من النفط إلى النقل والتكرير... قطاع الطاقة السعودي ينوّع محركات النمو

أرباح الشركات قفزت 39 % إلى 66.9 مليار دولار في النصف الأول... و«أرامكو» استحوذت على النصيب الأكبر

أشخاص يقفون أمام شعار شركة «أرامكو» خلال المنتدى العالمي العاشر للتنافسية (أرشيفية - أ.ف.ب)
أشخاص يقفون أمام شعار شركة «أرامكو» خلال المنتدى العالمي العاشر للتنافسية (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

من النفط إلى النقل والتكرير... قطاع الطاقة السعودي ينوّع محركات النمو

أشخاص يقفون أمام شعار شركة «أرامكو» خلال المنتدى العالمي العاشر للتنافسية (أرشيفية - أ.ف.ب)
أشخاص يقفون أمام شعار شركة «أرامكو» خلال المنتدى العالمي العاشر للتنافسية (أرشيفية - أ.ف.ب)

لم يعد أداء قطاع الطاقة السعودي مرتبطاً بحركة أسعار النفط وحدها، إذ كشفت النتائج المالية للنصف الأول من عام 2026 عن تنوع متزايد في محركات الأداء، مع استفادة الشركات المدرجة في السوق المالية السعودية (تداول) من تحسن النشاط في النقل البحري والتكرير والبتروكيميائيات والخدمات المرتبطة بالطاقة، بالتوازي مع استمرار القوة المالية لشركة «أرامكو السعودية».

وأظهر هذا التنوع أثره بوضوح في النتائج المجمعة للشركات، التي قفزت أرباحها بنسبة 39 في المائة خلال النصف الأول لتصل إلى 66.9 مليار دولار (250.9 مليار ريال)، مقارنة بـ48.2 مليار دولار (180.6 مليار ريال) في الفترة المماثلة من 2025، بزيادة بلغت 18.75 مليار دولار (70.3 مليار ريال).

ولم يقتصر التحسن على الأشهر الستة الأولى، إذ سجل القطاع خلال الربع الثاني وحده قفزة في الأرباح بنسبة 49.7 في المائة إلى 33.8 مليار دولار (127 مليار ريال)، مقابل 22.6 مليار دولار (84.8 مليار ريال) في الربع المماثل من العام السابق. كما ارتفعت الإيرادات بنسبة 24 في المائة إلى 128 مليار دولار (480.35 مليار ريال)، مقارنة بـ103.37 مليار دولار (387.65 مليار ريال).

أكثر من محرك للنمو

وتعكس هذه الأرقام اتساع سلسلة القيمة في قطاع الطاقة السعودي، حيث لم تعد الاستفادة من دورة النفط مقتصرة على الإنتاج والبيع، بل امتدت إلى النقل والتكرير والبتروكيميائيات والخدمات المساندة.

ويرى الرئيس التنفيذي لشركة «جي وورلد»، محمد حمدي عمر، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن أبرز ما يميز نتائج القطاع خلال النصف الأول ليس ارتفاع الأرباح في حد ذاته، وإنما تعدد محركات النمو التي وقفت وراء هذا الأداء، وهو ما يعكس اتساع سلسلة القيمة في قطاع الطاقة بالمملكة.

وأوضح أن المحرك الأول تمثل في ارتفاع أسعار النفط والمنتجات المكررة والكيميائية وتحسن الهوامش، وهو ما انعكس بصورة مباشرة على نتائج «أرامكو السعودية»، حتى مع انخفاض بعض الكميات المباعة.

أما المحرك الثاني، فيظهر في النقل والخدمات اللوجستية المرتبطة بالطاقة، وتبرز «البحري» نموذجاً واضحاً عليه. فقد استفادت الشركة من ارتفاع أسعار الشحن العالمية وزيادة النشاط التشغيلي، خصوصاً في نقل النفط، لتقفز أرباحها خلال النصف الأول بنسبة 420 في المائة إلى 4.8 مليار ريال (1.28 مليار دولار)، مقابل 940 مليون ريال (250.6 مليون دولار) في الفترة نفسها من 2025.

وفي الربع الثاني وحده، ارتفعت أرباح «البحري» إلى نحو 2.75 مليار ريال (733.3 مليون دولار)، مع استفادتها من قوة سوق النقل البحري وزيادة الطلب على الناقلات، وهو ما يوضح أن القيمة الاقتصادية في قطاع الطاقة لا تتولد فقط من سعر البرميل، وإنما أيضاً من سلسلة الإمداد والخدمات المرتبطة به.

إحدى سفن «البحري» (موقع الشركة الإلكتروني)

ويتمثل المحرك الثالث في تحسن الكفاءة التشغيلية وهوامش التكرير والبتروكيميائيات، وهو ما ظهر بصورة لافتة في أداء شركة رابغ للتكرير والبتروكيميائيات (بترورابغ)، التي تحولت إلى الربحية خلال النصف الأول وسجلت نحو 4 مليارات ريال (1.07 مليار دولار)، مقارنة بخسائر بلغت قرابة ملياري ريال في الفترة المماثلة من العام السابق.

وفي الربع الثاني، ارتفعت أرباح الشركة إلى 2.66 مليار ريال (709.3 مليون دولار)، مقارنة بخسارة قدرها 1.37 مليار ريال (365.3 مليون دولار) في الربع الثاني من 2025، بدعم من ارتفاع معدلات تشغيل المصانع، وزيادة أحجام المبيعات، وتحسن هوامش المنتجات المكررة والبتروكيماوية، إلى جانب انخفاض تكاليف التمويل.

ويقول عمر إن هذه التطورات تدلل على أن قطاع الطاقة السعودي أصبح أكثر تكاملاً، إذ يجمع بين الإنتاج والتكرير والبتروكيماويات والحفر والخدمات والنقل واللوجستيات، وبالتالي أصبحت العوامل المؤثرة في نتائجه أكثر تنوعاً من مجرد حركة أسعار النفط.

«أرامكو»... المحرك الأكبر

ورغم اتساع مصادر النمو، فإن «أرامكو» لا تزال تمثل الجزء الأكبر بفارق واسع من النتائج المجمعة للقطاع. وسجَّلت الشركة صافي أرباح بلغ 241.6 مليار ريال (64.4 مليار دولار) خلال النصف الأول من 2026، بزيادة 33.3 في المائة مقارنة بـ181.3 مليار ريال (48.3 مليار دولار) في الفترة نفسها من العام السابق. وبذلك استحوذت وحدها على نحو 96 في المائة من إجمالي أرباح الشركات الست التي شملتها النتائج، والبالغة نحو 251 مليار ريال (66.9 مليار دولار).

ويعني ذلك أن التنوع في محركات الأداء أصبح أكثر وضوحاً، لكنه لم يؤدِ بعد إلى تغيير جوهري في تركّز النتائج حول الشركة الأكبر في القطاع.

مبنى «أرامكو» في الرياض (أ.ف.ب)

تحسن هيكلي أم دورة مؤقتة؟

ويرى عمر أن قراءة النتائج تتطلب التمييز بين التحسن الهيكلي المستدام والعوامل الدورية أو الاستثنائية التي ساهمت في تضخيم معدلات النمو خلال النصف الأول. فجزء من التحسن، وفق تقديره، يعكس تغيرات هيكلية مستمرة، خصوصاً في ظل توسع البنية التحتية للطاقة في المملكة، وزيادة الاستثمار في الغاز والتكرير والبتروكيميائيات، وتطوير قدرات الإنتاج والنقل والخدمات المرتبطة بالطاقة.

وتواصل «أرامكو» في هذا الإطار تطوير مجموعة من المشروعات التي تعزز قاعدة إيراداتها على المدى الطويل، من بينها زيادة إنتاج حقل الظلوف، وتوسعة معمل الغاز في الفاضلي، ومراحل تطوير حقل الجافورة.

لكن معدلات النمو القياسية التي سجلتها بعض الشركات لا يمكن، في المقابل، افتراض استمرارها بالوتيرة نفسها.

ويشير عمر إلى أن القفزة الكبيرة في نتائج «البحري» خلال الربع الثاني ارتبطت بدرجة كبيرة بارتفاع أسعار النقل العالمية، والظروف الجيوسياسية، وزيادة الطلب على الناقلات، ولذلك سيكون من غير الواقعي اعتبار معدلات النمو الحالية قابلة للتكرار بصورة دائمة.

وينطبق جزء من ذلك أيضاً على «بترورابغ»، إذ إن المقارنة تتم مع الربع الثاني من 2025 الذي تأثر بأعمال صيانة دورية شاملة استمرت نحو 60 يوماً، وأدت إلى انخفاض الإنتاج والمبيعات. وبالتالي فإن جانباً من النمو المسجَّل حالياً يعود إلى انخفاض قاعدة المقارنة، وليس فقط إلى نمو عضوي جديد.

مرافق تابعة لـ«بترورابغ» (صفحة الشركة على «إكس»)

تفاوت داخل القطاع

ولا تسير جميع شركات الطاقة بالاتجاه نفسه، وهو ما يعكس تفاوتاً في طبيعة الأنشطة ومصادر الدخل. فقد واجهت «أديس» ضغوطاً مرتبطة بتعليق بعض عمليات الحفارات، بينما تحوَّلت «الحفر العربية» إلى الخسارة خلال الربع الثاني، في وقت استفادت فيه شركات النقل والتكرير من ظروف تشغيلية وسوقية أكثر دعماً.

ويعني هذا التباين أن الصورة الإجمالية الإيجابية للقطاع لا تعني تحسن جميع مكوناته بالدرجة نفسها، كما أن قوة النتائج المجمعة يجب أن تُقرأ في ضوء التركّز الكبير في «أرامكو».

إحدى المنصات البحرية التابعة لـ«أديس» (الشركة)

ماذا ينتظر القطاع في النصف الثاني؟

يتوقع عمر أن يحافظ قطاع الطاقة السعودي على مستوى قوي من الأداء خلال النصف الثاني من 2026، لكنه يستبعد تكرار معدلات النمو التي سجَّلها في الأشهر الستة الأولى.

ويستند هذا التوقع إلى استمرار عدد من العوامل الداعمة، في مقدمتها قوة أسعار الطاقة وهوامش المنتجات المكررة، إلى جانب استمرار الاضطرابات في سلاسل الإمداد وحركة النقل البحري، فضلاً عن المشروعات الاستثمارية الكبرى داخل المملكة.

وفي المقابل، يبقى العامل الجيوسياسي سلاحاً ذا حدين بالنسبة إلى القطاع. فاستمرار الاضطرابات قد يحافظ على علاوة سعرية للنفط، ويدعم أسعار النقل وهوامش بعض المنتجات، لكن أي انفراج سريع قد يؤدي إلى تراجع أسعار الشحن وهوامش التكرير وبعض أسعار الطاقة.

ومن هنا، يرى عمر أن الاختبار الحقيقي للقطاع خلال الربعين المقبلين لن يكون في حجم الإيرادات وحده، وإنما في جودة النمو واستدامته، ومدى قدرة الشركات على الحفاظ على المكاسب التشغيلية بعيداً عن العوامل الاستثنائية.


مقالات ذات صلة

«بنك أوف أميركا» يتوقع رفع الفائدة الأوروبية بـ25 نقطة أساس في ديسمبر

الاقتصاد مبنى البنك المركزي الأوروبي في فرنكفورت (رويترز)

«بنك أوف أميركا» يتوقع رفع الفائدة الأوروبية بـ25 نقطة أساس في ديسمبر

يتوقع قسم الأبحاث العالمية في «بنك أوف أميركا» أن يرفع البنك المركزي الأوروبي أسعار الفائدة بمقدار 25 نقطة أساس في ديسمبر (كانون الأول).

«الشرق الأوسط» (فرنكفورت)
الاقتصاد مبنى «بنك الاحتياطي الفيدرالي» في واشنطن (رويترز)

رئيس «فيدرالي نيويورك»: من المنطقي توقع رفع آخر للفائدة هذا العام

قال جون ويليامز، رئيس بنك «الاحتياطي الفيدرالي» في نيويورك، يوم الخميس، إن من المنطقي الاعتقاد أن «المركزي الأميركي» قد يحتاج إلى رفع أسعار الفائدة مرة أخرى...

«الشرق الأوسط» (لندن )
الاقتصاد البنك المركزي الأوروبي وأفق الحي المالي في فرانكفورت (رويترز)

معاهد ألمانية ترفع توقعات النمو إلى 1.3% في 2026... و1.1 % عام 2027

رفعت المعاهد الاقتصادية الرائدة في ألمانيا، يوم الخميس، توقعاتها للنمو في أكبر اقتصاد أوروبي للعام الحالي والعام المقبل.

«الشرق الأوسط» (برلين)
الاقتصاد مبنى بنك إنجلترا في لندن (رويترز)

نائبة محافظ بنك إنجلترا: استمرار ارتفاع أسعار الطاقة قد يستدعي رفع الفائدة

قالت كلير لومبارديلي، نائبة محافظ بنك إنجلترا، يوم الخميس، إن أسعار الفائدة ستحتاج على الأرجح إلى الارتفاع إذا ظلت أسعار الطاقة مرتفعة.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد مقر البنك المركزي السويدي في استوكهولم (رويترز)

السويد وسويسرا تثبتان أسعار الفائدة وسط ضغوط التضخم

أبقى البنكان المركزيان السويدي والسويسري أسعار الفائدة دون تغيير، كما كان متوقعاً، في ظل استمرار الضغوط التضخمية المرتبطة بارتفاع أسعار الطاقة والحرب.

«الشرق الأوسط» (ستوكهولم - زيوريخ )

وكالة المالية الألمانية تتوقع رقماً قياسياً جديداً للاقتراض في عام 2027

أفق الحي المالي في فرنكفورت (رويترز)
أفق الحي المالي في فرنكفورت (رويترز)
TT

وكالة المالية الألمانية تتوقع رقماً قياسياً جديداً للاقتراض في عام 2027

أفق الحي المالي في فرنكفورت (رويترز)
أفق الحي المالي في فرنكفورت (رويترز)

قالت وكالة المالية الألمانية، يوم الخميس، إنها تتوقع أن يصل الاقتراض الفيدرالي إلى مستوى قياسي يبلغ 525.5 مليار يورو (598 مليار دولار) في عام 2026، وأن يرتفع أكثر في العام المقبل، مدفوعاً، بشكل رئيسي، بازدياد احتياجات إعادة التمويل وارتفاع متطلبات الصناديق الخاصة.

قال تامو ديمر، المدير التنفيذي لوكالة المالية الفيدرالية، للصحافيين في فرنكفورت: «سيرتفع هذا الرقم أيضاً في عام 2027». وأعلنت الوكالة المسؤولة عن إدارة ديون ألمانيا أنها تعتزم نشر توقعاتها السنوية لإصداراتها لعام 2027 في ديسمبر (كانون الأول) المقبل، وفق «رويترز».

وأوضحت الوكالة أن أحد العوامل الرئيسية يتمثل في ازدياد حجم الديون المستحَقة التي يتعيّن سدادها وإعادة تمويلها. ويتعيّن على ألمانيا سداد 309 مليارات يورو من ديونها القائمة للمستثمرين، هذا العام.

وأشار ديمر إلى أن صافي اقتراض الموازنة الاتحادية يشهد ارتفاعاً طفيفاً، في حين تزداد أيضاً احتياجات التمويل المرتبطة بالصناديق الخاصة الألمانية.

وذكر أن هذه العوامل مجتمعة تشير إلى ارتفاع إجمالي متطلبات التمويل، مضيفاً: «تمر الحكومة الاتحادية بمرحلة توسع في سياستها المالية».

وأضاف أن المستثمرين يدركون أن هذه المرونة المالية تُستخدم لزيادة الاستثمار في البنية التحتية والدفاع، وهما قطاعان حيويان لاستدامة ألمانيا في المستقبل.

وقال ديمر: «هذه أهداف مفهومة ومهمة، وتُعد أساسية لاستمرارنا في المستقبل، وتُعزز، في نهاية المطاف، الجدارة الائتمانية للحكومة الفيدرالية».

ولا تزال ألمانيا من أكثر الدول السيادية طلباً في العالم، نظراً إلى تصنيفها الائتماني الممتاز «إيه إيه إيه»، الذي أكدته وكالة التصنيف الأوروبية «سكوب»، هذا الشهر.

يأتي ذلك على الرغم من عمليات البيع المكثفة للسندات الحكومية، التي نجمت عن الحرب مع إيران، وأدت إلى ارتفاع حاد في العائدات، خلال الأسابيع الأخيرة. وارتفع عائد السندات الألمانية القياسية لأجل 10 سنوات لفترة وجيزة فوق 3.5 في المائة، هذا الشهر، وهو أعلى مستوى له منذ 17 عاماً.

ومن بين أسباب ذلك ازدياد مخاطر التضخم نتيجة الصراع في الشرق الأوسط، الأمر الذي دفع البنك المركزي الأوروبي إلى رفع سعر الفائدة الرئيسي مرتين، هذا العام، ما أدى إلى زيادة تكاليف الاقتراض الحكومي.


«المركزي» اللبناني يلاحق «المشبوهين» بتبديد أمواله واحتياطه الدولاري

«المركزي» اللبناني يلاحق «المشبوهين» بتبديد أمواله واحتياطه الدولاري
TT

«المركزي» اللبناني يلاحق «المشبوهين» بتبديد أمواله واحتياطه الدولاري

«المركزي» اللبناني يلاحق «المشبوهين» بتبديد أمواله واحتياطه الدولاري

عمد البنك المركزي اللبناني إلى تسريع وتيرة سلسلة من الإجراءات القانونية والدعاوى والمسارات القضائية الهادفة إلى ملاحقة عمليات مالية مشبوهة أسهمت في تبديد احتياطاته من العملات الصعبة، وإساءة استخدام واختلاس أموال عامة، وسبقت ثم رافقت مرحلة الانهيارات النقدية والمالية.

وبدت المبادرة إلى تجميد الحسابات المصرفية لمجموعة أولى من الأفراد والشركات الذين تطولهم الاتهامات، والمعزَّزة بالأدلة والوثائق المدققة داخلياً، بمثابة رسالة حازمة للداخل والخارج بالتزام التغيير «الكبير» في إدارة القرار النقدي وسياسات البنك المركزي واستقلاليته، ولا سيما عبر تكريس مفاهيم المساءلة والمحاسبة، خارج منظومة المصالح السياسية وغير السياسية.

وتشي قراءة الخلفية الخاصة بأصحاب الحسابات المجمدة من قِبل هيئة التحقيق الخاصة، التي يرأسها الحاكم، بجرأة واعدة، وفق مسؤول كبير معنيّ، في اختراق سقوف «الحمايات»، ولا سيما الحزبية والسلطوية والمحاصصات، بما يشكل دفعاً قوياً للمسار القضائي اللاحق لدى النيابات العامة ذات الاختصاص، وفي مقدمها النيابة العامة المالية، التي تحظى بتمثيل مباشر في المجلس المركزي للبنك المركزي.

ودُون لبس، تستهدف هذه الإجراءات القانونية، وفق إفصاح حاكمية «المركزي»، أيّ شخص طبيعي أو معنوي، سواء أكان مرتبطاً رسمياً بالمؤسسة أم غير مرتبط بها، يثبت أنه اختلس أو أساء استخدام أو بدّد أموالاً تعود إليها، مع التنويه بأن القاسم المشترك بين هذه التصرفات أنها أدت إلى استنزاف موجودات مصرف لبنان وتآكلها.

كما تهدف هذه التدابير، بتأكيد الحاكم كريم سعيد، إلى استرداد الأموال التي جرى استخدامها أو تحويلها بصورة غير مشروعة من قِبل أشخاص، سواء من داخل المصرف أم من خارجه. وبالتبعية، تثبيت وتأكيد الحق القانوني لمصرف لبنان في جميع الأموال التي وُضعت بتصرف الحكومات المتعاقبة، بأي وسيلة أو صيغة كانت، حتى نهاية عام 2023.

وبالتوازي، تُشكل هذه الدفعة الأولى ولواحقها المرتقبة، تبعاً لحصيلة التدقيق الجنائي في حسابات «المركزي» والعمليات «الخاصة» المنفَّذة خلال ولاية الحاكم الأسبق رياض سلامة، الموقوف بتُهم اختلاسات وتبييض أموال، معالم خريطة الطريق التي سيجري اعتمادها، بتجميد الحسابات والملاحقات القضائية، لمجموعات نفوذ سياسي واقتصادي وتجار استفادوا من حُزم مالية صُرفت بالدولار النقدي من احتياطات مصرف لبنان، بإجمالي لا يقل عن 8 مليارات دولار، بموجب قرارات حكومية سابقة لدعم سلع استهلاكية، في مقدمتها القمح والمحروقات والأدوية، في حين تتوفر أدلة دامغة على حصول عمليات تهريب واسعة النطاق، ولا سيما إلى سوريا، وتزوير فواتير وعدم مطابقة في قيود الإمدادات إلى الأسواق الداخلية.

ويؤمل أن يفضي هذا المسار المزدوج إلى جمع طوعي أو بالمصادرة لأصول داخل البلد وخارجه، لمئات الملايين من الدولارات «المبدَّدة»، سواء عبر عمليات ائتمان وتمويل وهمية جرت بين «المركزي» ومسؤولين كبار في بنوك كبرى، أو عبر فواتير الدعم الاستهلاكي التي وصل نزرها القليل إلى المواطنين في الداخل، بينما كانت تُعرض في أسواق خارجية وسوبر ماركت حاملة دمغة «مدعوم».

ويقتضي التنويه، وفق المسؤول عينه، بأن حجم الاحتياطات النقدية كان يقارب 30 مليار دولار عشية انفجار الأزمات، وانحدر بسرعة إلى نحو 10 مليارات، دون أي أثر يُذكر، لا في كبح وتيرة الانهيار الذي استنزف نحو 98 في المائة من العملة الوطنية، ولا في تمكين المواطنين من مواجهة التضخم المفرط بثلاثة أرقام، بينما جرى إخراج البلد قسراً من الأسواق المالية الدولية، عبر قرار حكومي بتعليق دفع مستحقات سندات الدَّين الدولية، وواجه المودِعون صعوبات حادة في السحب من مدّخراتهم، ولو بأسعار تُعادل أقل من 20 في المائة من القيمة الأصلية.

وبمعزلٍ عن الملف الداخلي المتعلق بالمحاكم السابق، وتشعباته الداخلية والخارجية بالوقائع والأدلة والأصول المملوكة، يقوم مصرف لبنان بإعداد تقرير شامل ومدعَّم بكامل المستندات، يهدف إلى تحديد وحصر وتقدير جميع الأموال التي وُضعت بتصرف الحكومات في العقود السابقة حتى نهاية عام 2023، أو التي جرى دفعها نيابة عنها أو بناءً على تعليماتها، أياً كان شكلها، سواء أكانت قروضاً أم سلفاً أم تحويلات أم تسهيلات من أي نوع.

ويجري إعداد التقرير بغية تحديد المبالغ بصورة دقيقة، وتحديد الظروف التي أدت إلى تحويل هذه الأموال، وتحديد الأسس القانونية والقنوات الإجرائية المناسبة للمطالبة باستيفاء كامل هذه المستحقات، ومنها خصوصاً المبالغ التي صرفها مصرف لبنان لتمويل برامج الدعم التي فرضتها الحكومة، والمدفوعات التي أُنجزت نيابة عن وزارة الطاقة والمياه ومؤسسة الكهرباء، وجميع المبالغ الإضافية التي جرى دفعها أو تسليفها إلى الدولة.

ويبلغ إجمالي هذه الأموال، وفق التقديرات الأولية من قِبل «المركزي»، ما يتعدى ثلاثة أضعاف المطالبة القائمة على الدولة في الميزانية والمالية، البالغة نحو 16.5 مليار دولار.

وتستند هذه المطالبات إلى مستندات كاملة ومثبتة. وعند الاقتضاء، لن يتردد مصرف لبنان، وفق إفصاح سابق، في القيام بواجبه الرسمي في تأكيد حقوقه أمام المراجع الإدارية والقضائية المختصة، بهدف استيفاء كامل حقوقه.

وبذلك، يسعى المصرف المركزي، بتأكيد الحاكم، من خلال هذه الحملة القانونية أيضاً، إلى تثبيت وممارسة حقه الكامل والمشروع، وفقاً للقوانين والأنظمة المرعية الإجراء، تجاه الدولة، فيما يتعلق بجميع التسهيلات الائتمانية أو السلفات أو القروض أو الأموال التي جرى منحها أو وضعها بتصرف الحكومات المتعاقبة؛ وذلك بهدف استرداد هذه الأموال واستخدامها حصراً في سداد الودائع.


الين يضع اليابان بين خيارات التدخل وتسريع رفع الفائدة

مشاة يمرون أمام مقر البنك المركزي في العاصمة اليابانية طوكيو (إ.ب.أ)
مشاة يمرون أمام مقر البنك المركزي في العاصمة اليابانية طوكيو (إ.ب.أ)
TT

الين يضع اليابان بين خيارات التدخل وتسريع رفع الفائدة

مشاة يمرون أمام مقر البنك المركزي في العاصمة اليابانية طوكيو (إ.ب.أ)
مشاة يمرون أمام مقر البنك المركزي في العاصمة اليابانية طوكيو (إ.ب.أ)

تواجه اليابان ضغوطاً لوقف تراجع الين، بعدما تجاوزت العملة مستوى 158 مقابل الدولار رغم رفع بنك اليابان سعر الفائدة إلى أعلى مستوى في 31 عاماً، ما أعاد احتمال التدخل في سوق الصرف إلى الواجهة بالتزامن مع توقعات بأن يسرع البنك المركزي وتيرة التشديد النقدي لمواجهة موجة تضخمية جديدة. وأكدت وزيرة المالية اليابانية ساتسوكي كاتاياما، الخميس، أن المبادئ التي استند إليها التدخل المنسق بين اليابان والولايات المتحدة في سوق العملات في 31 يوليو (تموز) لا تزال قائمة، في إشارة إلى استعداد طوكيو للتحرك مجدداً بالتنسيق مع واشنطن إذا أصبحت تقلبات الين مفرطة أو غير منظمة. وقالت كاتاياما إن «المبادئ المعمول بها منذ التدخل المشترك السابق لا تزال قائمة»، لكنها امتنعت عن التعليق على مستويات محددة لسعر الصرف.

وتكتسب تصريحاتها أهمية بعدما أجرت السلطات اليابانية، الجمعة، عمليات فحص لأسعار الدولار مقابل الين في الأسواق الخارجية، حسب مصادر مطلعة. وتعد هذه الخطوة في الأسواق مؤشراً محتملاً إلى الاستعداد للتدخل، إذ تطلب السلطات من المؤسسات المالية تقديم أسعار مباشرة للعملة قبل اتخاذ قرار محتمل بالشراء أو البيع. واستجاب الين لفترة وجيزة، قبل أن يتخلى سريعاً عن مكاسبه ويهبط إلى ما دون مستوى 158 للدولار، ما يعكس استمرار الضغوط الأساسية على العملة.

رفع الفائدة لم ينقذ الين

كان بنك اليابان قد رفع سعر الفائدة الأسبوع الماضي إلى 1.25 في المائة، وهو أعلى مستوى منذ 31 عاماً، لكن القرار لم يمنح الين الدعم الذي كانت تأمله السلطات. وركز المستثمرون بدلاً من ذلك على اعتراض عضوين في مجلس البنك بموقف أكثر ميلاً إلى التيسير، وعدوا ذلك دليلاً على أن وتيرة رفع الفائدة قد لا تكون سريعة بما يكفي لتضييق الفجوة الكبيرة بين العوائد اليابانية والأميركية. لكن ماكوتو ساكوراي، العضو السابق في مجلس بنك اليابان الذي لا يزال يحتفظ بعلاقات وثيقة مع صانعي السياسة، يرى أن اجتماع سبتمبر (أيلول) مثّل تحولاً مهماً في طريقة تعامل البنك مع التضخم، وأن رفع الفائدة قد يصبح أكثر انتظاماً خلال الأشهر المقبلة. وتوقع ساكوراي أن يرفع البنك الفائدة مرة كل ثلاثة أشهر تقريباً، لتصل إلى 2 في المائة بحلول يونيو (حزيران) 2027، مع احتمال تجاوز هذا المستوى إذا ظل التضخم مرتفعاً قرب 3 في المائة.

ويرجح أن تكون الخطوة التالية رفع الفائدة إلى 1.5 في المائة بحلول نهاية العام، وعلى الأرجح في ديسمبر (كانون الأول)، ثم إلى 1.75 في المائة خلال الربع الأول من 2027، وصولاً إلى 2 في المائة بحلول يونيو. ولا يستبعد ساكوراي رفع الفائدة في أكتوبر (تشرين الأول) إذا أجرى البنك تعديلاً كبيراً بالزيادة لتوقعاته للتضخم في تقريره الفصلي المقبل.

النفط يغير معادلة التضخم

يأتي التحول المتوقع في السياسة النقدية مدفوعاً بدرجة كبيرة بارتفاع ضغوط الأسعار، خصوصاً بعد الزيادة الحادة في تكاليف استيراد الطاقة. وحسب ساكوراي، تظهر البيانات الحكومية أن تكلفة واردات اليابان من النفط الخام قفزت بين 70 و80 في المائة خلال الأشهر الأخيرة مقارنة بمستوياتها قبل الهجوم الأميركي على إيران في فبراير (شباط)، وهو ما يتوقع أن ينتقل تدريجياً إلى أسعار المستهلكين. وقد يتجاوز التضخم 3 في المائة بحلول نهاية العام ويظل عند هذه المستويات في بداية 2027، ما قد يدفع بنك اليابان إلى التحرك بصورة أسرع لمنع التضخم الأساسي من تجاوز هدفه البالغ 2 في المائة بصورة مستدامة.

وفي الوقت نفسه، لا تأتي الضغوط التضخمية من الواردات وحدها، فالين الضعيف يرفع تكلفة السلع المستوردة، بينما يسهم الطلب القوي المرتبط بالذكاء الاصطناعي في تعزيز أرباح الشركات المصنعة، بما يدعم النشاط الاقتصادي، ويضيف ضغوطاً ناتجة عن الطلب المحلي.

ويرى ساكوراي أن بنك اليابان أصبح أكثر وعياً بهذه المخاطر، وهو ما يفسر انتقاله من التركيز على ضمان استدامة التضخم إلى محاولة منع الأسعار من الارتفاع بصورة أكبر من المستهدف. كما أشار إلى أن تأييد وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت لرفع أسعار الفائدة في اليابان منح البنك المركزي مساحة أكبر لتسريع التشديد النقدي.

السياسة المالية تبقي الضغط على العملة

لكن المفارقة أن رفع الفائدة بوتيرة أسرع قد لا يكون كافياً لإعادة الين إلى مسار صعود مستدام. ويرى ساكوراي أن المستثمرين قد يستمرون في بيع العملة والسندات الحكومية اليابانية بسبب توقعاتهم باستمرار رئيسة الوزراء ساناي تاكايتشي في اتباع سياسة مالية توسعية. وقال إن الين «لن يتعافى ما لم تتغير السياسة المالية لتاكايتشي»، مضيفاً أنه حتى إذا رفع بنك اليابان الفائدة بقوة، فقد لا يؤدي ذلك سوى إلى إبطاء وتيرة انخفاض العملة. وهذا يضع السلطات أمام معادلة مزدوجة. فمن ناحية، يحتاج بنك اليابان إلى تشديد السياسة النقدية لمواجهة التضخم وتقليص فجوة الفائدة مع الولايات المتحدة. ومن ناحية أخرى، قد تؤدي السياسة المالية التوسعية وزيادة الإنفاق الحكومي إلى إبقاء الضغوط على السندات والين. ويفسر ذلك عودة التدخل المباشر في سوق العملات إلى الحسابات. فقد أظهر التحرك الياباني - الأميركي المشترك في يوليو استعداد واشنطن وطوكيو للتدخل عندما تعدان أن تحركات السوق أصبحت مفرطة وغير منظمة.

ومع تجاوز الدولار مستوى 158 يناً، أصبحت الأسواق تراقب من كثب تصريحات وزارة المالية وأي عمليات جديدة لفحص الأسعار. لكن كاتاياما حرصت على عدم تحديد مستوى بعينه يمكن أن يدفع السلطات إلى التحرك، بما يحافظ على عنصر عدم اليقين أمام المضاربين. وهكذا يدخل الين مرحلة تتداخل فيها ثلاثة خطوط دفاع: رفع أسعار الفائدة، والتدخل المحتمل في سوق الصرف، والسياسة المالية. وإذا صحت توقعات وصول الفائدة إلى 2 في المائة بحلول منتصف 2027، فإن اليابان ستكون أمام أسرع تحول في سياستها النقدية منذ عقود، لكن مسار العملة سيظل مرهوناً بمدى قدرة هذه الخطوات على التغلب على فجوة العوائد، وضغوط الإنفاق الحكومي، وارتفاع فاتورة الطاقة.