مؤخراً، دعت سينما «متروبوليس» أهل الصحافة والإعلام إلى مشاهدة فيلم «غرق» (SINK). وهو أول فيلم روائي طويل للمخرجة الأردنية، زين الدريعي، يغوص -في قالب درامي جريء- في قضايا الصحة النفسية، والعلاقة المعقَّدة بين الأم وابنها المراهق، ويفتح الباب أمام أسئلة حسَّاسة عن دور الأهل في مساندة أولادهم في مواجهة أزماتهم النفسية.
يجمع الفيلم في بطولته كلارا خوري، ومحمد نزار، ووسام طبيلة، وتدور أحداثه حول ناديا، وهي أم أربعينية لثلاثة أبناء، حيث تجد نفسها أصلاً وسط أزمة زوجية، وشعور متفاقم بأنها تفقد نفسها. وفي خضم هذه الظروف يصبح ابنها البكر باسل، طالب الثانوية المتفوِّق والمنعزل اجتماعياً، أقرب أبنائها إليها، إذ يشكِّل رابطها العاطفي الأقوى. لكن حياة العائلة تنقلب بعد وقوع حادثة عنيفة في المدرسة تؤدي إلى إيقاف باسل عن الدراسة. ومن هنا تبدأ ناديا رحلة مستميتة لحماية ابنها، محاولة إقناع نفسها ومحيطها بأن ما يمرُّ به ليس سوى أزمة عابرة يمكن تجاوزها.
من اللحظات الأولى يلحظ المشاهد غرابة في تصرفات الابن الأكبر لعائلة مؤلفة من أم، وأب، وشقيق، وشقيقة. فالمراهق يتمتع بذكاء حاد، ويحلم بأن يصبح طبيباً عندما يكبر، غير أن اضطرابه النفسي ينعكس على حياته، وعلاقته بعائلته، ومحيطه. ومن خلال كاميرتها، تُمرِّر المخرجة رسائل غير مباشرة عن النواقص العاطفية التي يعاني منها الشاب. فوالده، الحاضر الغائب في المنزل، لا يمتلك القدرة الكافية على التواصل معه، في حين تضع الأم كل طاقتها وإمكاناتها في خدمته، وتغمره بالحب، والحنان.
لكن هنا يبرز السؤال الأساسي الذي يطرحه الفيلم: هل يكفي الحب لمعالجة الأزمات النفسية التي يعيشها أولادنا؟ تُجيب زين الدريعي في حديث لـ«الشرق الأوسط»: «لا شك في أن الحب حاجة ضرورية، وينتظر الأولاد أن يعبِّر عنه أهلهم بصورة متواصلة. ولكن من خلال مجريات الفيلم نستنتج أن الحب وحده لا يكفي لحلِّ أمور معقدة إلى هذه الدرجة؛ في المقابل، من شأنه أن يحفِّز الولد الذي يعاني مشكلة نفسية على طلب المساعدة. وهذه هي النقطة الأساسية التي يحتاج إليها أي شخص يعاني اضطراباً نفسياً، أو أزمة من أي نوع».
وتُشير زين إلى أن الفيلم مستوحى من قصة حقيقية، ويتناول موضوعاً نادراً ما يحضر في السينما العربية. تقول: «موضوع الصحة النفسية شائق، وغالباً ما يُتغاضى عنه في صناعاتنا السينمائية المحلية. وقد حان الوقت لتسليط الضوء على أهميته في مجتمعنا، كي نبني أجيالاً سليمة، ومتوازنة نفسياً، وجسدياً».

وعن الصعوبات التي واجهتها في معالجة القصة، لا سيما أنها تغوص في أدق التفاصيل لنقل صورة واضحة عن المشكلة، ترد: «كانت كتابة النص دقيقة جداً، لكن الأهم بالنسبة لي أن أضع هذا الشريط السينمائي خارج السياق العادي. أردته مختلفاً في موضوعه، ومعالجته، وحتى في طريقة تصويره. كما أن جوهر الفيلم بالنسبة إليَّ يتمحور حول علاقة الأم بابنها المراهق، ومدى تماهيها مع حالته إلى حدِّ الغرق معه في أزمته النفسية. فهي تعيش حالة من الإنكار، ولا تريد الاعتراف بوضع ابنها المتأزم، فتبدأ بخسارته رويداً، رويداً».
وتُشدِّد زين على تفاصيل صغيرة تُبيِّن مدى تفاقم حالة الشاب، خصوصاً في ظل رفضه الحصول على مساعدة طبية. فوالده ووالدته يحاولان مراراً إقناعه بزيارة الطبيب، لكنه يرفض. ومع اهتزاز العلاقة بينه وبين والديه، يختار الأب اصطحاب ولديه الآخرين في عطلة صيفية، تاركاً الأم وحدها في مواجهة مشكلة ابنها التي تتفاقم تدريجياً إلى حدِّ محاولته قتلها.
وفي مشاهد أخرى، تبلغ تضحية الأم ذروتها في محاولتها فهم ابنها، والتعاطف معه. فنراها تذوب في حالته إلى درجة التحوُّل إلى مرآة له، فتبدأ بالتصرُّف مثله لعلَّها تتمكن من فهم ما يشعر به. وبكاميرا واثقة وجريئة، تحوِّل زين هذه المواقف إلى مشاهد مؤثرة تنقل إلى المشاهد إحساساً بالاختناق، وتدفعه بدوره إلى خوض تجربة الأم، والتساؤل: هل ما تفعله هو الحب في أقصى درجاته؟ أم إنه محاولة للهروب من الحقيقة والعيش في حالة من الإنكار؟
وتمنح زين الحب مساحة واسعة في مجريات الفيلم، لكنها تصل في النهاية إلى خلاصة واضحة: الحب ضروري، لكنه وحده لا يكفي. فمساندة الطفل -أو المراهق- الذي يعاني أزمة نفسية تبقى أساسية، والحب يمكن أن يكون المدخل الذي يدفع الأهل إلى احتضان أولادهم، وتشجيعهم على طلب المساعدة التي يحتاجون إليها.

