«اللي أبوه غلبان مش بيقدر يلعب، بس اللي معاهم فلوس ولادهم بيلعبوا»، تصريح شهير سابق للاعب الزمالك المصري المعتزل محمود عبد الرازق «شيكابالا»، أثار مردوداً قوياً في الشارع الرياضي، مُرجعاً قلة المواهب في مصر إلى الصعوبات المادية.
ومع تبريرات أخيرة صدرت عن لاعبي المصارعة الهاربين أخيراً «محمد الشامي» و«زياد أبو جبل»، تتسع دائرة تصريح «شيكابالا» لتشمل إلى جانب كرة القدم الألعاب الفردية، بعد أن تحول الفقر إلى عامل حاسم يحدد مصير مواهبها.
وشهد الأسبوع الماضي مغادرة المُصارعين لبعثتيهما المشاركتين بدورة ألعاب البحر المتوسط بإيطاليا، وبطولة العالم للشباب في سلوفاكيا. ليخرج المصارعان بعدها ليبررا دوافع مغادرتهما، حيث أوضح «الشامي» أن ضعف الدعم المالي، دفعه إلى التفكير في مستقبل أكثر استقراراً، خصوصاً مع غياب ضمانات لحياة كريمة بعد الاعتزال أو في حال الإصابة، موضحاً أنه نظراً لظروف الأسرة الصعبة كان عليه التضحية وحمل مسؤوليتها لكونه أكبر إخوته.
ثم تبعه «أبو جبل»، مشيراً إلى أزمة مالية كان ولا يزال يواجهها، موضحاً أنه رغم تصنيفه الدولي يتقاضى 700 جنيه شهرياً (الدولار يساوي 50.95 جنيه)، مضيفاً: «أنا تعبت كتير وتعبت أبويا قوي معايا، أنا كلفته كتير، وهو معاه سبع أخوات غيري».
وشهدت السنوات الماضية حالات هروب رياضيين مصريين بداعي الصعوبات المادية، مبررين كيف أن الاحتياج المادي دفعهم لسنوات إلى الاعتماد على الأغذية والفيتامينات البسيطة، والعمل اليدوي في سن مبكرة للإنفاق على ممارسة اللعبة وتحقيق أحلامهم فيها، في ظل الدعم المادي المنخفض، وضعف الرعاية.
وتضم القائمة أسماء عديدة، مثل المصارعين أحمد بغدودة، وإبراهيم غانم «الونش»، وأحمد جابر، والمصارع محمد عبد الفتاح «بوجي»، ولاعب المصارعة الحرة، أحمد حسن بوشا، وشقيقه حسن، كما شملت القائمة لاعب الجمباز عبد الرحمن مجدي، ولاعب الإسكواش محمد الشوربجي.
تتقاطع هذه الوقائع مع شهادات لنجوم كرة قدم تحدثوا عن «مرارة البدايات»، من بينهم نجم الكرة المصرية محمد أبو تريكة، الذي روى أن أصعب فترة في حياته كانت مع بداياته، حين كاد الفقر يُنهي حلمه قبل أن يبدأ، إذ احتاج إلى حذاء رياضي ليستمر، لكنه لم يستطع أن يطلب ثمنه من والده لكونه يعرف ظروفه، حيث فضّل الصمت، والابتعاد عن الكرة عاماً كاملاً، لأنه لم يكن قادراً على توفير أبسط ما يحتاج إليه لاعب.

عودة إلى «شيكابالا»، الذي مر بظروف معيشية صعبة، حيث نشأ في أسرة بسيطة في أسوان، وعانى من الفقر والاغتراب المبكر عند انتقاله للقاهرة في سن العاشرة للعب في ناشئي الزمالك، إذ كان يعيش بمقر النادي.
ومع مونديال 2026، وتألق مهاجم «الفراعنة»، مصطفى زيكو، أوضح اللاعب أنه عاش سنوات من الجوع والحرمان بعد وفاة والده، حتى إنه كان ينام في الشارع ويستحم في المسجد، مؤكداً أن الفقر كان دافعاً قوياً للاستمرار حتى وصل إلى ارتداء قميص المنتخب المصري.
كما تطول القائمة خلف مشاهير كرة القدم في مصر مثل حسين الشحات ومحمد مجدي أفشة، اللذين عملا في مهن عديدة نظراً للظروف الصعبة، بينما ترك مدافع الزمالك الأسبق، أحمد دويدار، كرة القدم لمساعدة والدته في تربية إخوته البنات عقب وفاة والده.
مع اختلاف الروايات السابقة صعوداً وانكساراً، وتوقفاً واستمراراً، تبقى الصعوبات المادية تحدياً اقتصادياً واجتماعياً، ومحركاً أساسياً يشكّل مسار الرياضيين نحو مواصلة الحلم أو وأده.
الدكتور محمود فكري الفار، أستاذ علم الاجتماع الرياضي يرى أن «الفقر ليس مجرد أزمة اقتصادية، بل محدد اجتماعي يقرر مصير المواهب، ويعيد تشكيل حياة الرياضيين، فحين يشعر اللاعب أن سنوات من التدريب والبطولات لن تمنحه حتى القدرة على شراء شقة أو تأمين مستقبله، يلجأ للهروب، فالصعوبة المالية هنا لا تقتل الحلم فقط، بل تدفع المواهب إلى البحث عن هوية بديلة خارج الوطن».
ويقول لـ«الشرق الأوسط»: «رأينا في بيانات المصارعين الشامي وأبو جبل أن الخوف من المستقبل كان دافعاً لهروبهما، لذا هناك حاجة لبناء منظومة شاملة للرياضيين، تتضمن التدريب البدني والتكتيكي، وكذلك الدعم النفسي والاجتماعي والاقتصادي، وتغرس قيم الانتماء والهوية الرياضية، فمن دون هذه المنظومة، سيظل الفقر عاملاً يحوّل الحلم إلى عبء».
ويشير «الفار» إلى أنه في الألعاب الجماعية، خصوصاً كرة القدم، تتحول الصعوبات المادية إلى دافع قوي، لأن اللعبة نفسها تتيح حراكاً اجتماعياً صاعداً، وبالتالي هنا يصبح الفقر وقوداً للحلم.
يستطرد: «تُمارس رياضات الألعاب الفردية غالباً بين الطبقات الدُنيا، ومع الافتقار للرعاية الإعلامية والمالية، يظل اللاعب مهما حقق من بطولات محاصراً برواتب هزيلة، لذلك يتحول فقره إلى عائق».
ووفق بحث «الدخل والإنفاق» الصادر عن جهاز «التعبئة والإحصاء» في سبتمبر (أيلول) 2020 عن عام 2019-2020، فإن نسبة الفقر بلغت 29.7 في المائة.
الناقدة الرياضية، هبة الله محمد، تؤكد أن «الفقر» كان ولا يزال سبباً مباشراً لتوقف مواهب رياضية في مختلف الألعاب، فكثير من اللاعبين لم يتمكنوا من مواصلة مشوارهم، لأنهم ببساطة لم يستطيعوا تحمل تكاليف الرياضة نفسها، من التغذية إلى المواصلات اليومية وصولاً إلى المعدات الأساسية.
وتضيف لـ«الشرق الأوسط»، أنه «في الألعاب الفردية، ومع ضعف الدعم المؤسسي والإعلامي، يتحول الفقر إلى أكبر تحدٍّ، يدفع البعض إلى الاعتزال أو الهروب أو التجنيس بحثاً عن حياة كريمة». وتابعت أن «الرياضات الفردية تمثل للاعبيها مصدر رزق وحيداً وليست فقط هواية، وحين يعجزون عن تأمين مستقبلهم أو مستقبل أسرهم، يصبح الفقر سبباً مباشراً لتوقف أحلامهم».

