القولون العصبي... قد يبدأ من الكبد

دراسة تكشف صلته الجينية بالدهون الثلاثية

القولون العصبي... قد يبدأ من الكبد
TT

القولون العصبي... قد يبدأ من الكبد

القولون العصبي... قد يبدأ من الكبد

قد لا يكون القولون العصبي مجرد اضطراب في العلاقة بين الأمعاء والدماغ كما ظل يُعتقد؛ إذ تكشف دراسة وراثية دولية واسعة عن خيط بيولوجي جديد يربط الاستعداد للإصابة بالمرض بآليات استقلاب الدهون ووظائف الكبد ولا سيما تنظيم مستويات الدهون الثلاثية في الدم، وذلك في اكتشاف قد يعيد رسم فهم المرض ويفتح الطريق أمام علاجات أكثر استهدافاً لآلياته.

وتشير الدراسة المنشورة في دورية «Gut» لشهر يوليو (تموز) 2026 إلى أن اضطراب تنظيم الدهون الثلاثية triglycerides قد يمثل حلقة مفقودة في لغز متلازمة القولون العصبي Irritable bowel syndrome (IBS) بعدما وجد الباحثون ارتباطاً بين الاستعداد الجيني للإصابة بالمتلازمة وارتفاع مستويات هذه الدهون في الدم.

وبرز في هذا الارتباط جين GCKR الذي يؤدي دوراً مهماً في تنظيم استقلاب الغلوكوز والدهون داخل الكبد، ما يلمّح إلى أن الكبد والعمليات الأيضية قد يكون لهما دور أكبر في نشأة القولون العصبي مما كان معروفاً سابقاً.

وتكتسب هذه النتائج أهمية خاصة مع انتشار المتلازمة على نطاق واسع؛ إذ تصيب أكثر من 10 في المائة من عموم السكان، وتتسبب في أعراض مزمنة تشمل آلام البطن المتكررة والانتفاخ والإمساك أو الإسهال، بينما لا تزال الآليات البيولوجية الدقيقة التي تقف وراء المرض غير مفهومة بالكامل.

أكبر خريطة جينية للقولون العصبي

وقاد الدراسة البروفسور ماورو دامّاتو أستاذ علم الوراثة الطبية في جامعة LUM في كازاماسيما إيطاليا وباحث في معهد CIC bioGUNE الإسباني ضمن تعاون دولي واسع جمع بيانات وراثية وصحية من 2775539 شخصاً في 22 بنكاً حيوياً حول العالم.

وقارن الباحثون بين الأشخاص المصابين بالقولون العصبي وغير المصابين به بحثاً عن اختلافات في الحمض النووي قد ترتبط بزيادة خطر الإصابة. وأسفر التحليل عن تحديد 35 منطقة في الجينوم البشري مرتبطة بخطر الإصابة بالقولون العصبي.

وكان بعضها متوقعاً؛ إذ ارتبط بجهاز الأعصاب والدماغ والجهاز العصبي المعوي، وهو شبكة معقدة من الأعصاب تتحكم في وظائف الجهاز الهضمي. لكن المفاجأة كانت في ظهور ارتباط قوي بين بعض الإشارات الجينية المرتبطة بالقولون العصبي وخصائص استقلابية وقلبية وعائية.

وباستخدام أساليب حسابية متقدمة، وجد الباحثون أدلة تشير إلى وجود علاقة سببية محتملة بين الاستعداد الجيني للقولون العصبي وارتفاع مستويات الدهون الثلاثية في الدم.

وبرز جين GCKR بصورة خاصة؛ إذ يؤدي دوراً رئيسياً في تنظيم استقلاب الغلوكوز والدهون داخل الكبد. وتوجد نسخة جينية معروفة من هذا الجين ترتبط بزيادة تراكم الدهون في الكبد وارتفاع إنتاج الدهون الثلاثية. ويرى الباحثون أن هذه النتائج تطرح احتمال وجود مسار بيولوجي يربط الكبد والتمثيل الغذائي بالأمعاء، إلى جانب المسار المعروف الذي يربط الدماغ والجهاز العصبي بالأمعاء.

وقال دامّاتو إن العلماء يعرفون منذ فترة طويلة أن القولون العصبي يتضمن حواراً معقداً بين الأمعاء والدماغ لكن النتائج الجديدة تشير إلى أن هذا الحوار يشمل أيضاً الجهاز الأيضي في الجسم، وأن تنظيم الدهون ووظائف الكبد قد يمثلان جزءاً من الصورة التي ظلت ناقصة.

من الجينات إلى تطوير الأدوية

ولم تتوقف الدراسة عند اكتشاف الروابط الجينية؛ إذ بحث الفريق أيضاً في أنماط نشاط الجينات المرتبطة بالقولون العصبي بهدف معرفة ما إذا كانت هناك أدوية أو مركبات يمكنها عكس التغيرات الجزيئية المرتبطة بالمرض.

وحدد الباحثون عدداً من المركبات التي أظهرت قدرة محتملة على عكس هذه الأنماط، وكان من بينها أدوية تستخدم لعلاج أمراض القلب واضطرابات الدهون. وقد يفتح ذلك الباب أمام ما يعرف بـإعادة توظيف الأدوية أي اختبار أدوية موجودة أصلاً لعلاج أمراض أخرى لمعرفة ما إذا كان يمكن استخدامها لعلاج القولون العصبي لدى فئات محددة من المرضى.

لكن الباحثين يؤكدون أن هذه النتائج لا تعني أن أدوية خفض الدهون أو علاج اضطرابات الكبد أصبحت علاجاً للقولون العصبي؛ إذ تحتاج هذه الفرضيات إلى اختبارات سريرية للتأكد من فاعليتها وسلامتها لدى المرضى.

وتشير الدراسة إلى أن القولون العصبي قد لا يكون مرضاً واحداً بالآلية نفسها لدى جميع المرضى، بل ربما توجد مسارات بيولوجية مختلفة تقود إلى الأعراض. وقد يساعد فهم هذه المسارات مستقبلاً في تقسيم المرضى إلى مجموعات بحسب الآلية التي تقف وراء حالتهم، ثم اختيار العلاج الأكثر ملاءمة لكل مجموعة بدل الاعتماد على نهج علاجي واحد للجميع.

ويقول الباحثون إن النتائج تدعم رؤية أكثر شمولاً للقولون العصبي تتجاوز مفهوم «محور الأمعاء والدماغ» التقليدي لتشمل أيضاً الكبد والتمثيل الغذائي والدهون في الدم.

وتأتي الدراسة ضمن مبادرة دولية تعرف باسم bellygenes شاركت فيها مؤسسات أكاديمية وطبية من أوروبا وأميركا الشمالية ومناطق أخرى، واستفادت من قواعد بيانات سكانية ضخمة بينها UK Biobank وFinnGen وMillion Veteran Program وAll of Us.

وقد تمثل هذه الخريطة الجينية الجديدة خطوة مهمة نحو فهم سبب اختلاف أعراض القولون العصبي واستجابة المرضى للعلاج، وربما نحو تطوير علاجات مستقبلية تستهدف السبب البيولوجي للمرض بدل الاكتفاء بتخفيف أعراضه.


مقالات ذات صلة

ما أضرار الاستخدام المفرط للإنترنت؟

علوم عدم الابتعاد عن الهاتف رغم المحاولات المتكررة من علامات إدمان الإنترنت _جامعة جورج تاون_

ما أضرار الاستخدام المفرط للإنترنت؟

مع تزايد الوقت الذي يقضيه الناس أمام الشاشات، بات الاستخدام المفرط للإنترنت أحد أبرز التحديات النفسية والسلوكية في العصر الرقمي،

محمد السيد علي (القاهرة)
علوم «وسادة فموية» لذوي الاحتياجات الخاصة للتحكم بالأجهزة الإلكترونية

«وسادة فموية» لذوي الاحتياجات الخاصة للتحكم بالأجهزة الإلكترونية

حمل توماس فيغا الذي يعاني من التأتأة منذ طفولته بداخله إيماناً بأن واجهات الدماغ والحاسوب والذكاء الاصطناعي، ستُحدث نقلة نوعية في حياة أصحاب الاحتياجات الخاصة،

جيسوس دياز (واشنطن)
شمال افريقيا «نقابة صيادلة القاهرة» تطالب بكتابة الوصفة الطبية إلكترونياً (رويترز)

«بخط اليد»... «روشتَّات» الأطباء المصريين ترهق الصيادلة

طالبت «نقابة صيادلة القاهرة» في مخاطبة رسمية، نهاية الأسبوع الماضي، بـ«إلزام الأطباء والمنشآت الصحية كتابة الوصفات الطبية بالاسم العلمي للدواء».

أحمد عدلي (القاهرة )
علوم فقدان نسخة واحدة من جين رئيسي يسبب عيوباً خلقية في القلب

فقدان نسخة واحدة من جين رئيسي يسبب عيوباً خلقية في القلب

لطالما حيّرت العلماء قدرة بعض الطفرات الوراثية على التسبب في عيوب خلقية خطيرة رغم احتفاظ المصابين بنسخة سليمة من الجين نفسه.

د. وفا جاسم الرجب (لندن)
علوم الجذور الجينية المشتركة للاضطرابات النفسية... طفرة علمية في الطب النفسي

الجذور الجينية المشتركة للاضطرابات النفسية... طفرة علمية في الطب النفسي

في تقدُّم مهم لبحوث الصحة النفسية، كشف العلماء عن روابط جينية قد تفسر لماذا يحدث الاكتئاب والقلق وغيرهما من الاضطرابات النفسية معاً في كثير من الأحيان.

د. وفا جاسم الرجب (لندن)

هل يعالج الذكاء الاصطناعي جميع الأمراض خلال 10 سنوات؟

 بين المفتاح الرقمي والعلاج الحقيقي
بين المفتاح الرقمي والعلاج الحقيقي
TT

هل يعالج الذكاء الاصطناعي جميع الأمراض خلال 10 سنوات؟

 بين المفتاح الرقمي والعلاج الحقيقي
بين المفتاح الرقمي والعلاج الحقيقي

هل يمكن أن يأتي يوم تصبح فيه أمراض مثل السرطان وألزهايمر والسكري وأمراض القلب قابلة للعلاج، أو حتى الشفاء، بفضل الذكاء الاصطناعي؟

لم يعد السؤال مجرد خيال علمي، فقد قال ديميس هاسابيس، الرئيس التنفيذي لشركة «غوغل ديب مايند» الحائز جائزة نوبل في الكيمياء، في مقابلة إعلامية، إن الذكاء الاصطناعي قد يختصر تصميم الدواء من سنوات إلى أشهر أو أسابيع، وإن علاج جميع الأمراض ربما يصبح في المتناول خلال العقد المقبل.

غير أن هذا الوعد قوبل بتحفظ علماء وأطباء يرون أن تسارع الحوسبة لا يعني بالضرورة تسارع الشفاء. فطبيب القلب والباحث الأميركي إريك توبول وصف توقّع علاج جميع الأمراض خلال عشر سنوات بأنه غير واقعي، محذراً من رفع سقف آمال المرضى قبل توافر دليل سريري. وبين التفاؤل والاعتراض يبرز السؤال الحقيقي: ما الذي يستطيع الذكاء الاصطناعي تغييره فعلاً، وما الذي لا تزال البيولوجيا ترفض اختصاره؟

ويفسر نظام «ألفافولد» جانباً من هذا التفاؤل. وهو برنامج للذكاء الاصطناعي طوّرته شركة «غوغل ديب مايند» للتنبؤ بالشكل الثلاثي الأبعاد للبروتينات، وهي قضية أساسية لفهم وظائفها وتصميم الأدوية التي تستهدفها. وقد تنبأ النظام ببنية أكثر من 200 مليون بروتين، محوّلاً مهمة كانت قد تستغرق سنوات إلى مورد علمي متاح للباحثين. لكن معرفة شكل البروتين لا تعني تلقائياً معرفة سبب المرض، ولا تضمن أن استهدافه سيشفي الإنسان. فاكتشاف الدواء يمر بثلاث رحلات: من المرض إلى آليته البيولوجية، ومن الآلية إلى جزيء علاجي، ثم من الجزيء إلى المريض. وقد يحقق الذكاء الاصطناعي تقدماً مذهلاً في الرحلة الثانية، في حين تظل الرحلتان الأخريان محكومتين بتعقيد البيولوجيا وبالدليل السريري بطيء التراكم.

مفتاح دوائي دقيق... لهدف بيولوجي خاطئ

الخوارزمية و«المفاتيح الجدد»

• حين تصنع الخوارزمية مفتاحاً جديداً: تقدم دراسة نُشرت في 18 أغسطس (آب) 2026 في دورية «إن بي جيه لطب الأورام الدقيق» npj Precision Oncology مثالاً حديثاً على قوة الذكاء الاصطناعي وحدوده معاً. فقد جمع الباحثون نماذج للتعلم الآلي بمحاكاة التفاعلات الجزيئية؛ بحثاً عن مركبات محتملة ضد سرطان الخلايا الحرشفية في الرأس والعنق.

تعلّمت النماذج من قاعدتين علميتين تضمان معلومات عن المركبات ونشاطها البيولوجي، ثم غربلت مكتبات كيميائية واسعة. وبعد تضييق آلاف النتائج، برزت ثلاثة مُركّبات أظهرت في المحاكاة ارتباطاً مستقراً ببروتين يرتبط بنمو الورم، وينتجه جين يسمى «PIK3CA»، المعروف بدوره في عدد من السرطانات. ودعم الباحثون ذلك بفحص عينات أنسجة مأخوذة من مرضى وتجارب على خلايا سرطانية؛ إذ أدى تعطيل هذا المسار إلى الحد من تكاثر الخلايا وهجرتها.

هذه نتيجة مهمة؛ فالذكاء الاصطناعي ربط البيانات الجزيئية بهدف بيولوجي واقترح مركبات تستحق الاختبار. لكنها لا تعني اكتشاف علاج جاهز؛ فالمركبات لم تُختبر على المرضى، ولم تثبت سلامتها أو فاعليتها داخل جسم الإنسان. إنها بداية واعدة لمسار دوائي، وليست نهايته. وبين المرشح الرقمي والعلاج المعتمد تقف التجارب قبل السريرية، ثم مراحل التجارب على البشر، وتحديد الجرعة ومراقبة السمية، وصولاً إلى موافقة الجهات التنظيمية.

• المفتاح الصحيح للقفل الخطأ: في تحليل حديث بعنوان «لا عصا سحرية لاكتشاف الأدوية»، نشرته على منصة «ديب فينوتايب» في 3 أغسطس 2026، تلخّص دافني كولر، عالمة الحاسوب والبيولوجيا المتخصصة في توظيف الذكاء الاصطناعي لاكتشاف الأدوية، المشكلة بتشبيه دقيق: قد تجعلنا الخوارزميات أفضل في صناعة المفاتيح، لكننا كثيراً ما نختار القفل الخطأ. فتصميم جزيء يرتبط ببروتين محدد أصبح أسرع، في حين يظل تحديد السبب البيولوجي الحقيقي للمرض أكثر تعقيداً. فالسرطان، مثلاً، ليس مرضاً واحداً، بل عائلة من الأمراض تختلف باختلاف النسيج والطفرات والمناعة والبيئة والعمر واستجابة كل مريض.

لذلك؛ لا يكفي أن يتنبأ النموذج بقدرة مركب على الارتباط بهدف جزيئي. إذ يجب إثبات أن هذا الهدف يقود المرض فعلاً، وأن تعطيله لن يضر وظيفة حيوية أخرى، وأن الدواء سيصل إلى العضو بالتركيز المناسب، وأن فائدته ستتفوق على مخاطره. وقد تُحسّن الخوارزمية مرحلة الانتقال «من الآلية إلى الدواء»، لكن السؤالين الأصعب يظلان: هل اخترنا الآلية الصحيحة؟ وأي المرضى سيستفيدون من استهدافها؟

حين تسبق الخوارزمية زمن الجسد

تقدم حقيقي بلا معجزة

• تقدم حقيقي: لا يعني ذلك التقليل من الإنجاز. ففي دراسة سريرية عشوائية من المرحلة الثانية المبكرة «2a»، نُشرت في دورية «نيتشر ميديسن» في 3 يونيو (حزيران) 2025، اختُبر دواء «رينتوسيرتيب»، الذي أسهم الذكاء الاصطناعي التوليدي في اكتشاف هدفه وتصميمه لعلاج التليف الرئوي مجهول السبب. وشملت التجربة 71 مريضاً على مدى 12 أسبوعاً، وسجلت المجموعة التي تلقت الجرعة الأعلى تحسناً في السعة الحيوية القسرية، وهي مؤشر رئيسي لوظيفة الرئة، مقارنة بمجموعة الدواء الوهمي.

لكن الباحثين خلصوا إلى أن النتائج تستدعي تجارب أكبر وأطول. فقد أثبتت الدراسة إمكان الانتقال من الخوارزمية إلى المريض بسرعة لافتة، لكنها لم تثبت الشفاء، ولم تكن تجربة حاسمة من المرحلة الثالثة. وهذه هي اللغة التي يحتاج إليها الطب: نجاح مشجع يتبعه اختبار أشد، لا وعد كبير يبحث لاحقاً عن دليل.

• الزمن البيولوجي لا يشبه الزمن الرقمي: تتعلم الخوارزميات خلال ساعات من بيانات ضخمة، أما الدواء فيحتاج إلى وقت لاختبار تأثيره في أجسام بشرية متنوعة. ولا تستطيع محاكاة سريعة أن تكشف يقيناً عن السمّية المتأخرة، أو عودة الورم، أو أثر العلاج في بقاء المريض بعد سنوات. فالزمن هنا ليس عائقاً بيروقراطياً، بل جزء من الدليل العلمي ومن حماية المريض.

قد يكشف الذكاء الاصطناعي عن أهداف دوائية لم نرها، ويسرّع تصميم الجزيئات، ويتنبأ بالسمّية، ويختار المرضى الأنسب للتجارب، ويخفض الوقت والكلفة. وربما يقود إلى علاجات لأمراض استعصت طويلاً. غير أن الوعد بعلاج «جميع الأمراض» خلال موعد محدد يحوّل الأمل العلمي إلى نبوءة إعلامية.

حين لا يصل الوعد إلى المريض إلا عبر الدليل

السؤال الأدق، إذن، ليس: متى سيقضي الذكاء الاصطناعي على المرض؟ بل: أي خطوات من رحلة اكتشاف العلاج يستطيع جعلها أسرع وأكثر دقة؟ فقد يكون أقوى مسرّع عرفه اكتشاف الدواء، لكنه لا يلغي المختبر، ولا التجربة السريرية، ولا تعقيد الإنسان. وهنا تستعيد العبارة التي اشتهر بها عالم الفلك الأميركي كارل ساغان، أحد أبرز مَن قرّبوا العلوم إلى الجمهور، معناها: «الادعاءات الاستثنائية تتطلب أدلة استثنائية». فوعد علاج جميع الأمراض استثنائي، ولن يصبح علاجاً لأن خوارزمية أو عالماً بارزاً أعلنه، بل عندما يثبت لدى المرضى، بأمان ووضوح، أنه يغيّر مسار المرض فعلاً.


ما أضرار الاستخدام المفرط للإنترنت؟

عدم الابتعاد عن الهاتف رغم المحاولات المتكررة من علامات إدمان الإنترنت _جامعة جورج تاون_
عدم الابتعاد عن الهاتف رغم المحاولات المتكررة من علامات إدمان الإنترنت _جامعة جورج تاون_
TT

ما أضرار الاستخدام المفرط للإنترنت؟

عدم الابتعاد عن الهاتف رغم المحاولات المتكررة من علامات إدمان الإنترنت _جامعة جورج تاون_
عدم الابتعاد عن الهاتف رغم المحاولات المتكررة من علامات إدمان الإنترنت _جامعة جورج تاون_

مع تزايد الوقت الذي يقضيه الناس أمام الشاشات، بات الاستخدام المفرط للإنترنت أحد أبرز التحديات النفسية والسلوكية في العصر الرقمي، لما يترتب عليه من آثار تمتد إلى الصحة النفسية والإنتاجية والعلاقات الاجتماعية. ورغم إدراك كثيرين أن قضاء ساعات طويلة أمام الشاشات يؤثر سلباً في العمل والدراسة والعلاقات، تظل مقاومة الرغبة في العودة إلى الإنترنت أمراً بالغ الصعوبة.

وبلغ عدد مستخدمي الإنترنت حول العالم 6.12 مليار شخص في بداية أبريل (نيسان) 2026، أي ما يعادل 73.8 في المائة من سكان العالم، بارتفاع قدره 59 مليون مستخدم خلال الاثني عشر شهراً الماضية، وفق تقرير «Digital 2026» الصادر عن منصة «DataReportal».

المحرك الرئيسي لاستخدام الإنترنت

ويقضي مستخدم الإنترنت في المتوسط نحو 33 ساعة و13 دقيقة أسبوعياً في تصفح المحتوى الرقمي.

وبينما يُعتقد أن التوتر وسوء المزاج هما المحركان الرئيسيان لهذا السلوك، كشفت دراسة ألمانية عن عامل أكثر تأثيراً قد يغيّر أساليب الوقاية من الاستخدام الإشكالي للإنترنت وعلاجه. ويُعرَّف هذا الاستخدام بأنه نمط من الإفراط في الأنشطة الرقمية -مثل الألعاب ووسائل التواصل والمقامرة والتسوق الإلكتروني- يؤدي إلى فقدان السيطرة على الوقت، ويؤثر سلباً في الحياة اليومية، وقد يصاحبه ضيق نفسي أو صعوبة في تقليل الاستخدام رغم إدراك آثاره السلبية.

واعتمدت الدراسة، التي أجراها باحثون من مستشفى جامعة إيسن الألمانية، على تقييم 900 شخص بالغ صُنّفوا بعد مقابلات تشخيصية إلى ثلاث فئات: استخدام إشكالي، ومحفوف بالمخاطر، وطبيعي. وطُلب من المشاركين، على مدى 14 يوماً، تسجيل مستويات التوتر والمزاج يومياً، ومدى الإغراء لاستخدام الإنترنت، والوقت المُستغرق، ومستوى المتعة، وما إذا أهملوا أنشطة أخرى نتيجة لذلك.

ووجد الباحثون أن أصحاب الاستخدام الإشكالي أكثر عرضة للتوتر وسوء المزاج، ويقضون وقتاً أطول على الشبكة، ويهملون جوانب مهمة من حياتهم. لكن التحليل الإحصائي أظهر أن الإغراء اللحظي كان العامل الأكثر تأثيراً في استمرار الاستخدام، في حين عزّزت مشاعر المتعة والارتياح هذا السلوك وتكراره. ونُشرت النتائج في 30 يوليو (تموز) 2026 بدورية «PLOS One».

مقاومة الرغبة في العودة إلى الإنترنت تظل أمرا_ بالغ الصعوبة _جامعة جورج تاون_

تأثير الإنترنت على الدماغ

ويوضح استشاري الطب النفسي، الدكتور جمال فرويز، أن كل استخدام للإنترنت يرفع مستوى «الدوبامين» المسؤول عن الشعور بالمتعة والمكافأة بالدماغ. وقال لـ«الشرق الأوسط» إن الدماغ مع تكرار هذا السلوك يربط الاستخدام بهذا الإحساس، فيطالب بجرعات أكبر لاستعادة الشعور نفسه، مما يُخل بنظام المكافأة وتبدأ عندها ملامح الإدمان في الظهور.

وأشار فرويز إلى أن استمرار هذا النمط ينعكس على الوظائف الذهنية والنفسية، إذ يعاني الشخص ضعف التركيز وتشتت الانتباه وصعوبة التعلم، وقد يصبح أكثر عصبية وانفعالاً، وهو ما قد يتطور إلى أعراض اكتئابية أو تصرفات غير محسوبة في الحالات الشديدة. ونبّه إلى أن المحتوى المتكرر يُخزَّن في العقل الباطن بوصفه «خبرة» يستدعيها الدماغ لاحقاً عند مواجهة مواقف مشابهة، مؤثراً بذلك في طريقة الاستجابة.

وتشمل أبرز علامات الإدمان، حسب فرويز، العجز عن الابتعاد عن الهاتف رغم المحاولات المتكررة، وتأثر الأداء الدراسي أو الوظيفي، وإهمال المسؤوليات الأسرية. وحذّر من أن الأطفال هم الفئة الأكثر تأثراً، لما قد ينتج من تراجع في التركيز والتحصيل الدراسي، وارتفاع معدلات السمنة، واكتساب سلوكيات غير سليمة في غياب الرقابة الأسرية، مؤكداً أن أولى خطوات العلاج هي الاعتراف بالمشكلة، مع ضرورة مراجعة مختص نفسي، ووضع أوقات محددة لاستخدام الأجهزة الرقمية والالتزام بها.

من جانبه، اعتبر أستاذ الطب النفسي، الدكتور وائل أبو هندي، أن إدمان الإنترنت يتجاوز الإفراط في الاستخدام ليتحول إلى اضطراب سلوكي يمس الحياة اليومية والعلاقات الاجتماعية، مصنّفاً إياه ضمن الإدمان السلوكي غير الكيميائي، ومشبّهاً إياه بإدمان القمار من حيث تنشيطه مراكز المكافأة في الدماغ.

وأضاف لـ«الشرق الأوسط»، أن أعراض هذا الإدمان تتجلّى في لهفة شديدة نحو التصفح، وعجز متكرر عن ضبط الوقت، وإخفاقات متكررة عند محاولة التقليل، على غرار أنماط أخرى من الإدمان السلوكي مثل إدمان الطعام أو الجنس.

ويرى أبو هندي أن جذور هذا السلوك تكمن غالباً في الهروب من واقع مؤلم، أو تعويض غياب علاقات اجتماعية صادقة، مما يحوّل الاستخدام العابر إلى ملاذ دائم، تتراكم آثاره في اضطرابات النوم وتراجع الأداء الدراسي أو المهني وتفكك العلاقات الأسرية. ويشدد على أن العلاج السلوكي يجب ألا يركز على استهداف المقاطعة التامة، بل ترسيخ استخدام رشيد ومتوازن عبر تنظيم الوقت ومعالجة الأسباب النفسية الكامنة.

وفي ظل تصاعد الإدمان الرقمي بين الطلاب تحديداً، دعا أبو هندي وزارة التعليم إلى إعادة النظر في اعتمادها المتزايد على الأجهزة اللوحية والملفات الرقمية داخل الصفوف الدراسية، محذراً من أن ذلك قد يكرّس التعلق المرضي بالشاشات بدلاً من الحد منه. وشدد على أن العودة إلى الكتاب الورقي لا تمثل تراجعاً عن التطور، بل خط دفاع أول ضد الإدمان المبكر، لما توفره من فوائد معرفية تجعلها خياراً أكثر أماناً وفاعلية من نظيراتها الرقمية.


«وسادة فموية» لذوي الاحتياجات الخاصة للتحكم بالأجهزة الإلكترونية

«وسادة فموية» لذوي الاحتياجات الخاصة للتحكم بالأجهزة الإلكترونية
TT

«وسادة فموية» لذوي الاحتياجات الخاصة للتحكم بالأجهزة الإلكترونية

«وسادة فموية» لذوي الاحتياجات الخاصة للتحكم بالأجهزة الإلكترونية

حمل توماس فيغا الذي يعاني من التأتأة منذ طفولته بداخله إيماناً بأن واجهات الدماغ والحاسوب والذكاء الاصطناعي، ستُحدث نقلة نوعية في حياة أصحاب الاحتياجات الخاصة، لكنه بدا حريصاً على البحث عن حل عملي فوري. وداخل مختبر الإعلام التابع لمعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، ابتكر مع كورتن سينغر، شريكه المؤسس لشركتهما «أوغمنتال»، جهاز «ماوثباد MouthPad ». والجهاز الجديد عبارة عن وحدة تحكم حاسوبية دقيقة تُوضع داخل الفم.

وكان فيغا قد انضم إلى فريق شركة «نيورالينك» الشركة التي يملكها إيلون ماسك، المتخصصة في واجهات الدماغ والحاسوب، بهدف تطوير طريقة عالية السرعة، لتمكين الأشخاص ذوي الاحتياجات الخاصة من التحكم في الأجهزة. ومع ذلك، سرعان ما غادر الشركة، بسبب شعوره أن الكثيرين لا يستطيعون الانتظار حتى تتوفر لهم واجهات قابلة للزرع والخضوع لعملية جراحية.

وسادة فموية

> حركة اللسان تتحكم بالأوامر. بوجه عام يشبه «ماوثباد» نصف جهاز تقويم أسنان، مُصمم خصيصاً ليناسب سقف الحلق والأضراس الخلفية. وتحتوي لوحة اللمس الذهبية في مركزه على زر تحكم باللسان: ضغطة اللسان تُنتج نقرة يسارية، بينما ينتج الشفط الخفيف نقرة يمينية. كما يمكن لموضع اللسان أن يعمل كعصا تحكم. إذا كان المستخدم قادراً على تحريك رأسه، فإن الجيروسكوبات المدمجة بالأداة تتيح تحريك المؤشر بحركة الرأس، في الوقت الذي يتحكم اللسان في التمرير والأوامر الأخرى.

من ناحية أخرى، لا يسعى الجهاز إلى أن يكون بديلاً أرخص من جهاز «نيورالينك Neuralink»، الرقائق المزروعة في الدماغ المرتبطة بنظام واجهة «الكومبيوتر- الدماغ»، وإنما يتحدى الفكرة السائدة بأن أجهزة الحوسبة المتقدمة الموجهة للأشخاص أصحاب الإعاقة، يجب أن تبدأ بالجراحة أو الأجهزة المساعدة المرئية.

وترتكز الفكرة الأساسية لجهاز «ماوثباد» حول استخدام القدرات التي لا يزال الكثير من الناس يحتفظون بها، مثل حركة اللسان الدقيقة، مع إخفاء التكنولوجيا بعيداً عن الأنظار.

> الطريق الطويل نحو اللسان. أوضح فيغا أن الفكرة نبعت من تجربته الشخصية. وبعد أن بدأ يعاني من التأتأة في سن الخامسة، ساعدته لوحات المفاتيح والفأرة على التغلب على قيود الكلام، ما أثار بداخله شغفاً تجاه تطوير أجهزة مساعدة لإدخال البيانات. وفي وقت لاحق، عمل بمجال البرمجة، تحديداً مع مرضى التصلب المتعدد، ودرس الدماغ والحاسوب في جامعة كاليفورنيا في بيركلي. كما اختبر واجهات باستخدام أقطاب كهربائية على فروة الرأس، وإشارات العين، وإشارات العضلات، والصوت. وقال إن بعضها قدم عروضاً توضيحية مبهرة، لكنها لم تكن عملية بما يكفي للاستخدام اليومي.

بعد فترة عمله لدى «نيورالينك»، تساءل عن أي جزء من الجسم لا يزال يوفر نطاقاً ودقةً وتحملاً للأشخاص، الذين يعجزون عن استخدام أيديهم. وكانت الإجابة التي طرأت على ذهنه: اللسان. وبالفعل، اختبر النموذج الأولي الأول، وكان عبارة عن مصاصة مزودة بمستشعرات، أطلق عليها «تشابيتين Chupetín»، لمعرفة ما إذا كان التحكم باللسان يبدو بديهياً. وأكد فيغا أنها كانت فعالة بما يكفي لتؤدي إلى تأسيس شركة «أوغمنتال»، التي بدأت عملها داخل قبو بمدينة سومرفيل، بولاية ماساتشوستس.

فأرة لسانية

> فأرة مصممة على غرار مثبّت الأسنان. يجري صنع «ماوثباد» بالاعتماد على مسح ضوئي داخل الفم، بما يسمح لها بالاستقرار بصورة رقيقة على سقف الفم، مع الإبقاء على قدرة المرء على الكلام. الملاحظ أن شركة «أوغمنتال» انتقلت من استخدام قوالب المعجون إلى المسح البصري لتقليل أخطاء التركيب والملاءمة. بوجه عام، يستلزم تصميم الإلكترونيات للعمل داخل الفم التغلب على تحديات اللعاب والضغط واختلاف أشكال الأفواه وحركة العضّ. ويستخدم الجهاز إلكترونيات مرنة يمكنها التكيف مع المستخدمين المختلفين، إلى جانب جسر محمي يمر عبر مستوى إطباق الفم، بحيث لا تسحق الأسنان الدوائر الإلكترونية.

اعتمدت الإصدارات الأولى على أغشية لقياس الضغط. ومع ذلك، تعتمد «أوغمنتال» الآن على الاستشعار السعوي (نسبة إلى مصطلح السعة الكهربائية)، على غرار تقنيات لوحة اللمس في الهاتف أو الحاسوب المحمول، لتحديد موضع اللسان. وتكشف حجرة هواء صغيرة ومقياس ضغط التغيرات في الضغط، بما يسمح بالتمييز بين ضغط اللسان وعملية الارتشاف. بعد ذلك، يفسر البرنامج مصفوفة المستشعرات الناتجة، رغم وجود اللعاب، ويحوّل تلك الإشارات إلى وظائف الفأرة المعتادة: تحريك المؤشر، والنقر، والنقر بزر الفأرة الأيمن، والتمرير.

* مجلة «فاست كومباني»