ترمب تعهّد بكبح الإنفاق... لكن الدين الأميركي يتجاوز 40 تريليون دولار

خبراء حذروا من أزمة مالية ستفرض على الكونغرس خيارات مؤلمة

ترمب يستمع إلى الصحافيين في البيت الأبيض بواشنطن العاصمة (رويترز)
ترمب يستمع إلى الصحافيين في البيت الأبيض بواشنطن العاصمة (رويترز)
TT

ترمب تعهّد بكبح الإنفاق... لكن الدين الأميركي يتجاوز 40 تريليون دولار

ترمب يستمع إلى الصحافيين في البيت الأبيض بواشنطن العاصمة (رويترز)
ترمب يستمع إلى الصحافيين في البيت الأبيض بواشنطن العاصمة (رويترز)

تجاوز الدين العام الأميركي حاجز 40 تريليون دولار خلال الأشهر التسعة عشر الأولى من الولاية الثانية للرئيس دونالد ترمب، في تطور يعكس اتساع الفجوة بين تعهداته بخفض الإنفاق وإصلاح المالية العامة، وبين المسار الفعلي للسياسة المالية.

وعاد ترمب إلى البيت الأبيض متعهداً تقليص حجم الحكومة الفيدرالية، وإنهاء ما وصفها بـ«الحروب الأبدية» المكلفة، وتحفيز النمو الاقتصادي بما يكبح العجز المتصاعد. لكن الإنفاق الحكومي واصل الارتفاع بدلاً من الانكماش، بينما تحولت الحرب مع إيران، المستمرة منذ ستة أشهر، إلى عبء مالي إضافي، في وقت ارتفعت فيه تكلفة خدمة الدين مع صعود عوائد بعض السندات الأميركية إلى أعلى مستوياتها في نحو عقدين.

ويرى خبراء في الموازنة أن هذه التطورات تنذر بضغوط مالية متزايدة قد تجبر الكونغرس وإدارة أميركية مقبلة على اتخاذ قرارات غير شعبية، من بينها رفع الضرائب أو تقليص برامج شبكة الأمان الاجتماعي، وربما الضمان الاجتماعي.

وقالت مايا ماكغينيس، رئيسة لجنة الموازنة الفيدرالية المسؤولة، إن سجل ترمب خلال ولايتيه لا يمكن اعتباره نجاحاً مالياً، مشيرة إلى أن المشكلة لم تبدأ معه، لكن استمرارها وتفاقمها يقعان على عاتق المشرعين، مع اعتبار الرئيس طرفاً رئيسياً في تحديد أجندة السياسة المالية.

12.9 تريليون دولار إضافية

وتجاوز الدين الأميركي حاجز 40 تريليون دولار قبيل انتخابات التجديد النصفي المقررة في نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل، التي ستحدد ما إذا كان الجمهوريون سيحتفظون بالسيطرة على الكونغرس خلال النصف الثاني من الولاية الثانية لترمب.

وتشير لجنة الموازنة الفيدرالية المسؤولة إلى أن التخفيضات الضريبية التي أقرها ترمب خلال ولايته الأولى أضافت 8.4 تريليون دولار إلى الدين، فيما قد يضيف قانون الضرائب والهجرة الذي أقر خلال ولايته الثانية 4.7 تريليون دولار أخرى، وفق تقديرات مكتب الموازنة في الكونغرس.

ورغم أن ترمب والجمهوريين في الكونغرس نجحوا في خفض العجز السنوي في 2025، فإن الانخفاض كان هامشياً، بينما واصل إجمالي الدين ارتفاعه.

الدين الأميركي... أزمة تتجاوز ترمب

ولا يتحمل الجمهوريون وحدهم مسؤولية تراكم الديون الأميركية؛ إذ أسهمت سياسات الحزبين على مدى عقود في توسيع العجز.

فالتخفيضات الضريبية خلال عهدي رونالد ريغان وجورج بوش الابن رفعت العجز، كما زادت حروب عهد بوش الإنفاق. وفي المقابل، رفعت إدارتا باراك أوباما وجو بايدن الإنفاق من خلال حزم التحفيز عقب الأزمة المالية العالمية وجائحة كوفيد-19.

ويضاف إلى ذلك الضغط الديموغرافي، مع تقاعد جيل طفرة المواليد، ما يضع صناديق الضمان الاجتماعي والرعاية الطبية أمام ضغوط متزايدة، في ظل عدم كفاية إيرادات ضرائب الرواتب لتغطية الالتزامات المستقبلية.

كما غيّرت إدارة ترمب هيكل الإيرادات الحكومية، من خلال زيادة الرسوم الجمركية وخفض ضرائب الشركات، ما يجعل الإيرادات أكثر اعتماداً على الضرائب التي يتحملها العمال والأسر، في وقت تتراجع فيه حصة هذه الضرائب من الناتج الاقتصادي ويتسارع تقاعد القوى العاملة.

وزير الخزانة سكوت بيسنت خلال مؤتمر صحافي مع اختتام اجتماعات مجموعة العشرين المالية في آشفيل (أ.ف.ب)

ترمب يعوّل على النمو

ويتمسك المحافظون منذ فترة طويلة بفكرة أن خفض الضرائب وتقليص القيود الحكومية يمكن أن يعززا الاستثمار والنمو، بما يؤدي في نهاية المطاف إلى زيادة الإيرادات الضريبية وخفض كلفة برامج مكافحة الفقر بوتيرة تتجاوز نمو الدين.

وقال ترمب في 21 أغسطس (آب) إن «النمو سيتكفل بذلك بسهولة»، قبل أن يذهب، خلال حديثه من المكتب البيضاوي الاثنين، إلى أن سياساته يمكن أن ترفع الناتج الاقتصادي الأميركي بنسبة 20 في المائة سنوياً، وهو مستوى لم يتحقق سوى مرة واحدة منذ 1947، خلال التعافي القوي في الربع الثالث من 2020 بعد انتهاء عمليات الإغلاق المرتبطة بجائحة كوفيد-19.

لكن هذه الرؤية المتفائلة تصطدم بتحذيرات رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي كيفين وارش، الذي قال خلال اجتماع وزراء مالية مجموعة العشرين إن التدفقات القياسية للاستثمار نحو الذكاء الاصطناعي وشركات التكنولوجيا الكبرى تعكس نقصاً في رأس المال، وتدفع الحكومات والشركات التي تقود طفرة الاستثمار في الذكاء الاصطناعي إلى التنافس على كل دولار استثماري متاح.

ويرى وارش أن هذا التنافس يرفع أسعار الفائدة ويزيد في الوقت نفسه صعوبة مشكلة تمويل الحكومة الأميركية.

خفض الإنفاق لم يحقق الوعود

وخلال حملته الانتخابية، تعهد ترمب بربط التخفيضات الضريبية بخفض تاريخي في الإنفاق، كما كلّف إيلون ماسك بقيادة ما كان يُعرف بوزارة كفاءة الحكومة الأميركية.

وكان ماسك قد تعهد بخفض تريليوني دولار من الموازنة، لكن الوكالة أعلنت في النهاية تحقيق وفورات قدرها 110 مليارات دولار فقط، وهي أرقام قالت عنها هيئة الرقابة الحكومية الأميركية إنها تضمنت وفورات مبالغاً فيها أو غير قابلة للتحقق.

وقالت ماكغينيس: «يمكن خفض الضرائب، لكن يجب أن يترافق ذلك مع خفض الإنفاق، وهذا لم يحدث».

ويرى مسؤولون حاليون وسابقون في الإدارة الأميركية أن البيت الأبيض لا يحظى بالتقدير الكافي لما حققه من تقدم اقتصادي ومحاولات لخفض الأسعار، معتبرين أن هذه السياسات ستساعد في تحسين الوضع المالي للبلاد.

لكن وليام إيمونز، نائب الرئيس السابق في بنك الاحتياطي الفيدرالي في سانت لويس، يرى أن سياسات ترمب عمّقت الوضع المالي الصعب أصلاً.

وقال: «لقد ورث زخماً سلبياً... ولم يكن مفاجئاً أن تكون بيئة الموازنة صعبة. لكنه جعل الوضع السيئ أسوأ».


مقالات ذات صلة

سبتمبر يضع وارش أمام اختبار الاستقلالية... والفائدة في مواجهة ترمب والانتخابات

الاقتصاد دونالد ترمب يتحدث مع رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي كيفين وارش خلال مراسم أداء اليمين في البيت الأبيض 22 مايو 2026 (رويترز)

سبتمبر يضع وارش أمام اختبار الاستقلالية... والفائدة في مواجهة ترمب والانتخابات

بعد أن فتح رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي كيفين وارش الأسبوع الماضي الباب أمام رفع الفائدة يتعين عليه الآن أن يقرر كيفية ترجمة ذلك إلى خطوات عملية

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الاقتصاد مضخات نفط مطبوعة بتقنية الطباعة ثلاثية الأبعاد وشعار شركة «شيفرون» في هذا الرسم التوضيحي (رويترز)

«شيفرون» الأميركية تؤكد توسعة عملياتها في فنزويلا

أكدت شركة النفط الأميركية العملاقة «شيفرون» الأربعاء أنها ستوسع عملياتها في فنزويلا بعد أيام من إعلان الرئيس الأميركي عن اتفاق لتطوير احتياطيات البلاد النفطية

الاقتصاد متداول يعمل في بورصة نيويورك (أ.ب)

تراجع العقود الآجلة الأميركية بضغط من ارتفاع النفط وعوائد السندات

تراجعت العقود الآجلة في «وول ستريت» يوم الأربعاء، مع ارتفاع عوائد السندات وأسعار النفط في أعقاب التوترات الأميركية-الإيرانية في الشرق الأوسط.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
الاقتصاد مبنى الكابيتول الأميركي في واشنطن (رويترز)

كيف واجهت أميركا أزمات تمويل ديونها عبر التاريخ؟

تزداد المخاوف بشأن آفاق المالية العامة في الولايات المتحدة، إذ ارتفعت عوائد سندات الخزانة طويلة الأجل إلى أعلى مستوياتها منذ عام 2007.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الاقتصاد مدخل بورصة نيويورك في وول ستريت (رويترز)

لماذا تبقى عوائد الخزانة الأميركية مرتفعة؟

لا يتوقع أحد أن تتخلف الولايات المتحدة عن سداد ديونها، لكن الوضع المالي الأميركي يتدهور مع تجاوز الدين الحكومي الفيدرالي 40 تريليون دولار.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)

سعر الديزل في أميركا يقفز لأعلى مستوى منذ أبريل

بلغ متوسط سعر التجزئة للديزل على مستوى الولايات المتحدة 5.688 دولار للغالون ليقترب بفارق محدود من ذروة أبريل التي كانت الأعلى منذ منتصف عام 2022 (رويترز)
بلغ متوسط سعر التجزئة للديزل على مستوى الولايات المتحدة 5.688 دولار للغالون ليقترب بفارق محدود من ذروة أبريل التي كانت الأعلى منذ منتصف عام 2022 (رويترز)
TT

سعر الديزل في أميركا يقفز لأعلى مستوى منذ أبريل

بلغ متوسط سعر التجزئة للديزل على مستوى الولايات المتحدة 5.688 دولار للغالون ليقترب بفارق محدود من ذروة أبريل التي كانت الأعلى منذ منتصف عام 2022 (رويترز)
بلغ متوسط سعر التجزئة للديزل على مستوى الولايات المتحدة 5.688 دولار للغالون ليقترب بفارق محدود من ذروة أبريل التي كانت الأعلى منذ منتصف عام 2022 (رويترز)

شهدت أسعار الديزل في الولايات المتحدة ارتفاعاً ملحوظاً لتصل إلى أعلى مستوياتها منذ أبريل (نيسان) الماضي، جراء تأثير حربيْ إيران وأوكرانيا على إمدادات الوقود العالمية، وفقاً لوكالة «بلومبرغ».

وبلغ متوسط سعر التجزئة للديزل على مستوى الولايات المتحدة 5.688 دولار للغالون، يوم الثلاثاء، وفق بيانات رابطة السيارات الأميركية، ليقترب بفارق محدود من ذروة أبريل، التي كانت الأعلى منذ منتصف عام 2022.

ويمثل الديزل عنصراً أساسياً في الاقتصاد العالمي، إذ تعتمد عليه الشاحنات وقطاعات الزراعة والتشييد، وهو ما يجعل ارتفاع أسعاره على مستوى التجزئة مؤثراً في الشركات والمستهلكين على حد سواء.

ووفقاً لـ«بلومبرغ»، فإن أسعار الديزل تلقت دعماً، خلال العام الحالي، بفعل حرب إيران في الشرق الأوسط، إلى جانب الحرب الروسية الأوكرانية، في حين قلّصت موسكو، التي تُعد عادةً من كبار المورّدين، صادرات الديزل، عقب موجات من الهجمات التي استهدفت مصافي التكرير لديها.

وفي وقت سابق من هذا الأسبوع، ضغط الرئيس الأميركي دونالد ترمب على شركات تكرير النفط في الولايات المتحدة لزيادة إنتاج الديزل والبنزين محلياً، خلال اجتماع مغلق، بالتزامن مع تصاعد المخاوف بشأن تكاليف المعيشة قبل انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل.

ووفق مسؤول بالبيت الأبيض نقلت عنه «بلومبرغ» قوله إن ترمب أوضح أنه يريد خفض أسعار الوقود للأميركيين، كما طلب من مسؤولي شركات التكرير بحث سُبل زيادة الطاقة الإنتاجية.


النمسا تريد تحويل العلاقات مع السعودية شراكاتٍ رقمية واستثمارات مشتركة

وزير الدولة النمساوي في المستشارية الاتحادية للشؤون الرقمية والدستور والخدمة العامة ألكسندر برول ووزير الاتصالات وتقنية المعلومات السعودية عبد الله السواحه خلال مؤتمر «ليب 2026» (الشرق الأوسط)
وزير الدولة النمساوي في المستشارية الاتحادية للشؤون الرقمية والدستور والخدمة العامة ألكسندر برول ووزير الاتصالات وتقنية المعلومات السعودية عبد الله السواحه خلال مؤتمر «ليب 2026» (الشرق الأوسط)
TT

النمسا تريد تحويل العلاقات مع السعودية شراكاتٍ رقمية واستثمارات مشتركة

وزير الدولة النمساوي في المستشارية الاتحادية للشؤون الرقمية والدستور والخدمة العامة ألكسندر برول ووزير الاتصالات وتقنية المعلومات السعودية عبد الله السواحه خلال مؤتمر «ليب 2026» (الشرق الأوسط)
وزير الدولة النمساوي في المستشارية الاتحادية للشؤون الرقمية والدستور والخدمة العامة ألكسندر برول ووزير الاتصالات وتقنية المعلومات السعودية عبد الله السواحه خلال مؤتمر «ليب 2026» (الشرق الأوسط)

تتجه العلاقات السعودية - النمساوية إلى مرحلة جديدة تتجاوز التعاون السياسي والدبلوماسي إلى شراكات تجارية وبحثية ومشاريع رقمية قابلة للتنفيذ، مع تركيز متزايد على الذكاء الاصطناعي، والحكومة الرقمية، والبنية التحتية الرقمية الآمنة والسيادية، والبحوث التطبيقية، والتكنولوجيا الصناعية.

وقال وزير الدولة النمساوي في المستشارية الاتحادية للشؤون الرقمية والدستور والخدمة العامة، ألكسندر برول، لـ«الشرق الأوسط»، إن بلاده تسعى «بكل جدية» إلى تحويل العلاقات السياسية مع السعودية شراكاتٍ تجارية وبحثية ملموسة، مؤكداً أن اللقاءات المباشرة مع المسؤولين السعوديين تتيح تحديد نقاط الالتقاء بين أجندتي البلدين الرقميتين، والانتقال منها إلى مجالات تعاون عملية.

وأضاف برول الذي يزور الرياض مشاركاً في مؤتمر «ليب 2026»: «إننا ساعون ألا تبقى العلاقات التي بُنيت هذا الأسبوع مجرّد نوايا حسنة، بل أن تتحوّل مشاريع حقيقية - في البحث العلمي، والبنية التحتية، وحوكمة الذكاء الاصطناعي - خلال الأشهر المقبلة».

وزير الدولة النمساوي في المستشارية الاتحادية للشؤون الرقمية والدستور والخدمة العامة ألكسندر برول خلال جلسة حوارية في «ليب 2026» (الشرق الأوسط)

العلاقات السعودية - النمساوية

ووصف برول العلاقات بين السعودية والنمسا بأنها «ودية راسخة»، مشيراً إلى أنه يلمس زخماً متزايداً، خصوصاً في قطاع التكنولوجيا الرقمية.

وأوضح أن البلدين ينفذان برامج طموحة للتحول الرقمي تقودها الحكومات؛ إذ تمثل «رؤية 2030» الإطار السعودي للتحول الاقتصادي والتكنولوجي، في حين تركز النمسا على تعزيز السيادة الرقمية وتطوير قدراتها في الذكاء الاصطناعي والخدمات الحكومية الرقمية.

وأشار إلى عدد من التجارب النمساوية في هذا المجال، من بينها مبادرات الذكاء الاصطناعي العامة، ونظام «GovGPT» المخصص للإدارة الفيدرالية، ونظام الهوية الرقمية النمساوي «ID Austria».

وقال إن هذه التجارب تمنح الرياض وفيينا «لغة مشتركة حقيقية»؛ لأن البلدين لا ينظران إلى التحول الرقمي بوصفه قضية تقنية فحسب، وإنما بصفته مرتبطاً بالقدرة والمرونة والسيادة الوطنية.

وتبرِز طبيعة الوفد النمساوي الموجود في الرياض حجم الرهان على توسيع التعاون. فالوفد بضم مؤسسات بحثية وطنية، وهيئات تنظيم البنية التحتية والاتصالات، إلى جانب شركات تعمل في الحوسبة السحابية ومراكز البيانات والهندسة وتكنولوجيا الاتصالات.

ويرى برول أن هذا الحضور «دليل على مدى جدية» النمسا في بناء شراكة أعمق مع السعودية، وليس مجرد مشاركة بروتوكولية في مؤتمر تقني.

وزير الدولة النمساوي في المستشارية الاتحادية للشؤون الرقمية والدستور والخدمة العامة ألكسندر برول في «ليب 2026» (الشرق الأوسط)

«ليب» منصة للانتقال من الحوار إلى المشاريع

ويضع الوزير النمساوي مشاركة بلاده في «ليب» في سياق أوسع من الحضور في أحد أكبر المؤتمرات التقنية، عادَّاً أن الحدث يوفر منصة نادرة لجمع الحكومات والباحثين والشركات الصناعية والتكنولوجية من مختلف أنحاء العالم في مكان واحد.

وقال إن بلاده تهدف من خلال المشاركة إلى عرض تجربتها في السيادة الرقمية والذكاء الاصطناعي المسؤول، بما في ذلك ما أنجزته في «GovGPT» ومبادرات الذكاء الاصطناعي العامة، إلى جانب نهجها الأوروبي في تطوير البنية التحتية الرقمية.

وفي المقابل، قال إن النمسا تريد الاستفادة من تجربة السعودية في تنفيذ مشاريع التحول الرقمي «بوتيرة ونطاق قلّما تجدهما في أي دولة أخرى».

ويحمل الوفد النمساوي، حسب برول، هدفاً عملياً يتمثل في فتح قنوات مباشرة مع نظرائهم السعوديين في الحكومة والقطاع الخاص، وتحويل العلاقات السياسية مشاريع تجارية وبحثية واستثمارية.

الذكاء الاصطناعي... نقطة الالتقاء الأكبر

كما يضع برول الذكاء الاصطناعي في مقدمة المجالات التي يرى فيها أكبر إمكانات التعاون الفوري بين السعودية والنمسا، إلى جانب الحكومة الرقمية.

وأوضح أن النمسا طوَّرت منصة «GovGPT» بهدف جعل الإدارة العامة أكثر كفاءة وسهولة في الوصول، في حين استثمرت السعودية بكثافة في رقمنة الخدمات الحكومية على نطاق واسع.

ويرى أن التجربتين تتيحان مجالاً واسعاً لتبادل الخبرات، خصوصاً في تنفيذ الحلول الرقمية، ورفع معدلات تبني المستخدمين، وتقييم ما ينجح فعلياً عند الانتقال من التجربة إلى التطبيق واسع النطاق.

ولا يقتصر مجال التعاون، وفق الوزير، على تطبيقات الذكاء الاصطناعي، بل يمتد إلى البنية التحتية التي تحتاج إليها هذه التقنيات.

الحوسبة السيادية والبنية التحتية للبيانات

وقال برول إن النمسا تستثمر بصورة كبيرة في توسيع قدراتها الحاسوبية السيادية، في وقت تبني فيه السعودية بعضاً من أكثر مشاريع البنية التحتية الرقمية طموحاً في العالم.

ويعتقد أن هذه المساحة يمكن أن تشكل مجالاً مهماً للتعاون، خصوصاً من خلال الاستفادة من الخبرة النمساوية في الهندسة والبنية التحتية الآمنة والموفرة للطاقة، وربطها بالتوسع السعودي في مراكز البيانات والحوسبة والبنية الرقمية.

وتكتسب هذه المسألة أهمية أكبر مع تسارع الطلب على قدرات الحوسبة اللازمة لتطوير الذكاء الاصطناعي، وما يصاحبه من حاجة إلى بنية تحتية موثوقة وآمنة وقادرة على استيعاب النمو المستقبلي.

حوكمة الذكاء الاصطناعي شرط للثقة

ولا يفصل برول بين التوسع في استخدام الذكاء الاصطناعي وبين بناء منظومة دولية لحوكمته.

وقال إنه يدافع بقوة عن مفهوم الذكاء الاصطناعي المسؤول والجدير بالثقة، بما في ذلك في إطار الحوار العالمي حول حوكمة الذكاء الاصطناعي في الأمم المتحدة، مؤكداً ضرورة وجود إطار دولي ملزم لتنظيم هذا المجال.

ويرى أن وضع قواعد واضحة لا ينبغي أن يُنظر إليه بوصفه عائقاً أمام الابتكار، بل بوصفه شرطاً لبناء الثقة اللازمة لتبني الذكاء الاصطناعي على نطاق واسع من جانب المواطنين والشركات.

وأعرب عن رغبته في أن تشارك السعودية والنمسا في هذا الحوار، بالتوازي مع تطوير التعاون في أبحاث الذكاء الاصطناعي، بما في ذلك عبر مؤسسات البحث والتطوير النمساوية.

وزير الدولة النمساوي في المستشارية الاتحادية للشؤون الرقمية والدستور والخدمة العامة ألكسندر برول خلال جلسة حوارية في «ليب 2026» (الشرق الأوسط)

فرص للشركات والاستثمارات المشتركة

ويرى الوزير النمساوي أن الفرص أمام الشركات السعودية والنمساوية لا تقتصر على تبادل الخبرات، وإنما تمتد إلى البحث والتطوير المشترك والمشاريع والاستثمارات المباشرة.

وأوضح أن المؤسسات المرافقة للوفد تمثل مجموعة واسعة من القدرات، بدءاً من البحوث التطبيقية في الذكاء الاصطناعي والبنية التحتية للبيانات، مروراً بالبنية التحتية العامة والتنظيم، وصولاً إلى الحوسبة السحابية ومراكز البيانات والهندسة.

وأشار إلى أن المؤسسات البحثية النمساوية يمكن أن تشكل شريكاً للجامعات ومراكز الأبحاث السعودية في مجالات الذكاء الاصطناعي التطبيقي والبحوث التقنية، في حين تمتلك المؤسسات المتخصصة في البنية التحتية خبرات يمكن توظيفها في المشاريع المرتبطة بمراكز البيانات والمنشآت الرقمية.

كما يمكن للتعاون التنظيمي أن يتوسع ليشمل ملفات مثل الطيف الترددي وحوكمة المنصات، وهي ملفات تزداد أهميتها مع نمو الاقتصاد الرقمي في البلدين.

وفي القطاع الصناعي، لفت برول إلى وجود شركات نمساوية ذات خبرة في الهندسة، وأنظمة النقل والحركة والمحاكاة، وهي مجالات تتقاطع مع طموحات السعودية في التنويع الصناعي والتصنيع المتقدم والتنقل المستقبلي.

ما بعد الذكاء الاصطناعي: الكم والأمن السيبراني

ولا يرى برول أن التعاون التكنولوجي بين البلدين يجب أن يتوقف عند الذكاء الاصطناعي، مشيراً إلى إمكانات كبيرة في تقنيات الكم والاتصالات الكمومية.

وقال إن النمسا تمتلك قاعدة بحثية قوية في الحوسبة الكمومية والاتصالات الكمومية، عادَّاً أن التعاون المبكر في هذا المجال يمكن أن يسهم في تشكيل ملامح التنافسية التكنولوجية خلال العقد المقبل.

ويبرز الأمن السيبراني كذلك بصفته أحد المجالات ذات الأولوية، في ظل اتساع الاعتماد على البنية الرقمية. وقال برول إن حماية البنية التحتية الرقمية أصبحت بأهمية بنائها نفسها؛ ما يجعل التعاون التقني والتنظيمي بين البلدين أكثر أهمية.

كما أشار إلى فرص التعاون في تكنولوجيا النقل والهندسة، حيث تمتلك الشركات النمساوية خبرات في تطوير أنظمة توليد الطاقة ومحاكاتها واختبارها، وهي تقنيات يرى أنها تتقاطع مع خطط السعودية لتطوير التصنيع المتقدم وقطاع النقل.

من «ليب» إلى إطار عمل مستدام

ويرى برول أن الخطوة الأهم بعد زيارة الرياض تتمثل في ضمان عدم توقف الزخم عند انتهاء المؤتمر. وقال: «أملي أن تكون هذه الزيارة بداية لمشاريع تجريبية ملموسة، وشراكات تجارية، واستثمارات مباشرة متبادلة حيثما كان ذلك مناسباً».

وأضاف أن الشركات النمساوية يمكن أن تكون «شركاء موثوقين وذوي كفاءة عالية» في تحقيق الطموحات التكنولوجية لـ«رؤية 2030»، معرباً عن أمله في أن يرى الشركاء السعوديون الإمكانات نفسها.

ويحدّد الوزير المرحلة التالية في حوار منظم ومستمر، وتواصل منتظم بين الوزارات والهيئات، ووضع إطار واضح للتعاون تستطيع الشركات والمؤسسات البناء عليه.

وفي خطوة تعكس رغبته في إبقاء المسار مفتوحاً، رحّب برول بزيارة وفد سعودي إلى النمسا؛ للاطلاع مباشرة على التجارب والمشاريع التي طوَّرتها بلاده، ومواصلة الحوار على أرض الواقع.


سبتمبر يضع وارش أمام اختبار الاستقلالية... والفائدة في مواجهة ترمب والانتخابات

دونالد ترمب يتحدث مع رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي كيفين وارش خلال مراسم أداء اليمين في البيت الأبيض 22 مايو 2026 (رويترز)
دونالد ترمب يتحدث مع رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي كيفين وارش خلال مراسم أداء اليمين في البيت الأبيض 22 مايو 2026 (رويترز)
TT

سبتمبر يضع وارش أمام اختبار الاستقلالية... والفائدة في مواجهة ترمب والانتخابات

دونالد ترمب يتحدث مع رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي كيفين وارش خلال مراسم أداء اليمين في البيت الأبيض 22 مايو 2026 (رويترز)
دونالد ترمب يتحدث مع رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي كيفين وارش خلال مراسم أداء اليمين في البيت الأبيض 22 مايو 2026 (رويترز)

بعد أن فتح رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي كيفين وارش الأسبوع الماضي الباب أمام رفع أسعار الفائدة، يتعين عليه الآن أن يقرر كيفية ترجمة ذلك إلى خطوات عملية يراها الجمهور والمستثمرون متسقة مع تصريحاته، ومستقلة عن رغبات الرئيس دونالد ترمب.

وقد يؤدي الإخفاق في تحقيق هذين الشرطين إلى الإضرار بمصداقية رئيس الاحتياطي الفيدرالي الجديد. أما الوفاء بهما فقد يعني رفع أسعار الفائدة في وقت لاحق من هذا الشهر، في إشارة قوية من لجنة السياسة النقدية في البنك المركزي الأميركي، قبل أقل من شهرين من انتخابات الكونغرس الرئيسية، إلى أن ترمب أخفق في احتواء التضخم، وأنه لن يحصل على مساعدة الاحتياطي الفيدرالي لخفض تكاليف الاقتراض على الدين الوطني المتنامي، وفق «رويترز».

وفي كلمة ألقاها يوم الجمعة خلال المؤتمر السنوي لمجلس الاحتياطي الفيدرالي في كانساس سيتي في جاكسون هول بولاية وايومنغ، ذهب وارش إلى أبعد مما توقعه كثير من المراقبين، موافقاً على أن رفع أسعار الفائدة قد يكون ضرورياً لكبح التضخم العالق فوق هدف البنك المركزي البالغ 2 في المائة.

غير أنه سيواجه مشكلات «إذا لم تتوافق بيانات أغسطس (آب) مع القرار الذي ستتخذه اللجنة في سبتمبر (أيلول)»، وفقاً لروبرت تيتلو، مستشار السياسات السابق في الاحتياطي الفيدرالي. وأضاف أن «خوضه حملة شفافة للغاية للحصول على المنصب جعل التدقيق الذي يواجهه أكثر حدة بكثير».

مبنى البنك الاحتياطي الفيدرالي في واشنطن (رويترز)

وقال ترمب إن وارش، الذي عيّنه الرئيس لقيادة البنك المركزي، يريد خفض أسعار الفائدة، لكنه ممنوع من ذلك من جانب آخرين في الاحتياطي الفيدرالي، يرى الرئيس أنهم «معادون» و«سياسيون». وكرر ترمب يوم الاثنين أن الولايات المتحدة ينبغي أن تكون لديها «أدنى أسعار فائدة في أي مكان بالعالم»، رغم بلوغ الدين الحكومي القائم 40 تريليون دولار والعجز السنوي المرتفع، لكنه قال إن وارش «سيفعل ما يتعين عليه فعله»، وإنه لا يزال يحظى باحترامه.

والآن، بعد أن وضع رئيس الاحتياطي الفيدرالي بنفسه علامة على احتمال رفع الفائدة، «تقع المسؤولية على عاتق وارش لتنفيذ ذلك... وإلا فإنه يخاطر بتقويض بعض المصداقية التي اكتسبها»، وفقاً لما كتبه أديتيا بهاف وشروتي ميشرا، الخبيران الاقتصاديان الأميركيان لدى بنك أوف أميركا، عقب خطاب جاكسون هول.

ومن المقرر أن يجتمع مسؤولو الاحتياطي الفيدرالي يومي 15 و16 سبتمبر. ويرى المستثمرون الآن احتمالاً يبلغ نحو اثنين إلى واحد لقيام البنك المركزي برفع سعر الفائدة الأساسي بمقدار ربع نقطة مئوية، بعدما أبقاه في نطاق 3.50 في المائة إلى 3.75 في المائة منذ ديسمبر (كانون الأول). وقفزت احتمالات رفع الفائدة في وقت لاحق من هذا الشهر بعد تصريحات وارش في جاكسون هول، ومرة أخرى يوم الاثنين عقب تجدد الضربات الأميركية على إيران، وارتفاع آخر في سعر الفائدة الذي يطلبه المستثمرون للاحتفاظ بالدين الحكومي الأميركي طويل الأجل.

وكان ثلاثة من أصل 12 مسؤولاً يتمتعون بحق التصويت في الاحتياطي الفيدرالي مستعدين لرفع أسعار الفائدة خلال اجتماع 28 و29 يوليو (تموز)، وصوتوا ضد قرار الإبقاء عليها دون تغيير.

وقبل اجتماعه المقبل، سيحصل الاحتياطي الفيدرالي على بيانات تحظى بمتابعة وثيقة بشأن الوظائف وتضخم المستهلكين في أغسطس، وهي معلومات مهمة، لكنها قد تشكل أساساً ضعيفاً نسبياً لوارش لتبرير العدول عن رفع الفائدة، بعدما حثّ على عدم التركيز على نقاط بيانات منفردة، وقال الأسبوع الماضي إن الاحتياطي الفيدرالي «لا يزال أمامه عمل يتعين إنجازه» إذا لم يكن واثقاً من تحرك التضخم الأساسي نحو هدف 2 في المائة.

وأشاد محللون عموماً بالخطاب لتوضيحه أن الاحتياطي الفيدرالي سيستخدم أسعار الفائدة سلاحه الرئيسي في مواجهة ارتفاع الأسعار.

وكتبت سيما شاه، كبيرة الاستراتيجيين العالميين لدى «برينسيبال لإدارة الأصول»، بعد خطاب جاكسون هول بأن تصريحات وارش «فككت كثيراً من الغموض الذي خلفه مؤتمره الصحافي في يوليو». وكانت شاه قد وصفت مؤتمره الصحافي في 29 يوليو، عقب اجتماع الاحتياطي الفيدرالي، بأنه «من أكثر المؤتمرات الصحافية إرباكاً... في الذاكرة الحديثة»، وقالت إنه «أثار تساؤلات حول اتساق رسالة السياسة النقدية»، إذ تحدث رئيس الاحتياطي الفيدرالي بلهجة متشددة بشأن التضخم من دون أن يوضح ما الذي سيفعله حياله.

في ظل انتخابات التجديد النصفي

مع طرح رفع أسعار الفائدة الآن على الطاولة، سيتعين على وارش إما المضي قُدماً هذا الشهر ورفع الفائدة قبل أسابيع من انتخابات التجديد النصفي الأميركية، أو المخاطرة بوصفه بأنه غير متسق. كما يعقد الاحتياطي الفيدرالي اجتماعاً في أواخر أكتوبر (تشرين الأول)، أي قرب موعد الانتخابات، ويختتم العام باجتماع في ديسمبر.

ويصر مسؤولو الاحتياطي الفيدرالي على أن جداول الانتخابات لا تدخل في عملية صنع السياسة النقدية. لكن رفع الفائدة هذا الشهر أو الشهر المقبل قد يظل خطوة صعبة، في ظل توقعات ترمب وعدائه للبنك المركزي.

وعندما خفض البنك المركزي أسعار الفائدة في سبتمبر 2024، انتقد أفراد حملة ترمب بشدة الخطوة، وعدّوها تحركاً سياسياً من جانب صانعي السياسات، بمن فيهم رئيس الاحتياطي الفيدرالي آنذاك جيروم باول، لتعزيز فرص الحزب الديمقراطي في انتخابات نوفمبر (تشرين الثاني) الرئاسية.

وتواجه حظوظ الجمهوريين، زملاء ترمب في الحزب، رياحاً معاكسة كبيرة قبل التصويت المرتقب في 3 نوفمبر، إذ لا تزال شعبية الرئيس عند أدنى مستوى في مسيرته، فيما يذكّر الناخبون باستمرار بإخفاقه في الوفاء بتعهده بخفض تكاليف المعيشة.

ولا يزال متوسط سعر البنزين في الولايات المتحدة يتجاوز 4 دولارات للغالون، أي أعلى بنحو 40 في المائة مما كان عليه قبل بدء الحرب الأميركية الإسرائيلية مع إيران في أواخر فبراير (شباط)، كما ارتفع متوسط سعر الفائدة على الرهن العقاري الثابت لمدة 30 عاماً بأكثر من نصف نقطة مئوية خلال الأشهر الستة الماضية. وفي الوقت نفسه، واصلت عوائد الدين الحكومي ارتفاعها لتبلغ أعلى مستوياتها في 20 عاماً خلال فترة ترمب.

وتخشى الإدارة الأميركية وحلفاؤها الجمهوريون الآن أن يؤدي تحرك الاحتياطي الفيدرالي بقيادة وارش لرفع تكاليف الاقتراض إلى منح الديمقراطيين سلاحاً إضافياً في معركتهم لاستعادة السيطرة على الكونغرس والحد من نفوذ ترمب خلال العامين الأخيرين من ولايته الثانية في البيت الأبيض.

طيور تحلق فوق قبة مبنى الكابيتول الأميركي في واشنطن (رويترز)

قليل من تراجع الطلب

لكن قرار إبقاء أسعار الفائدة دون تغيير مجدداً ينطوي بدوره على خطر خرق أحد المحظورات الراسخة لدى البنك المركزي، والمتمثل في عدم ترجمة التصريحات إلى إجراءات مناسبة.

ويتمثل أحد أسباب تجنب «التوجيه المستقبلي» في تحدي الحفاظ على الاتساق بمرور الوقت، إذ يرى وارش أن هذا التوجيه يقيد أيدي صانعي السياسة ويحدد توقعات عامة قد يتعين تغييرها. لكن تجاهل التوجيهات بالكامل ينطوي أيضاً على مخاطر، إذ يرى باحثون اقتصاديون أن النهج الأمثل يتمثل في تجنب الوعود الملزمة، مع توفير معلومات وإجراءات متابعة كافية بحيث يرى الجمهور أن البنك المركزي ملتزم بهدفه المتعلق بالتضخم.

ولدى وارش حجج تدفع باتجاه تأجيل رفع الفائدة.

وقالت دانا بيترسون، كبيرة الاقتصاديين في «كونفرنس بورد»، وهي مجموعة تجارية تمثل الشركات الكبرى، إنه لا يزال هناك ما يدعو للاعتقاد بأن التضخم سيتباطأ من دون رفع الفائدة، وينبغي لوارش ألا يتجاهل خطر تباطؤ إنفاق المستهلكين في وقت ترتفع فيه الأسعار.

وأضافت بيترسون: «نعتقد أن الاحتياطي الفيدرالي يمكنه الإبقاء على الفائدة دون تغيير. بدأنا نرى قليلاً من تراجع الطلب».

إضافة إلى ذلك، ركزت القراءة التفصيلية للتضخم التي قدمها وارش في جاكسون هول على مقياس معين لن يتم تحديثه إلا بعد اجتماع هذا الشهر، وهو حصة السلع والخدمات في مؤشر أسعار نفقات الاستهلاك الشخصي التي ترتفع أسعارها بأكثر من 3 في المائة سنوياً. وقد يعزز انخفاض هذا المؤشر الحجج القائلة إن «تراجع التضخم» لا يزال مستمراً رغم استمرار صدمات أسعار النفط والتوترات الجيوسياسية. ومن المتوقع أيضاً أن يؤدي تحديث طريقة احتساب مؤشر أسعار نفقات الاستهلاك الشخصي في وقت لاحق من هذا الشهر إلى خفض تقديرات التضخم.

لكن ما لم يحدث انهيار حاد في بيانات التوظيف ومؤشر أسعار المستهلكين المرتقبة، فإن الأسواق تستعد لرفع أسعار الفائدة، حتى مع وجود أسباب مقنعة للانتظار، وفقاً لمايك ساندرز، مدير المحافظ ورئيس قسم الدخل الثابت لدى «ماديسون إنفستمنتس».

وقال ساندرز إن القرار «ليس أمراً محسوماً. إنه أشبه بقرعة». وأضاف أنه رغم أن التأجيل «قد يكون صائباً بنسبة 100 في المائة»، فإن إبقاء الاحتياطي الفيدرالي أسعار الفائدة دون تغيير سيجعل المستثمرين يشككون لاحقاً في تصريحاته المتشددة بشأن السياسة النقدية.

وقال ساندرز: «سيكون رد فعلي الأول هو أنه يحاول إيجاد كل عذر ممكن لعدم رفع أسعار الفائدة».