

وتشير نتائج الدراسة إلى أن متوسط حصة الطبيب من وقت الحديث انخفض، مع استمرار استخدام المنصة، من 66.7 في المائة إلى 48.9 في المائة. وبدأت مناقشة الخطة العلاجية أبكر بنحو 1.1 دقيقة في المتوسط، في حين ارتبط استخدام الأسئلة المفتوحة بصورة أكبر مقارنة بالمغلقة بانخفاض حصة الطبيب من الحديث وتحسّن تقييمات ملاءمة الخطة العلاجية للمريض.

البروفسور أنور خان

«تعكس... ولا تملي»

لكن خان يرسم حداً واضحاً بين المساعدة والتوجيه، ويختصره بعبارة: «المرآة ينبغي أن تعكس، لا أن تملي». فلا توجد، كما يقول، «استشارة مثالية» واحدة تناسب جميع المرضى؛ فالمريض الخائف قد يحتاج إلى أسلوب يختلف عما يناسب شخصاً محدود الثقافة الصحية، في حين قد يفضّل آخر حديثاً مباشراً ومختصراً.

والهدف، بالتالي، ليس تحويل الاستشارة الطبية إلى سيناريو موحّد تصوغه الخوارزمية، وإنما مساعدة الطبيب على التواصل بوعي ومرونة أكبر.

ويشدد خان على أن استخدام هذه الأنظمة يتطلب ضمانات واضحة: أن تُستخدم ملاحظات الذكاء الاصطناعي للتطوير والتعلّم؛ وأن يظل الحكم المهني والإشراف البشري أساساً؛ مع حماية قوية للبيانات وموافقة مناسبة من المرضى والأطباء. ويضاف إلى ذلك اختبار دقتها وعدالتها عبر مختلف اللغات والثقافات والفئات السكانية، والتأكد من أن أداءها لا يخدم فئة من المرضى أو الأطباء على حساب أخرى.

وفي تقييم «Clinitalk»، بلغت نسبة التوافق بين تقييمات ممتحنين كبار من الكلية الملكية للممارسين العامين وتقييمات الذكاء الاصطناعي لسلوك الأطباء أثناء الاستشارات 96.4 في المائة من الحالات التي خضعت للمراجعة.

نتائج مهمة... ولكن بحذر

مع ذلك، يحذّر خان من تحميل النتائج أكثر مما تحتمل علمياً. فالدراسة تقييم وصفي؛ والتغيرات السلوكية المرصودة ارتبطت باستمرار استخدام المنصة، لكن هذا الارتباط لا يثبت أن «Clinitalk» كانت السبب المباشر وراءها.

وهذا تمييز مهم في وقت قد تتحول فيه النتائج الواعدة للذكاء الاصطناعي سريعاً إلى عناوين تتجاوز قوة الدليل العلمي. لذا؛ تتمثل الخطوات التالية الضرورية في إجراء دراسات مضبوطة، وقياس أثر هذه الأدوات في تجربة المرضى ونتائجهم الصحية.

منصة «Clinitalk»

وماذا عن الطبيب العربي؟

هنا يبرز سؤال أقرب إلى واقعنا: هل يمكن استخدام نظام كهذا في الرياض، أو القاهرة أو بغداد أو عمّان أو رام الله؟ يرى خان أن ذلك ممكن، لكنه يحذّر من اختزال الأمر في ترجمة نظام إنجليزي إلى العربية.

فاللغة ليست سوى جانب من الاستشارة الطبية. وسيحتاج النظام إلى فهم اللهجات العربية المختلفة، والتعامل مع الانتقال المتكرر بين العربية والإنجليزية، وأحياناً الفرنسية، في بعض البيئات الصحية العربية.

لكن التحدي الأعمق ثقافي

إن دور الأسرة، والعلاقة الهرمية بين الطبيب والمريض، والفروق المرتبطة بالجنس، وفهم اتخاذ القرار المشترك، وأساليب مناقشة الموضوعات الحساسة، كلها جوانب قد تختلف من مجتمع إلى آخر. ويقول خان، وهو أيضاً عضو في المجلس الاستشاري لكلية طب جديدة يُبحث إنشاؤها في رام الله بالضفة الغربية، إنه لا ينبغي افتراض أن التعريف البريطاني لـ«الاستشارة الجيدة» قابل للنقل كما هو إلى مجتمعات أخرى.

ويرى أن تصميم أي نسخة عربية ينبغي أن يُشارك المرضى والأطباء والمتدربون ومعلّمو الطب المحليون، وأن تُقارن تقييماتها، بصورة مستقلة، بتقييمات أطباء عرب ذوي خبرة، مع اختبار موثوقيتها عبر مختلف اللهجات والبيئات السريرية وفئات المرضى.

من الترجمة إلى التحقق المحلي

وهنا تقدم الدراسة درساً يتجاوز منصة «Clinitalk» نفسها. فالذكاء الاصطناعي الطبي لا يصبح ملائماً لبيئة جديدة لمجرد فهم كلماتها؛ بل يحتاج إلى فهم سياقها، والتحقق من أدائه لدى السكان الذين سيخدمهم، وضمن لغتهم وثقافتهم وبيئتهم السريرية.

ويشير خان إلى أن فريقه يستعد لمشروع في شرق إنجلترا يدرس استخدام الأداة لدى مجموعة أوسع ستتاح لها مجاناً. وقد يساعد ذلك في استكشاف مدى تأثير دوافع المستخدمين في نتائج الدراسة المنشورة، خصوصاً أن المشاركين فيها كانوا متدربين دفعوا مقابل استخدام التطبيق.

ويرى أيضاً أن هذه التقنيات قد تتيح لعدد أكبر من الأطباء ملاحظات عالية الجودة وفرصاً منتظمة لمراجعة استشاراتهم والتأمل فيها بصورة منهجية، بدلاً من اقتصار هذه الفرص على من تتوافر لهم موارد تدريبية أكبر.

لكن التكنولوجيا لن تحدّ من عدم المساواة إذا كانت تحمل بدورها انحيازاً جديداً. ولعل هذا هو المعنى الأهم لـ«المرآة الرقمية»: أن يستعين الطبيب بالذكاء الاصطناعي ليرى نفسه بوضوح أكبر، مع احتفاظه بحكمه المهني. فالخوارزمية قد تقيس كم تحدّث الطبيب وكم أتاح للمريض أن يتحدث، لكن الإنسان يظل من يقرر لماذا يصمت، ومتى يسأل، وكيف يصغي.

وشارك في الدراسة إلى جانب البروفسور أنور علي خان كل من نيكولاس بوكس، ونيكولا تيرنر، وروجر نيبر، وبيتر سالمون، وروبن سيمبسون.


تحليل الدم ورصد الجينات قد يتنبآن بأعراض ألزهايمر

تحليل الدم ورصد الجينات قد يتنبآن بأعراض ألزهايمر
TT

تحليل الدم ورصد الجينات قد يتنبآن بأعراض ألزهايمر

تحليل الدم ورصد الجينات قد يتنبآن بأعراض ألزهايمر

كشفت دراسة جديدة أجراها باحثون في جامعة كولومبيا الأميركية، عن إمكانية استخدام مزيج من تحليل للدم وفحص جيني للتنبؤ بموعد ظهور الأعراض الأولى لمرض ألزهايمر لدى الأشخاص الأكثر عرضة للإصابة به، وذلك قبل ظهور الأعراض بنحو 3 إلى 6 سنوات.

مؤشر حيوي ومتغير جيني

تشير النتائج إلى أن قياس مستويات المؤشر الحيوي (p-tau217) في الدم، إلى جانب الكشف عن المتغير الجيني عالي الخطورة (APOE4)، قد يساعدان الأطباء مستقبلاً في تقدير موعد بدء الأعراض لدى الأشخاص الذين لا يعانون حالياً أي علامات واضحة للتدهور المعرفي، ما قد يتيح تحديد التوقيت الأنسب لبدء العلاجات الوقائية.

ونُشرت الدراسة في 9 سبتمبر (أيلول) 2026 بدورية «The Lancet Neurology»، وحللت بيانات نحو 8500 مشارك من خلفيات عرقية متنوعة. ووجد الباحثون أنه بمجرد ارتفاع مستويات «p-tau217» كان الأشخاص الذين يحملون نسخة واحدة أو أكثر من جين «APOE4»، أكثر عرضة لظهور أعراض ألزهايمر خلال 3 إلى 4 سنوات، في حين كان من يحملون متغيرات أخرى من جين «APOE» أكثر عرضة لظهور الأعراض خلال 5 إلى 6 سنوات.

وقال ريتشارد مايو، رئيس قسم طب الأعصاب في كلية فاجيلوس للأطباء والجراحين بجامعة كولومبيا، وكبير أطباء الأعصاب في مركز نيويورك - بريسبتيريان - جامعة كولومبيا إيرفينغ الطبي بالولايات المتحدة، إن الجمع بين الاختبارين يُحدث فرقاً حقيقياً في القدرة على التنبؤ.

وأضاف أن هذه الطريقة قد تتيح مستقبلاً إجراء توقعات أكثر دقة بشأن موعد ظهور الأعراض لدى الأشخاص المعرضين للخطر، وتحديد الوقت المناسب لوصف الأدوية الوقائية عند توفرها.

لماذا لا يكفي تحليل مؤشر الدم وحده؟

شهدت السنوات الأخيرة تطوراً كبيراً في اختبارات الدم التي تقيس «p-tau217»، وهو مؤشر حيوي يرتبط بالتغيرات المرضية لبروتيني الأميلويد وتاو في الدماغ. وأصبحت هذه الاختبارات تُستخدم بصورة متزايدة لمساعدة أطباء الأعصاب في تأكيد الإصابة بألزهايمر، أو استبعادها لدى كبار السن الذين يعانون فقدان الذاكرة أو التراجع المعرفي.

لكن ارتفاع مستويات «p-tau217» يمكن أن يظهر أيضاً لدى أشخاص لم تبدأ لديهم الأعراض بعد ما أثار احتمال استخدامه للكشف المبكر عن المرض. لذا وجد الباحثون أن الاعتماد على «p-tau217» وحده لا يوفر دقة كافية للتنبؤ بموعد ظهور الأعراض. لذلك بحث الفريق المشارك بالدراسة في إمكانية تحسين التوقعات من خلال الجمع بين المؤشر الحيوي والعامل الوراثي المرتبط بخطر الإصابة.

وركزت الدراسة على «APOE4» الذي يُعدّ أقوى عامل وراثي شائع مرتبط بزيادة خطر الإصابة بألزهايمر، ويحمل نحو شخص واحد من كل 5 أشخاص، نسخة واحدة على الأقل منه.

التدخل العلاجي المبكر

هل يمكن أن تساعد النتائج في توقيت العلاج؟ قد تصبح هذه النتائج أكثر أهمية مع انتقال علاجات ألزهايمر الجديدة نحو التدخل في مراحل مبكرة من المرض. ويجري تطوير واختبار عدد من الأدوية بهدف إبطاء تطور المرض، بما في ذلك دراسات تبحث فيما إذا كان العلاج قبل ظهور الأعراض يمكن أن يؤخر أو يمنع التدهور المعرفي.

ومع ذلك لا يوصي الباحثون في الوقت الحالي بإجراء هذه الاختبارات بصورة روتينية للأشخاص الذين لا يعانون أعراضاً، لأن الخيارات العلاجية المتاحة بناءً على هذه التنبؤات لا تزال محدودة. وقال مايو: «لا أوصي حالياً بأن يخضع الأشخاص الذين لا يعانون أعراضاً لهذه الاختبارات»، مشيراً إلى أن الأشخاص الذين لم تظهر عليهم الأعراض لا يُسمح لهم حالياً بتلقي أدوية الأجسام المضادة وحيدة النسيلة (monoclonal antibody) المعتمدة لعلاج ألزهايمر.

علاجات وقائية جديدة

لكن هذا الوضع قد يتغير سريعاً مع ظهور علاجات وقائية جديدة. وتجري حالياً دراسة لمعرفة ما إذا كانت أدوية الأجسام المضادة قادرة على إبطاء تطور المرض عندما تُعطى لأشخاص لديهم مستويات مرتفعة من «p-tau217»، لكنهم لم يصابوا بعد بأعراض ألزهايمر.

وإذا أثبتت العلاجات المستقبلية قدرتها على تأخير ظهور الأعراض أو الوقاية منها، فقد تساعد نتائج الدراسة الجديدة في تحديد الفترة التي يمكن أن يكون فيها التدخل العلاجي أكثر فاعلية.

وبالنسبة للأشخاص الذين يحملون «APOE4»، تشير الدراسة إلى أن ارتفاع مستويات «p-tau217» قد يمثل نافذة زمنية تبلغ نحو 3 سنوات قبل ظهور الأعراض، بينما قد تمتد هذه الفترة إلى نحو 5 أو 6 سنوات لدى الأشخاص الذين لا يحملون هذا المتغير الجيني.

ويؤكد الباحثون أن هناك حاجة إلى مزيد من الدراسات لتحديد مدى دقة هذا النهج عند استخدامه في الممارسة الطبية، وما إذا كان الاعتماد على هذه التنبؤات لتوجيه العلاج يمكن أن يؤدي بالفعل إلى تأخير ظهور أعراض مرض ألزهايمر.