أطلقت موسكو إجراءات عاجلة لتعزيز الجبهة الداخلية في مواجهة تصاعد التهديدات والاستهدافات المتواصلة على منشآت البنى التحتية الحيوية. وبعد مرور يوم واحد على توقيع الرئيس فلاديمير بوتين مرسوماً رئاسياً يضمن للدولة السيطرة على المواقع والمنشآت التي تتعرَّض لهجمات مستمرة بالمسيّرات الأوكرانية، بدأت الحكومة الروسية تبني تدابير خاصة في هذا الشأن.
وأوضح الناطق الرئاسي ديمتري بيسكوف أن المناطق التي لا تُتَّخذ فيها تدابير كافية لحمايتها سوف تشملها تحرُّكات سريعة لضمان أمن البنى التحتية، ومنع استمرار تهديدها. وقال بيسكوف إن مجلس الوزراء الروسي سيقدِّم مقترحات بشأن منشآت محدَّدة في إطار المرسوم الرئاسي المتعلق بضمان أمن البنية التحتية الحيوية.
وقال، الثلاثاء، للصحافيين: «سيتم تحليل الوضع، في المقام الأول من قبل الحكومة والجهات المعنية. وفي حال عدم اتخاذ تدابير أمنية في المناطق الحيوية، سيتم تقديم مقترحات مناسبة، تُدرس ثم تُصاغ في قرارات محددة».

وكان المرسوم الرئاسي الذي وقَّعه بوتين، مساء الاثنين، نصَّ على نقل مرافق البنى التحتية الحيوية إلى إدارة مؤقتة تشرف عليها الدولة إذا لم يلتزم مالكوها بتطبيق إجراءات فعالة لضمان أمنها. وأوضح بيسكوف، ضرورة إصدار المرسوم في إطار استراتيجية للتصدي لهجمات الطائرات المسيّرة. وأضاف: «غالباً ما لا يولي أصحاب الأعمال الاهتمام الكافي لاتخاذ التدابير الأمنية اللازمة، خصوصاً إجراءات مكافحة الطائرات المسيّرة».
وتشمل هذه المرافق وفقاً للائحة نشرتها وكالة أنباء «نوفوستي» الحكومية مراكز الخدمات اللوجيستية، ونقاط الإمداد والنقل ومرافق الوقود والطاقة، والمنشآت الصناعية، والاتصالات، والإسكان، والمرافق العامة الأخرى. وحدَّد المرسوم هذه المنشآت ضمن تعريف «مرافق البنية التحتية الحيوية في روسيا الاتحادية».
ونصَّت الوثيقة التي نُشرت على منصة القرارات الحكومية على أنه «لأغراض هذا المرسوم... تشمل مرافق البنية التحتية الحيوية مرافق الوقود والطاقة، والمنشآت الصناعية، ومرافق الاتصالات، والمرافق العامة، ومرافق النقل والخدمات اللوجيستية (بما في ذلك مرافق النقل والخدمات اللوجيستية)، ومرافق الطاقة (بما في ذلك محطات الطاقة النووية)، ومرافق دعم الحياة، والمرافق الحيوية والخطرة المحتملة، وغيرها من المرافق ذات الأهمية الخاصة لضمان أمن واستقرار روسيا الاتحادية الاقتصادي، وسبل عيش السكان».
وأوضح بيسكوف، لاحقاً، أن روسيا باتت «تواجه تهديداً واضحاً عبر استمرار هجمات بطائرات مسيّرة على منشآت البنية التحتية الحيوية، وهي منشآت بالغة الأهمية لاقتصاد بلادنا وحياتها الاجتماعية»، مشيراً إلى أنه لا يمكن السماح، في حال تقاعُس مالكي هذه المنشآت عن اتخاذ التدابير الأمنية اللازمة، بتعريض الأمن الوطني للخطر.

نشر قوات غربية
ولفت المتحدث باسم الرئاسة الروسية، الانتباه إلى التصريحات المتعلقة بنية نشر وحدات عسكرية تابعة لحلف «ناتو» في أوكرانيا، وقال إنه على الرغم من أن روسيا لا تناقش علناً الاقتراحات والأفكار التي تُقدَّم في إطار البحث عن تسوية سياسية، لكن الحديث عن نشر قوات غربية في مرحلة ما بعهد العمليات العسكرية النشطة «أمر لا يمكن القبول به على الإطلاق». وجاء حديثه في معرض التعليق على تصريحات رئيس الوزراء البريطاني أندي بيرنهام بأنَّ «تحالف الراغبين» سيجري تدريبات لإعداد وحدات لنشرها في أوكرانيا بعد التَّوصُّل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار.
وقال بيسكوف: «هذه ليست المرة الأولى التي تصدر فيها تصريحات من الغرب حول نية نشر وحدات عسكرية تابعة لحلف (ناتو) في أوكرانيا. في وقت سابق، أكدت دول (تحالف الراغبين) خططها لإرسال قوات عسكرية إلى أوكرانيا بعد انتهاء النزاع».
وزاد: «هذه قضية بالغة الأهمية وموضوع بالغ الأهمية. وقد تمَّ التعبير عن موقف موسكو من هذه القضية مراراً وتكراراً على مختلف المستويات».
ويضم «تحالف الراغبين» أكثر من 30 دولة، وقد استلهم فكرته من اقتراحات محدَّدة قدَّمتها المملكة المتحدة وفرنسا، في يناير (كانون الثاني)، عندما وقّع قادة التحالف إعلان نوايا لنشر قوات في أوكرانيا بعد إبرام اتفاقية سلام. وكان بيسكوف قد وصف سابقاً «تحالف الراغبين» بأنه «مجموعة من دعاة الحرب»، وصرَّح بأنَّه يضم مجموعة من الدول التي لا ترغب في السلام.

منطقة عازلة في دونباس
وأعرب بيسكوف في السياق ذاته عن معارضة شديدة لفكرة الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بشأن إنشاء منطقة عازلة في دونباس. وقال: «من الطبيعي أنه ليس من المعتاد مناقشة التفاصيل المختلفة التي قد تظهر في المقترحات المتعلقة بآليات عملية السلام علناً، لذا لا أرغب في القيام بذلك». لكنه أردف أن أي اقتراحات في هذا السياق من شأنها أن تؤدي إلى مزيد من تدهور الوضع. وقال إن بلاده تسعى إلى سياسة تلبي أهداف روسيا، مشيراً إلى أنَّ بلاده تواصل تحقيق أهدافها عبر العمليات العسكرية الجارية.
مدير «سي آي إيه» يزور موسكو
تعثرت المحادثات التي ترعاها الولايات المتحدة بهدف إنهاء الحرب الروسية - الأوكرانية. وأفادت وسائل إعلام أميركية بأن مدير وكالة الاستخبارات المركزية (سي آي إيه)، جون راتكليف، يزور موسكو الثلاثاء، بعد أن أظهرت بيانات تتبع للطيران توجه طائرة عسكرية أميركية إلى العاصمة الروسية. ونقلت «سي بي إس نيوز» عن مصادر مطلعة تأكيدها زيارة راتكليف، مشيرة إلى أنَّها الأولى لروسيا بصفته مديراً لوكالة الاستخبارات المركزية. كما أكد موقع «أكسيوس» الخبر بشكل منفصل نقلاً عن مسؤول أميركي. لكن لم يصدر تعليق فوري عن وكالة الاستخبارات المركزية أو البيت الأبيض.
هجوم على رموز «حزب الحرب»
وشنَّ الكرملين هجوماً عنيفاً على مَن وصفهم رموز «معسكر الحرب» في الغرب، خصوصاً، كما أشار بيسكوف، الرئيس الفنلندي ألكسندر ستوب، ورئيس الوزراء البريطاني أندي بيرنهام اللذين وصفهمها بأنهما «من أبرز مؤيدي استمرار الحرب وتصعيدها». وكان الطرفان أعربا خلال اجتماعات مجموعة «تحالف الراغبين» عن تفهم لضرورات تكثيف الهجمات على منشآت حيوية في العمق الروسي. وقال بيسكوف: «أدلى الرئيس الفنلندي بتصريحات تصعيدية. هو ورئيس الوزراء البريطاني أندي بيرنهام من أبرز مؤيدي الحرب».
في وقت سابق، وبعد اجتماع «تحالف الراغبين» في كييف، صرَّح ستوب بأنَّه يعدُّ الهجمات على شبكة «وايلدبيريز» التجارية الروسية استراتيجيةً عسكريةً معقولةً من جانب أوكرانيا. وفي يوم الاثنين، صرَّح بيسكوف بأن محاولات كييف لضرب مستودعات الشبكة لا تؤثر على ديناميكيات خطوط المواجهة. وقال بيسكوف للصحافيين: «لكننا نرى الآن أن مثل هذه التصريحات التصعيدية قد طغت. السيد ستوب هو أيضاً ممثل بارز لحزب الحرب، إلى جانب رئيس الوزراء البريطاني».

تهديد لبريطانيا
وفي السياق ذاته، حملت لهجة بيسكوف تصعيداً قوياً ضد لندن على خلفية معارضة موسكو الشديدة لخطط بريطانيا لنقل تكنولوجيا إنتاج صواريخ «سكالب» إلى كييف.
وكان مستشار في الكرملين لمَّح إلى أنَّ المصانع البريطانية التي تنتج طائرات مسيّرة لأوكرانيا قد تتعرَّض لهجمات من «مصادر مجهولة»، وذلك بعدما وافقت بريطانيا على مشاركة مخططات صواريخ بعيدة المدى مع أوكرانيا.
قال نائب وزير الخارجية الروسي السابق، أندريه فيدوروف، إنه لا يستطيع «استبعاد احتمال» تنفيذ تحرُّك «شبه عسكري» ضد بريطانيا. وقال فيدوروف: «عاجلاً أم آجلاً، قد يكون هناك رد فعل روسي تجاه المملكة المتحدة، ليس بالكلمات فقط، بل ربما يكون رد فعل ملموساً أيضاً».
وعندما طُلب منه توضيح طبيعة هذا الرد المحتمل، قال: «هناك نقاشات مختلفة حول الشكل الذي قد يتخذه، فقد يكون ما يسمى رداً تقنياً، وربما يكون هجوماً إلكترونياً من مصدر مجهول، وليس على المستوى الرسمي بالطبع». وأضاف: «وقد تكون هناك خطوات سياسية مختلفة. ولا أستطيع أن أستبعد بنسبة 100 في المائة احتمال اتخاذ بعض الإجراءات شبه العسكرية، على سبيل المثال».
وعندما طُلب منه تحديد المقصود بـ«شبه عسكري»، قال لبرنامج «نيوزنايت» على هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي): «على سبيل المثال، قد يحدث شيء ما للمؤسسات، أو للمصانع التي تنتج طائرات مسيّرة لأوكرانيا، وما إلى ذلك».
ووفقاً لبيسكوف، تتخذ القوات المسلحة الروسية إجراءات لتحديد مواقع تصنيع هذه الصواريخ وغيرها من المعدات العسكرية وتدميرها. وكان بيرنهام أعلن خلال زيارة إلى كييف عن نية موافقة حكومته على رفع السرية عن معلومات تتعلق بمكونات صواريخ بريطانية.
وقال بيسكوف: «موقف سلبي للغاية. بريطانيا تشارك في هذه الحرب إلى جانب نظام كييف. بريطانيا تُؤجّج النار بشكل منهجي ومنتظم، وتُخطط بشكل منهجي ومنتظم لعرقلة أي تقدم في عملية السلام. هذا ما تفعله بريطانيا تحديداً. قواتنا المسلحة تُجري العمل اللازم، وتجمع المعلومات الضرورية لتحديد مواقع إنتاج هذه الصواريخ، ومواقع إنتاج المعدات العسكرية الأخرى، وتتخذ الإجراءات اللازمة لتدميرها».
وفي تهديد مباشر، أكد الناطق الروسي أن «تبعات الخطوات الجارية، ورد فعل موسكو سيكونان أوسع مدى من مناطق المواجهة في أوكرانيا». وأوضح بيسكوف أن «ردود الفعل الروسية على ضربات أوكرانيا للبنية التحتية سوف تشعر بها كييف يومياً، وستكون تأثيراتها أبعد من أراضي أوكرانيا». وزاد: «الأمر الأساسي هنا، بالطبع، هو استحضار كلمات الرئيس: (لقد فتحتم صندوق باندورا، والآن احصلوا على إجابة). إن الإجابات في كييف محسوسة كل يوم، كل ليلة، وستظل محسوسة».



