أظهرت دراسة حديثة لباحثين من جامعة سونغكيونكوان the Sungkyunkwan University في كوريا الجنوبية، ونُشرت في مجلة طب الأنف والأذن والحنجرة «the Journal of Rhinology»، في نهاية شهر يوليو (تموز) من العام الحالي، أن استئصال اللوزتين واللحمية يرتبط بزيادة احتمالية زيارة الأطفال للمستشفى بسبب التهابات الجهاز التنفسي سواء الجزء العلوي أو الجزء السفلي.
التهابات الجهاز التنفسي
من المعروف أن التهابات الجزء العلوي من الجهاز التنفسي تُعد من أكثر التشخيصات شيوعاً في الأطفال، حيث يُعاني الأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين 0 و6 سنوات من نوبات متكررة من نزلات البرد والتهاب البلعوم واللوزتين على مدار العام. وفي الأغلب يتم شفاء معظم هذه الالتهابات بالعلاج الدوائي التحفظي، ولكن عندما تكون عدوى اللوزتين متكررة وشديدة الحدة يضطر الأطباء إلى التفكير في التدخل الجراحي وعمل استئصال للوزتين واللحمية.
على الرغم من أن استئصال اللوزتين واللحمية يُعد من أكثر العمليات الجراحية شيوعاً في الأطفال على مستوى العالم، فإن فاعليته السريرية في الحد من الإصابة بالتهابات الجهاز التنفسي الحادة لا تزال غير مؤكدة، وذلك لأن اللوزتين واللحمية عنصران أساسيان في الجهاز المناعي ويشاركان في التعرف المبكر على مسببات الأمراض وزيادة الاستجابة المناعية، وبالتالي عند الاستئصال يفقد الجسم جزءاً مهماً من قدرته على مقاومة التهابات الجهاز التنفسي.
قام الباحثون باستخدام قاعدة بيانات من المسح الوطني الشامل للسكان في كوريا، حيث تم اختيار المشاركين من الأطفال عشوائياً من هذه العينة في الفترة بين عامي 2010 و2017. وتم تحديد الأطفال الذين خضعوا لاستئصال اللوزتين واللحمية ومقارنتهم مع مجموعة ضابطة لم تخضع للجراحة، بنسبة بلغت 5 إلى 1 تقريباً حسب العمر والجنس (34 ألفاً إلى 6848 طفلاً على التوالي)، وتم تقسيم المشاركين إلى ثلاث فئات عمرية الأولى من عمر (0 حتى 4 أعوام) والثانية من عمر (5 حتى 9 أعوام) والثالثة من عمر (10 حتى 14 عاماً).
وللمقارنة بين معدل حدوث التهابات الجهاز التنفسي العلوي والسفلي بين مجموعتي الجراحة والمجموعة الضابطة، تم تقييم زيارات المستشفى المتعلقة بهذه الالتهابات خلال السنة السابقة لتاريخ بدء الدراسة، وخلال كل سنة من السنوات الثلاث التالية للجراحة.
وشملت تشخيصات التهابات الجهاز التنفسي العلوي، (التهاب الجيوب الأنفية الحاد والإنفلونزا والتهاب البلعوم الحاد والتهاب اللوزتين الحاد والتهاب الحنجرة والقصبة الهوائية الحاد، والتهاب لسان المزمار الحاد وأيضاً الالتهابات غير المحددة)، وشملت تشخيصات التهابات الجهاز التنفسي السفلي (التهاب الشعب الهوائية الحاد والتهاب القصيبات الحاد، والالتهاب الرئوي والتهابات الجهاز التنفسي السفلي غير المحددة).
وقام الباحثون بتثبيت جميع العوامل التي يمكن أن تؤثر في النتيجة النهائية، وأهمها وجود أي عدوى في الجهاز التنفسي في الفترة السابقة لإجراء الجراحة، وكذلك الظروف البيئية التي يمكن أن تسهم في زيادة الالتهابات التنفسية مثل الأماكن الرطبة سيئة التهوية.
مساوئ الاستئصال
وجد الباحثون أن مجموعة استئصال اللوزتين واللحمية كانت أكثر عرضة لزيارة المستشفى بسبب التهابات الجهاز التنفسي العلوي والسفلي مقارنة بالمجموعة الضابطة التي لم تخضع للجراحة، حيث أظهرت النتائج أن الأطفال الذين خضعوا لعملية استئصال اللوزتين واللحمية، كانت لديهم احتمالية أعلى بشكل ملحوظ للإصابة بالتهابات الجهاز التنفسي العلوي الحادة، بعد مرور فترة من الجراحة بلغت من عام إلى عامين وفي بعض الأحيان وصلت إلى ثلاثة أعوام.
كانت احتمالية الإصابة بعدوى الجهاز التنفسي السفلي الحادة أعلى بشكل ملحوظ طوال فترة المتابعة، خلال السنة الأولى بعد الجراحة، وظلت هذه الاحتمالية مرتفعة حتى ثلاث سنوات بعد الجراحة، ولم يلاحظ الباحثون وجود أي علاقة واضحة للإجراء الجراحي مع الإصابة بالإنفلونزا أو الالتهاب الرئوي.
لاحظ الباحثون ارتباط زيادة التهابات الجهاز التنفسي السفلي بعمر الطفل، حيث كانت احتمالية زيارة المستشفى المرتبطة بالعدوى التنفسية أعلى في الفئة العمرية من (0 إلى 4 سنوات)، وذلك خلال السنتين الأولى والثانية بعد الجراحة، واستمرت احتمالية الإصابة بعدوى الجهاز التنفسي السفلي مرتفعة في الفئة العمرية من (5 إلى 9 سنوات) خلال السنوات الثانية والثالثة بعد الجراحة، وانخفضت احتمالات الإصابة بالتهابات الجهاز التنفسي بشكل واضح في الفئة العمرية من (10 - 14 سنة).
والجدير بالذكر أن الارتفاع في معدل التهابات الجهاز التنفسي بعد الجراحة كان أكثر وضوحاً لدى الأطفال الذين لم يكن لديهم تاريخ إصابة سابقة بالعدوى، ما يعني أن استئصال اللوزتين واللحمية ربما يؤدي إلى ضعف المناعة، وبالتالي زيادة الإصابة بالعدوى خاصة في الفئات العمرية الأصغر.
وأكد الباحثون أن عدم انخفاض معدل الإصابة بالتهابات الجهاز التنفسي بعد العلاج الجراحي راجع إلى عدة عوامل؛ أولها عامل العمر؛ ولذلك يجب مراعاة المسار الطبيعي لهذه الالتهابات في الأطفال؛ لأن الجهاز المناعي ينضج مع النمو ويقل معدل الإصابة بهذه الالتهابات تلقائياً بمرور الوقت، لذلك يجب الانتظار حتى بلوغ الطفل عمر أربع سنوات على الأقل لإجراء الجراحة.
أوضح الباحثون أن نتائج الدراسة لا تعني بالضرورة أن استئصال اللوزتين واللحمية إجراء غير ضروري أو يسبب ضرراً صحياً، ولكن يجب على الأطباء عمل موازنة للفوائد والمضاعفات الطبية المترتبة على إجراء العملية، بحيث يصبح الإجراء الجراحي هو الحل الأخير بعد فشل العلاج الدوائي في السيطرة على التهاب اللوزتين المتكرر.
* استشاري طب الأطفال.



